Indexed OCR Text
Pages 21-40
البيعة وقال ابن عاشور: ((والمراد بقتل الأولاد منك، وإنما قال: ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ﴾؛ لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها(٣). أمران: أحدهما: الواد الذي كان يفعله أهل الجاهلية ببناتهم. والآخر: إسقاط الأجنة، وهو الإجهاض، وأسند القتل إلى النساء، وإن كان بعضه يفعله الرجال؛ لأن النساء كن يرضین به، ویسکتن عنه))(١). وقال ابن حجر: ((خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد؛ ولأنه كان شائعًا فيهم وهو وأد البنات، وقتل البنين خشية الإملاق، أو خصهم بالذّكر لأنهم بصدد ألا يدفعوا عن أنفسهم)) (٢) ﴿وَلَا يَأْتِنَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ﴾ [الممتحنة: ١٢] أي: لا تنسب إلی زوجها ولدًا لقیطًا لیس منه، تقول له: هذا ولدي منك، قال المفسرون: كانت المرأة إذا خافت مفارقة زوجها لها لعدم الحمل التقطت ولدًا ونسبته له ليبقيها عنده، فالمراد بالآية: اللقيط، وليس المراد الزنا لتقدمه في النھي صريحًا. قال ابن عباس: لا تلحق بزوجها ولدًا ليس منه، وقال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي (١) التحرير والتنوير ١٦٦/٢٨. (٢) فتح الباري ١/ ٦٤. وأوضح ذلك الزمخشري بقوله: ((كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك؛ کني بالبهتان المفتری بین یدیھا ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها کذبًا؛ لأن بطنها الذي تحمله فیه بین الیدین، وفرجها الذي تلده به بین الرجلین، فهو غير الزنا، فلا تكرار فیه»(٤). والبهتان: الكذب الذي يبهت سامعه، وخص الأيدي والأرجل بالافتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما، إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي، وكذا يسمون الصنائع الأيادي، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية، فيقال: هذا بما كسبت يداك ... ، وأصل هذا كان في بيعة النساء، ويعني: نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد أولًا، فيحتمل أن يكون المراد بين الأيدي والأرجل (القلب)؛ لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه؛ فلذلك نسب إليه الافتراء، كأن المعنى: لا ترموا أحدًا بكذب تزوّرونه في أنفسكم، ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم(٥). (٣) صفوة التفاسير، الصابوني ٣/ ٣٤٢. (٤) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٥٢٠. (٥) انظر: فتح الباري ٦٥/١. www. modoee.com ٢٧ حرف الباء دلالة عظيمة على حرص القرآن الكريم على تربية النفوس، وتهذيبها مما قد علق بها من صنائع الجاهلية المذمومة؛ ليبني مجتمعًا سليمًا من الرجال الصادقين، والنساء العفيفات، والدليل على ذلك ما قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: ((لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن»(١). ((ولعل هذا التحفّظ -بعد المبايعة على عدم الزنا- كان للحالات الواقعة في الجاهلية من أن تبيح المرأة نفسها لعدّة رجال، فإذا جاءت بولدٍ نظرت أيهم أقرب به شبهًا، فألحقته به، وربما اختارت هي أحسنهم، فألحقت به ابنها، وهي تعلم من أبوه، وعموم اللفظ يشير إلى هذه الحالة وغيرها من كلّ بهتان مزور يدّعى، ولعل ابن عباس رضي الله عنهما خصّصه بذلك المعنى لمناسبة واقعة وقتذاك))(٢). وفي هذا تأكيد على حفظ الأنساب بسدّ أبواب الزنا والافتراء، وعدم قتل الأولاد الشرعيين أو اللقطاء، أو وأد البنات خشية العار الذي انتشر في الجاهلية، وتأكيد البيعة على كلّ هذه الأمور؛ ليبني الإسلام دعائم الحياة الاجتماعية الجديدة؛ لينطلق في (١) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٤٠/٢٣. وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٠/٨. (٢) في ظلال القرآن ٣٥٤٧/٦. وفي هذه البيعة بالنسبة للرجال والنساء أرجاء الأرض داعيًا إليها، ومبشّرًا بصلاح الدنيا والآخرة حين تكون الحال، كما جاء في هذه الأركان العالية، والشروط السامية. وهذه البيعة قد بايع بها النبي صلى الله عليه وسلم النساء والرجال جميعًا؛ كما ورد في حديث عبادة بن الصامت حيث قال: قال لنا رسول الله صلی الله علیه وسلم ونحن في مجلس: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادکم، ولا تأتوا بهتان تفترونه بین أیدیکم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفّی منکم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه) فبايعناه على ذلك(٣). ٣. البيعة على السمع والطاعة بالمعروف. ومن أمثلتها ما جاء في بيعة النساء: أن النبي صلی الله عليه وسلم بایعهن على ما بايع عليه الرجال، ومن ذلك السمع والطاعة بالمعروف، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى: (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب وفودّ الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، وبيعة العقبة، ٥/ ٥٥، رقم ٣٨٩٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب الحدود كفّارات لأهلها، رقم ١٧٠٩. ٢٨ مُوسُوبَةُ الْبَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ البيعة ﴿وَلَايَعْصِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ ﴾ [الممتحنة: ١٢]. أي: ولا يخالفن أمرك فیما أمرتهن به من معروف، أو نهيتهن عنه من منكر، بل يسمعن ويطعن، وهذا نص عام في جواز أخذ البيعة من النساء على عدم العصيان في أي معروف يأمر به. وهذا القید من باب البیان وإلا فالنبي لا يأمر إلا بمعروف، وفي هذا تقريرٌ عظيم أن طاعة الرعية للحاكم بعد النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا في المعروف الذي يتّفق مع دين الله وشريعته. قال الشنقيطي في تفسيره للآية: («القید بالمعروف هنا للبيان، ولا مفهوم له؛ لأن کل ما يأمر به صلى الله عليه وسلم معروف، وفیه حیاتهن، و فيه تنبيه على أن من كان في موضع الأمر من بعده لا طاعة له إلا في المعروف)»(١). والمعروف كما قال في النهاية: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والإحسان إلى الناس، وكل ما أمر به الشرع، ونھی عنه(٢). وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما المعنى بشكل مجملٍ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِی مَعْرُوفٍ﴾ حيث قال: ((إنما هو شرط شرطه الله على النساء)) (٣). (١) أضواء البيان ٣٣٠/٥ بتصرف. (٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢١٦/٣. (٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب(إذا والطاعة بالمعروف هو مقتضى قوله: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِّ وَاَلنَّقْوَىٌّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ ﴾ [المائدة: ٢]. ومن حيث الاستطاعة من جهة المأمور فالمقصود بها أنه لا يلزم المأمور طاعة أميره فيما لا يستطيعه، ومدار أحكام الشريعة كلها على الاستطاعة، والله تعالى لا يكلّف نفسا إلا وسعها، ولا يكلّف الإنسان شيئًا لا يستطيع أداءه، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُوا اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن :. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) (٤). كما أن الاستطاعة من عدمها أمر يعلمه الله تعالى من عبده، فإن قصّر العبد في الطاعة مدّعيًا عدم الاستطاعة فإن الله تعالى يحاسبه على ذلك، فإن كان كاذبًا فالله مطلع علیه ومجازیه علیه، ويدل على ذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما حیث قال: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه جاءك المؤمنات يبايعنك)، رقم ٤٨٩٣. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ٩ / ٩٤، رقم ٧٢٨٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، ٤ / ١٨٣٠، رقم ١٣٣٧. www. modoee.com ٢٩ حرف الباء وسلم على السمع والطاعة، يقول لنا: (فيما النساء لإظهار شعائر الحزن(٤). استطعتم) (١). وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني: (فيما استطعت)(٢). وعن عبد الله بن دينار قال: لما بايع الناس عبد الملك بن مروان کتب إليه عبد الله بن عمر: ((إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فيما استطعت، وإن بني قد أقروا بذلك))(٣). وهذا المعنى الذي ذكرناه واضح في کثیر من الأدلة. وقد جاء في الرّوايات الواردة في بيعة النساء تقييد هذا الركن بالنياحة. والنياحة أمر منكر في الإسلام، ويقصد به اجتماع (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب کیف یبايع الإمام الناس، ٧٧/٩، رقم ٧٢٠٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع، رقم ١٨٦٧. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، ٩/ ٧٧، رقم ٧٢٠٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، ٧٥/١، رقم ٥٦. (٣) أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس ٩/ ٧٨ - ٧٢٠٥. فقد جاء في حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا: ﴿أَنْ لََّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْنَا﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ يدها، فقالت: أسعدتني فلانة، فأريد أن أجزيها، فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، فانطلقت ورجعت، فبايعها(٥). وقد فسّر زيد بن أسلم قوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: ((لا يخدشن وجهًا، ولا یشققن جیبًا، ولا يدعون ويلا، ولا ينشدن شعرًا)) (٦) وهذا بسبب الخوف على النساء في أول الإسلام من التمسّك بشيء من أحوال الجاهلية النكراء، كهذه الأفعال من النياحة المصاحبة للاعتراض على قدر الله عز وجل، ولشناعة هذا الفعل كان الوعيد العظيم عليه ببراءة الرسول صلى الله عليه وسلم ممن یقارفه عند المصيبة، فأكد صلى الله عليه وسلم على النهي عنه أثناء البيعة العظيمة للنساء؛ لما جبلت عليه النساء من العاطفة الجياشة، والاستسلام للضعف عند نزول المصيبة، ونسيان حكم الله، فتوعد عليه الوعيد الشديد؛ فعن أبي مالك (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٢٢٠. (٥) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب (إذا جاء المؤمنات يبايعنك)، رقم ٤٨٩٢. (٦) جامع البيان، الطبري ٣٤١/٢٣. ٣٠ مَوسُو ◌َرُ النَّسيد الْقُرآن الكَرِيمِ البيعة الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله فبايعهن على ما ذكر وما لم يذكر لوضوح أمره، وظهور أصالته. صلى الله عليه وسلم: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقوم يوم القيامة وعليها سربالٌ من قطران، ودرعٌ من جرب)(١). استغفار الرسول للمبایعات: أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن يبايع النساء أن يستغفر لهن الله تعالى، وهذا الدعاء الكريم بالمغفرة هو الجائزة العظيمة التي حصل عليها أولئك النساء المبايعات اللاتي ذكرهن ابن سعد في الطبقات الكبرى في الجزء الثامن، تسمية النساء المسلمات المبايعات، وقسمهن إلى أقسام؛ من قريش (٦٦) وغرائب نساء العرب (٥٩) والأنصاريات المسلمات المبايعات (٣٣٧) وبلغ عددهن جملة (٤٦٢)(٢). قال السعدي: ((فكان إذا جاءته النساء يبايعنه والتزمن بهذه الشروط بايعهن وجبر قلوبهن، واستغفر لهن الله فيما يحصل منهن من التقصير، وأدخلهن في جملة المؤمنين)»(٣). فقوله: ﴿فَايِعْهُنَّ﴾ أمر من المبايعة، أي: إذا جاء إليك النساء المؤمنات للبيعة فبايعهن على هذه الأمور الستة الهامة، وفي مقدمتها عدم الإشراك بالله جل وعلا ، أي: (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة، رقم ٩٣٤. (٢) الطبقات الكبرى، ٨/ ١٤. (٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٧٩٥ بتصرف. ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهَ ﴾ زيادة على ما في ضمن المبايعة من ضمان الثواب، والاستغفار طلب المغفرة للذنوب، والستر للعيوب (٤). فبايعهن الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يمد يده لبيعتهن، ولم يصافح أحدًا منهن عليه الصلاة والسلام ، فعن أميمة بنت رقيقة في قصة البيعة، وفيها: «ألا تصافحنا يا رسول الله؟!» قال: (إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة)(٥). وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: (والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط)(٦). وقد علق ابن حجر على لفظ: (فقبضت امرأة يدها)(٧) بقوله: ((وقد يؤخذ من قول أم (٤) روح البيان، إسماعيل حقي ٣٩٦/٩. (٥) أخرجه أحمد في المسند، ٤٤ /٥٥٦، رقم ٢٧٠٠٦، والنسائي في سننه، كتاب البيعة، بيعة النساء، ١٤٩/٧، رقم ٤١٨١، وابن حبان في صحيحه، باب بيعة الأئمة وما يستحب لهم، ٤١٧/١٠، رقم ٤٥٥٣، والطبراني في الكبير، ١٨٦/٢٤، رقم ٤٧١. وصححه الألباني في الصحيحة، رقم ٥٢٩. (٦) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب (إذا جاءك المؤمنات مهاجرات)، ٦/ ١٥٠، رقم ٤٨٩١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء، ١٤٨٩/٣، رقم ١٨٦٦. (٧) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب (إذا www. modoee.com ٣١ حرف الباء عطية في الحديث: (فقبضت امرأة يدها) أن بيعة النساء کانت أيضًا بالأيدي، فتخالف ما نقل عن عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: ﴿أَنْ لََّيُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ قالت: وما مسّت يدرسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة، إلا امرأة يملكها)(١)، ويحتمل أنهن کنّ یشرن بأيديهن عند المبايعة بلا مماسة))(٢). وقال النووي في شرح مسلم: «وفیه: أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف، وبيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام»(٣). فيكون الأخذ بالأيدي من باب تأكيد البيعة؛ ولهذا لما تخوّف عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاختلاف بين المسلمين قال لأبي بكر: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسطها فبايعه، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار (٤). تكرر مبايعته صلى الله عليه وسلم للنساء: جاء المؤمنات يبايعنك)، رقم ٤٨٩٢. (١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب (إذا جاءك المؤمنات مهاجرات)، ٦/ ١٥٠، رقم ٤٨٩١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء، ١٤٨٩/٣، رقم ١٨٦٦. (٢) فتح الباري، ١٣/ ٢٠٤ بتصرف. (٣) شرح صحيح مسلم بن الحجاج ١٣/ ١٠. (٤) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزناً إذا أحصنت ٨/ ١٦٨- ٦٨٣٠. قد تكرّرت مبايعة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنها كانت بيعة شرعية إيمانية أخلاقية، تتعهّد فيها المرأة بالالتزامات الإيمانية والأخلاقية، وليست بيعة ترشيح النبي صلى الله عليه وسلم للقيادة السياسية، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يفتقر إلى موافقة الأمة على قيادته، وهو النبي الخاتم، في حین کانت بيعة الرجال سیاسیةً يلتزمون فيها بالجهاد، إضافة إلى التزامهم الإيماني والأخلاقي. فإذا رأى الوالي ضرورة مشاورة النساء في أمور الدولة، أو في تأدية بعض الحقوق السياسية، أو بعض الأعمال الإدارية، إذا كانت هناك ضرورة ماسة، ولم يتضمن ذلك الأمر معصيةً لله تعالى، أو تضييعًا لنفسها، أو بيتها، أو الوقوع في الاختلاط المحرّم، المفضي إلى المفاسد العظيمة، فعلى النساء طاعته بالمعروف، مثل ضرورة الإذن بالجهاد لقتال العدو الصائل وغيره؛ لأن في ذلك مصلحةً للبلاد والعباد(٥). والمقصود أنه قد ثبت في القرآن الكريم والسنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب البيعة من أصحابه أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، وأنه أخذ منهم البيعة قبل قيام الدولة الإسلامية، وقبل الهجرة في (٥) انظر: المفصل في أحكام المرأة، عبد الكريم زيدان، ٤ /٢٩٩ - ٣٥١. ٣٢ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ البيعة موضعين، هما بيعة العقبة الأولى، وبيعة وسلم بعد فتح مكة، فقد جاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الإسلام والشهادة. العقبة الثانية، کما أخذها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة وقيام الدولة الإسلامية وتكون البيعة على كل طاعة من الطاعات، وعبادة من العبادات، كالبيعة على الهجرة والجهاد والصلاة والزكاة والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام. أكثر من مرة، فأخذها في الحديبية، حين أشیع خبر مقتل عثمان رضي الله عنه ، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ نَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَنَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. وأخذها النبي صلى الله عليه وسلم من النساء بعد الحديبية، فقد كان يبايع من تهاجر إلى المدينة، ولا يرجعها إلى مكة، كما كان يفعل بمن هاجر من الرجال، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِنَ بِبُهْتٍَِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ وَلَا يَعْصِينَكَ فِی مَعْرُوفٌٍ فَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢]. كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء بعد فتح مكة، وكانت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان من المبايعات بعد الفتح. ومن هذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة التي ذكرت نستنتج أن: البيعة متنوعة، فقد تكون على الإسلام، مثل البيعة التي أخذها النبي صلى الله عليه وقد استفاض عن رسول الله صلى الله علیه وسلم أن الناس کانوا یبايعونه تارةً على الهجرة والجهاد، وتارةً على إقامة أركان الإسلام، وتارةً على الثبات والقرار في معركة الكفار، وتارةً على التمسك بالسنة، واجتناب البدعة، والحرص على الطاعات. وقد جاء عن أنس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم یکن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: (اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة)، فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدًا، على الجهاد ما بقينا أبدًا(١). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب التحريض على القتال، ٤/ ٢٥، رقم ٢٨٣٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب وهي الخندق، ٣/ ١٤٣٢، رقم ١٨٠٥. www. modoee.com ٣٣ حرف الباء وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت(٣). قال: بایعت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عدلت إلى ظل الشجرة، فلما خف الناس، قال: (يا ابن الأكوع ألا تبايع؟!) قلت: قد بایعت یا رسول الله، قال: (وأيضًا) فبايعته الثانية، فقال الراوي عنه: يا أبا مسلم على أي شيء کنتم تبایعون يومئذٍ؟ قال: على الموت (١). وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربع مائة، فبايعنا رسول الله صلی الله علیه وسلم، وعمر آخذ بیده تحت الشجرة -وهي سمرة- وبايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت(٢). والظاهر -والله أعلم- أن ألفاظ البيعة كانت تختلف من شخص إلى شخص، وإن كانت كلها بمعنى واحد، فعدم الفرار هو الثبات حتى الموت، وهو عين ما بايع عليه سلمة رضي الله عنه، فعن یزید بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم رسول الله (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا، وقال بعضهم: على الموت، ٤ / ٥٠، رقم ٢٩٦٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، رقم ١٨٦٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، ٣/ ١٤٨٣، رقم ١٨٥٦. وقدبایع النبي صلى اللهعليه وسلم بعض الناس بيعات مخصوصة، فقد بايع بعض أصحابه على أن يقول الحق دائمًا، وأن لا يسأل الناس شيئًا، فوفوا بذلك، فكان السوط یقع من أحدهم فلا یقول لغیره: ناولنیه، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: بایعني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسًا، وأوثقني سبعًا، وأشهد الله علي تسعًا؛ أن لا أخاف في الله لومة لائم، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟) قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشترط علي: (أن لا تسأل الناس شيئًا) قلت: نعم، قال: (ولا سوطك إن يسقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه)(٤). (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، ٣/ ١٤٨٦، رقم ١٨٦٠. (٤) أخرجه أحمد في المسند، ٤٠١/٣٥، رقم ٢١٥٠٩. قال محقق المسند: ((إسناده ضعيف، لكن يشهد له قوله: (أن لا تسأل الناس شيئًا)، حديث عوف بن مالك عند مسلم ١٠٤٣)). ٣٤ مُؤْتَبُو بَرُ النَفسِير جوبين القرآن الكريم البيعة أركان البيعة من خلال التعريفات السابقة للبيعة، والتكييف الفقهي لها، يمكن أن نستنبط بسهولة أن للبيعة ثلاثة أركان: الركن الأول: (موضوع البيعة): وهو إقامة نظام الخلافة الإسلامية، وفقًا لکتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من تطبيق للحدود والأحكام، أو البيعة على فرائض الإسلام وشرائعه، والدفاع عنه. الركن الثاني: (المبايع)، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الخليفة من بعده، أو المربي، أو أمير القوم في السفر والمهمات القصيرة، وهو الطرف الذي أخذت له البيعة ليتولى منصب الخلافة، أو الإمامة، ويلقب بالأمير أو الخلیفة. الركن الثالث: (المبايع)، وهو الطرف الذي أعطي البيعة لمن يستحقها، وهم أهل الحل والعقد خاصة، والأمة الإسلامية عامة. وسنتكلم فيما يأتي عن هذه الأركان الثلاثة بالتفصيل: أولًا: البيعة: التكييف الشرعي والفقهي للبيعة أنها (عقد)، وهذا التكييف له آثار جوهرية بليغة، فمعنی کونها عقدًا: أنه يجري فيها ما يجري في العقود الشرعية من أركان: كالعاقدين، والصيغة، والشروط. وقد سبق القول أن موضوع البيعة هو إقامة نظام الخلافة الإسلامية، وفقًا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من تطبيق للحدود والأحكام التي نصت عليها الشريعة الغراء، أو البيعة على فرائض الإسلام وشرائعه، والدفاع عنه. وقد تكون على الإسلام، مثل البيعة التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، فقد جاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الإسلام والشهادة. وقد تكون على الإسلام ومكارم الأخلاق، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بین أیدیکم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفی منکم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه) فبايعناه على ذلك(١). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب بيعة النساء، ٩ / ٧٩، رقم ٧٢١٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، ٣/ ١٣٣٣، رقم ١٧٠٩. www. modoee.com ٣٥ حرف الباء وقد تكون بيعة السياسة والحرب، فعن کعب بن مالك رضي الله عنه قال: خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلی الله علیه وسلم بالعقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من نسائنا، فاجتمعنا في الشعب حتى جاءنا رسول الله ومعه العباس، قلنا: یا رسول الله على ما نبايعك؟ قال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذکم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة، فقمنا إليه رجلًا رجلًا، فأخذ علينا البيعة (١) الشروط الشرعية لها، وأما سائر الناس فالأصل وجوب البيعة على كل واحد منهم بناءً على بيعة أهل الحل والعقد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليةً)(٢). ولكن المالكية ذهبوا إلى أنه يكفي سائر الناس أن يعتقدوا أنهم تحت أمر الإمام المبايع، وأنهم ملتزمون بالطاعة له (٣). هذا بالنسبة للمبايعين من أهل الحل والعقد وسائر الناس، أما من جهة المختار ليكون إمامًا فيجب عليه قبول البيعة إن تعيّنت الإمامة، بأن لا يوجد غيره مستوفيا للشروط، فإن كان المستوفون للشروط أكثر من واحد كان قبول البيعة فرض كفاية. لأن البيعة عقد مراضاة واختيار، لا يدخله وقد تكون بيعة على الموت، كما حدث إكراه ولا إجبار، وهو عقد بين طرفين: في بيعة الشجرة في الحديبية، والبيعة تكون أحدهما: أهل الحل والعقد، وثانيهما: للرجال والنساء وللكبار والصغار على حد الشخص الذي أدّاهم اجتهادهم إلى اختياره ممن قد استوفوا شرائط الإمامة؛ ليكون إمامًا لهم، فإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار، ١. حكم البيعة. وتصفّحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدّموا للبيعة منهم أكثرهم سواء. يختلف حكم المبايعة باختلاف المبايعين، فأهل الحل والعقد يجب عليهم بيعة من يختارونه للإمامة، ممن قد استوفى (١) أخرجه أحمد في المسند، ٢٣/ ٢٢، رقم ١٤٦٥٣. قال محقق المسند: «حدیث صحیح، وهذا إسناد حسن من أجل يحيى بن سليم، وهو الطائفي)). (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ٣/ ١٤٧٨، رقم ١٨٥١. (٣) انظر: الشرح الكبير، الشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٨، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، الخطاب ٦/ ٢٧٩. مُوسُوبرا القرآن الكريم ٣٦ البيعة فضلًا، وأكملهم في تلك الشروط، ومن سمرة، وقال: بايعناه على أن لا نفرٌ))(١). يسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقّفون عن بيعته، فإذا تعيّن لهم من بين الجماعة من أدّاهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها علیه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وانعقدت ببيعتهم له الإمامة، فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته، والانقياد لطاعته، وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها، وعدل عنه إلى من سواه من مستحقّیها. ٢. مشروعية البيعة. دل على مشروعية البيعة الكتاب والسنة والإجماع: فمن القرآن قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. والآية تدل أن مبايعة المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم إنما هي في الحقيقة مبايعة لله تبارك وتعالى ؛ فيده سبحانه فوق أيديهم، والمراد بالمبايعة في الآية: بيعة الرضوان بالحديبية، وقد أنزل الله تعالى فيمن بايعه فيها قوله جل شأنه: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحَاقَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: ((كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي ومما يدل على مشروعية البيعة قوله سبحانه في بيعة النساء: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِّعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِلّهِ شَيْئًا وَلَّا يَشْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْ لَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِ يِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اَللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢]. وهذا لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاءه نساء أهلها يبايعنه فأخذ عليهن: أن لا يشركن ... إلخ. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كانت المؤمنات إذا هاجرن إلی رسول الله صلی الله علیه وسلم يمتحنّ بقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَآءََ اٌلْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] .. إلى آخر الآية، قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة)(٢). وقالت أم عطية رضي الله عنها: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، ٣/ ١٤٨٣، رقم ١٨٥٦. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي، ٧/ ٤٩، رقم ٥٢٨٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء، ٣/ ١٤٨٩، رقم ١٨٦٦. www. modoee.com ٣٧ حرف الباء جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا الدين بالضرورة، وعدم نصب خليفة أو حاكم مسلم سيورث الإضرار والفوضى والاختلاف والتنازع. عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام على الباب، فسلّم، فرددن عليه السلام، فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكنّ: أن لا تشركن بالله شيئًا، فقلن: نعم)(١). ومما يدل مشروعية البيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ البيعة من الصحابة في مواقف كثيرة، وعلى أمور مختلفة، كما في بيعة العقبة الأولى حيث بايع المسلمون الرسول صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء قبل أن تفرض عليهم الحرب، وفي بيعة العقبة الثانية، وفي بيعة الرضوان، وغيرها من البيعات. كما دل على مشروعية البيعة الإجماع، فقد أجمع الفقهاء في الجملة على وجوب بيعة المسلمين لإمام لهم يمثلهم، ويقوم على أمورهم؛ حتى لا تذهب ريحهم، ويتولى أمر البيعة في بادئ الأمر بعض وجهاء المسلمين من أهل الحل والعقد، الذين يختارون الإمام الصالح بحسب اجتهادهم ومشورتهم، ثم يدعون عموم الناس لمبايعته، فقد قال الإمام النووي: «أجمع العلماء على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة))(٢). فالبيعة لخليفة المسلمين أمر معلوم من (١) أخرجه أحمد في المسند، ٣٩٤/٣٤، رقم ٢٠٧٩٧. (٢) شرح صحيح مسلم بن الحجاج ١٢/ ٢٠٥. مُوسُو ◌َرُ النَّسِيقِ الوضوء العشرَآن الكَرِيْمِ ٣. الفرق بين مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم ومبايعة غيره. إن موضوع بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم يقتصر على التزام المبايعين وتعهّدهم بالسمع والطاعة، وخاصةً الالتزام بما بايعوا علیه، أما تعيينه صلی الله عليه وسلم للإمامة فإنما كان ذلك بالوحي، وأما بيعة غيره فهي التزام من كل من الطرفين، فهي من أهل الحل والعقد التزام للإمام بالسمع والطاعة، والإقرار بإمامته، والتزام من المبايع بإقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة، ويترتّب على البيعة إذا تمّت على الوجه المشروع انعقاد الإمامة لمن بايعه أهل الحل والعقد، وأما سائر الناس غير أهل الحل والعقد فعليهم أن يبايعوه بعد ذلك تبعًا لأهل الحل والعقد. ٤. أثر البيعة في انعقاد الإمامة. اختيار أهل الحل والعقد للإمام، وبيعتهم له، هي إحدى طرق التولي، بل هي الأصل في انعقاد الإمامة، وأهل الحل والعقد هم العلماء وجماعة أهل الرأي والتدبير، الذين اجتمع فيهم العلم والأمانة والعدالة والرأي. والأصل في البيعة أن تكون على الكتاب ٣٨ البيعة والسنة، وإقامة الحق والعدل من قبله، وعلى السمع والطاعة في المعروف من قبلهم، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يلقنهم قيد الاستطاعة عند المبايعة، وقد بايعوه أيضًا على الإسلام، وعلى الهجرة، وعلى الجهاد، وعلى الصبر وعدم الفرار من القتال، وعلى بيعة النساء المنصوصة في القرآن. وهذه الطريق هي إحدى الطرق الصحيحة عند أهل السنة لتولي الخلافة، وتنعقد الإمامة أيضًا بالتغلب، أو أن يجعل الخليفة الأمر شورى بين أهل الحل والعقد. ٥. البيعة العامة. البيعة قد تكون بيعة عامة كبرى، تعطى لإمام المسلمين الذي اجتمع عليه الناس كلهم، لاستيفاء شروط الإمامة، أو لكفاءته أكثر من غيره، أو لتغلبه، وهذا النوع هو المقصود عند إطلاق لفظ البيعة، ففى بيعة المتغلب قال الإمام الشاطبي: ((قيل ليحيى بن يحيى: البيعة مكروهة، قال: لا، قيل له: فإن کانوا أئمة جور، فقال: قد بایع ابن عمر لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذ الملك، أخبرني بذلك مالك عنه أنه کتب إليه: أقر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة رسوله))(١). وهذه البيعة العامة لا تكون إلا بمبايعة (١) الاعتصام، ٢/ ١٢٨. أهل الحل والعقد للمرشح للإمامة، وعليه فإن أداءها واجب على الأمة كافة، ويعدّ من نقضها باغيًا، والتارك لها من غير تأول يموت ميتة جاهلية؛ لحديث رسول الله صلی الله عليه وسلم: (ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(٢). وقوله: (مات ميتة جاهلية) أي: مات كميتة أهل الجاهلية، وليس أنه مات على الكفر، كما فهمه بعضهم، قال النووي رحمه الله: ((أي: على صفة موتهم، من حيث هي فوضی لا إمام لهم»(٣). وقال ابن حجر رحمه الله: ((والمراد بالميتة الجاهلية - وهي بكسر الميم -: حالة الموت، كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرًا، بل يموت عاصيًا)) (٤). وهذه البيعة لا تقبل التعدد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)(٥). (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ٣/ ١٤٧٨، رقم ١٨٥١. (٣) شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ١٢/ ٢٣٨. (٤) فتح الباري ٥/١٣. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب إذا بويع لخليفتين، ١٤٨٠/٣، رقم ١٨٥٣. www. modoee.com ٣٩ حرف الباء الطاعة إذا ما طرأ على الإمام الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله تعالى البرهان، أو طرأ عليه أمر يعجز معه عن القيام بأعبائها کالجنون ونحوه، کما هو مفصل في کتب الفقه والسياسة الشرعية (١). وقد تكون البيعة بيعة صغرى جزئية خاصة، وللعلماء في هذا النوع من التحالف والعهد تفصيل: فإذا كان موضوع التحالف مخالفًا للشرع فالعهد باطل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن اشترط مائة شرط؛ شرط الله أحق وأوثق)(٢) وإذا كان العقد على أمر شرعي كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويكون العهد على طاعة من يرتضونه لعلمه، أو كفايته، فقد سوغها بعض العلماء. وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية مشروعية هذا التعاهد، فقال: «ولکن یحسن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي (١) انظر مسببات العزل في: الأحكام السلطانية، الماوردي ص ١٧ - ٢٠. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب البيع والشراء مع النساء، ٣/ ٧١، رقم ٢١٥٥، ومسلم في صحيحه، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، ٢ / ١١٤١، رقم ١٥٠٤. (٣) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢١. (٤) أخرجه أحمد في المسند، ١١/ ٢٢٧، رقم ٦٦٤٧. (٥) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٩٠. ٤٠ جَوَسُورَةُ النَّهِ القرآن الكريم وتنخرم هذه البيعة، ويسقط واجب من والى الله ورسوله، وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوى، ولا تعاون على الإثم والعدوان، وإن کان الحق معي نصرت الحق، وإن كنت على الباطل لم تنصر الباطل، فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى الذين یریدون أن یکون الدین کله لله، وتکون كلمة ٦. البيعة الخاصة. الله هي العليا))(٣). وقد علّق شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة، إلا أقروا عليهم أحدهم)(٤) بقوله: «فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة»(٥). فتأمير الأمير وأخذ البيعة له أمر فطري، ونجد أنه كانت هناك إمارات تتم في ظروف خاصة لمهام خاصة، مثل: إمارة الحج، وإمارة السفر والقتال، ومنها: تأمير خالد بن الوليد في مؤتة، والأمر في هذه الإمارات والبيعات يتم بصورة طبيعية لا يفهم منها البيعة أنها تحل محل الإمارة أو البيعة العامة. فالناس لهم أن يتعاهدوا على فعل أي طاعة من الطاعات، كالجهاد أو الدعوة، أو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو إغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم وهكذا، فلا يشترط لصحة هذه البيعات أن تكون على إقامة أحكام الإسلام كلها، وهذا أيضًا قد سبق بيانه فيما سقناه من أدلة. ٧. كيفية البيعة. كيفيّتها أن يقول كل من أهل الحل والعقد المبايعين لمن يبايعونه بالخلافة: قد بايعناك على إقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة، ولا يحتاج ذلك إلى صفقة اليد، إلا إذا اقتضى الأمر التأكيد، كما حصل في مبايعة أبي بكر رضي الله عنه حين تخوّف عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاختلاف بین المسلمین، قال لأبي بكر رضي الله عنه: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبایعه، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار(١). وكانت البيعة على عهد رسول الله صلی الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين بالمصافحة، وبيعة النساء بالكلام، وما مست يده الكريمة صلی الله عليه وسلم يد امرأة لا یملکھا، فیقول لمن يبايعه: بایعتك، (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، ٨/ ١٦٨، رقم ٦٨٣٠. أو أبايعك على السمع والطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره(٢). فلما ولي الحجاج رتّبها أيمانًا تشتمل على اليمين بالله والطلاق والعتاق وصدقة المال، قال ابن القيم: «ومن هذه الالتزامات التي لم يلزم بها الله ولا رسوله لمن حلف بها، الأيمان التي رتّبها الفاجر الظالم الحجاج بن يوسف، وهي أيمان البيعة ... ، فأحدث الحجاج في الإسلام بيعة غير هذه تتضمن اليمين بالله تعالى، والطلاق، والعتاق، وصدقة المال، والحج))(٣). والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولة هو الخليفة، وأما في الأقاليم فقد يأخذها الإمام، وقد يأخذها نواب الإمام، كما حدث في بيعة الصديق رضي الله عنه ، فأهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة. ٨. نقض البيعة. البيعة عهد وموثق يعطيه المسلم طائعًا مختارًا لربه، مستسلمًا لمشيئته، مدافعًا عن دينه، فإذا كانت البيعة على الإسلام، فعهدهم أن لا يشركوا بالله شيئًا، وإذا كانت البيعة على الجهاد فعهدهم أن يبذلوا أنفسهم حمیة لدینھم لا لأنفسهم حتی تکون كلمة الله هي العليا، وإذا كانت البيعة على النصرة فعهدهم أن يسمعوا ويطيعوا للقيادة (٢) إعلام الموقعين، ابن القيم ٣/ ٦٢. (٣) المصدر السابق. www. modoee.com ٤١ حرف الباء المؤمنة، وأن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن ربه ومولاه، ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المنكر، وأن لا ينازعوا الأمر أهله. وقد حرّم الشرع على المسلم إذا بايع الإمام أن ينقض بيعته، أو يترك طاعته، إلا لموجب شرعي يقتضي انتقاض البيعة، كردة الإمام، فإن نقض البيعة لغير ذلك فهو حرام، وقد ورد النهي عنه في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَ نَفْسِهُِّ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَنْهَدَ عَلَيْهُ اَللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ١٠]. فذكر الله سبحانه وتعالی بیعتهم لرسوله، وأكدها بكونها بيعة له سبحانه، وأن يده تعالی کانت فوق أیدیھم؛ إذ کانت ید رسول الله صلی الله عليه وسلم كذلك، وهو رسوله ونبیه، فالعقد معه عقد مع مرسله، وبیعته بیعته، فمن بایعہ فکانما بایع الله، وید الله فوق يده، ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة إنما يعود نکثه على نفسه، وأن للموفي بها أجرًا عظيمًا، فكل مؤمن قد بايع الله على لسان رسوله بيعة على الإسلام وحقوقه، فناكث وموف، ثم ذكر حال من تخلف عنه من الأعراب، وظنهم أسوأ الظن بالله أنه یخذل رسوله وأولياءه وجنده، ویظفر بھم عدوهم، فلن ينقلبوا إلى أهليهم؛ وذلك من جهلهم بالله وأسمائه وصفاته، وما یلیق به، وجهلهم برسوله وما هو أهل أن يعامله به المؤمنين بدخولهم تحت البيعة لرسوله، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذٍ من الصدق والوفاء، وكمال الانقياد والطاعة، وإيثار الله ورسوله على ما سواه، فأنزل الله السكينة والطمأنينة والرضا في قلوبهم، وأثابهم على الرضا بحكمه والصبر لأمره فتحًا قريبًا، ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان أول الفتح والمغانم فتح خيبر ومغانمها، ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى انقضاء الدهر (١). فبيعة إمام المسلمين واجبة على كل مسلم، لا يسع أحد التنصل منها أو الخروج عليها ألبتة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وستكون خلفاء فتكثر)، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: (فوا ببيعة الأول فالأول)(٢). وقال صلى الله عليه وسلم: (من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع)(٣). فأمر بالوفاء ببيعتهم وطاعتهم، وذم من (١) زاد المعاد، ابن القيم ٢٧٧/٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ٤/ ١٦٩، رقم ٣٤٥٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، رقم ١٨٤٢. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ٣/ ١٤٧٢، رقم ١٨٤٤. مُوسُو ◌َةُ النَِّّ القرآن الكريم ٤٢ البيعة لم يبايع في قوله صلى الله عليه وسلم: بالأصل. (ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية)(١). وأمر بلزوم هذه البيعة في قوله صلى الله عليه وسلم: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)(٢). وقد قال أحمد بن حنبل رحمه الله: ((ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن یبیت ولا يراه إمامًا علیه، بًّا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين)» (٣). أما بيعات الناس وعهودهم على الطاعات فلا تجب إلا على من دخل فيها برضاه، فتجب عليه بالعهد الذي ألزم به نفسه، كأن يتعاهد اثنان على حفظ القرآن أو بعضه، فحفظ القرآن ليس بواجب على كل مسلم من حيث الأصل، أما إذا عاهد غيره عليه فقد وجب عليه الحفظ بالعهد لا (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ٣/ ١٤٧٨، رقم ١٨٥١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ٩/ ٥١، رقم ٧٠٨٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ٣/ ١٤٧٥، رقم ١٨٤٧. ثانيًا: المبايع: المبايع هو الركن الثاني من أركان البيعة، وهو الرسول أو الإمام، أو المربي، أو أمير القوم في السفر والمهمات القصيرة، فالإمام يبايع على الحكم بالكتاب والسنة، والخضوع التام للشريعة الإسلامية عقيدة وشريعة، ونظام حياة، والأمة تبايع على الخضوع والسمع والطاعة للإمام في حدود الشريعة. فعملية البيعة أو المبايعة هي في جوهرها وأصلها عقدٌ وميثاق بين طرفين: الأمير، أو الإمام المرشح لرئاسة الدولة، والجمهور، أما هو فيبايع على الحكم بالكتاب والسنة والنصح للمسلمين، وأما الجمهور المبايع فعلى الطاعة في حدود طاعة الله ورسوله (٤). وهذا يعني أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الإسلام من الأحكام الشرعية، لا يحق لأحدهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد الخروج على أحكام الشريعة، أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنة، أو القواعد العامة في الشريعة، ويعد فعل مثل ذلك خروجًا على الإسلام، بل إعلان الحرب على النظام العام للدولة الإسلامية، بل أبعد (٣) الأحكام السلطانية، أبو يعلى الفراء، ص ٢٠- (٤) انظر: نظام الإسلام الحكم والدولة، محمد المبارك، ص ٣٠ بتصرف. ٢٣. www. modoee.com ٤٣ حرف الباء من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهم صفة الإيمان، حيث قال: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ﴾ [النساء: ٦٥]. وَيُسَلِّمُواْ نَسَلِيمًا ونلحظ أن عقد البيعة يتضمن -دائمًا- الشروط التي قبل المسلمون بمقتضاها تولية الحاكم، فقد كان الخليفة أو الإمام يعلن عن هذه الشروط، وإن اعتبرت معلنة ضمنًا بعد عصر الخلافة الراشدة، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول بعد أن بايعه المسلمون بالخلافة: ((أما بعد: أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)) (١). ومن هذا الخطاب نستنتج أن البيعة لا تعطي الحاكم سلطة مطلقة كما يعتقد بعضهم، وإنما سلطات مقيدة، فالخليفة -أولًا: ملتزم بتنفيذ أحكام الشريعة ((أطيعوني ما أطعت الله ورسوله))، والمسلمون لهم حق المراقبة لأعمال الحاكم ((فإن أسأت (١) انظر: تاريخ الأمم والملوك، الطبري ٢٣٨/٢، السيرة النبوية، ابن هشام ٦ / ٨٢. فقوموني))، بل لهم أن يعزلوه إن أساء وخالف أحكام الإسلام، وهناك إعلان آخر هام بالمساواة بين عناصر الأمة، وتطبيق العدل بين كل الناس، بصرف النظر عن قوة المحكوم أو ضعفه ((والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعیف حتى آخذ الحق منه)). ١. شروط المبايَع. كما أنه يشترط لأهل الحل والعقد شروط يجب توافرها فيهم؛ كالأمانة والعدل وحسن الرأي، فكذلك للخليفة المبايع شروط يجب توافرها فيه، وبعض هذه الشروط مختلف فيها، وبعضها الآخر متفق عليه، فشرط الإسلام لم يختلف عليه أحد من أهل العلم؛ لأن مقتضى البيعة تطبيق شرع الله تعالى، وإقامة الحدود، وحراسة الشغور، فکیف سيطبق كافرٌ شرع الله تعالى، ويقوم بهذه الأعمال؟! بل إن كان مسلمًا وطرأ عليه الكفر فإنه يعزل لكفره. قال ابن حزم رحمه الله في بيان شروط الإمامة: ((وأن يكون مسلمًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١]. والخلافة أعظم السبيل؛ ولأمره تعالى بإصغار أهل الكتاب، وأخذهم بأداء الجزية))(٢). (٢) الفصل في الملل والأهواء والنّحل، ١٢٨/٤. موس عَرَ النَفيِ العضو القرآن الكريم ٤٤ البيعة وقال النووي رحمه الله: ((قال القاضي: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل)) (١). وفي بيعة الإمامة يجب أن يكون المبايع له مستوفيًا لشرائط الإمامة من قرشية وغيرها، وقد تستثنى بعض الشروط لمن غلب بالقهر، أما في بیعات الناس وعهودهم على الطاعات فلا تلزم هذه الشروط؛ لأنها بیعات خاصة، فقد یبایع الناس من ليس بقرشي ولا مجتهد ولا حر، وهذا مستفاد مما جاء من الأدلة. ولكي تكون البيعة واقعة على الوجه الصحيح لا بد من توافر بعض الشروط، وهي: ١. أن تجتمع في المأخوذ له البيعة الشروط المطلوبة في الإمام، وعلى هذا فلا تنعقد الإمامة لواحد فقد شرطًا من الشروط إلا في حال الضرورة، غير شرط الإسلام فإنه لا يسقط. ٢. أن يكون الذين عقدوا البيعة للإمام هم أهل الحل والعقد، فإذا عقدها له غیرهم فلا تنعقد، يقول شمس الدين الرملي: ((أما بيعة غير أهل الحل والعقد من العوام فلا عبرة بها)»(٢). ٣. أن يقبل الشخص الذي عقدوا له الإمامة (١) شرح صحيح مسلم، ٢٢٩/١٢. (٢) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ٧/ ٤١٠. هذا المنصب، يقول الإمام النووي: ((ويشترط لانعقاد الإمامة أن يجيب المبایع، فإن امتنع لم تنعقد إمامته، ولم يجبر عليها، إلا أن لا يكون من يصلح إلا واحد، فيجبر بلا خلاف))(٣). ٤. الإشهاد على البيعة، وهو شرط اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أن البيعة لا تحتاج إلى إشهاد؛ لأنه لم يقم دليل من السمع على وجوب الإشهاد؛ ولا يوجب العقل ذلك، وممن قال بهذا الرأي إمام الحرمين الجويني، حيث قال: «ثم ربما كان الأمر ينجر إلى إنكار وجحود، ونزاع في مقصود، ومس الحاجة إلى شهود، وقد ندبنا إلى الإشهاد على البيوع ... ، والمسألة مظنونة مجتهد فيها)) (٤). الثاني: وجوب الإشهاد عليها؛ وذلك لأنه لو لم يجب الإشهاد لم نأمن أن يدعي أناس انعقاد الإمامة لهم سرًّا، فيؤدي إلى الهرج والفتنة، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني(٥). الثالث: ينظر إلى عدد العاقدين، فإن كانوا جمعًا لم يشترط الإشهاد، وإن کان العاقد واحدًا اشترط ذلك، وممن ذهب إلى ذلك الإمام النووي رحمه (٣) روضة الطالبين ٣/ ٤٣٤. (٤) غياث الأمم ص٧٤. (٥) المصدر السابق ص ٧٣. www. modoee.com ٤٥ حرف الباء الله حيث قال: ((قلت: الأصح: لا أمر بمعصية الله فلا يطاع؛ لقوله: (لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف) (٤). يشترط إن كان العاقدون جمعًا، وإن كان واحدًا، اشترط الإشهاد))(١). ٥. ألا يقارن هذا العقد عقد لآخر؛ فلا يجوز أن تعقد الإمامة لأكثر من واحد، وقد أجمع العلماء أنه لا يصح أن تعقد البيعة لأكثر من إمام، سواء أكان ذلك التعدد حاصلًا بطريق الصدفة والاتفاق؛ أم غير ذلك، قال إمام الحرمين: ((إن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد؛ متضايق الخطط والمخالف غير جائز، وقد حصل الإجماع عليه))(٢). وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)(٣). والمقصود أنه يشترط في المختار عشرة أوصاف: أن یکون ذكرًا، حرًّا، بالغًا، عاقلًا، مسلمًا، عدلًا، شجاعًا، عالمًا، كافيًا لما يتولاه من سياسة الأمة ومصالحها، فإذا اختاروه على هذه المواصفات فقد تمت البيعة له من قبل الأمة، ولزمهم طاعته، وتنفيذ ما أمر به، وترك ما نھی عنه، إلا إذا (١) روضة الطالبين ٤٣/١٠. (٢) الإرشاد، الجويني ص ٤٢٥. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب إذا بويع لخليفتين، ١٤٨٠/٣، رقم ١٨٥٣. ٢. دوام البيعة له. بيعة الإمام دائمة لا تنقطع إلا إذا مات الإمام، أو طرأ عليه سبب يوجب العزل من نقص في الدين، أو نقص مؤثر في البدن (٥). ثالثًا: المبايع : الركن الثالث للبيعة هو المبايع، وهو الطرف الذي أعطي البيعة لمن يستحقها، وهم صنفان: أهل الحل والعقد خاصة. الأمة الإسلامية عامة. ولهذا فالبيعة نوعان: بيعة خاصة: يقوم بها أهل الحل والعقد، الذين يختارون فيما بينهم واحدًا يكون أصلح الموجودين لتولي الإمارة، بحيث يتم الاختيار بحرية تامة دون إكراه. بيعة عامة: وتأتي بعد البيعة الخاصة، وتكون عامة لكل الناس يأخذها الخليفة، أو الأمير بنفسه، أو من ينيبه عنه، وهي عبارة (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة، ٨٨/٩، رقم ٧٢٥٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، ١٤٦٩/٣، رقم ١٨٤٠. (٥) انظر مسببات العزل في: الأحكام السلطانية، الماوردي، ص ١٧ - ٢٠. جَوَسُوبَةُ النَّة القرآن الكريم ٤٦