Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ البَّغَةُ عناصر الموضوع مفهوم البيعة ٨ البيعة في الاستعمال القرآني ٩ الألفاظ ذات الصلة ١٠ منزلة البيعة ومجالاتها ١٢ أركان البيعة ٣٥ آثار البيعة ٤٩ المُجَلََّ الثَّامِنْ حرف الباء مفهوم البيعة أولًا: المعنى اللغوي: أصل مادة (بيع) تدل على بيع الشيء، وربما سمي الشراء بيعًا، والمعنى واحد (١). والبيعة: بفتح الباء، مصدر من بايع يبايع بيعةً ومبايعةً، يقال: بايعه مبايعةً، وبياعًا: عقد معه البيع. وبايع فلانًا على كذا: عاهده وعاقده عليه، وبذل العهد على الطاعة والنصرة، وكأنّ كل واحد من المتبايعين باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، ودخيلة أمره(٢)، وتبايعا: عقدًا بيعًا أو بيعةً(٣). والمقصود أن البيعة في مفهومها اللغوي: إعطاء شيء مقابل ثمن معين، أو إعطاء العهد بقبول ولاية أو خلافة (٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرّف العلماء البيعة قديمًا وحديثًا بتعاريف عدة، فعرّفها المناوي بقوله: ((البيعة - بالفتح- بذل الطاعة للإمام)» (٥). وعرّفها ابن الأثير بقوله: ((البيعة: المعاقدة على الإسلام والإمامة والإمارة، والمعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق))(٦). ومن التعاريف الجامعة تعريف ابن خلدون، حيث قال: ((البيعة: العهد على الطاعة لولي الأمر))، ثم شرح هذا التعريف قائلًا: ((كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلّفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير، وعقدوا عهده جعلوا أیدیھم في يده تأکیدًا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي، هذا مدلولها في اللغة ومعهود الشرع))(٧). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٢٧/١. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٢٦/٨. (٣) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٧٩. (٤) انظر: المعجم العربي الأساسي، جماعة من كبار اللغويين العرب، ص١٨٨. (٥) التوقيف ص ١٥٣. (٦) جامع الأصول ١/ ٢٥٢. (٧) تاريخ ابن خلدون ٢٠٩/١. ٨ جوبيبو القرآن الكريمِ البيعة البيعة في الاستعمال القرآني وردت مادة (بايع) في القرآن الكريم (٧) مرات(١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ ﴿فَاسْتَبْشِرُ واْبِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] الفعل المضارع ٤ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] فعل الأمر ١ ﴿فَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَمُنَّ اللَّهَ﴾ [الممتحنة: ١٢] المصدر ١ ﴿فَاسْتَبْشِرُ واْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] وجاءت البيعة في الاستعمال القرآني بمعناها في اللغة وهو: اسم مرَّة من بَايَعَ السلطان: إذا تضمن بذل الطاعة له (٢) (١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص ١١٧. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٥٥. www. modoee.com ١٩ حرف الباء الألفاظ ذات الصلة الشراء: ١ الشراء لغةً: الشين والراء والحرف المعتل، له أصولٌ ثلاثة: أحدها يدلّ على تعارضٍ من الاثنين في أمرين أخذًا وإعطاءً مماثلةً، تقول: شريت الشيء واشتريته: إذا أخذته من صاحبه بثمنه، وربما قالوا: شريت: إذا بعت (١). الشراء اصطلاحًا: هو إعطاء الثمن، وأخذ المثمّن(٢). الصلة بين البيعة والشراء: الشراء والبيع متلازمان، فالمشتري دافع الثمن وآخذ المثمن، والبائع دافع المثمن، وآخذ الثّمن، والعلاقة بينهما عكسية، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده؛ جعلوا أيديهم في يده تأكيدًا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي. العهد: ٢ العهد لغةً: هو الموثق الذي يعطيه الإنسان لغيره، ويقال: عهد إليه، أي: أوصاه. فهو: التزام بين اثنين، أو أكثر على شيء يعامل كل واحد من الجانبين الآخر به، وسمي عهدًا لأنهما يتحالفان بعهد الله، أي: بأن يكون الله رقيبًا عليهما في ذلك (٣). العهد اصطلاحًا: قال الراغب: ((العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال))(٤). الصلة بين البيعة والعهد: البيعة هي عهدٌ على الالتزام بطاعة ولي الأمر، كما ذكر في التعريف الاصطلاحي. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٦/٣. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٧. (٣) التحرير والتنوير ١/ ص٢٨١٩. (٤) المفردات ص٥٩١. مَوَسُوبَةُ التَّقِين القرآن الكريم ١٠ البيعة العقد: ٣ العقد لغةً: يقال: عقد الحبل والبيع والعهد يعقده: شدّه، وعاقدته عقدًا، مثل عاهدته عهدًا، وتعاقدوا: تعاهدوا، من العقد وهو العهد(١)، العقد اصطلاحًا: قال الجرجاني: ((العقد: ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول شرعًا))(٢)، ومنه سمي عقد البيع، أو عقد الزواج عقدًا؛ لأنه يعقد ويربط بين طرفين (٣). الصلة بين البيعة والعقد: البيعة هي عقدٌ بين الإمام والرعية يتم بموجبه نصرة الإمام على من يخرج عليه؛ حفاظًا على وحدة الأمة، وتماسك بنيانها أمام الأعداء في داخل الدولة الإسلامية وخارجها مقابل التزام الإمام بتنفيذ شرع الله تعالى، ويدل عليه كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه في خطبة مبايعته، وفيها: أطيعوني ما أطعت الله فيكم. (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٣٠٠، تاج العروس، الزبيدي ٤٠١/٨. (٢) التعريفات ص١٥٣. (٣) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي ٣١٧/١، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ٢٥٥/١، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٦١٤/٢. www. modoee.com حرف الباء منزلة البيعة ومجالاتها أولًا: منزلة البيعة: البيعة مصطلح شرعي ذكره القرآن في أكثر من موضع، وجاء في السنة كثيرٌ من الأحاديث في شأن البيعة، وأفردت کتب الحديث بابًا خاصًّا للبيعة، فقد بوّب البخاري باب: البيعة على إقام الصلاة، وباب: البيعة على إيتاء الزكاة، وباب: البيعة في الحرب أن لا يفروا، وفي مسلم باب: البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع. وبوّب ابن ماجه باب: البيعة، وفي موطأ مالك باب: البيعة على الجهاد، وبوّب النسائي باب: البيعة على أن لا ننازع الأمر أهله، وباب: البيعة على القول بالحق، وباب: البيعة على الصلوات الخمس، وهكذا. مما يدل على أهميتها في النظام السياسي والاجتماعي في الإسلام. وبالنظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد أن البيعة قد تمت في المجتمع الإسلامي قبل أن يتحول إلى دولة في المدينة بين الرسول صلى الله عليه وسلم ونفر من الأنصار، كما حصل في بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية، وكان موضوع البيعة الأولى هو إقناع طائفة من الأنصار بالإسلام، ودخولهم فيه، وكان موضوع البيعة الثانية هو مناصرة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتأييدهم لدعوته، ومنع أي اعتداء يقع عليه؛ ثم حصلت البيعة بعد أن قامت دولة الإسلام في المدينة، مما يدل على أهمية البيعة في الإسلام في بناء الدولة، ومناصرة الإسلام، واجتماع الكلمة. ثم بعد ذلك صار عقد البيعة الأساس الضروري لشرعية الحكم الإسلامي، حیث يختار أهل الحل والعقد من يرونه صالحًا من المسلمين لتولي أمورهم، ثم يبايعونه على الإمارة، وبعد ذلك يقوم المسلمون جميعًا بالمبايعة؛ لذلك كان كل الحكّام في تاريخ الدولة الإسلامية يحرصون على الحصول على البيعة حتى لو كانت إمارتهم قد تمت بالاستيلاء والمغالبة، فقد اعتبرت البيعة السند الشرعي لأي حاكم يختار من المسلمين لحكم الدولة الإسلامية. ولأهمية أمر البيعة في المنظور الحضاري الإسلامي نجد أن القرآن الكريم يشير إليها في أكثر من موضع، حيث يقول تعالى في سورة الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُّبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ ﴾ [الفتح: ١٠]. وفي السورة ذاتها يقول: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَتَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. كما أشار القرآن الكريم إلى بيعة النساء، جوسبور القرآن الكريم ١٢ البيعة فقال تعالى: ﴿فَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهَ إِنَّ وهما ابنا سبع سنين، فلما رآهما رسول الله اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢]. وفي ذلك دلالة على أهمية دورهن الفاعل في بناء الحضارة الإسلامية، وخدمة الإسلام ومناصرته. ومما يدل على أهمية البيعة: أن البيعة بدأت منذ فجر الحضارة الإسلامية؛ حيث بايع النبي صلى الله عليه وسلم صحابته أكثر من بيعة: كبيعتي العقبة الأولى والثانية، وكذلك بيعة الرضوان. وكانت طوائف المسلمين كلها تبايعه صلی الله عليه وسلم ، فمن الرجال الذين بایعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد لا يمكن حصره، ومن النساء العدد الجمّ، وقد أحصى الإمام ابن الجوزي عدد من بايع النبي صلى الله عليه وسلم من النساء، فبلغن (٤٥٧) امرأة (١)، وبايعهن كلهن بالكلام، كما سيأتي. بل وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع الأطفال، حيث بايع عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ، وهو ابن سبع سنين. فقد أخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أنهما بايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) انظر: تلقيح فهوم أهل الأثر، ابن الجوزي ص٢٣٤، فقد ذكر المبايعات له صلى الله عليه وسلم لا في خصوص يوم الفتح على حروف المعجم. صلى الله عليه وسلم تبسّم، وبسط يده، فبايعهما(٢) وخرّج البيهقي في دلائل النبوة عن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن أباه الأسود حضر النبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس يوم الفتح، قال: جلس عند قرن مسفلة (٣)، قال: وقرن مسفلة الذي إليه بیوت ابن أبي ثمامة، وهو دار ابن سمرة وما حولها، قال الأسود: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم جلس إليه فجاءه الناس الصغار والكبار، والرجال والنساء، فبايعوه على الإسلام والشهادة (٤). وهذا يدل على أن الحضارة الإسلامية حضارةٌ بنّاءة، فهي تعي قيمة أفرادها، وضرورة مشاركتهم في الأحداث المحيطة بهم، ومن ثمّ وجدنا أسوة المسلمین رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسي مبدأ البيعة منذ اليوم الأول لقيام الدولة الإسلامية. ولمكانة البيعة في الإسلام فقد عظّم الله شأنها، وحذّر من نكثها، يقول سبحانه (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ٣٦٠/٣، رقم ٣٤٠٢، والكبير ١٣/ ٧٣، رقم ١٨٠. وانظر: حياة الصحابة، الكاندهلوي ٣٠٦/١. (٣) في أسد الغابة مصقلة، وفي تاج العروس: مسفلة، وهو محلة بأسفل مكة. (٤) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، باب بيعة الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ٥/ ٩٤. www. modoee.com ١٣ حرف الباء وتعالى في كتابه العزيز مخاطبًا نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ الَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اَللَّهَ فَسَيُؤْيِهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ١٠]. وذلك لما في البيعة من معاني القوة والجماعة والتآلف، وقد فرض الشرع المطهر على المسلم الوفاء بالعهد، سواء کان ذلك بین المسلمین بعضهم البعض، أم مع غير المسلمين، فقد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: ١]. وقال: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقال: ﴿فَمَا أَسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]. والبيعة بما أنها عقد وعهد بين المسلمين وخليفتهم فإنها داخلة في هذه الآيات، وحكم من نكث البيعة على النصرة أو الجهاد أو السمع والطاعة دون أن يصدر عنه ما ينافي أصل الإيمان فهو عاص مرتكب الكبيرة من أعظم الكبائر؛ لأنها نقض للعهد، وقد وردت فيها أحاديث كثيرة تحرّم نکٹها، أشهرها: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع)(١). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، ومما يدل على مكانة البيعة: أن قضية الإمامة في الإسلام من القضايا الكبرى العظيمة؛ وقد صنف فيها العلماء مصنفاتٍ مستقلة، بيّنوا فيها شروط الإمامة، وواجبات الإمام، وكان هذا التفصيل العظيم منهم بيانًا لأهمية هذا الأمر في حياة المسلمين؛ ولأن إقامة السلطان وولي الأمر من الواجبات الدينية، ومما لا تتم مصالح الناس الدينية والدنيوية إلا به، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لابد للناس من أمیر بِّ أو فاجر، يعمل فيه المؤمن، ويستمتع فيه الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل))(٢). وقال الحسن البصري رحمه الله: ((والله لا يستقيم الدین إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما یفسدون، مع أن طاعتهم والله لغبطة، وأنّ فرقتهم لكفر))(٣) يعني: أنه کفر للنعمة، وهو کفر أصغر، وهذا يدل على أن وجود الإمام أمر ضروري في الدین. وقد أجمع العلماء على وجوب نصب إمام للأمة، یقیم لهم أحكام شرع الله، قال باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول ٣/ ١٤٧٢، رقم ١٨٤٤. (٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، جماع أبواب الرعاة، باب القوم يظهرون رأي الخوارج لم يحل به قتالهم ٣١٩/٨، رقم ٠١٦٧٦٤ (٣) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب ١١٧/٢. ١٤ القرآن الكَرِيْمِ البيعة الماوردي: ((وعقدها لمن يقوم بها في الأمة اتخاذ الإمارة دينًا وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال»(٥). واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم»(١). وقال ابن خلدون: «نصب الإمام واجب، وقد عرف وجوبه بالشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذلك في كل عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعًا دالًّا على وجوب نصب الإمام»(٢) وممن نقل الإجماع على ذلك ابن حزم(٣) والقرطبي (٤). وقال شيخ الإسلام رحمه الله: ((يجب أن يعرف أن ولاية أمور الناس من أعظم واجبات الدین، بل لا قیام للدین ولا للدنيا إلا بها ... ؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا روي: أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبيّن ذلك ... ، فالواجب (١) الأحكام السلطانية، الماوردي ص١٥. (٢) تاريخ ابن خلدون ٢٣٩/١. (٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٨٧/٤. (٤) الجامع لأحكام القرآن ٢٦٤/١-٢٦٥. وقال ابن رجب رحمه الله: ((وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم))(٦). وقد ورد في القرآن الإشارة إلى إقامة الأئمة للمسلمين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠]. قال القرطبي رحمه الله: «هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع؛ لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة))(٧). ولقد تواتر أن الصفوة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين بايعوا الصّدّيق رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله علیه وسلم ، وقبل أن يدفنوه صلى الله عليه وسلم ؛ ولما أحس الصديق بدنوّ أجله استخلف الفاروق رضي الله عنه ؛ ولما (٥) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٩٠ -٢٩١. (٦) جامع العلوم والحكم ٢/ ١١٧. (٧) الجامع لأحكام القرآن، ١/ ٢٦٤. www. modoee.com ١٥ حرف الباء طعن الفاروق رضي الله عنه جعل الأمر لأكثر من واحد(١). شوری في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، واتفقوا على أن يخلف وهذه الشروط التي أقرّها فقهاء الإسلام لاشك أنها تعدّ من المعالم الحضارية الفاروق عثمان بن عفان رضي الله عنه ؛ البارزة في مؤسسة الحكم الإسلامية؛ لأن غرض هذه الضوابط جلب كل المصالح التي يحتاجها المجتمع الإسلامي. ولما استشهد عثمان رضي الله عنه بایعوا أبا الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فهذه طريقتهم في الخلافة، فنجد أنهم حرصوا كل الحرص على تنصيب الإمام، ولم یتهاونوا في ذلك، وهذا مما يجب على المسلمین أن يقتدوا بهم فیه، فالبيعة إذن من الأمور المهمة للحاجة الماسة إلى نصب الإمام الشرعي في الأمة. فقهاء المسلمين عقدوا لها خمسة شروط لازمة التحقق، وهي: أن يجتمع في المأخوذ له البيعة شروط الإمامة، المذكورة في باب شروط الخلافة في كتب الفقه. أن یکون المتولّي لعقد البيعة أهل الحلّ والعقد من العلماء والرؤساء، وسائر وجوه الناس. أن يجيب المبايع إلى البيعة، فلو امتنع لم تنعقد إمامته ولم یجبر علیھا. الإشهاد على المبايعة فيما إذا كان العاقد واحدًا، أما إذا كان العاقد للبيعة جمعًا، فإنه لا يشترط الإشهاد. أن يتّحد المعقود له، بأن لا تعقد البيعة ومما يشير إلى ما تحتله البيعة من أهمية: أن بيعة ولي الأمر مما يسبّب استقرار المجتمع المسلم؛ لأنهم إذا اجتمعوا على رجلٍ واحد، وعلى خليفةٍ واحد، وعلى إمامٍ واحد استقام كثيرٌ من أمورهم، ولاشك أن التفرّق عن هذه البيعة يسبّب الخصومة ومما يدل على منزلة البيعة للخليفة أن والافتراق، والحرب بين المسلمين؛ لأن كلًّا منھم یرید أن ينصب إمامًا تكون له الهيمنة والسيطرة، والنتيجة إراقة الدماء، ووقوع الحروب بينهم؛ ولذلك كان وجود الإمام الذي يجمع هؤلاء جميعًا من أعظم المصالح الشرعية، وقد حكى الفقهاء الإجماع على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خيرٌ من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وقد قال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: («الأمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلّب على بلدٍ أو بلدان له حكم الإمام»(٢). (١) انظر: مآثر الإنافة في معالم الخلافة، القلقشندي ١/ ٢٠ - ٢٣. (٢) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ابن قاسم ٥/٩، الإمامة العظمى، الدميجي ١٦ قَ الَـ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ البيعة وذلك ما أقام فيهم شرع الله، وأقام الصلاة، فلا يجوز الخروج عليه بحال، فنكث البيعة مع الإمام الذي یقیم شرع الله حرامٌ، ومن فعل ذلك فمات فميتته جاهلية، وقد سبق قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)(١). ثانيًا: مجالات البيعة: تتنوع البيعة في الشرع بحسب الأمر المبايع عليه، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة من المسلمين على أمور مختلفة، وبحسب الواقع واللحظة الراهنة، وبحسب قدرة الفرد واستعداده، فقد ثبت في القرآن الكريم والسنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب البيعة من أصحابه أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، كما وردت بذلك الأحاديث، والذي يعنينا هنا هو البيعة في القرآن الكريم، فلفظ (البيعة) والمبايعة في القرآن ورد بمعنى جامع، وهو (أخذ المواثيق والعهود)، وبالنظر إلى ما جاء في القرآن بإمكاننا أن نذكر بعض مجالات البيعة، ومن أهمها: ص٢٢٢. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول ٣/ ١٤٧٢، رقم ١٨٤٤. ١. البيعة على الإسلام. وهي البيعة المشهورة، وهي أوجب وآكد أنواع البيعة، ولا شيء من أنواع البيعة نكثه كفر إلا هذه البيعة؛ لأنها الحد الأدنى من الإسلام الذي يلزم على كل مسلم ومسلمة في الأمة؛ ولأنها أصل البيعات كلها، وأكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع عامة الناس عليه هو الإسلام؛ وذلك بأن يأتي الرجل الذي يريد الدخول في الإسلام فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويضع يده في يده، ویتشهد الشهادتين، ويتعهد بالتزام الإسلام كله، فيصير بذلك مسلمًا مبايعًا للرسول صلى الله عليه وسلم . والبيعة على الإسلام قد أشار إليها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا تَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: ٩١]. یقول ابن جرير الطبري بعد أن ذكر معنی الآية: ((وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف بينهم فيمن عني بهذه الآية، وفيما أنزلت، فقال بعضهم: عني بها الذین بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وفيهم أنزلت ... ، وذكر بسنده إلى بريدة، في قول الله عز وجل: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]. www. modoee.com ١٧ حرف الباء قال: أنزلت هذه الآية في بيعة النبي صلی الله عليه وسلم ، کان من أسلم بايع على الإسلام، فقال: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]. هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام، ﴿وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ [النحل: ٩١]. البيعة، فلا يحملکم قلة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام، وإن کان فيهم قلة، والمشرکین فیھم کثرة»(١). كذا قال ابن جرير، بل قدّم هذا القول على غيره، ونقله عنه ابن كثير، ولم يعلّق عليه بشيء(٢). وقال الشوكاني: «وظاهره العموم في کل عهد يقع من الإنسان من غير فرق بين عهد البيعة وغيره، وخص هذا العهد المذكور في هذه الآية بعض المفسرين بالعهد الكائن في بيعة النبي صلی الله عليه وسلم على الإسلام، وهو خلاف ما يفيده العهد المضاف إلى اسم الله سبحانه من العموم الشامل لجميع عهود الله، ولو فرض أن السبب خاص بعهد من العهود لم يكن ذلك موجبًا لقصره على السبب، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)»(٣). (١) جامع البيان، ١٧/ ٢٨١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ٤ / ٥٩٨. (٣) فتح القدير، ٢٢٧/٣. ومن البيعة على الإسلام: بيعة النساء المشهورة المذكورة في القرآن، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ﴾ [الممتحنة: ١٢])(٤). ففي هذه الآية أمر سبحانه وتعالى نبيه صلی الله عليه وسلم إذا جاءه المؤمنات، أي: قاصدات لمبايعته على الإسلام، وعلى أن لا یشرکن بالله شيئًا من الأشياء كائنًا ما کان، وهذا کان یوم فتح مكة، فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعنه، فأمره الله أن يأخذ عليهن أن لا یشرکن بالله شيئًا، وأمورًا أخرى قد ذكرتها الآية. قال مقاتل بن حيان: «أنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال على الصفا، وعمر يبايع النساء تحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»(٥). فتلحظ أن الله تعالى ذكر في هذه الآية في صفة البيعة خصالًا سنًّا، أوّلهنّ: ﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: شيئًا من الأشياء، أو شيئًا من الاشتراك، والظاهر أن المراد: (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب بيعة النساء، ٩/ ٨٠، رقم ٧٢١٤. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٩٩. مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم ١٨ البيعة الشرك الأكبر، ويجوز التعميم، فيكون المراد العلماء: إنها من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول ابن رجب: ((وقد ذكر الشرك الأكبر والأصغر الذي هو الرياء، والمعنى: بایعهن علی أن لا يتخذن إلهًا غیر الله، ولا يعملن إلا خالصًا لوجهه(١). طائفة من العلماء، منهم: القاضي أبو يعلى في كتاب (أحكام القرآن) من أصحابنا: أن البيعة على الإسلام كانت من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ؛ واستدلوا بأن الأمر بالبيعة في القرآن يخصّ الرسول بالخطاب بها وحده، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ ◌ِلّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]))(٤). قال الإمام الشافعي في الأم: ((وإنما يبايع النساء على الإسلام، فأما على الطاعة فهن لا جهاد عليهن))(٢). فكان نص بيعة النساء مختلفًا عن غيره من أنواع البيعات؛ وذلك بتربیتھنّ علی عظائم الأمور، وزجرهن عن كبائر الفواحش الواردة في الآية الكريمة وأكبرها الشرك، قال تعالى: ﴿عَلَّى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ففي الآية تقرير للتوحيد، وإعلان المفاصلة بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك. فبدأ تعالى بالنهي عن الشرك؛ لأنه مقابل للإيمان الذي تقوم عليه قاعدة الحياة السليمة لكل بشر، فالشرك نزعة نفسية منحطة تسفل بالإنسان، وتشدّه إلى ذاته البدنيّة؛ وذلك في حالة من سيطرة الوهم، وغياب الوعي، وعمى في البصيرة عن الحقيقة(٣). لذا كان من أولويات البيعة في الإسلام عمومًا وبيعة النساء خصوصًا إعلان الميثاق، وأساس الحياة. وهذه البيعة على الإسلام قال بعض (١) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٩/ ٣٩٤. (٢) الأم، ٢١٩/٤. (٣) انظر: بيعة النساء، محمد علي قطب ص٦٤. والمقصود أن هذه البيعة على الإسلام قد ذكرت في القرآن، وهي التي تسمى بيعة النساء أيضًا ، وهي نفس بيعة الرجال، قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على مثل ما بايع عليه النساء، من مات منا ولم يأت شيئًا منهن ضمن له الجنة، ومن مات منا وقد أتی شیئا منهن، وقد أقيم علیه الحد فهو کفارة، ومن مات منا وقد أتی شیئا منهن فستر علیه، فعلی الله حسابه(٥). ٢. البيعة على الأعمال الصالحة. ومن مجالات البيعة الهامة البيعة على المفارقة بين الشرك والتوحيد، فهو أصل الأعمال الصالحة، ومنها: (٤) تفسير ابن رجب ٢/ ٤١٩. (٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٣٠١/٢، رقم ٢٢٥٩. www. modoee.com ١٩ حرف الباء البيعة على النصرة والمنعة. البيعة على نصرة الدين من أفضل الأعمال، وأوضح مثال على هذا النوع من البيعة -وهي بيعة المنعة والنصرة- البيعة التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من وفد الأنصار في بيعة العقبة الثانية في منى، وكان عددهم آنذاك ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، فبعد أن تلا الرسول الكريم القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم، وأبناء كم ... ). فبايعه البراء بن معرور وسائر الوفد على المنعة والنصرة، ومما قاله البراء بن معرور: ((نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا، فبایعنا یا رسول الله؛ فنحن أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها کابرًا عن كابر))(١). وما قبل النبي صلى الله عليه وسلم عرض الأوس والخزرج في النصرة إلا بعد أن استوثق له عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه منهم، وبعد أن تیقن هو صلى الله عليه وسلم من صدق إيمانهم، وقوة شكيمتهم، واستعدادهم للشهادة في سبيل الله، وأن قلوبهم قد تطهّرت من مطالب الدنيا، فهم يريدون فقط الله ورسوله، والدار الآخرة، ومما يدل على ذلك ما جاء (١) أخرجه أحمد في المسند، ٢٥/ ٨٩، رقم ١٥٧٩٨. في عقد البيعة: ((السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله)»(٢). وهذه البيعة هى المقصودة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَّ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنْجِلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنّ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْبِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. فقد روى القرطبي وغيره من المفسرين(٣) أن هذه الآية نزلت في البيعة الثانية، بيعة العقبة الكبرى، وكان فيها الأنصار نيّفًا وسبعين، وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله صلی الله علیه وسلم عند العقبة، فقال عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم: ((اشترط لربك ولنفسك ما شئت))، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سترون بعدي أمورًا تنكرونها)، ٩/ ٤٧، رقم ٧٠٥٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، ٣/ ١٤٧٠، رقم ١٧٠٩. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ٢٦٧، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢١٨. ٢٠ مَوَسُوع القرآن الكريم البيعة وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم)، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: (الجنة)، قالوا: ((ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل))؛ فنزلت الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَمْ﴾ [التوبة: ١١١]. وهذه الآية وإن نزلت في بيعة العقبة فحكمها عام في كل مؤمن مجاهد في سبيل الله إلى يوم القيامة، قال بعضهم: ما أكرم الله! فإن أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منا بهذا الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة (١). فهذه الآية وأمثالها تمثيل عبّر فيه عن إثابة الله المؤمنين الباذلين أنفسهم وأموالهم في سبيله بأن لهم الجنة بالشراء والمعاوضة، وهذا تفضل منه وكرم، وترغيب في الجهاد بییان فضله إثر بیان حال المتخلفین عنه، وهم المنافقون. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَّرَى مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَُمْ ﴾ اشترى منهم وعوّضهم ما فيه الخیر کله، مع أن ما في الكون هو ملكه، وهذا من غاية لطفه و کرمه بعباده المؤمنين، وقدّم الأنفس على الأموال ابتداء بالأشرف، وبما لا عوض له إذا فقد (٢). (١) معالم التنزيل، البغوي ٣٩١/٢. (٢) البحر المحيط، أبو حيان ٥ / ٥٠٩. وفي لفظة ﴿أَشْتَرَى﴾ لطيفة، وهي: أن فيها دلالة على رغبة المشتري فيما اشتراه، واغتباطه به ... ، والظاهر أن هذا الشراء هو مع المجاهدين، وقال ابن عيينة: اشترى منهم أنفسهم أن لا يعملوها إلا في طاعة، وأموالهم أن لا ينفقوها إلا في سبيل الله، فالآية على هذا أعم من القتل في سبيل الله، وعلى هذا القول يكون ﴿يُقَدِلُونَ مستأنفًا، ذكر أعظم أحوالهم، ونبه على أشرف مقامهم(٣). وقال أبو السعود في الآية: ((ترغيب المؤمنين في الجهاد ببيان فضيلته، إثر بيان حال المتخلفين عنه، ولقد بولغ في ذلك على وجه لا مزید علیه، حیث عبّر عن قبول الله تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى، وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية، ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين وأموالهم، والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ولم يجعل الأمر على العكس، بأن يقال: إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم؛ ليدل على أن المقصد في العقد هو الجنة، وما بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلة إليها؛ إيذانًا بتعلق كمال العناية بهم (٣) المصدر السابق ٥/ ٥٠٨. www. modoee.com ٢١ حرف الباء وبأموالهم، ثم إنه لم يقل: بالجنة، بل قيل: وَيُقْتَلُونَ﴾ أي: سواء قتلوا أو قُتلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد وجبت لهم ﴿يَأَنَ لَّهُمُ الْجَنَّةَ﴾ مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم، واختصاصه بهم، كأنه قيل بالجنة الثابتة لهم، المختصة بهم))(١). الجنة(٥)؛ ولهذا جاء في الصحيحين: (وتكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وتصديق برسلي، بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة)(٦). ﴿يُقَطِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وقوله: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْنَّلُونَ ﴾ جملة مستأنفة؛ جيء بها لبيان الوسيلة التي توصلهم إلى الجنة، وهي القتال في سبيل الله، أي: إنهم يقاتلون في سبيل الله، فمنهم من يقتل أعداء الله، ومنهم من يقتل على أيدي هؤلاء الأعداء، وكلا الفريقين: القاتل والمقتول، جزاؤه الجنة (٢). وقرأ حمزة والكسائي ﴿فَيَقْنُلُونَ وَيُقْنَلُونَ ﴾ بتقديم الفعل المبني للمفعول على الفعل المبنى للمعلوم(٣). قال في الوسيط: ((وهذه القراءة فيها إشارة إلى أن حرص هؤلاء المؤمنين الصادقين على الاستشهاد أشد من حرصهم على النجاة من القتل؛ لأن هذا الاستشهاد يوصلهم إلى جنة عرضها السموات والأرض، وإلى الحياة الباقية الدائمة))(٤). وكأن الجمع بين الفعلين: ﴿فَيَقْنُلُونَ (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ / ١٠٤. (٢) الوسيط، طنطاوي ٦/ ٤٠٩. (٣) انظر: التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني ص ٩٣، النشر في القراءات العشر ، ابن الجزري ٢٤٦/٢. (٤) الوسيط، طنطاوي ٦/ ٤٠٩. وقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ أي: ثواب الجنة لهم وعد وحق في التوراة والإنجيل والقرآن، يعني: أن الله عز وجل وعدهم هذا الوعد وبيّه في هذه الكتب، وفیه دلیل على أن أهل الملل كلهم أمروا بالجهاد على ثواب الجنة (٧) ٠ وفي هذا التعبير تأکید لهذا الوعد، وإخبار بأنه قد کتبه علی نفسه الکریمة، وأنزله على رسله في كتبه الكبار، وهي التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين(٨). (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢١٨. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فرض الخمس، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحلت لكم الغنائم)، ٤ / ٨٥، رقم ٣١٢٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، ٣/ ١٤٩٥، رقم ١٨٧٦. (٧) معالم التنزيل، البغوي ٢/ ٣٩١. (٨) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢١٨. ٢٢ القرآن الكريم البيعة قال ابن کثیر: «أخبر الله تعالی بأن هذا لإعلاء كلمته، ونصر دينه، وجعله مسجلًا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله في الكتب السماوية، وناهیك به من صكّ، وعد ثابت ﴿في التَّوْرَةِ ﴾ کتاب موسی عليه السلام ، ﴿وَالإِنجِيلِ﴾ كتاب عيسى عليه السلام ، ﴿وَاَلْقُرْءَانِ﴾ أي: قد أثبته فيهما كما أثبته في القرآن، أي: الكتاب الجامع لكل ما قبله، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ﴾، أي: لا أحد أوفى منه سبحانه؛ لأن الإخلاف لا تقدم عليه الكرام من الناس، فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق))(١). وقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَبْشِرُواْ﴾ أي: فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد، ووفى بهذا العهد، بالفوز العظيم، والنعيم المقيم، وفي هذا تحريض على القتال، وإعلام لهم بأنهم رابحون في هذه الصفقة، والاستبشار: الشعور بفرح البشرى، شعورًا تنبسط له أسارير الوجه، أي: إذا كان الأمر كذلك، فافرحوا ببيعكم الذي بايعتم به غاية الفرح، وارضوا به نهاية الرضا، فإن ذلك البيع هو الفوز العظيم الذي لا فوز أعظم منه، قال بعض العلماء: ولا ترى ترغيبًا في الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه الآية؛ لأنه أبرزه في صورة عقد عقده رب العزة، وثمنه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط، بل إذا كانوا قاتلين أيضًا (١) المصدر السابق. وجعل وعده حقًّا، ولا أحد أوفى من وعده، فنسیٹته أقوی من نقد غيره، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم، وهو استعارة تمثيلية، حيث صور جهاد المؤمنين، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه، وإثابة الله لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء، وأتى بقوله: ﴿يُقَيِلُونَ﴾ بيانًا لمكان التسليم، وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله صلی الله عليه وسلم: (الجنة تحت ظلال السيوف)(٢)، ثم أمضاه بقوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(٣). والمقصود أن من أنواع البيعات التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه، البيعة: أن يمنعوه وينصروه، وهي ما تسمى ببيعة النّصرة والمؤازرة، وهي مذكورة في القرآن، وعبّر عنها بالبيع والشراء، قال عمر رضي الله عنه: إن الله عز وجل بايعك وجعل الصفقتين لك، وقال قتادة: ثامنهم الله عز وجل فأغلى لهم، وقال الحسن: اسعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الجنة تحت بارقة السيوف، ٤/ ٢٢، رقم ٢٨١٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء، ٣/ ١٣٦٢، رقم ١٧٤٢. (٣) انظر: الوسيط، طنطاوي ٦/ ٤٠٩. www. modoee.com ٢٣ حرف الباء كل مؤمن. وعنه أنه قال: إن الله أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها. قال بعضهم: ناهيك عن بیع، البائع فیه رب العلا، والثمن جنة المأوى، والواسطة محمد المصطفى صلی الله عليه وسلم (١)؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم -والله- فأغلى ثمنهم، وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة، وفّی بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية؛ ولهذا يقال: من حمل في سبيل الله بايع الله، أي: قبل هذا العقد، ووفّی به(٢). البيعة على الجهاد وعدم الفرار. ومن أمثلة البيعة على الأعمال الصالحة أيضًا: البيعة على الجهاد، وعدم الفرار، وأوضح مثال على هذا النوع من البيعة -وهي البيعة على الجهاد في سبيل الله وعدم الفرار - البيعة التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه تحت الشجرة يوم الحديبية، وهي بيعة الرضوان، التي قال الله فيها: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَّحْتَ الشَّجَرَوْ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِيْنَةَ عَلَّهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين (١) معالم التنزيل، البغوي ٣٩١/٢. (٢) البحر المحيط ٥٠٩/٥. يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوْ﴾ يعني: بيعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولَ الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى أن لا يفرّوا، ولا يولوهم الدبر تحت الشجرة، وكانت بيعتهم إياه هنالك فيما ذكر تحت شجرة، وكان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول الله صلی الله عليه وسلم كان أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملأ من قريش، فأبطأ عثمان رضي الله عنه عليه بعض الإبطاء، فظنّ أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان)) (٣). ٣. البيعة على تجنب السيئات. ومن أبرز الأمثلة على البيعة على تجنب السيئات: ما جاء في بيعة النساء المشهورة المذكورة في القرآن، في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِّعْنَكَ عَى أَنَ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَشْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتٍَ يَفْتَّرِينَهُ، بَيْنَ أَيْدِيِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٌٍ فَايِعْهُنَّ وَأُسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢]. ففي هذه الآية ذكر في صفة البيعة خصالًا ستًّا، هن أركان ما نهى عنه في الدین، ولم (٣) جامع البيان، الطبري، ٢٢/ ٢٢٣. مَوَسُولَةُ التَّقِيَة القرآن الكريم ٢٤ البيعة يذكر أركان ما أمر به، وهي الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج والاغتسال من الجنابة وغيرها؛ وذلك لأن النهي عن هذه دائم في کل زمان و کل حال، فكان التنبيه علی اشتراط الدائم أهم وآكد، أو أنه لم يذكر في بيعتهن الصلاة والزكاة والصيام والحج لوضوح کون هذه الأمور ونحوها من أركان الدین، وشعائر الإسلام، وإنما خص الأمور المذكورة لكثرة وقوعها من النساء(١). وقد ذكرت هذه المنهيات على ترتيب بديع، ووجه هذا الترتيب بين هذا المنهيات أنه قدّم الأقبح على ما هو أدنی قبحًا منه، ثم كذلك إلى آخرها؛ ولذا قدم ما هو الأظهر والأغلب فيما بينهن. وقد ذكر الله تعالى هذه الأمور، وهناك أمور آخر لم تذکر في کتاب الله، ولكنها ذكرت في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، منها قول أم عطية: (أخذ علينا رسول الله صلی الله علیه وسلم عند البيعة ألا ننوح، فما وفّت منا امرأة إلا خمس نسوة فقط)(٢). فانظر مع أن المبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنهن نقضن البيعة كلهن، ولا وفّى منهن بالبيعة إلا خمس نسوة فقط، فهذا يدل على قلة التزام النساء بالعهود والمواثيق، وكان مما بايعهن في هذه الآية: (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٠٣/٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما ينهى من النوح والبكاء، رقم ١٣٠٦. ﴿ ﴿أَنْ لَ يُشْرِّكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ بايعهن الرسول صلى الله عليه وسلم على ما ذكره الله في كتابه، وهو ألا يشركن بالله شيئًا، أي: شيئًا من الأشياء، أو شيئًا من الإشراك، والظاهر أن المراد الشرك الأكبر، ويجوز التعميم له وللشرك الأصغر الذي هو الرياء، فالمعنی علی أن لا يتخذن إلهًا غير الله، ولا يعملن إلا خالصًا لوجهه. ﴿وَلَا يَشْرِفْنَ﴾. أي: ولا يرتكبن جريمة السرقة، قال ابن كثير: ((أي: أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج معسرًا في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان من غیر علمه، عملًا بحديث هند بنت عتبة رضي الله عنها))(٣). لما جاءت لتبايع بعد إسلامها في فتح مكة خافت من ذلك الشرط العظيم؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن هندًا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيحٌ، فأحتاج أن آخذ من ماله، قال صلی الله عليه وسلم: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (٤). وفي الحديث: تقييده صلى الله عليه وسلم الأخذ من مال الزوج بالمعروف، وهو ما تعارف عليه الناس دون إفراط ولا (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٩٩. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب القضاء على الغائب، رقم ٧١٨٠. www. modoee.com ٢٥ حرف الباء تفريط. وقال ابن عاشور: ((فقد شملت الآية التخلّي عن خصال في الجاهلية، وكانت السرقة فيهنّ أكثر منها في الرجال)»(١). ﴿وَلَا يَزْبِينَ﴾. أي: ولا يرتكبن جريمة الزنا التي هي من أفحش الفواحش، قال الرازي: ((يحتمل حقيقة الزنا، ودواعيه أيضًا))(٢) على ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: (اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والفرج يصدّق ذلك أو يكذّبه)(٣). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة -أخت هند- تبايع النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ عليها: ﴿أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ ﴾ الآية، فوضعت يدها على رأسها حياءً، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرّي أيتها المرأة، فو الله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذًا، فبايعها بالآية (٤) وهذه الرواية تدل على كراهة الزّنا عند النساء الحرائر، وبشاعته في الجاهلية، (١) التحرير والتنوير ١٦٦/٢٨. (٢) مفاتيح الغيب، ٢٩/ ٢٦٦. (٣) أخرجه أبو داود في سننه، رقم ٢١٥٣. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٥٦/٦: (إسناده جید)). (٤) أخرجه أحمد في المسند، ٦/ ١٥١. قال محقق المسند ٩٥/٤٢: ((حديث صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين)). وإن كان مشهورًا في بعض النساء كالبغايا والإماء؛ لذا جاءت أحكام الإسلام السامية تدعو إلى الترفّع عن السفاسف، وتطييب النفس بالمباح من النكاح، وسد أبواب الفتنة بالمنع من الاختلاط المحرّم بين الرجال والنساء؛ لسدّ أبواب الغواية، وحبائل الشيطان؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ. كَانَ فَاحِشَّةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. فإذا لم يكتف الإنسان بالنكاح المباح ووقع في الزنا فقد أعدّ الله له عذابًا عظيمًا؛ قال تعالى: ﴿ الزَِّيَةُ وَالزَِّ فَلَجْلِدُواْ كُلّ وَجِدِمِنْهُمَا مِاْتَةَ جَدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اَللَّهِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَايِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. وجعل حكم الزاني المحصن الرجم حدًّا مصلتًا قاسيًا شديدًا؛ لينتهي من كان في قلبه إيمان وإحسان عن سلوك طريق الحرام. ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْ لَدَهُنَّ أي: ولا يتدن البنات، كما كان يفعله أهل الجاهلية، خوف العار، أو خشية الفقر، قال ابن کثیر: «وهذا یشمل قتله بعد وجوده، کما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق أو العار، ويعم قتله وهو جنين، كما يفعله بعض النساء الجاهلات، تطرح نفسها لئلا تحبل، إما لغرض فاسد، أو ما أشبهه»(٥). (٥) تفسير القرآن العظيم، ٨/ ١٠٠. ٢٦ مُوسُو ◌َبُ التفسير جوية القرآن الكريم