Indexed OCR Text

Pages 41-60

التثبت
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا
مِنَ الَّنِ إِنَّ بَعْضَ الَِّنِّ إِنْرٌ وَلَا تَّهَتْسُوْ وَلَا يَغْتَب
بَعْضُكُمْ بَعْضَاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُوَةٌ وَأَنَّقُواْ الله إِنَّ اللَّهَ تَوَّبُ
[الحجرات: ١٢].
قال ابن كثير رحمه الله: ((يقول تعالى
ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو
التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس
في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا
محضًا، فليجتنب كثير منه احتياطًا))(١).
وقال القرطبي: «قال علماؤنا: فالظن هنا
وفي الآية هو التهمة. ومحل التحذير والنهي
إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم
بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلًا ولم يظهر
عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا
بمعنى التهمة قول تعالى: ﴿وَلَا تَجْتَّسُواْ﴾
وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء
ویرید أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه،
ویتبصر ویستمع لتحقق ما وقع له من تلك
التهمة. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن
ذلك))(٢).
ثم قال القرطبي مبينًا طريقة تمييز الظنون:
((والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما
سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة
وسبب ظاهر كان حرامًا واجب الاجتناب.
(١) تفسير القرآن العظيم، ٢١٣/٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، ٣٣١/١٦.
وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه
الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في
الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم،
بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب
والمجاهرة بالخبائث))(٣).
وخلاصة القول: حسن الظن من التثبت،
وتحريم سوء الظن بأي مسلم؛ لأنه ينافي
التبين والتثبت الذي أمر الله سبحانه وتعالى
ورسوله صلى الله عليه وسلم في التخلق
بهما ورتب عليهما الأجور.
٨. عدم الالتفات للألفاظ البراقة.
فكثيرًا ما يسمع الإنسان مجموعة من
الألفاظ البراقة، والعبارات الخلابة، فيغتر
بهذه الألفاظ وتلك العبارات، وتعجبه
بما لها من بريق وزخرف، ويتسرع ويأخذ
بها دون تثبت. وقد لفت النبي صلى لله
عليه وسلم إلى هذا الأمر حين قال: (إنكم
تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته
من بعض، فمن قضیت له بحق أخیه شيئًا،
بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار فلا
يأخذها)(٤).
ومعنى (ألحن بحجته من بعض) أي:
أفصح وأفطن بحجته من بعض، فيزين
كلامه حيث أظنه صادقًا في دعواه، وأن
(٣) المصدر السابق ٣٣١/١٦-٣٣٢.
(٤) سبق تخريجه.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف التاء
الحق معه وهو كاذب))(١).
و کثیرًاما نسمع الیوم عبر وسائل التواصل
والإعلام المرئي والمسموع من كلمات
وأخبار وما هي إلا تنافس القائمين بهذا
العمل الإعلامي في نقل الأحداث، فكلًّا
يلمع الخبر الذي حصل عليه رغبة بکسب
المتابعین أو المشاهدین له، حتى ولو كانت
تلك العبارات مجحفة في حق أصحابها،
فبعضهم يدس السم بالعسل، وخاصة ما
نسمع من مطالبات مستميتة لحقوق المرأة،
وكأن الإسلام قد هضم حقها، وليس خلفها
إلا أهل النفاق الذين يريدون إشاعة الفاحشة
بین المسلمین، بل هم لا يريدون حرية
المرأة، هم يريدون حرية الوصول إليها
بعد أن صانها الإسلام عن الرذائل، فالتبين
من كل خبر وحادثة ومن خلف الخبر مهم
لوضوح الحقائق.
٩. الاستماع الجيد، والمراجعة
الدقيقة لكل ما يطلب من الإنسان
تنفيذه من أوامر.
فعن أبي هريرة أن رسول الله صلی الله
عليه وسلم، قال يوم خيبر: (لأعطين هذه
الراية رجلًا يحب الله ورسوله، يفتح الله
على يديه)، قال عمر بن الخطاب: ما أحببت
الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت (٢) لها
(١) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري ٧/ ٣٠١.
(٢) فتساورت: أي رفعت لها شخصي.
رجاء أن أدعى لها، قال: فدعا رسول الله
صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب،
فأعطاه إياها، وقال: (امش، ولا تلتفت، حتى
يفتح الله عليك)، قال: فسار علي شيئًا ثم
وقف ولم يلتفت، فصرخ: یا رسول الله علی
ماذا أقاتل الناس؟ قال: (قاتلهم حتى يشهدوا
أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا
فعلوا ذلك فقدمنعوا منك دماءهم وأموالهم،
إلا بحقها وحسابهم على الله)(٣).
فنجد أن عليًّا رضي الله عنه سأل النبي
صلى الله عليه وسلم متثبتًا على ماذا يقاتل
الناس، ثم مضى مطمئنًا إلى ما طلب منه
على أكمل وجه بعد أن وقف على حقيقة
الأمر.
١٠ . الحكم على الآخرين من خلال
التجربة والمصاحبة والمعايشة.
فقد أثنى رجل على رجل عند عمر بن
الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر: هل
صحبته في سفر قط؟ قال: لا. قال: هل
ائتمنته على أمانة قط؟ قال: لا. قال: هل
كانت بينك وبينه مداراة (٤) في حق؟ قال:
لا. قال: اسكت، فلا أرى لك به علمًا،
انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ /٣٨٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل
الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب،
رقم ٤،٢٤٠٥ /١٨٧١.
(٤) مداراة: ملاينة.
انظر: مختار الصحاح، الرازي ص٨٦.
٢٠٤
القرآن الكْرِيْمِ

التثبت
أظنك والله رأيته في المسجد يخفض رأسه الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال
وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى
ويرفعه(١).
عليه)(٣).
١١. المطالبة بالشهود أو البينة على
الدعوى، أو اليمين من الطرف الآخر
عند النكول وعدم البينة.
وهي وسيلة من وسائل إثبات الحق الذي
يدّعيه المدّعي.
والأصل في ذلك ما ورد عن الأشعث
بن قيس قال: کانت بيني وبين رجل خصومة
في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقال رسول الله: (شاهداك
أو يمينه)، قلت: إنه إذا يحلف ولا يبالي،
فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (من
حلف على يمين يستحق بها مالًا، وهو فيها
فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان)، فأنزل الله
تصديق ذلك، ثم اقترأ هذه الآية: ﴿إِنَّالَّذِينَ
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ تَمَّكَقَلِيلًا أُوْلَتِكَ
لَاَ خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلَا
يَنْظُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧](٢).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (لو يعطى
(١) الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي
٨٦/١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرهن،
باب إذا اختلف الراهن والمرتهن، رقم
٢٥١٥، ٣/ ١٤٣، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين
فاجرة بالنار، رقم ١،١٣٨/ ١٢٣.
١٢. أن لا يقضي القاضي مدفوعًا
بشهوة التشفي أو الحقد.
ولا يستعجل في القضاء، وأن لا يقضي
وهو غضبان، أو جوعان، أو نعسان، أو
مرهق، ولا وهو يدافع الأخبثين (البول
والغائط).
١٣. عدم بناء الأحكام على الشك،
بل لابد من اليقين.
فيجب أن يفسر الشك في صالح المتهم؛
ذلك لأن اليقين لا يزول بالشك، ولأن
يخطئ القاضي فيبرئ مذنبًا خير له من أن
يخطئ ويتسرع بإدانة بريء ومعاقبته.
١٤. أن يطلب القاضي من الله أن
يلهمه الرشد والصواب في الأمر كله.
فلا صواب إلا بالإلهام من الله، وإن
العبد البعيد عن عون الله هالك.
١٥. الاستعانة بأهل العلم والخبرة
والورع.
ويستعين بالنظر في اجتهادات السابقين
من الأئمة المجتهدين، وما ينتج عن هذه
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية،
باب اليمين على المدعى عليه، رقم ١٧١١،
٠١٣٣٦/٣
www. modoee.com
٢٠٥

حرف التاء
الاستعانة من تثبت تقتضيه المسالك
الشرعية، ويؤدي إلى أن يكون الرأي أو
الحكم أوفق للحق، وأقرب للصواب،
وأطيب لنفس الخصوم.
١٦. دراسة النماذج العملية للتثبت
من خلال القرآن والسنة.
وكذلك سيرة السلف الصالح،
ومعايشتها، والاستفادة منها في الواقع
العملي.
نماذج قرآنية في التثبت
ذكر القرآن الكريم نماذج كثيرة للتثبت
متمثلة في عدد من القصص، وهذا بيان
بعضها:
أولًا: قصة موسى عليه السلام
والخضر:
وردت قصة موسى والخضر عليهما
السلام في سورة الکھف، في قول ربنا
سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنَّهُ لَا أَبْرَعُ
حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًّا
فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ
٦٠
سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ، فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَتُهُ
ءَائِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)
قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْمُتَ
وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكُرُهُ، وَأَّخَذَ سَبِيلَهُ.
فِي الْبَحْرِ عَمَاً ) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّانَبْغَ فَأَرْتَدًا عَلَى
فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ
٦٤
ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا
ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا
قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا
٦٥
عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ يُحِطْ بِهِ خَبًْ ) قَالَ
٦٧
سَتَجِدُفِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًاً
قَالَ فَإِنِ أَتَبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّى
أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ، فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبًافِی
السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ
جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ
٢٠٦
القرآن الكريم

التثبت
مَعِىَ صَبْرًا ) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا
فَأَنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا
تُرْهِقِىِ مِنْ أَمْرِى عُشْرًا
قُلَمًا فَقَتَلَهُ. قَالَ أَقَلْتَ نَفْسًا زَّكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ
جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا (® ﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن
تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ
بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّكُنِّ عُذْرًا
فَأَنْطَلَقَا حَقََّ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا
فَأَبُواْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ
يَنْقَضَّ فَأَقَامَةٌ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا
قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ سَأَنَبِتُكَ بِنَأْوِيلِ
مَا لَمْ تَسْتَطِعٍ غَلَيْهِ صَبْرًا (٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ
لِمَسْكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ
وَرَآءَ هُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا () وَأَمَّا
اَلْقُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا
طُغْيَنَا وَكُفْرًا ، فَأَرَدِنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا
خَيْرً مِّنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُخْمًا وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ
لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌّ لَّهُمَا
وَكَانَ أَبُوهُمَا صَِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا
وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَّ وَمَا فَعَلْنُهُ.
عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾
[الكهف: ٦٠ - ٨٢].
لم يذكر لنا القرآن اسم العبد الصالح
الذي ذهب إليه موسى عليه السلام، لكن
بيّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن اسمه
الخضر (١)، وسمي بهذا الاسم لأنه جلس
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى
الخضر، رقم ١،٧٤ /٤٠.
على فروة بيضاء(٢)، فإذا هي تهتز من خلفه
خضراء(٣).
ويلاحظ على هذه القصة أنها ((قصة
تثبتٍ في صورة عملية؛ ذلك أن الإنسان
يبني حكمه على ما يشاهده ويشعر به؛
ولذلك يخطئ ويتعثر كثيرًا، ولو انكشفت
له حقائق الحياة، ومواطن الأمور وعواقبها،
لتغیر حکمه کثیرًا، ونقض ما أبرم، وتثبّت
أنه لا ثقة له بأحكامه، وأنه لا يصح الإسراع
في الحكم، وأن حياتنا اليومية العامة مليئة
بالأخطاء الفاحشة، والأحكام السريعة،
والخطوات المتهورة، والآراء المرتجلة،
ولو أسندت إليه إدارة هذا العالم الفسيح،
لأفسد العالم وأهلك الحرث والنسل؛ لأن
نظره قاصر، وعلمه محدود، وخلق من
عجل، وفطر على السرعة وقلة البصر))(٤).
وتظهر مواضع التثبت في هذه القصة
فيما يأتي(٥):
أولًا: لقد اختار الله سبحانه وتعالى
لتقرير هذه الحقيقة العظيمة أعظم شخصية
(٢) الأرض اليابسة.
انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين،
الحميدي ١ / ٥٤٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء،
باب بدء الوحي، رقم ٣٢٢١، ١٢٤٨/٣.
(٤) تأملات في سورة الكهف، أبو الحسن الندوي
ص ٩٣ - ٩٤.
(٥) انظر: التثبت في القرآن الكريم، محمد حسين
ص١٢٠.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف التاء
في عصره، وهو موسى عليه السلام، أحد
أولي العزم، الذي ظن متعجلا غير مثبت أنه
أعلم الناس، فعاتبه الحق سبحانه؛ لأنه لم
یرد العلم إلیه، فعن أبي بن كعب رضي الله
عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم:
(أن موسی قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل
أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه،
إذ لم يرد العلم إليه، فقال له: بلى، لي عبد
بمجمع البحرين هو أعلم منك)(١).
السلام، وسأله أن يعلّمه من علمه، وأخبره
الخضر أنه لن یستطیع صبرًا على ما یری،
وتعهد موسى عليه السلام أنه سيكون
صابرًا، ولا يعصي له أمرًا، أخذ الخضر
عليه السلام الشرط على موسى عليه السلام
إن أراد صحبته ألا يسأله عن شيء حتى
يوضّحه له ووافق موسى عليه السلام ألا
يتسرع بالإنكار على الخضر عليه السلام
عندما يقوم ببعض الأمور التي يبدو ظاهرها
المنكر؛ لأن التسرع ينافي التثبت(٢)، فقبل
موسى عليه السلام شرطه رعاية الأدب
المتعلم مع العالم (٣).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَّ أَبْرَحُ حَقّى
أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا ﴾، رقم
٤٤٤٨، ٤/ ٠١٧٥٢
(٢) تفسير السمر قندي ٢/ ٣٥٥.
(٣) معاني القرآن، النحاس ٢٦٩/٤.
قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآَ
ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَا عِلْمًا
(٢) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا
عُلِّمْتَ رُشِدًا (١) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
(٢) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَوْ تُحِطْ بِ خَبًْ ) قَالَ
سَتَجِدُفِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَآ أَعْضِى لَكَ أَمْرًّاً
قَالَ فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسَْلْنِى عَن شَىْءٍ حَقّ
أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٦٥ - ٧٠].
ثالثًا: ((وتمضي الرحلة، وينكر موسى
ثانيًا: بعد أن قابل موسى الخضر عليهما على الخضر عليهما السلام تصرفات أثارت
الاستغراب والدهشة، من خرق السفينة التي
أقلتهما بدون أجر، وقتل للغلام الزكي الذي
لم يبلغ الحلم، وبناء للجدار في قرية لم
یضیفهما أهلها، لذلك لم يملك موسى عليه
السلام نفسه أمام هذه التصرفات الغريبة
ونسي وعده، وأسرع بالإنكار والتساؤل
قائلًا للخضر عليه السلام: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا
تُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤])) (٤).
إذن لم يصبر موسى عليه السلام على
ما قام به الخضر عليه السلام، وتسرعه هذا
ینافي التثبت، فلو صبر وتأنی لرأى العجب،
لكنه أكثر الاعتراض فتعين الفراق(٥)، لذلك
قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (يرحم
الله موسى لو كان صبر لقص علينا من
(٤) تأملات في سورة الكهف، أبو الحسن الندوي
ص٩٥.
(٥) التفسير المنير، الزحيلي ٣٢٧/٨.
٢٠٨
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

التثبت
أمرهما)(١).
فتنة لهما ﴿وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ
وقد ((كان على موسى عليه السلام أن فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾
[الكهف: ٨٠].
یتریث ویتأنی حتی یوضّح له الخضر أسباب
ما يقوم به، لکنه تسرع و قال کلامًا يدل على
ندمه الشديد ﴿قَالَ إِن سَأَلْئُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَ هَافَلَا
تُصَنْحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَُّنِى عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦].
ولما لم يلتزم موسى عليه السلام بالشرط
الذي وضعه على نفسه، وأنكر إنكارًا قائمًا
على العجلة وعدم التريث، قرر الخضر
عليه السلام مفارقته ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى
وَيَلْنِكَ سَأْنَبِّئُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾
[الكهف: ٧٨]))(٢).
رابعًا: ((يمضي الخضر عليه السلام بتؤدة
وأناة حتى تنتهي الرحلة إلى غايتها المقدرة،
ويكشف القناع عن هذه القضايا الثلاث،
التي كانت موضع دهشة واستغراب من
موسى عليه السلام ومن كل من يقرأ هذه
القصة في القرآن، فيتجلى أن الخضر عليه
السلام كان مصيبًا محسنًا، فقد أحسن إلى
صاحب السفينة بخرقها؛ إذ حفظها من
اغتصاب الملك الظالم ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَّلِكُ
يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩].
وأحسن إلى أبوي الغلام بقتله؛ إذ كان
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء،
باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام،
رقم ٣٤٠١، ٤ / ١٥٤.
(٢) تأملات في سورة الكهف، أبو الحسن الندوي
ص٩٥.
وأن بكاء ساعة أفضل من البكاء طول
الحياة، وأن الغلام يعوّض، ولا عوض عن
الدين والعافية ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِ لَهُمَا رَيُّهُمَا خَيْرًا
مِّنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١].
وأصلح الجدار وأقامه؛ لأنه كان ليتيمين
من أبوین صالحین، وکان تحته کنز لهما،
ولو تهدم الجدار لانكشف الكنز واختطفه
الناهبون، فظهر أن صلاح العمل ينفع في
الحياة وبعد الممات، وأن البذور الصالحة
تظهر نتيجتها كما أن البذور السيئة تظهر
نتيجتها)»(٣)، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ
يَتِيمَيْنِ فِ اَلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ، كَنْ لَّهُمَا وَكَانَ
أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا
وَيَسْتَخْرِحَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّيِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ.
عَنْ أَمْرِئَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا﴾
[الكهف: ٨٢].
هذه القصة العظيمة درس لكل
المسلمين -وخاصة الدعاة- في التأني
والتثبت قبل الإنكار، وهذا يوصلنا إلى
الحقيقة والصواب، والعاقبة المحمودة،
فکم من قضية أو حکم کنا نجهله أو ننكره،
فلما وقفنا على حقيقته تبین لنا خطأ اعتقادنا
وتفكيرنا!
(٣) المصدر السابق ص٩٦-٩٧.
www. modoee.com
٢٠٩

حرف التاء
ثانيًا: قصة سليمان عليه السلام
والهدهد:
وردت هذه القصة في سورة النمل في
قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِ
لَآّ أَرَىَ الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَاِينَ
٢٠
لَأَعَذِّبَنَّهُ, عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَ اذْبَحَنَّهُ أَوْ
لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَنِ تُّبِينٍ ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ
فَقَالَ أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن
سَبَ بَِّلِ يَقِينٍ ) إِ وَجَدتُّ أَمْرَأَةُ تَمْلِكُهُمْ
وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَمَا عَرْشُ عَظِيمٌ (
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿ أَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ
اَلْخَبْهَ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ
وَمَا تُعْلِنُونَ ٥ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّّ هُوَ رَبُّ الْعَرْضِ
* قَالَ سَتَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ
الْعَظِيمِ Of
مِنَ الْكَذِبِينَ آ أَذْهَب يَكِتَبِ هَذَا فَأَلْقِهْ
إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَأَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:
٢٠ - ٢٨].
تتجلى مظاهر التثبت في هذه القصة من
خلال الآتي (١):
أولًا: قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ, عَذَابًا
شَدِيدًا أَوْ لَأَ ذْبَحَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ
تُبِينٍ﴾ ففي هذه الآية عدة فوائد:
(١) انظر: الأساس في التفسير، سعيد حوى
٤٠٠٨/٧، القصص القرآني، صلاح
الخالدي ٥٢٧/٣، التثبت في القرآن الكريم،
محمد حسين ص ١٢٥ .
الأولى: أن الخلل لا بد أن يعالج بالعقوبة
﴿لَأُعَذِّبَتَّهُ, عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَ اذْبَحْنَّهُ﴾
وهذا يثبت أن سليمان عليه السلام كان على
إحاطة تامة وعلم شامل بأمر الجند.
الثانية: لم يتسرع سليمان عليه السلام
بعقاب من لم يثبت تقصيره، فربما يكون
هناك عذر أو سبب لهذا الغياب، ومن ثمّ
قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَّنِي بِسُلْطَانِ تُّبِينٍ ﴾ فقبل
العقوبة لابد من التثبت، ومعرفة سبب
الغياب.
الثالثة: دقة كلام الحاكم وإحاطته
واختصاره، وإظهار الغضب إذا وجد
الخلل، والتهديد بالعقوبة بحيث يسمعها
الجند.
يقول سيد قطب: ((ومن ثمّ نجد سليمان
الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب
﴿لَأَعَذِّبَنَّهُ, عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ
المخالف:
لااذبحنهُ﴾﴾ ولکن سلیمان لیس ملكًا جبارًا
في الأرض، إنما هو نبي، وهو لم يسمع
بعد حجة الهدهد الغائب، فلا ينبغي أن
يقضي في شأنه قضاء نهائيًّا قبل أن يسمع
منه، ويتبين عذره، ومن ثمّ تبرز سمة النبي
العادل: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَقِّ بِسُلْطَانِ تُّبِينٍ﴾ أي:
حجة قوية توضح عذره، وتنفي المؤاخذة
عنه»(٢)
((إذن فالسلطان المبين هو العذر البيّن
(٢) في ظلال القرآن ٢٦٣٨/٥.
٢١٠
مُوسُو ◌َ الْبَقيد
بوبيبو
القرآن الكريم

لتثبت
الواضح المقبول، وهذا الاستدراك من
سلیمان علیه السلام يدل على حزمه وضبطه
وعدله و تثبته، فقد أعطى المتهم فرصة لبيان
حجته والدفاع عن نفسه؛ لأن المتهم بريء
حتى تثبت إدانته، أما إذا قدّم عذرًا أو حجة
فلابد أن يقبل منه))(١).
ونستفيد من فعل سليمان عليه السلام
في واقعنا، عدم جواز إصدار الأحكام
على الناس المتهمين في نظرنا، حتى
يعطوا الفرصة للدفاع عن أنفسهم، والإتيان
بالبينات القاطعة التي تشهد ببراءتهم مما
نسب إليهم، لكن الناس في هذه الأيام
يصدرون الأحكام الجاهزة على الناس دون
أدنى تثبت، مما يجعل المجتمع المسلم
أسيرًا للشائعات الكاذبة التي تقوّض بنيانه.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ
فَقَالَ أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِنْ سَلٍ
بِّلْ يَقِينٍ﴾ إن قول الهدهد: ﴿أَحَطَتُ بِمَا لَمْ
تُحِطْ بِهِ﴾ تدل على تثبته؛ لأن الإحاطة تعني
((العلم بالشيء من جميع جهاته)) (٢)، وقوله:
﴿وَجِئْتُكَ مِن سَ بٍَِ يَقِينٍ﴾ يدل على
تأكده و تيقّنه مما رأی وشاهد.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ
كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴾ ومن دروس التثبت في
هذه الآية:
(١) القصص القرآني، صلاح الخالدي ٥٢٧/٣.
(٢) نظم الدرر، البقاعي ٤١٤/٥.
الأول: قوله: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ وهذا يدل
على النظر والتأمل، والتصفح، والتثبت من
الأخبار، والكشف عن الحقائق بوجه من
وجوه المعرفة والعلم (٣).
الثاني: ((قوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ
اَلْكَذِبِينَ﴾ يلاحظ أن سليمان عليه السلام
لم يشرع في تصدیقه أو تكذيبه، ولم يستخفه
النبأ العظيم الذي جاء به، إنما أخذ في تجربة
الهدهد ليتأكد من صحة ما قاله ﴿أَذْهَب
يُكِتَبِ هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨]))(٤).
الثالث: لا بد للإنسان أن يتمهل، ويتثبت
من الأخبار التي ترد إليه، وأن يفحصها
ويتأكد منها، فإن ظهر له صدقها أخذ بها،
وإن ظهر له كذبها رفضها، ولا يلام على
موقفه هذا، وهذا ما فعله سليمان عليه
السلام، تثبّت من كلام الهدهد فظهر له
صدقه (٥).
ثالثًا: قصة داود عليه السلام
والخصمين:
وردت هذه القصة في قوله تعالى: ﴿وَھَلْ
أَتَنْكَ نَبَؤُأْ الْخَصْمِ إِذْ نَسَوَُّواْ الْمِحْرَابَ ) إِذْ
دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمَّ قَالُوا لَا تَخَفّْ خَصْمَانِ
بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٦٧/٣، فتح
القدير، الشوكاني ٤ /١٣٦.
(٤) المستفاد من قصص القرآن، عبدالكريم زيدان
٤٣٠/١.
(٥) القصص القرآني، صلاح الخالدي ١/ ٥٣٥.
www. modoee.com
٢١١

حرف التاء
وَأَهْدِنَاْ إِلَى سَوَاءِ الْصِرَطِ إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ
وَتَسْعُونَ تَعْجَةٌ وَلِىَ نَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِهَا وَعَزَّنِ
فِي الْخِطَابِ ) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْمَئِكَ إِلَى
نِعَاجِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَِّلَتْفِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَقَلِلٌ مَّاهُمٌّ وَظَنَّ
دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّهُ فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ !1
فَغَفَرْنَا لَهُ, ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ، عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ
٢٤
مَثَابٍ ﴿ يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ
فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ يِالْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ مَنْ
سَبِيلِ السَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ
شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢١ - ٢٦].
وبيان هذه القصة «أن داود النبي الملك،
كان يخصص بعض وقته للتصرف في شؤون
الملك، وللقضاء بين الناس.
ويخصص البعض الآخر للخلوة والعبادة
وترتيل أناشيده تسبيحًا لله في المحراب.
وكان إذا دخل المحراب للعبادة والخلوة لم
يدخل إلیه أحد حتى يخرج هو إلى الناس.
وفي ذات يوم فوجئ بشخصین يتسوران
المحراب المغلق عليه، ففزع منهم، فما
یتسور المحراب هكذا مؤمن ولا أمین!
فبادرا يطمئنانه ﴿قَالُواْ لَا تَخَفٌّْ خَصْمَانِ بَغَى
بَعْضُنَا عَلَ بَعْضٍ﴾ وجئنا للتقاضي أمامك
﴿فَأَحَكُمُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَآءِ
الصِّرَطِ﴾ وبدأ أحدهما فعرض خصومته:
﴿إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَّعْجَةً وَلِيَ تَعْجَةٌ وَيَحِدَةٌ
فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي: اجعلها لي وفي ملكي
وكفالتي ﴿وَعَزَّبِ فِ الْخِطَابِ﴾ أي: شدد
علي في القول وأغلظ.
والقضية - كما عرضها أحد الخصمين-
تحمل ظلمًا صارخًا مثيرًا لا يحتمل التأويل.
ومن ثمّ اندفع داود يقضي على إثر سماعه
لهذه المظلمة الصارخة ولم يوجه إلى
الخصم الآخر حدیثًا، ولم يطلب إليه بیانًا،
ولم يسمع له حجة. ولكنه مضى يحكم:
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا
مِنَ الْخُلَطَلِ﴾ أي: الأقوياء المخالطين بعضهم
لبعض ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ اْخُلَطَاءِ لَتْفِيِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَقَلِلٌ مَّاهُمُّ﴾.
ويبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه
الرجلان، فقد كانا ملكين جاءا للامتحان!
امتحان النبي الملك الذي ولاء الله أمر
الناس، ليقضي بينهم بالحق والعدل، وليتبين
الحق قبل إصدار الحكم. وقد اختارا أن
يعرضا عليه القضية في صورة صارخة
مثيرة، ولكن القاضي عليه ألا يستثار، وعليه
ألا يتعجل، وعليه ألا يأخذ بظاهر قول واحد
قبل أن يمنح الآخر فرصة للإدلاء بقوله
وحجته، فقد يتغير وجه المسألة كله، أو
بعضه، وینکشف أن ذلك الظاهر کان خادعًا
أو كاذبًا أو ناقصًا!))(١).
ومن دروس التثبت المستفادة من هذه
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٠١٨/٥.
مُوسُوبة النفسية
القرآن الكريم
٢١٢

التثبت
القصة(١).
أولًا: لقد ورد في تفسير هذه الآیات کثیر
من القصص الإسرائيلية التي لا دليل عليها،
وفيها ما يقدح في عصمة الأنبياء. ولذلك ردّ
كثير من المفسرين هذه القصص الإسرائيلية
في تفسير هذه الآيات(٢).
ثانيًا: الظاهر من هذه القصة أن داود عليه
السلام سمع قول المتظلم من الخصمين
وهو المدعي، ولم يخبرنا القرآن عن داود
علیه السلام أنه سأل المدعى عليه عما يقول
المدعي، وهل یقر بدعواه أم لا؟ وهل عنده
ما يدفع هذه الدعوى.
ويبدو أن داود عليه السلام عندما سمع
القضية من المدّعي عرف أنه مظلوم، وأن
خصمه ظلمه وبغی علیه، وتأثر داود بما
سمع، وظن أن الأمر لا يتطلب سماع الطرف
الآخر، فقال داود عليه السلام مستعجلاً
للمتظلم: لقد ظلمك، مع إمكان أنه لو سأل
المتظلم منه لنفی ذلك ولم يعترف به(٣).
والأصل أن يسمع القاضي من
الخصمين، لا أن يسمع كلام خصم دون هذا العلم، فقد روي عن أبي بكر الصديق
الآخر؛ لأن قضية التثبت من أصول الحکم
(١) انظر: التثبت في القرآن الكريم، محمد حسين
ص ١٣٠.
(٢) انظر: معاني القرآن، النحاس ٩٨/٦، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢/٤، في ظلال
القرآن، سيد قطب ٣٠١٨/٥.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠١٧٨/١٥
التي لا يمكن تجاوزها، ومقتضى التثبت أن
يسمع من الطرفين.
ثالثًا: نتعلم من قصة داود عليه السلام
عدم جواز إصدار الحكم من غير تثبت ولا
إقرار من الخصم؛ إذ هذا محل الفتنة التي
كانت لداود عليه السلام، فينبغي التأني في
إصدار الأحكام، حتى تسمع الدعوى من
الخصمين معًا (٤).
رابعًا: إن من قواعد الحكم الأساسية
التثبت والعدل في الأحكام، ومن مقتضيات
ذلك ألا يحكم القاضي في الدعوى
إلا بعد أن ترفع إليه، وألا يميل مع أحد
الخصمين لقرابة أو صداقة، أو محبة، أو
بغض للآخر؛ فإن ذلك يخرجه عن الصراط
المستقيم (٥) ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً
فِي الْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى
فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ اْحِسَابِ﴾.
خامسًا: لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه
الشخصي، إلا إذا كان معه شاهد آخر يعزز
رضي الله عنه أنه قال: «لو رأيت أحدًا على
حد لم أحده، حتی یشهد عندي شاهدان
بذلك)»(٦).
(٤) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٤٤٤.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٧١١.
(٦) انظر: تلخيص الحبير، ابن حجر ٤ /١٩٧
www. modoee.com
٢١٣

حرف التاء
فهذه القصة تعلمنا وجوب الحكم
بالحق والعدل، ومقتضى ذلك التأني
والتثبت في إصدار الأحكام، من خلال
الوقوف على الطرفين المتخاصمين، وعدم
الاكتفاء بسماع طرف دون الطرف الآخر،
وعدم الالتفات إلى الشائعات، والاكتفاء
بما يشاع منها دون سماع المعنيّ بها، فكم
من شائعة انتشرت واشتهرت، لكنها عين
الباطل والكذب والزور.
نماذج قرآنية في عدم التثبت
من النماذج القرآنية في عدم التثبت،
حادثة الإفك، فقد أظهرت هذه الحادثة مدى
خطورة عدم التّثبّت والإشاعة على المجتمع
المسلم، فقد افترى عبد الله بن أبيّ على
عرض رسول الله صلّى الله عليه وسلم،
فرمى أحبّ نسائه إلى قلبه، وبنت أحبّ
أصحابه إليه بالإفك، واتهم صحابيًّا كريمًا
بهذه التّهمة النكراء، وماجت المدينة شهرًا
كاملا بالفتنة، وانتقل الحديث من لسانٍ إلى
لسانٍ ومن بیتٍ إلی بیتٍ، حتى وصل خبره
إلى الرّسول صلّى الله عليه وسلم وعلم به
أبو بكر الصّديق ثم عرفته أم المؤمنين عائشة
رضي الله عنها .
وهذه الحادثة وردت في القرآن في
قوله تعالى: ﴿إِنَّالَِّينَ جَاءُو بِآلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُزْ
لَا تَّحْسَبُوهُ شَرَّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ أَمْرِيٍ
مِنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمَّ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ
لَهُ, عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرٌ وَقَالُوْ هَذَآ إِنْكٌ مُّبِينٌ
(٢) لَوْلَا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ
١٣
بِالشُّهَدَآءِ فَأَوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ
وَلَوْلَا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْتُهُ، فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
لَمَشَكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) إِذْ
تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَ هِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم
بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ
١٥
وصحح إسناده مع وجود انقطاع فيه.
مُوَسُولَةُ الْتَبِ الوضوء
جوبسوي
القرآن الكريم
٢١٤

التثبت
وَلَوْلَا إِذْسَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا
سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُّ عَظِيمٌ ) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ
تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُمْ مُؤْمِينَ ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( إِنَّ الَّذِينَ
يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ
عَذَابٌ أَلِيٌُّ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَؤُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ
لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَرَحْتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ وَمَنْ يَتَّجْ
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْتَآِ وَالْمُنكَرِّ
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, مَا زَكَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ
أَبَدًّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَِّ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيٌِّ )
وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِي
الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَاَلْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌّ ◌َ إِنَّ الَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ
اٌلْفَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَاْأَخِرَقِ
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلِّنَتُهُمْ
یومیدٍ
وَأَبْدِيِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ()
يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
الْمُِّينُ ث الْخَبِيشَتُ لِلْخَيْشِينَ وَالْخَبِيثُونَ
لِلْخَبِشَتِ وَالَِّبَتُ لِلَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلَّيِّبَتَّ
أُوْلَئِكَ مُبَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونٌّ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ
كَرِيمُ﴾ [النور: ١١ - ٢٦].
وجاء تفصيل الحادثة في كتب السنة عن
عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله
صلی الله عليه وسلم، إذا أراد أن يخرج سفرًا
أُقرع بین أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج
بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج
سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب،
فأنا أحمل في هودج، وأنزل فيه، فسرنا حتى
إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من
غزوته تلك، وقفل ودنونا من المدينة آذن
لیلة بالرحیل، فقمت حین آذنوا بالرحيل،
فمشیت حتى جاوزت الجیش، فلما قضيت
شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري،
فإذا عقد لي من جزع أظفار (١) قد انقطع،
فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني
ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا
هودجي، فرحّلوه على بعيري الذي كنت
أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ
ذاك خفافًا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، وإنما
يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم
حين رفعوه ثقل الهودج، فاحتملوه وكنت
جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا،
فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش،
فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي
الذي كنت به، فظننت أنهم سيفقدونني،
فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي،
فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي
ثم الذکواني من وراء الجیش، فأصبح عند
منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني وكان
(١) جزع أظفار: الجزع اسم مدينة بحمير في
اليمن.
انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ / ٥١٧.
www. modoee.com
٢١٥

حرف التاء
پراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه
حين أناخ راحلته فوطئ يدها، فركبتها،
فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش
بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، فهلك
من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله
بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدینة، فاشتکیت
بھا شھرًا والناس یفیضون من قول أصحاب
الإفك، وپريني في وجهي، أني لا أرى من
النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي کنت
أری منه حین أمرض، إنما يدخل فيسلم، ثم
يقول: (كيف تيكم)(١)، لا أشعر بشيء من
ذلك حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح
قبل المناصع (٢) متبرزنا لا نخرج إلا ليلاً إلى
ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف(٣) قريبًا من
بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو
في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي
رهم نمشي، فعثرت في مرطها (٤)، فقالت:
تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت،
(١) تيكم: هي إشارة بالتنبيه للمؤنث مثل ذا
للمذکر.
انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار،
القاضي عياض ١/ ١٢٥.
(٢) المناصع: موضع بعينه خارج المدينة، وكن
النساء يتبرزن إليه بالليل على مذاهب العرب
بالجاهلية.
انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٥٦/٨.
(٣) الكتف: المراحيض.
انظر: غریب الحديث، ابن سلام ١٤٣/٣.
(٤) المرط: أكسيةٌ من صوف أو خزّ كان يؤتزر
بها.
انظر: الصحاح، الجوهري ١١٥٩/٣.
أتسبین رجلا شهد بدرًا، فقالت: یا هنتاه(٥)،
ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل
الإفك، فازددت مرضًا على مرضي، فلما
رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فسلم فقال: (كيف تیکم)،
فقلت: ائذن لي إلى أبوي، قالت: وأنا حينئذ
أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي
رسول الله صلی الله عليه وسلم، فأتيت
أبوي، فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟
فقالت: يا بنية هوني على نفسك الشأن،
فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل
يحبها ولها ضرائر، إلا أکثرن عليها، فقلت:
سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا،
قالت: فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا
يرقأ لي دمع، ولا أکتحل بنوم، ثم أصبحت،
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي
بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استلبث
الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما
أسامة، فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من
الود لهم، فقال أسامة: أهلك یا رسول الله،
ولا نعلم والله إلا خيرًا، وأما علي بن أبي
طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله
عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية
(٥) هنتاه: لفظة تختص بالنداء. وقيل: معنى يا
هنتاه: يا بلهاء، كأنها نسبت إلى قلة المعرفة
بمکاید الناس وشرورهم.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ٥/ ٢٨٠.
مَوَسُو ◌َ النَّفِيد
القرآن الكريم
٢١٦

لتثبّت
تصدقك، فدعا رسول الله صلی الله علیه
وسلم بريرة، فقال: (يا بريرة هل رأيت فيها
شيئًا يريبك؟)، فقالت بريرة: لا والذي بعثك
بالحق، إن رأيت منها أمرًا أغمصه (١) عليها
قط، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن
العجين، فتأتي الداجن فتأكله، فقام رسول
الله صلی الله عليه وسلم من يومه، فاستعذر
من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (من يعذرني من
رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت
على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما
علمت علیه إلا خيرًا، وما كان يدخل على
أهلي إلا معي)، فقام سعد بن معاذ، فقال: يا
رسول الله، أنا والله أعذرك منه إن كان من
الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من
الخزرج أمرتنا، ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد
بن عبادة - وهو سيد الخزرج، وكان قبل
ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية
- فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله، ولا
تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير فقال:
كذبت لعمر الله، والله لنقتلنه، فإنك منافق
تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس،
والخزرج حتى هموا، ورسول الله صلى
الله عليه وسلم على المنبر، فنزل، فخفضهم
حتی سکتوا، وسکت وبکیت یومي لا يرقا
(١) أغمصه: أعيبه.
انظر: الصحاح، الجوهري ١٠٤٧/٣.
لي دمع، ولا أکتحل بنوم، فأصبح عندي
أبواي، وقد بكيت ليلتين ويومًا حتى أظن أن
البکاء فالق کېدي، قالت: فبينا هما جالسان
عندي، وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من
الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي،
فبینا نحن کذلك إذ دخل رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فجلس ولم يجلس عندي
من يوم قيل في ما قيل قبلها، وقد مکث
شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت:
فتشهد، ثم قال: (يا عائشة، فإنه بلغني عنك
كذا وكذا، فإن کنت بريئة، فسیبرئك الله،
وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله
وتوبي إلیه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم
تاب تاب الله عليه)، فلما قضى رسول الله
صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي
حتى ما أحس منه قطرة، وقلت لأبي: أجب
عني رسول الله صلی الله علیه وسلم، قال:
والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول
الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت:
والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى
الله عليه وسلم، قالت: وأنا جارية حديثة
السن، لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إني
والله لقد علمت أنکم سمعتم ما يتحدث به
الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن
قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة
لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر،
www. modoee.com
٢١٧

حرف التاء
والله يعلم أني بريئة لتصدقتي، والله ما أجد
لي ولکم مثلا، إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿نَصْرٌ
جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:
١٨].
ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن
یبرئني الله، ولکن والله ما ظننت أن ينزل
في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن
یتکلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو
أن یری رسول الله صلی الله عليه وسلم في
النوم رؤیا یبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه
ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه
الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء،
حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق
في يوم شات، فلما سري عن رسول الله
صلی الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان
أول كلمة تكلم بها، أن قال لي: (يا عائشة
احمدي الله، فقد برأك الله)، فقالت لي أمي:
قومي إلی رسول الله صلی الله عليه وسلم،
فقلت: لا والله، لا أقوم إلیه، ولا أحمد إلا
الله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ
عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيات (١).
وقد حملت هذه القصة دلالات كثيرة
على عدم التثبت لمن خاض فيها، منها:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا
، رقم ٢٦٦١، ١٧٣/٣، ومسلم في صحيحه،
كتاب التوبة، باب رقم ١٠، رقم ٢٧٧٠،
٤ /٢١٣٠.
أولًا: قصة الإفك الكذب فيها ظاهر
جدًّا؛ لأنه لا يمكن أن تكون زوجة نبي الله
صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف؛ لأن
الله لا يختار لنبيه إلا الطيبات، كما قال:
﴿اَلْقَبِيْثَتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَيِشَتِّ
وَالَّيِّبَاتُ لِلَِّبِينَ وَاَلَِّبُونَ لِلَّيِّبَاتِ﴾ [النور:
٢٦].
فمن خاض في هذه الحادثة غاب عنه
هذا الأمر بسبب عدم التثبت.
ثانيًا: يظهر عدم التثبت في هذه القصة،
في عدم تأمل الخائضين في حال حامل
لواء الإفك، إنه عبد الله بن أبي بن سلول
رأس المنافقين والذي كان معهم في غزوة
بني المصطلق -وكانت فيها حادثة الإفك-
وحدث منه ما حدث في هذه الغزوة مما
ذكره القرآن في قوله: ﴿وَ إِذَا قِلَ لَهُمْ تَعَالَوَا
يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ
يَصُدُّونَ وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ (٥ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ
أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ
اَللَّهُ لَهُمَّ إِنَّاللَّهَ لَا يَدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ
اُللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ وَللَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ) يَقُولُونَ لَيْن
رَجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعَزُّ مِنْهَا
الْأَذَلَ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:
٥ - ٨].
مَوَسُوبَة النَّطِّ
العَرَآن الكَرِيْمِ
٢١٨

لتثبت
ما حدث؟!
فكيف يصدّق بعد ذلك وقد حدث منه مرحلة الطفولة البريئة، لا تعرف الشرّ، ولا
تھمّ بمنكر، ولا تحسن الحياة إلا في فلك
النبوة العالي، وهي التي تربّت في حجر
صدّيق، وأعدت لصحبة نبي في الدنيا
والآخرة))(١).
يقول الشيخ محمد الغزالي عن موقف
ابن سلول في غزوة بني المصطلق وحادثة
الإفك: «لم يدر بخاطر أحد أنّ هذه الأوبة
المتعجّلة سوف تتمخّض عن أكذوبة دنيئة
يحيك أطرافها عبد الله بن أبيّ، ثم يرمي
بها بين الناس، فتسير مسير الوباء الفاتك،
فقد اختفى كالعقرب الخائنة، ثم شرع يلسع
الغافلين، قبع هذا المنافق في جنح الظلام
وبدأ ينفث الإشاعات المريبة.
وتدلّى- في غوايته- إلى حضيض بعيد،
فلم يبال أن يتهجّم على الأعراض المصونة،
وأن ينسج حولها مفتريات يندى لها جبين
الحرائر العفيفات.
في عودة الرسول صلى الله عليه وسلم
من غزوة بني المصطلق إلى المدينة، نبت
حديث الإفك وشاع، واجتهد خصوم
الله ورسوله أن ينقلوا شرره في كل مكان
قاصدين- من وراء هذا الأسلوب الجديد
في حرب الإسلام- أن يدمّروا على الرسول
صلى الله عليه وسلم بيته، وأن يسقطوا
مكانة أقرب الرّجال لديه، وأن يدعوا
جمهور المسلمین- بعد ذلك- يضطرب في
عماية من الأسى والغم !!.
وللوصول إلى هذه الغاية استباح ابن أبي
لنفسه أن يرمي بالفحشاء سيدة لمّا تجاوز
ثالثًا: الخوض في عرض عائشة رضي
الله عنها وعدم الظن بها خيرًا، فهذا من
التعجل وعدم التثبت الذي أنکره الله على
الخائضين في قوله: ﴿أَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ
الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرٌ وَقَالُواْ هَذَا
إِفْكُ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢].
فهذه الآية فيها عتاب للمؤمنين، إذ كان
الواجب عليهم إنكار ما سمعوه من إفك
وكذب حول بيت النبوة، وأن يقيس فضلاء
المؤمنين الأمر على أنفسهم، فإذا استبعدوه
عن أنفسهم، فأم المؤمنين أبعد لفضلها، فقد
«كان الأولى أن يظن المؤمنون والمؤمنات
بأنفسهم خيرًا، وأن يستبعدوا سقوط أنفسهم
في مثل هذه الحمأة، وامرأة نبيهم الطاهرة
وأخوهم الصحابي المجاهد هما من
أنفسهم. فظن الخیر بهما أولى.
فإن ما لا يليق بهم لا يليق بزوج رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ولا يليق بصاحبه
الذي لم یعلم عنه إلا خیرًا)»(٢).
وقد كان ظن بعض المؤمنين بزوجة
(١) فقه السيرة، محمد الغزالي ص٢٩١ بتصرف.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٠١/٤
بتصرف یسیر.
www. modoee.com
٢١٩

حرف التاء
نبيهم صلی الله عليه وسلم خيرًا، كما ورد
أن أبا أيوب رضي الله عنه قالت له امرأته أم
أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟
قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك
یا أم أيوب؟ قالت: لا والله، ما كنت لأفعله.
قال: فعائشة والله خير منك(١).
رابعًا: عدم إقامة البيئة على هذا الإفك
من الخائضين فيه: وهذا ما ذكره الله في
قوله: ﴿أَوْلَا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءً فَإِذْ لَمْ
يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأَوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾
[النور: ١٣].
قال الزمخشري: ((جعل الله التفصلة
بين الرمي الصادق والكاذب: ثبوت شهادة
الشهود الأربعة وانتفاءها، والذين رموا
عائشة رضى الله عنها لم تكن لهم بينة على
قولهم، فقامت علیھم الحجة و کانوا عند الله
أي: في حکمه وشريعته کاذبین. وهذا توبيخ
وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في
دفعه وإنکاره، واحتجاج عليهم بما هو ظاهر
مکشوف في الشرع، من وجوب تكذیب
القاذف بغير بينة، والتنکیل به إذا قذف امرأة
محصنة من عرض نساء المسلمين، فكيف
بأمّ المؤمنين الصدّيقة بنت الصدّيق حرمة
رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبة
حبيب الله؟))(٢).
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٧ /٢١٢.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٢١٩/٣.
خامسًا: قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
وَتَقُولُونَ بِأَفْوَ حِكُرُ مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ.
هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
ويتجلى عدم التثبت في هذه الآية في
ثلاثة أمور وهي:
الأول: تلقي الإفك بألسنتهم بالسؤال
عنه وپإشاعته، لا مجرد السماع عفوًا، وإنما
يأخذه بعضهم من بعض، ويذيعه وينشره
بدون تحقق.
الثاني: التکلم بما لا علم لهم به، ولا
دلیل علیه، وهذا ينافي التثبت، وهو حديث
باللسان دون القلب «لأن من المعلوم بداهة
أن التلقي إنما يكون بالأذن ثم يعرض
على العقل والقلب، وحينئذ يكون الكلام
باللسان، فإنما هي لفتة إلى السرعة وعدم
التأني أو التروي في إصدار الحكم، بل في
تداوله والتحرك به کأن الإفك عندما وقع من
ابن سلول صمت الآذان، وسترت العقول،
وغلفت القلوب، فلم ییق إلا أن لا کته الألسن
وتحرکت به الشفاه، دون فهم للواقع، ودون
معرفة بالظروف والملابسات)»(٣).
ولقد صوّر صاحب الظلال ذلك تصويرًا
بديعًا حين قال: ((وهي صور فيها الخفّة
والاستهتار، وقلّة الحرج، وتناول أعظم
الأمور وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمام: ﴿وإذ
تَلَقَّوْنَهُ بِالْسِنَتِگ﴾ لسان يتلقى عن لسان،
(٣) آفات على الطريق، السيد محمد نوح ٢/ ٧٠.
٢٢٠
القرآن الكريم

التثبت
بلا تدبر ولا تروّ، ولا فحص ولا إمعان
نظر، حتى لكأن القول لا يمر على الآذان،
ولا تتملاه الرؤوس، ولا تتدبّره القلوب،
﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَحِكُم مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾،
بأفواهكم لا بوعيكم، ولا بعقلكم، ولا
بقلبكم، إنّما هي كلمات تقذف بها الأفواه
قبل أن تستقر في المدارك، وقبل أن تتلقاها
العقول ... ))(١).
الثالث: استصغار ذلك القول، وهو
عند الله عظيم الإثم، موجب لشدة العقاب
﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ قال
الزحيلي: ((وهذا يدل على أمور ثلاثة: هي
أن القذف من الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ
عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ وأن عظم المعصية لا يختلف
بظن فاعلها، وإنما بالواقع، فربما كان جاهلًا
لعظمها، لقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ, هَيِّنَا﴾
وأن الواجب على المكلف في كل محرم
أن يستعظم الإقدام عليه، فربما كان من
الكبائر»(٢).
وهكذا يتبين من هذه القصة أن
للإشاعات وعدم التثبت دورًا خطيرًا في
تحريك النسيج الاجتماعي، والتأثير في
تماسكه، واللعب بعواطفه، وتوجيهه نحو
الهاوية إذا لم يتدارك الأمر.
(١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٥٠٢.
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ١٨ / ١٨١.
موضوعات ذات صلة:
المسابقة، المسارعة
www. modoee.com
٢٢١