Indexed OCR Text

Pages 21-40

التثبت
ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع
علیه وسلم.
ومن نماذج التثبت الجليلة في العلاقات الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي
السياسية: ما حدث من النجاشي عندما منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث
أرسلت قريش عمرو بن العاص وعبدالله الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه، وصدقه،
وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده
بن ربيعة إلى الحبشة بعد هجرة المسلمين
إليها، وكانا يحملان الهدايا إلى النجاشي
ويطارقته، فقابلا النجاشي فقالا له: أيها
الملك، إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم
ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه
لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم
أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم لتردهم
إليهم، فهم أعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم
فيه. فقالت بطارقته حوله -وقد تسلموا
الهدايا مسبقًا- صدقا أيها الملك، قومهم
أعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما،
فلیردوهم إلى بلادهم وقومهم.
ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من
الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث،
وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار،
والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن
الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم،
وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله
وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة
والزكاة والصيام فصدقناه وآمنا به واتبعناه
على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم
نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علینا، وأحللنا
ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا
عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة
الله تعالی، وأن نستحل من الخبائث، فلما
قهرونا وظلمونا وضیقوا علینا وحالوا بيننا
وبین ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على
من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا
نظلم عندك أيها الملك.
فغضب النجاشي ثم قال: لا لعمر
الله، إذن لا أسلمهم إليهما، ولا یکاد قوم
جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على
من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما
یقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان
أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن
كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت
جوارهم ما جاوروني.
ثم أرسل النجاشي إليهم، فتكلم جعفر
بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له: أيها
الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام،
فلما سمع النجاشي منهم، والتقى بهم
مرة أخرى على أثر وشاية من عمرو بن
العاص، وسمع منهم ثانية، قال النجاشي
لهم: اذهبوا، فأنتم شيوم(١) بأرضي، من
(١) الشيوم: الآمنون.
www. modoee.com
١٨٣

حرف التاء
سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم، ثم قال: وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا. وتصيبه
الإغماءة بين الحين والآخر.
من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرًا (١) من
ذهب وأني آذيت رجلا منکم، ردوا عليهما
هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ
الله من الرشوة حین رد علي ملکي، فآخذ
الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم
فيه، فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا
عليهما ما جاءا به، وأقام المسلمون عنده
بخیر دار مع خیر جار(٢).
فالنجاشي لم يسارع ویأخذ بكلام عمرو
بن العاص ومن معه، وإنما تأنی وأرسل إلى
المسلمین واستمع منهم، وتثبت من حالهم.
ويكون التثبت آكد في المجال السياسي
حينما يتعلق الأمر بأولياء الأمور والحكام
وقادة البلاد، فيجب التثبت مما ينسب
إلیهم، ویحکی عنهم، من تجريح، واختلاق
الأكاذيب، والافتراءات عليهم، ومحاولة
تنفير الناس منهم، أو تعميق الفجوة فيما
بینهم وبین مواطنیهم.
وأما قولهم: تصيبني الإغماءة بين
الحين والآخر، فإني شهدت مصرع خبيب
الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش لحمه،
ثم حملوه على جذع، فقالوا: أتحب أن
ومن النماذج المهمة في هذا الأمر: محمدًا مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني
ما ورد أن أهل حمص شکوا إلى عمر بن
الخطاب رضي الله عنه عامله علیهم سعید
بن عامر قالوا: نشکو منه أربعًا: لا يخرج إلينا
حتی یتعالی النهار. ولا یجیب أحدًا بليل.
انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٢٨٩/١.
(١) الدبر بلسان الحبشة: الجبل.
انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٢٨٩/١.
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٢٨٩/١.
فجمع عمر بينهم وبينه وقال: اللهم
لا تخيّب ظني فيه اليوم، وسأله عمر عن
هذه الشكوى، فقال: لا أخرج إليهم حتى
يتعالى النهار لأنه ليس لأهلي خادم فأعجن
عجینھم، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز
خبزي، ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم.
وأما قولهم: إني لا أجيب أحدًا بليل،
فإني جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لربي
عز وجل.
وأما قولهم: إن لي يومًا في الشهر لا
أخرج إليهم فيه، فإنه ليس لي خادم يغسل
ٹیابي، ولا ثیاب أبدلها فأجلس حتى تجف،
ثم أدلکھا، ثم أخرج إليهم من آخر النهار.
في أهلي وولدي وأن محمدًا شيك بشوكة،
فكلما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في
تلك الحال وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم،
إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك
الذنب أبدًا، فتصيبني تلك الإغماءة. فقال
عمر: الحمد لله الذي لم يخيب ظني فيه،
فبعث إليه بألف دينار ليستعين بها على
١٨٤
مُوسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم

التثبت
حاجته، ففرقها على المحتاجين(١).
حول الأمور الاقتصادية، كالمسائل المتعلقة
فأهل حمص أشاعوا عن أميرهم هذه بالبيع والشراء، والأثمان، والسلع المختلفة،
الأمور، وجعلوها منقصة في حقه دون أن وكذا الأمور المالية والنقدية والتجارية بصفة
یتثبتوا أو یتبینوا، وشکوا ذلك إلى عمر بن
الخطاب رضي الله عنه، الذي أزاح هذه
التهم عن سعيد بن عامر عن طريق التثبت
والتبين.
فالواجب على الفرد والمجتمع المسلم
أن يتنبه إلى الأخطار المحدقة من جراء
الإشاعات وعدم التثبت في الميدان
السياسي، والعواقب الوخيمة الناتجة عن
ذلك، وأن يتنبه المسلم إلى طبيعة العلاقة
المثلى الواجبة بين الحاكم والمحكوم،
والراعي والرعية، التي شرعها الإسلام
الحنيف، وميّزها عن غيرها من العلاقات.
خامسًا: المجال الاقتصادي:
للاقتصاد أهميته في حياة الفرد
والمجتمع، بل وفي العالم أجمع. ويرتبط
العالم اليوم بروابط اقتصادية كبيرة، فما
يحدث في منطقة أو دولة من دول العالم
-غالبًا- تتأثر بها بقية الدول سلبًا أو إيجابًا،
وبخاصة في حالات الحروب والكوارث.
وبناء على ذلك فالتثبت في مجال
الاقتصاد من الأهمية بمكان، فيجب عدم
نشر الإشاعات والأخبار غير الموثوق فيها
(١) صفة الصفوة، ابن الجوزي ١/ ٢٥٧.
عامة؛ حيث إن أکثر من یتأثر بهذه الأخبار
والإشاعات أصحاب الأموال والثروات
المالية الكبرى، مما ينعكس سلبًا بالتأثير
على اقتصاد الدولة.
ومن الأمور الحيوية الأكثر تأثرًا
في المجال الاقتصادي: سوق المال
(البورصة)، فهذه السوق تتأثر سلبًا وإيجابًا
بالأخبار الصادقة والكاذبة جراء التثبت
وعدمه.
ومن صور التأثير السلبي على سوق
المال نتيجة لعدم التثبت: «ما يقوم به بعض
المضاربين من الاتفاق فيما بينهم من خلال
التوصيات عبر الوسائل الحديثة، من:
(الجوّال أو المنتديات أو البريد الإلكتروني
أو تويتر أو فيس بوك) على شراء سهمٍ من
الأسهم المدرجة بغرض رفع قیمته إلى حدٍ
معین ثم بيعه بکمیات کبیرة، وهو ما یسمی
بـ (الجروبات)؛ ولأن الغرض منها إيهام
المتداولين بأن هذا هو السعر المناسب
للسهم حتی یقبلوا على شرائه بعد ارتفاعه،
ثم یصعب خلاصهم منه بعد تصریفه من قبل
تلك المجموعات (الجروبات).
والهدف من هذا البيع: إيهام المتعاملين
أن تغيّرات سعرية حدثت للورقة المعنية،
www. modoee.com
١٨٥

حرف التاء
وأن تعاملا نشطًا يجري عليها، ولما كانت
البورصات تقوم بنشر كافة المعلومات بشأن
الصفقات أولًا بأول، فإن هذه السلسلة من
البيوع للأوراق المالية من شأنها أن تؤدي
إلى انخفاض قيمتها السوقية بشكلٍ يوحي
بتدهور حالة المنشأة المصدرة لها، وهنا
يصاب البعض بالذعر مما يدفعهم إلى
التخلص مما یمتلکونه من هذه الأسهم،
الأمر الذي يترتّب عليه عروض كبيرة بدون
طلبٍ موازٍ فيهبط السعر، وعندها يتدخّل
المستثمر المخادع مشتریًا، ویحدث عکس
ما تقدّم في المضاربة على البيع)»(١).
فالتثبت وعدمه في الأمور الاقتصادية له
أثر كبير في نمو أو تدهور الحالة الاقتصادية
للمؤسسات والشركات والدول.
سادسًا: المجال القضائي:
إن حاجة الإنسانية إلى القضاء بمنزلة
حاجتها إلى الشمس والهواء، فلو رفع
القضاء من حياتها لهبطت إلى دركة البهائم
والعجماوات، وأكل قويها ضعيفها، و کبيرها
صغيرها.
ومهمة القضاء في الإسلام هي إرساء
دعائم العدل؛ ولهذا كان للقضاء في الإسلام
(١) انظر: صناديق الاستثمار في البنوك الإسلامية،
أشرف دوابه ص١٣٣، تطهير الكسب الحرام
في الأسهم والصناديق الاستثمارية، عطية
فیاض ص ٣٤.
منزلة رفيعة سامية، فهو فريضة من أقوى
الفرائض، وعبادة من أشرف العبادات لمن
ابتغى به وجه الله تعالى؛ لأنه إظهارٌ للعدل،
وإزالةٌ للباطل، وبالعدل قامت الأرض
والسموات.
وحاجة القضاء إلى التثبت قبل إصدار
الأحكام واضحة جلية، فلا يمكن تحقيق
العدل في القضاء إلا بالتثبت والتبين.
ولقد نبه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
إلى أن مجال القضاء هو المجال الأحوج
إلى اعتماد منهج التثبت في الحكم، فقال:
((الأمر بالتبين أصل عظيم في وجوب التثبت
في القضاء، وألا يتبع الحاكم القيل والقال،
ولا ينصاع إلى الجولان في الخواطر من
الظنون والأوهام))(٢)، وذلك لأن خطأ
القاضي خاصة في الإدانة والحكم، وهو
يقضي في اليوم في أكثر من قضية تضيع به
الحقوق، وتتضرر به الأعراض، فكان مطالبًا
أکثر من غيره بالتثبت.
ومن لوازم التثبت في القضاء:
أولًا: أن يسمع القاضي من الخصمين،
لا أن يسمع كلام خصم دون الآخر؛ فعن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بعثني
رسول الله صلی الله علیه وسلم إلى اليمن
قال: فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم
أسن مني، وأنا حدث لا أبصر القضاء؟ قال:
(٢) التحرير والتنوير ٢٣١/٢٦.
مَُبُوَالَرُ الْتَفْسِيْ
القرآن الكريمِ
١٨٦

التثبت
فوضع يده على صدري، وقال: (اللهم ثبت
لسانه، واهد قلبه، یا علي، إذا جلس إليك
الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من
الآخر کما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت
ذلك تبين لك القضاء) قال: فما اختلف علي
قضاء بعد، أو ما أشكل علي قضاء بعد (١).
ثانيًا: طلب البينة والدليل على الدعوى
من خلال الشهود، أو طلب اليمين من
الطرف الآخر عند النكول (٢) وعدم البينة،
وهي وسيلة من وسائل إثبات الحق الذي
يدعيه المدعي(٣):
فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لو
یعطی الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء
رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى
عليه) (٤).
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٧٤٤،
١٤٣/٢، والنسائي في السنن الكبرى. كتاب
الخصائص، باب ذكر قول النبي صلى الله عليه
وسلم لعلي: (إن الله سيهدي قلبك، ويثبت
لسانك)، رقم ٤٢٢/٧،٨٣٦٦، والحاكم في
المستدرك، رقم ٧٠٢٥، ٤ /١٠٥.
قال الحاکم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه))، ولم يتعقبه الذهبي.
(٢) النكول: امتناع من وجبت عليه اليمين، أو له.
انظر: شرح حدود ابن عرفة، الرصاع
ص٤٧٢.
(٣) انظر: نظام القضاء في الشريعة الإسلامية،
عبدالكريم زيدان ١ /١٥٥.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية،
باب اليمين على المدعى عليه، رقم ١٧١١،
١٣٣٦/٣.
ثالثًا: بناء الأحكام على العلم واليقين،
بعيدًا عن الشك والتسرع؛ لأن تبرئة المذنب
خير من إدانة البريء.
ومن النماذج التي ذكرها القرآن في
وجوب التثبت عند القضاء: ما جاء في قصة
داود عليه السلام مع الخصمين، وهو ما
ذكره الله في قوله: ﴿وَهَلْ أَتَنكَ نَبُواْ الْخَصْمِ إِذْ
◌َوَّرُواْ الْمِحْرَابَ إِذْدَ خَلُواْ عَلَى دَاوُ دَ فَفَرِعَ مِنْهُمّ
قَالُواْ لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُم
بَيْنَنَا بِأَلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ
٠/١٠/٥٠
﴿ إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ، ◌ِسْعُ وَتَسْعُونَ نَّعْجَةٌ وَلِىَ تَجَةٌ وَحِدَةٌ
فَقَالَ أَكْفِلْنِيَهَا وَعَزَّنِ فِ الْخِطَابِ ﴾ قَالَ لَقَدْ
ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَلِهِ، وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْخَلَطَاءِ
لَبْغِيِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَقَلِلٌ مَّا هُمّ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَنَّهُ
فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ؟ فَغَفَرْنَا
لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ، عِندَنَا لَؤُلْفَى وَحُسْنَ مَعَابٍ (
٢٥
يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمْ بَيْنَ
النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢١ - ٢٦].
فداود عليه السلام عندما سمع القضية
من المدّعي عرف أنه مظلوم، وأن خصمه
ظلمه وبغی علیه، وتأثر داود بما سمع، وظن
أن الأمر لا يتطلب سماع الطرف الآخر(٥).
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠١٧٨/١٥
www. modoee.com
١٨٧

حرف التاء
فعاتب الله داود عليه السلام على هذا زيد بن السمين). وقال لنفر من عشيرته:
الأمر؛ لأن مقتضى التثبت أن يسمع من إني غيبت الدرع، وألقيتها في بيت فلان.
الطرفين، لا أن يسمع طرفا دون الآخر.
ومن النماذج التي ذكرها القرآن أيضًا
في وجوب التثبت عند القضاء، ما جاء
في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ
بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ وَلَا
تَكُنْ لِلْخَلْبِنِينَ خَصِيمًا ﴿ وَأَسْتَغْفِرِ اللَّه
إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٦) وَلَا تُجَدِلْ عَنِ
الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
١٠٧
مَن كَانَ خَوَّانَا أَثِيمًا لَ
وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا
لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَ كَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا
هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَزِ
(١٠٨
اُلُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَم
مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٥ -
١٠٩].
وسبب نزول هذه الآيات أن نفرًا من
الأنصار- قتادة بن النعمان وعمه رفاعة-
غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
في بعض غزواته. فسرقت درع لأحدهم
(رفاعة). فحامت الشبهة حول رجل من
الأنصار من أهل بيت يقال لهم: بنو أبيرق.
فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق
درعي. فلما رأى السارق ذلك عمد إلى
الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي (اسمه
وستوجد عنده. فانطلقوا إلى رسول الله
صلی الله علیه وسلم فقالوا: يا نبي الله، إن
صاحبنا بريء، وإن الذي سرق الدرع فلان.
وقد أحطنا بذلك علمًا. فاعذر صاحبنا على
رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم
یعصمه الله بك یھلك. ولما عرف رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن الدرع وجدت
في بيت اليهودي، قام فبرا ابن أبيرق وعذره
على رؤوس الناس. وكان أهله قد قالوا
للنبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهور الدرع
في بيت اليهودي -: إن قتادة بن النعمان
وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام
وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا
ثبت! قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى
الله علیه وسلم فكلمته. فقال: (عمدت إلى
أهل بيت يذكر منهم إسلام وصلاح وترميهم
بالسرقة على غير ثبت ولا بينة؟).
قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت
من بعض مالي ولم أکلم رسول الله صلى
الله عليه وسلم في ذلك. فأتاني عمي رفاعة
فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال
لي رسول الله صلی الله عليه وسلم، فقال:
الله المستعان، فلم نلبث أن نزلت: ﴿إِنَّ
أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ
بِمَا أَرَنِكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾
١٨٨
القرآن الكريم

التثبت
[النساء: ١٠٥](١).
فالله سبحانه يخاطب نبيه صلى الله
عليه وسلم: ((إن عليك ألا تتهاون في
تحرى الحق اغترارًا بلحن الخائنين وقوة
جدلهم في الخصومة؛ لئلا تكون خصيمًا
لهم وتقع في ورطة الدفاع عنهم، والآيات
فيها إيماء إلى أن الاعتقاد الشخصي والميل
الفطري والديني لا ينبغي أن يظهر لهما أثر
في مجلس القضاء، وإلى أن القاضي لا
یساعد من یظن أنه صاحب الحق، بل عليه
أن يساوى بين المتخاصمين في كل شيء.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم في
هذه القضية قبل نزول الآيات ولم يعمل بغير
ما يعتقد أنه تأييد للحق، لكنه أحسن الظن
في أمر بيّن له علام الغيوب حقيقة الواقع
فیه، وما ينبغي له أن يعامل به ذويه))(٢).
فالآيات السابقة ترشدنا إلى أنه يجب
على القاضي أن يجعل الحق والصدق هدفه
في جمیع مواقفه، وأن يدقّق فيما يعرض
عليه، فلا يأخذ بظواهر الأمور، ولا ينخدع
بتزويق الخصوم، وعليه أن يحذر تلبيسهم
ولا ينساق بأي اعتبار غير اعتبار الحق
والعدل والحقيقة. ولا يتسرع في تصديق
فريق وتبرئته والدفاع عنه. وأن يرجع عن
الخطأ إذا ما ظهر له.
(١) انظر في سبب النزول: جامع البيان، الطبري
٩/ ١٧٦، تفسير ابن أبي حاتم ٤ /١٠٦٣.
(٢) تفسير المراغي ١٤٧/٥-١٤٨ بتصرف.
خطر الإشاعة وضررها
منذ أن خلق الله الخليقة وجد الصراع بين
القوى، صراعٌ يستهدف أعماق الإنسانية،
ويؤثر في كيان البشرية، وإذا كانت الحروب
والأزمات والكوارث والنكبات تستهدف
بأسلحتها الفتاكة الإنسان من حيث جسده
وبنائه، فإن هناك حربًا سافرة مستترة تتوالد
على ضفاف الحوادث والملمّات، وتتكاثر
زمن التقلبات والمتغيّرات، وهي أشدّ
ضراوة وأقوى فتكًا؛ لأنها تستهدف الإنسان
من حیث عمقه وعطائه، وقيمه ونمائه، إنها
حرب الشائعات.
الشائعات من أخطر الحروب المعنوية،
والأوبئة النفسية، بل من أشد الأسلحة
تدميرًا، وأعظمها وقعًا وتأثيرًا، وليس
من المبالغة في شيء إذا عدّت ظاهرة
اجتماعية عالمية، لها خطورتها البالغة
على المجتمعات البشرية. وفيما يأتي بيان
لتعريف الإشاعة وخطرها وضررها.
و(«الإشاعة: فکرة خاصة تنشر ليؤمن بها
الناس، تنتقل من شخص إلى آخر، ويتم هذا
عادة بواسطة الكلمة التي يتفوه بها الإنسان،
دون أن تستند إلى دليل أو شاهد)»(٣).
وقيل: ((الإشاعة: أخبار مشكوك في
صحتها، ويتعذر التحقق من أصلها، وتتعلق
(٣) الرأي العام، حسنين عبد القادر ص١٤٠.
www. modoee.com
١٨٩

حرف التاء
بموضوعات لها أهمية لدى الجهة الموجهة
إليها، ويؤدي تصديقهم أو نشرهم لها إلى
إضعاف روحهم المعنوية))(١).
وللإسلام نظرته الحكيمة في الإشاعة يكون جزاء مروجي الإشاعات في المجتمع
حسب طبيعتها، ومن ثم ترتيب الحكم
الشرعي والجزاء العادل عليها.
والمتأمل في النصوص المتعددة في
القرآن والسنة يجد أن الإسلام يحرم نقل
الإشاعات وترويجها بين الناس بغرض
الإفساد والتخريب، وهدم الكيان والبنيان
الاجتماعي، وصرف الناس عن عبادة الله
وعمارة الأرض، وعمل ما ينفع الناس، إلى به إلى يوم القيامة)(٢).
الاشتغال فيما لا ينفع.
ومعلوم أن نقل الإشاعة وترويجها في
المجتمع من أنواع الفحش والإثم والبغي
التي حرمها الله عز وجل بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا
حَرَّمَ رَفِيَ الْفَوَِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ
وَالْبَغَىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلَ
إِ﴿ه سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: ٣٣].
في المجتمع المسلم بالعذاب الأليم في
الدنيا والآخرة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ
تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
(١) أساليب مواجهة الشائعات، جمال محفوظ
ص ١٩٤.
[النور: ١٩].
فإذا كان هذا جزاء من يحب شيوع
الفاحشة والإشاعة في المجتمع، فكيف
المسلم؟!
وتوعده النبي صلى الله عليه وسلم
بأفظع عقاب، فعن سمرة بن جندب رضي
الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (رأيت الليلة رجلين أتياني، قالا:
الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يكذب
بالكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع
وكذلك حذرت الشريعة الإسلامية من
الاستماع للإشاعات وتصديقها وقبولها،
وأمرت بالتثبت والتروي عند سماعها، فقد
تكون تلك الأخبار كاذبة ومضللة، ولها
أهداف سامة وبغيضة وهادمة للمجتمع، بل
قد تعود بالضرر البالغ على المستمع لها،
ومعلوم أن لناقلي الإشاعات ومروجيها
أساليب خلابة ووسائل مغرية في عرض
وقد توعد سبحانه محبي رواج الإشاعة ما لديهم، الأمر الذي يجعل المستمع لهم
يقع في شباكهم، وتلتف حوله حبائلهم، فلا
يستطيع الفكاك منها.
قال تعالى موجهًا النصح لعباده
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ ﴾، رقم
٢٥/٨،٦٠٩٦.
١٩٠
القرآن الكريم

التثبت
﴿أَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ أولًا: أخطار وأضرار تتعلق بالناحية
الشرعية:
المؤمنین:
وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَآ إِنْكُ تُبِينٌ﴾
[النور: ١٢].
وقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن
جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيَّنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ
فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
قال الشوكاني: ((المراد من التبين:
التعرف والتفحص، ومن التثبت الأناة وعدم
العجلة، والتبصر في الأمر الواقع والخبر
الوارد حتى يتضح ويظهر)) (١).
والشائعات لها خطر عظيم وضرر
جسيم على الفرد والمجتمع وعلى مستوى
الدول والحكومات (٢)، فبجانب أضرارها
المعروفة من:
اتهام البريء بما ليس فيه.
تلوث الذمم والألسنة نتيجة الخوض
في أمور بلا تثبت.
انعدام الثقة المتبادلة في المجتمع.
شماتة الناس، وخاصة إذا كان منشأ
الإشاعة من العاملين في حقل الدعوة
وشباب الصحوة.
فإن لها أضرارًا وأخطارًا أخرى في
مجالات متنوعة، يتجلى ذلك في عدة أمور:
(١) فتح القدير، ٦٠/٥.
(٢) انظر: الإشاعة وأثرها في المجتمع،
عبدالرحيم المغذوي ص٢٥٨، اتجاهات
النهضة والتغيير في العالم الإسلامي، عباس
حسیني ص٥٣.
فالإشاعات يعظم خطرها حينما تتناول
موضوعات الشريعة الإسلامية وجوانبها
المتعددة، كاتهام عقيدة الإسلام بالتهم
الباطلة، وإشاعة الكذب نحوها، كذلك
الإشاعات الموجهة إلى الشريعة وما
تضمنته من عبادات ومعاملات وأخلاق
وحدود وغير ذلك.
ولا شك أنه لتلك الإشاعات المتعددة
ضد الشريعة الإسلامية بعض الأضرار
والأخطار على أبناء المجتمع المسلم،
وبخاصة ممن ليس لديهم حصانة عقدية
وفكرية قوية.
وقد حذر الله من الآثار السيئة المتوقع
حدوثها من كيد أعداء الإسلام، وإشاعاتهم
الخبيثة في المجتمع المسلم.
قال تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنَزَّلَ
اُللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ
عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَّلَ اَللَّهُ إِلَيْكٌّ فَإِن تَوَلَّوْ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُعدُ
اَللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
لَفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩].
ثانيًا: أضرار فكرية:
المتأمل في مسيرة التاريخ الإسلامي
يجد العديد من الإشاعات التي سرت في
المجتمع المسلم، واستهدفت فكره وعقله
www. modoee.com
١٩١

حرف التاء
وشعوره، وأثرت في معطياته ومنجزاته، بأنهم في علو عن غيرهم إن تمسكوا
بإيمانهم، وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا
◌َحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُتُّم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ [آل
عمران: ١٣٩].
وخاصة في العصر الحاضر، وذلك رغبة
في الهيمنة الفكرية على العالم الإسلامي،
ولتأكيد ذلك فقد استخدم أعداء الإسلام
سلاح الإشاعات التي يحملها الغزو الفكري
لتحقيق مآربهم، مما أسفر عن كثير من
الانحرافات الفكرية في بعض المجتمعات
الإسلامية، وولّدت لديها بعض الشكوك
والمخاوف من الشريعة الإسلامية دون دليل
تستند عليه أو برهان تنطلق منه.
ثالثًا: أضرار نفسية:
تنتظم الإشاعات فيما يسمى بالحرب
النفسية، والتي تتوجه بالدرجة الأولى إلى
نفسية الفرد والمجتمع المستهدف، فتقوم
بمحاولات لاختراقها، ومن ثمّ النفاذ إلى
داخلها وتحطيمها والهيمنة عليها، وإلحاق
الهزيمة المروعة بها.
وقد أشار القرآن إلى نوعية هذا الأثر
النفسي الخطير وأسماه بالأذى فقال:
﴿لَتُبْلَوُنَ فِىّ أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن
قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَذَى
كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ
عَـ
[آل عمران: ١٨٦]
زم الأ
ونظرًا لذلك كله يأمر الله تعالى
المسلمین بعدم الوهن والحزن، ویذكّرهم
والمتأمل في أحوال المجتمعات
الإسلامية اليوم يجد أن الآثار النفسية التي
لحقت بها عديدة، من خلال الإشاعات التى
شملت الفرد والأسرة والمجتمع.
رابعًا: أضرار اجتماعية:
تقوم الإشاعات بإحداث آثار سلبية
عديدة في حياة المجتمع، سواء على مستوى
الفرد أو الأسرة أو نطاق النسيج الاجتماعي
عامة.
وإذا ما سرت الإشاعة في المجتمع
وحملت مضامين سيئة أو مخيفة أو محبطة
أو ليست في صالح ذلك المجتمع عامة أو
تلك الفئة الاجتماعية خاصة، فإن الإشاعة
سوف تنجح في مهمتها، ویستجيب لها
الناس، وتحدث الأثر المطلوب.
خامسًا: أضرار اقتصادية:
تقوم الإشاعات بدورها في التأثير على
الحياة الاقتصادية، ومحاولة التأثير على
المستهلكين أو المنتجین، سواء كانوا أفرادا
أم أسرًا أم مجتمعات أم شركات ومؤسسات
أم دولًا ومنظمات.
ولا يخفى أن للمنافسات الاقتصادية
مَوَسُو ◌َ النَّفِيَة
القرآن الكريمِ
١٩٢

التثبت
وما يموج به سوق العمل والمال من
محاولات للربح والتضخم أمر یساعد على
ترويج الإشاعات، ومحاولة كل جهة نشر
الإشاعات ضد أعمال ومنشآت ومنتجات
الطرف الآخر ورميها بعدم الجودة أو الغش
أو ارتفاع الأسعار وما إلى ذلك من إشاعات.
والحقيقة أن تلك الإشاعات مضرة
باقتصاد أي مجتمع، وتنعكس سلبًا على
أفراده، ولا تخدم بأي حال من الأحوال
قضايا المجتمع ومسائله الاقتصادية
المتنوعة.
سادسًا: أضرار سياسية:
تكمن خطورة الإشاعات في المجال
السياسي حينما تتعلق بشخصيات الحكام
وأولي الأمر، ومحاولات تتبع أحوالهم
وشئونهم الخاصة والعامة، وتوظيف ذلك
بصورة خبيثة تهدف للنيل منهم وزعزعة
مکانتهم في قلوب الناس.
کما تهدف الإشاعات إلى محاولة تدمیر
المجتمع عن طريق توهين رموز النظام
السياسي الحاكم، أو التشكيك في مؤسساته
وهيئاته، والتشكيك بالمواقف والخطط
التي يضعها النظام السياسي، وتعتمد هذه
الإشاعات على أسلوب التهويل والتضخيم
والتشويش والتشكيك، وأخطرها ما يطلق
منها أثناء الحروب والاضطرابات الداخلية.
وهذه الإشاعات السياسية المغرضة
تحدث الشكوك، وتعصف بالمجتمع،
فينتج عن ذلك الأخطار العظيمة التي تهدد
کیان المجتمع بأسره.
يتضح مما سبق أن الإشاعات لها
أضرارها الخطيرة في مناحي الحياة الخاصة
والعامة، وهي لا تقتصر على مجال محدد،
بل تمتد لتشمل كل مجالات النشاط
البشري.
www. modoee.com
١٩٣

حرف التاء
فوائد التثبت
إن للتثبت فوائد كثيرة، نذكر منها (١):
١. التثبت علامة من علامات
الإيمان.
فقد وجّه الله النداء لعباده المؤمنين
بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِذَل
فَتَبَيُّواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بَجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا
فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
فدل ذلك على أن من علامات الإيمان
التثبت في الأخبار، وبمفهوم المخالفة فإن
عدم التثبت في الأخبار يقدح في الإيمان.
٢. السلامة من الأخطاء.
إن التثبت يجعل الإنسان المسلم
قريبًا من الصواب، وسالمًا من الأخطاء
والعثرات، فلا يتعجل ولا يتسرع في نشر
الأخبار حین سماعها، بل یتأمل ویتبین قبل
أن يتكلم، وينظر متفحصًا هل هذا الكلام فيه
مصلحة فيقدم عليه، أو فيه مفسدة فيحجم
عنه ویتوقف؛ لأنه لم يصدر عن علم(٢).
فالتثبت يحمي الإنسان من الغم والهم
اللذين يصاحبان الإنسان صحبة لها دوام،
وبه يميز بين الحق والباطل، وبين الخير
(١) انظر: التثبت والتبين في المنهج الإسلامي،
العليمي ص ١٠٦، التثبت في القرآن، محمد
حسين ص ١٠٧.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥/ ٦٠، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص١٩٠.
والشر، ويحميه من الجهل والوقوع في
الأخطاء والآثام العظام التي ربما تؤدي إلى
تلف النفوس والأموال بغير حق(٣).
لذلك كان توجيه الله للمؤمنين بالتثبت
حيث قال: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُ فَاسِقٌ
بَِّا فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا يَجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى
مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
٣. الثقة بالمؤمنين.
فقد اتهمت عائشة رضي الله عنها
بأسوأ الكذب والبهتان، وهي صاحبة الطهر
والعفاف، ولحق بالمؤمنين هم وکرب من
جراء هذا الاتهام الباطل، حتى نزل القرآن
يبرؤها من فوق سبع سماوات، ويحرّم
على المؤمنين أن يخوضوا في هذا الباطل،
ويوجب عليهم أن يثقوا بالمؤمنين، وأن
يظنوا بأنفسهم خيرًا (٤)، لذلك قال تعالى
لهم: ﴿أَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ
بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَآ إِنْكُ مُّبِينٌ ، أَوْلًا
جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ
فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [النور: ١٢ -
١٣].
فالظن السيئ وإشاعة الفاحشة في
المؤمنين من صفات شرار الخلق، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا
(٣) انظر: الكشاف ٣٦٣/٤، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص٨٠٠.
(٤) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١ / ٨٦١.
مُؤَسُولَةُ النَّسَيدِللو
القرآن الكريم
١٩٤

التثبت
أخبركم بخياركم؟). قالوا: بلى. قال: وكذلك الذين قتلوا الرجل وأخذوا ماله
(الذين إذا رؤوا ذكر الله، أفلا أخبركم بعد أن سلّم وشهد أن لا إله إلا الله مثل
بشراركم؟)، قالوا: بلى. قال: (المشّاؤون
بالنميمة، المفسدون بين الأحبّة، الباغون
البرآء العنت)(١).
٤. المحافظة على الدماء والأموال.
فبعض الصحابة قتل نفرًا من الناس،
وسلب ماله بغير تثبت، حتى نزلت فيه
وفي أمثاله الآية الكريمة: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوَاْ إِذَا ضَرَّبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيِّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ
لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا
تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ
مَغَانِمُ كَثِيرُ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤].
وبالتثبت نحافظ على الدماء والأموال
فالعجلة من أبواب الشيطان، ومن شأنها
والأعراض، وبدون التثبت فإن كل ضرورة أن تمنع صاحبها من الخير والتثبت والوقار
والحلم، وتجلب عليه الشرور والندم. وفي
من ضرورات الحياة تضيع، ويضيع معها
الإنسان.
المقابل فإن التثبت والتأني من الرحمن،
ومن التزم بهذا الخلق العظيم نال محبة
٥. الشعور بالسكينة والطمأنينة
النفسية.
الله ورضوانه، وقد قال نبينا صلى الله
عليه وسلم: (التأني من الله، والعجلة من
الشيطان)(٣).
فإن بعض الصحابة الذين خاضوا في
الإفك ونشروه من غير تثبت ولا تبين،
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٧٦٠٢،
٥٧٧/٤٥، والبخاري في الأدب المفرد، رقم
٣٢٣، ص١٦٨.
وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد
ص١٣٣ .
أسامة بن زيد رضي الله عنه، كل أولئك لم
يشعروا بالسكينة والطمأنينة في نفوسهم،
بل أصابتهم الحسرة وعمهم الندم لما نزل
الوحي من السماء يكشف الموقف، ويضع
النقاط فوق الحروف، وتمنوا أن لم يكونوا
أسلموا قبل ذلك اليوم(٢)، وصدق الله
إذ يقول: ﴿فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾
[الحجرات: ٦].
فالتثبت يشعرنا بالسكينة والطمأنينة،
ويبعد عنا كل شعور بالحسرة والندامة على
أقوال أو أفعال صدرت منا دون أن نتحقق
منها.
٦. نیل محبة الله ورضاه.
(٢) انظر: آفات على الطريق، السيد محمد نوح
٢/ ١٥٣.
(٣) سبق تخريجه.
www. modoee.com
١٩٥

حرف التاء
٧. توثيق عرى الأخوة ووحدة
الصف.
فالتثبت يؤدي إلى توثيق عرى الأخوة
ووحدة الصف، وحفظ المجتمع من كل
أسباب الخلاف والفرقة والعداوة والبغضاء.
وإن عدم الالتزام بهذه الفضيلة يؤدي
إلى اضطراب الصف، وإعطاء العدو فرصة
للانخراط في الصف المسلم.
وإن أسباب العداوة والفرقة والبغضاء
ترجع إلى اتهام المؤمنين بالظنون الضعيفة،
والتجسس عليهم، وتتبع عوراتهم، والغيبة
التي تأكل لحومهم وأعراضهم، والنميمة
التي تفسد عليهم حياتهم، فالتثبت من شأنه
أن يحفظ المؤمنين من هذه الأسباب، وأن
يقيم مجتمعًا خاليًا من الحقد والحسد
والظلم.
٨. حفظ الكرامات والحريات
والأعراض والأموال.
فإن من شأن التثبت وعدم التسرع أن يقيم
سياجًا متینًا لحفظ كرامات الناس وحرياتهم
وأعراضهم وأموالهم، ويبقيها مصونة من
عبث العابثين، ويحفظها من الظن الآثم
والتخريص الباطل، وذلك من خلال الأمر
بالتأني والتثبت، والنهي عن الاستعجال
والتخمين، وسوء الظن، والخوض في
الباطل، وشهادة الزور.
ومن شأن ذلك كله أن يحفظ المجتمع بما
فيه من كرامات وحريات وأعراض وأموال،
انطلاقًا من قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن
دماءكم وأموالكم وأعراضکم علیکم حرام،
کحرمة یومكم هذا، في شهر كم هذا)(١).
٩. تحقيق العدل بين الناس.
فالإسلام عندما أمرنا بالتثبت وعدم
قبول الأخبار إلا بعد التمحيص والتدقيق،
والتروي والتأني في إصدار الأحكام، ونهانا
عن اتهام الناس بالظنون الكاذبة، وعن
الكذب والغيبة والنميمة، إنما أراد من خلال
هذه الأوامر والنواهي تحقيق العدل الإلهي
الذي لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به، وإعطاء
كل ذي حق حقه.
١٠. تطهير المجتمع المسلم من
المنافقين.
فالتثبت يطهر المجتمع المسلم من
المنافقين وإرجافاتهم التي لا تنفك عن
الكذب، وإحداث البلبلة والفتنة، والسعي
إلى إيقاع المسلمين في الحيرة والاضطراب.
فالتثبت يعلّم المؤمنين أن يضبطوا
ألسنتهم فلا تمتد إلى الناس بأي سوء، ولا
يشيعون الفاحشة في المجتمع المسلم، مما
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، رقم ١٠٥،
٥٢/١، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج،
باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم
٠٨٨٦/٢،١٢١٨
مَوَسُولَةُ النَّفِيَة
القرآن الكريم
١٩٦

التثبت
يؤدي إلى التماسك وثقة المؤمنين بعضهم
ببعض، وعدم السماح للمنافقين بالتغلغل
بین صفوفهم.
هذا الضبط اللساني الشديد أدب وخلق
حرصت تعاليم هذا الدين على إيجاده في
المسلمين، لذلك قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ
قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
وسائل التثبت
هناك وسائل عديدة للتثبت بشكل عام،
منها (١):
١. عدم التسرع في تصديق الأخبار،
قبل التأكد من صحتها أو كذبها.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُ
فَاسِقٌ بِمَاٍ فَتَبَيَّواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا يَجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ
عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
قال ابن القيم: ((هاهنا فائدة لطيفة، وهي
أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه
ورد شهادته جملة، وإنما أمر بالتبين، فإن
قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على
صدقه عمل بدليل الصدق)) (٢).
إِذَا قوله: ﴿فَتَبَيَّنوا﴾ فيه أن أمر الله
بالتبين والتثبت في أمر الفاسق يدل على
عدم إهمال أمر الفاسق مطلقًا في نفس
الوقت الذي لا يعتمد عليه بثقة مطلقًا.
إن مما يسهم اليوم في مجانبة الحق
والصواب في المواقف: المسارعة في نقل
وتداول الأخبار ونقل الأحداث دون توثيق
وتثبت منها، والتعامل معها كأنها صدق
وحق لا ريب فيه، ومن ثم تتخذ المواقف
(١) انظر: التثبت والتبين في المنهج الإسلامي،
أحمد العليمي ص ١٠٢، نحو منهج شرعي
في تلقي الأخبار وروايتها، أحمد الصويان
ص٤٥.
(٢) مدارج السالكين، ابن القيم ٣٦٨/١.
www. modoee.com
١٩٧

حرف التاء
والأحكام المتسرعة على أساسها، ما ينجم
عنه الأحكام والمواقف الجائرة التي قد یندم
صاحبها عليها، لكن حين لا ينفع الندم؛
لأنها قد طارت کل مطير. ويشتد خطر هذه
المواقف وإثمها إذا كانت قد صدرت من
متبوع في علم أو دعوة أو جهاد.
وتتأكد أهمية التثبت والتوثق بصورة أكبر
في زماننا اليوم، الذي کثرت فيه وسائل النقل
والاتصالات الاجتماعية السريعة، وتسارع
الناس في نشر أي خبر والحكم عليه دون
أدنى تثبت منه؛ حرصًا من الناشر على السبق
والشهرة في نقل الأخبار، أو حرصًا على
إلحاق الأذى والتهم بخصمه.
فالتثبّت من كل خبر ومن كل ظاهرة
قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الكريم
ومنهج الإسلام القويم، ومتى استقام القلب
واللسان على هذا المنهج لم يبق مجال
للظن والشبهة في عالم المواقف والأحكام.
فکم من مظلوم في دينه وعرضه أو بدنه
أو ماله كان سبب ذلك التسرع في نقل
الأخبار وتلقيها دون تثبت وتمحيص. وكم
من أواصر قطعت بين الأقارب والإخوان
كان سببها الظنون الكاذبة وتلقي الأخبار
والشائعات دون تثبت.
والتثبت المنشود هنا يعني نوعين من
التثبت:
المقروء أو المشاهد، والتوثق التام من
صحته والاطمئنان إلى صدقه؛ لأنه قد
یتبیّن بعد التثبت أنه كذب مختلق، أو
فيه زيادة ونقصان، وعند ذلك يرفض
الخبر ويسلم الإنسان من نقل الأخبار
المكذوبة والشائعات، ويسلم من إثم
ذلك.
٢. إذا تبيّن صحة الخبر المنقول فلا يسوغ
بناء الأحكام والمواقف منه حتى يقف
وقفة أخرى من التثبت، ألا وهي التثبت
من خلفيات الخبر والملابسات التي
أحاطت به، والظروف التي عاشها من
نقل عنه الخبر، ومحاولة إحسان الظن
به؛ لأن في ذلك سلامة من المواقف
والأحكام الجائرة التي يحكم بها على
الخبر في حال عدم معرفة ملابسات
حصوله؛ لأنه بمعرفة الملابسات
والظروف التي أحاطت بالخبر وتسبّت
في حصوله، يحصل وضع الحكم
والموقف منه في حجمه الطبيعي دون
جور أو عدوان، وقد يظهر فيه عذر
ومبرر شرعي لأصحابه.
وهذا النوع من التثبت هو ما كان عليه
الرسول صلى الله عليه وسلم في مواقفه
من الأخبار، أو في مواقفه من الأخطاء التي
تنجم عن بعض أصحابه رضي الله عنهم،
١. التثبت من صحة الخبر المسموع أو فقد تكرر في مواقف كثيرة، وقبل أن يتخذ
١٩٨
مُوسُوبَةُ الْمَقِيَّة
جوبي
القُرآن الكَرِيْمِ

التثبت
الرسول صلى الله عليه وسلم موقفًا من يقولوا، ويحمّل كلامهم ما لم يحتمل.
صاحب الخطأ، أن يقول لصاحب الخطأ:
(ما حملك على ما صنعت)، وهذا تثبت منه
صلى الله عليه وسلم من أسباب وملابسات
الوقوع في الأخطاء.
٢. التأكد من ضبط النقلة وصحة
فهمهم.
من القضايا المشكلة التي يغفل عنها
بعض الأفاضل أنهم ينظرون إلى عدالة
الناقل وأمانته، دون النظر إلى ضبطه وإتقانه
في النقل.
وعندما تكون استجابة الإنسان عاطفية،
فإنه -عادة - يعجز عن تمييز الحقائق،
فقد يكون الناقل قد بلغ الغاية في التقوى
والورع، لكنه قليل الضبط، ضعيف الحفظ
لما يسمع.
وهذا يذكّرنا بقول ابن أبي الزناد:
((أدركت بالمدينة مائة مأمون، ما يؤخذ عنهم
الحدیث، یقال: لیس من أهله»(١).
ومن الناس من يسمع الخبر، وينقله على
غیر وجهه، ليس من باب الكذب والخيانة،
ولكنه لم يستطع أن يفهم الكلام على وجهه
الصحيح، فالله سبحانه لم يرزقه حسن
الفهم والتيقظ، ولهذا تراه يقوّل الناس ما لم
(١) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، ١٥/١.
إن هناك تفاوتًا كبيرًا بين الناس في
الإدراك والقدرة على تفسير الأحداث،
وحينما يفهم السامع من كلام القائل شيئًا،
ثم ينقل للناس مفهومه هو -لا منطوق
وهذا يشمل الأخبار التي تنقل عن القائل ونص كلامه- فإن هذا سوف يؤدي
الأفراد أو الطوائف.
إلی لبس شدید عند الناس.
وعدم مراعاة هذه الجوانب والتنبه لها
قد يؤدي إلى التسليم ببعض الأخبار الواهية
التي ليس لها أساس من الصحة، ثم تؤدي
هذه الأخبار دورها في إثارة الضغائن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((و کثیر من
الناقلين ليس قصده الكذب، لكن المعرفة
بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم
وسائر ما به یعرف مرادهم، قد يتعسر على
بعض الناس، ويتعذر على بعضهم))(٢).
٣. الاعتماد على القرائن في قبول
الأخبار وردها.
إذا نقل الخبر عن أحد من العلماء أو
الدعاة، ولم يتأكد لنا صحة النقل، أو صحة
فهم الدلالة، فينبغي أن يعرض ذلك الخبر
على أقواله وأفعاله السابقة واللاحقة،
ويقاس بطريقته وأحواله، فإن خالف ذلك
الخبر المعروف من سيرته وقوله، كانت
هذه قرينة مهمة في رد الخبر، أو حمله على
المعروف من حاله.
(٢) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية ١٩٣/٦.
www. modoee.com
١٩٩

حرف التاء
الأخبار وتنقيحها، قال ابن القيم: ((والكلمة
الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما أعظم
الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق،
والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه،
وما يدعو إليه ويناظر عليه))(١).
وقال السبكي: ((فإذا كان الرجل ثقة
مشهودًا له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن
يحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعوّد
منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح،
وحسن الظن الواجب به وبأمثاله)» (٢).
ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك ما نقل
عن الجنيد أنه قال: ((انتهى عقل العقلاء إلى
الحيرة)»(٣).
قال ابن تيمية: ((فهذا ما أعرفه من كلام
الجنيد. وفيه نظر هل قاله، ولعل الأشبه أنه
ليس من كلامه المعهود؛ فإن كان قد قال
هذا فأراد عدم العلم بما لم يصل إليه؛ لم
يرد بذلك أن الأنبياء والأولياء لم يحصل
لهم یقین ومعرفة وهدى وعلم؛ فإن الجنيد
أجل من أن يريد هذا، وهذا الكلام مردود
على من قاله))(٤).
ثم قال ابن تيمية: ((كل أحد يؤخذ من قوله
ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(١) مدارج السالكين، ابن القيم ٤٨١/٣.
(٢) قاعدة في الجرح والتعديل، السبكي ص٩٣.
(٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٣٩١.
(٤) المصدر السابق ١١/ ٣٩٢.
وهذا من الوسائل المفيدة جدًّا في تمييز وما ثمّ معصوم من الخطأ غير الرسول؛ لكن
الشيوخ الذين عرف صحة طريقتهم علم
أنهم لا يقصدون ما يعلم فساده بالضرورة
من العقل والدين))(٥).
٤. عدم التسرع في اتخاذ الأحكام
والقرارات.
وينبغي التفكر والتبصر في عاقبة التسرع
في الحكم، وما يؤدي إليه من الندامة، وتمني
عدم وقوعه.
فالعاقل هو الذي يتأنى ويتأمل ويتثبت،
ولا يتسرع، ويعرف عاقبة عدم الالتزام
بذلك. قال لقمان الحكيم: ((إن المؤمن إذا
أبصر العاقبة أمن الندامة»(٦).
٥. الجمع بين طرفي الخصومة
والاستماع إليهم، وعدم الحكم لطرف
قبل التثبت والسماع من الطرف الآخر.
الجمع بين طرفي الخصومة وسيلة من
وسائل التثبت التي من شأنها أن تعطي حكمًا
صائبًا صحيحًا خاليًا من الظلم والجور.
ولذلك کان رسول الله صلى لله عليه وسلم
يعلّم أصحابه أسلوب التثبت في القضاء.
فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلی الیمن قال: فقلت: يا رسول الله تبعثني
إلى قوم أسن مني، وأنا حدث لا أبصر
(٥) المصدر السابق ٣٩٣/١١.
(٦) إحياء علوم الدين، الغزالي ٤ /٣٩٦.
٢٠٠
القرآن الكريم

التثبت
٦. مناقشة صاحب الشأن قبل
القضاء؟ قال: فوضع يده على صدري وقال:
(اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه، يا علي، إذا الحكم.
جلس إلیك الخصمان فلا تقض بينهما حتی
تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول،
فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء) قال:
فما اختلف علي قضاء بعد، أو ما أشكل علي
قضاء بعد (١).
وقال عمر بن عبد العزيز: ((إذا أتاك
الخصم وقد فقئت عينه، فلا تحكم له
حتی یأتي خصمه، فلعله قد فقئت عيناه
جمیعًا)»(٢).
فلا يدفعه وجود أحد الخصمين وشعوره
بأنه مظلوم أن يحكم له قبل الاطلاع على
حجة الفريق الآخر، بل يجب عليه أن يسمع
دعوى الخصمين قبل الحكم، فلعل الذي
يظهر في هيئة المظلوم يكون قد أوقع على
خصمه ظلمًا أکبر من الذي حاق به.
عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم تختصمون
إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض،
فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا، بقوله: فإنما
أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها)(٣).
(١) سبق تخريجه.
(٢) العقد الفريد، ابن عبد ربه ١/ ٨٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين، رقم
٢٦٨٠، ٣/ ١٨٠، ومسلم في صحيحه، كتاب
الأقضية، بابالحكم بالظاهر واللحن بالحجة،
رقم ٠١٣٣٧/٣،١٧١٣
وخير ما يوضح هذا السبب موقف النبي
صلى الله عليه وسلم من حاطب بن أبي
بلتعة رضي الله عنه لما أخبر أهل مكة بغزو
النبي صلى الله عليه وسلم لهم.
فقد روى البخاري عن علي رضي الله
عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود قال:
(انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ(٤)، فإن
بها ظعينة(٥) ومعها كتاب فخذوه منها)،
فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى انتهينا إلى
الروضة، فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي
الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا:
لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته
من عقاصها(٦)، فأتينا به رسول الله صلى
الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي
بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة
يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (يا حاطب ما هذا؟)، قال: يا رسول
(٤) منطقة بين مكة والمدينة قرب حمراء الأسد.
انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي
٣٣٥/٢.
(٥) الظعينة: كل جمل يركب، وهذا هو الأصل،
وإنما سميت المرأة ظعينة؛ لأنها تركبه.
انظر: غريب الحديث، ابن سلام ٤ / ٤٣٧.
(٦) العقاص الضفيرة.
انظر: مختار الصحاح، الرازي ص٢١٤.
www. modoee.com
٢٠١

حرف التاء
الله لا تعجل عليّ، إني كنت أمراً ملصقًا في
قریش ولم أکن من أنفسها، و کان من معك
من المهاجرين لهم قرابات بمکة يحمون بها
أهلیهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من
النسب فیھم أن أتخذ عندهم یدًا يحمون بها
قرابتي، وما فعلت کفرًا ولا ارتدادًا ولا رضا
بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (لقد صدقكم). قال عمر:
يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق.
قال: (إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله
أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال:
اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)(١).
نلاحظ من خلال هذه القصة أن النبي
صلی الله عليه وسلم سأل حاطبًا عن سبب
فعلته، واستمع إلى جوابه وتبريره لما فعل،
وناقشه في ذلك، ولم يستعجل في رميه بتهمة
الخیانة، و کان صلی الله عليه وسلم یرید من
خلال ذلك أن يعلمنا التبين والتثبت، وعدم
الاستعجال في إطلاق الأحكام على الناس.
ونستفيد من هذه القصة في واقع حياتنا،
عدم الحكم على ظواهر الأمور قبل تبيّن
حقيقتها، فربما تحدث حادثة معينة، فيتعجل
الإنسان ويحكم على أشخاصها قبل معرفة
الأسباب والدوافع، وسماع وجهة نظرهم،
فيقع في لحومهم وأعراضهم، وفي ذلك
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد،
باب الجاسوس، رقم ٣٠٠٧، ٥٩/٤.
ظلم عظيم، فماذا سيخسر إن أرسل أو
اتصل بصاحب الشأن ليتأكد منه شخصيًّا
دون وسيط، ربما يكون هو سبب الفرقة التي
حدثت والكذب الذي نقل إلينا.
٧. الظن الحسن بالمؤمنين.
فينبغي أن يقيس ما يسمعه عنهم على
نفسه، فإن استبعده عن نفسه یستبعده عن
غيره: وفي هذا يقول الله: ﴿أَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ
ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذّآ
إِنْكُ مُّبِينٌ﴾ [النور: ١٢].
فمن الناس من يطلق لخياله العنان،
ويصوغ شتى التصورات التي تنسب إلى
الناس التهم، وتوقعهم في البلاء، وسوء
الظن يجعل الإنسان يتجه اتجاهًا مغایرًا
لما أراده الناس، ويقوم بتفسير الكلمات
والوقائع والأخبار بناء على خلفيات
نفسية مبيّتة، فيفرّغ كل كلمة من مضمونها،
ويملؤها بمعانٍ أخرى عديدة ليست من
مدلولها، ثم يمارس هذا الإنسان -دون
وعي- نوعًا من التحليل لما يراه ويسمعه،
ثم يضخّم إحساسه تضخيمًا مسرفًا بدون
أي تحفّظ.
فالظن السيئ هو ظلم للمؤمنين،
بل يتعدى إلى العدوان على أعراضهم
وكرامتهم بغير حق، بل لابد من إدانة ظان
السوء ليثبت ما يقول أو يتحمل الحكم
الشرعي الذي يصدر بحقة فيمن قذفهم.
مَوَسُولَةُ الَّ
القرآن الكريم
٢٠٢