Indexed OCR Text

Pages 21-38

البر
ورزقهم وتكفل بجميع شؤونهم ليستحق
منهم حسن الطاعة والانقياد وهذا هو جوهر
توحيد الألوهية، کما من المعلوم أنه لا یلیق
لمن اتصف بالألوهية والربوبية إلا أن تكون
أسماؤه حسنى، وصفاته صفات كمال،
وبهذا يكون الإيمان بالله تعالى مكتمل
الأركان، وبالتالي يعتبر من أعمال البر التي
تقرب العباد من ربهم جل وعلا.
٢. الوفاء بالعهود التي تكون بين المؤمنين
والمؤمنين.
وتشمل هذه العهود كافة أنواع التعاملات
المشروعة التي يجريها المؤمنون مع بعضهم
البعض.
٣. الوفاء بالعهود المشروعة التي تكون تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمّْ
بین المؤمنین وغير المؤمنين.
والضابط لهذه العقود أن يلتزم بها الكفار،
قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ
عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِ إِلَّ الَّذِينَ
عَهَدَثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ فَمَا أَسْتَقَهُوا
لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾
[التوبة: ٧].
ويلاحظ من الآية مجيء فاصلتها (( إن
الله يحب المتقين)» جملة تعلیلیة عللت ما
قبلها من تشريع، فتبين بذلك أن الاستقامة
على العهود مع الملتزمين بها من غير
المسلمين من التقوى التي يحب الله تعالی
من اتصف بها.
٢. الصبر.
خلق الصبر من أجمل ما يتصف به العبد
المؤمن، وسر جمال هذا الخلق الرفيع
يكمن في أمرين، الأول: أن الله تعالى
حث عليه وأعد الأجر العظيم لمن اتصف
به، والثاني: أن الصبر من أبرز ما اتصف به
الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام،
أما بالنسبة لحث الله تعالى.
فقد قرر سبحانه معیته وتأییده للصابرین،
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَِّرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
وأما بالنسبة لعظم أجر الصابرين قال
لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِىِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ
اللَّهِ وَسِعَةُ إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[الزمر: ١٠].
وأما بالنسبة لاتصاف الأنبياء بهذه الصفة
الخلقية الرفيعة قال تعالى على لسان رسله
عليهم السلام: ﴿وَمَا لَنَآ أَلََّ اللَّهِ وَقَدْ هَدَىنَا
سُبُلَنَا وَلَصْبِرَنَ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوََّّلِ الْمُتَوَّكِلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢].
وهذا القول من الرسل لأقوامهم يثبت
صبرهم على ما جوبهوا به من قبل أقوامهم
ردًا على دعوتهم لهم (١)، وحتى يكون الصبر
من أعمال البر التي تقرب العبد من ربه جل
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٣٩/١٦.
www. modoee.com
٥٣

حرف الباء
وعلا لابد من الاتصاف بأنواعه الثلاثة وهي:
١. الصبر على طاعة الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِوَاصْطِيْ
عَلَيْهَاً لَا نَشْتَلُكَ رِزْقًا ◌َّحْنُ نَزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ
لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
والمعنى واصبر على أدائها على أتم
وجه، والمداومة على إقامتها في مواعيدها،
والدعوة إليها (١)، وينطبق على سائر
الطاعات ما ينطبق على الصلاة.
٢. الصبر عن المعصية.
والشيطان لا يكفان عن الدعوة لاقتراف ما
نھی الله تعالى عنه.
وهذا يتطلب من العبد مجاهدة كبيرة
لعدم الانجرار إلى تلك الدعوة، وفي هذا
المضمار يقول المصطفى صلى الله عليه
وسلم: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار
بالشهوات)(٢).
وهذا الحديث بيث الأمل في نفس
المؤمن فهو يعلم أن صبره على عدم
الانجرار خلف الأهواء والشهوات لن
يضيع هباءًا منثورًا، وإنما سيجزيه الله تعالى
الجزاء الأوفى على صبره يوم لا ينفع مال
ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
٣. الصبر على المحن والمصائب.
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤٣٤/٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة
وصفة نعيمها وأهلها ٢١٧٤/٤، رقم ٢٨٢٢.
وفي هذا المقام يقول الله تعالى:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ اْقَوْفِ وَالْجُوعِ
وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمْرَتِّ وَبَشِيرٍ
الصَّبِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ (٦) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ
مِن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وبشارة الله تعالى للمؤمنين الصابرين
تتضمن حسن الثواب في الآخرة.
ویقول النبي صلی الله عليه وسلم: (إذا
ومعلوم أن النفس الأمارة بالسوء مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم
ولد عبدي، فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم
ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال
عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول
الله: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت
الحمد)(٣).
٣. إتيان البيوت من أبوابها.
تعود قصة الأمر بإتیان البيوت من أبوابها
إلى ما كان يقوم به الأنصار إذا أحرموا من
الامتناع عن دخول البيوت من أبوابها، وإذا
لزمهم دخول البيوت فإنهم يعمدون إلى
ثقب في ظهر البيت فيدخلون من خلاله،
ویعدون ذلك من البر.
فنبھھم الله تعالی إلی أن ذلك ليس من
(٣) أخرجه الترمذي، أبواب الجنائز، باب فضل
المصيبة إذا احتسب ٣٣٢/٢، رقم ١٠٢١،
قال عنه الترمذي: حديث حسن غريب.
مُوسُوبَةُ الَِّيَّة
القرآن الكريم
٥٤

البر
البر، والبر هو أن يأتوا البيوت من أبوابها
سواء أكانوا محلين أو محرمين.
وذلك في قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ
الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ
أَلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ
اَلْبِرَّ مَنِ اتَّقَىُّ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة
١٨٩].
وقد روى الإمام البخاري في صحيحه
عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال:
(نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا
حجوا فجاءوا، لم يدخلوا من قبل أبواب
بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجلٌ
من الأنصار، فدخل من قبل بابه، فكأنه
عير بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّبِأَن تَأْتُواْ
اَلْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَرُ
وَأَتُوْ اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا﴾﴾(١).
ويفهم من سبب النزول أن البر في تقوى
الله تعالى، وطاعته فيما أمر ونهى لا في
العدول عن تشريعاته (٢).
وقد وضع الإسلام لقبول العمل الذي
يبتغى فيه وجه الله تعالى الكريم شرطين
أساسیین:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب العمرة،
باب قول الله تعالى: ﴿وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ
أَنْوَبِهَا﴾، ٨/٣، رقم ١٨٠٣.
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢٠٣/١.
الأول: الإخلاص لله تعالى (٣).
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوّا
إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ
الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةٌ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيْمَةِ﴾
[البينة: ٥].
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء
عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي
غیري، تر كته وشر كه)(٤)
والشرط الثاني: موافقة العمل لما جاء به
الشرع.
وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله
عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما
ليس فيه، فهو ردٌ)(٥).
٤. الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر.
جعل الله تعالى قيام الأمة بواجب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر من أبرز
أسباب خيرتها وأفضليتها على من سواها
من الأمم، فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢٢٨/٦.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله
٢٢٨٩/٤، رقم ٢٩٨٥.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح،
باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح
مردود ٣/ ١٨٤، رقم ٢٦٩٧.
www. modoee.com

حرف الباء
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ اٌلَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ﴾ [التوبة: ٣٨].
أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ
الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [آل
عمران: ١١٠].
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
مهمة الأنبياء، وقد حذر النبي صلى الله عليه
وسلم من التقاعس عن أداء هذه المهمة
العظيمة فقال (والذي نفسي بيده لتأمرن
بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن
الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا
يستجاب لكم) (١).
وحتى يكون الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر من أعظم القربات إلى الله تعالى
لابد أن تراعى فيه الأمور الآتية:
١. مراعاة أحوال المدعوين أثناء أمرهم
بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وقد علم الله تعالى عباد المؤمنين كيف
يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
يظهر ذلك في عدة مواضع من كتاب الله
تعالی منها:
قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِ
(١) أخرجه الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
٣٨/٤، رقم ٢١٦٩.
وقال: حديث حسن.
وتبرز هذه الآية الكريمة أن الله تعالی قد
راعى أحوال المؤمنين عندما أمرهم بالجهاد
في سبيله، فالناس يميلون الراحة وعدم
الخروج لملاقاة العدو، خصوصًا إذا كانت
أوضاع الناس المعيشية في حالة من الرغد
والسعة.
وقد نزلت هذه الآية في الحر الشديد
حیث کان رسول الله صلی الله عليه وسلم
یجهز لغزو الروم، فأراد الله تعالی أن یشحذ
همم المؤمنین للجهاد في سبيله من خلال
بيان أن النعيم الدنيوي الذي يثبطهم عن
الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى قليل
بالنسبة لنعيم الآخرة (٢).
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ
أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ
كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ
لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢].
تنهى الآية الكريمة المؤمنين عن رفع
الأصوات فوق صوت النبي صلى الله عليه
وسلم ، وعن الجهر له بالقول كما يجهر
الواحد من المؤمنين لغيره من الناس.
ويعبر هذا النهي من الله تعالى لعباده
المؤمنين عن مدى المراعاة لأحوالهم فهم
على مقربة شديدة من رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وهذا التقارب إضافة إلى تواضع
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٦٠/٢.
٥٦
مُوسُو ◌َ الْبَقِبِد
جوية
القرآن الكريمِ

البر
وطبيعة تعامل المؤمنين مع غيرهم من
الناس أثناء محادثتهم قد يؤدي إلى اعتقاد
المؤمنين بجواز رفع الصوت فوق مستوى
صوته صلی الله عليه وسلم أثناء محادثته،
أو الجهر إليه بالقول كما يجهر لغيره من
عامة الناس، فجاء التنبيه الإلهي ليحول دون
وقوع ذلك الأمر الذي يتسبب في إحباط
أعمال المؤمنين الصالحة. (١)
٢. الحلم والتلطف مع المدعوين خلال
أمرهم بالمعروف ونھیھم عن المنكر.
وقد أثنى الله تعالى على رسوله الكريم
محمد صلى الله عليه وسلم لاتصافه باللين
في تعامله مع الناس.
فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ
لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوَلِكٌ
فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمِّ
فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّينَ﴾
[آل عمران: ١٥٩].
وبالتالي فلا يكفي الداعية أن يكون حاملًا
للحق، وإنما يجب عليه أن يمتلك الوسيلة
الحسنة ليقنع الناس بإتيان الحق، وترك
الباطل، ومما يمثل البراعة الرسول الكريم
صلى الله عليه وسلم في هذا الميدان،
موقفه من الرجل الذي بال في المسجد
فاجتمع إليه الصحابة الكرام رضوان الله
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٢٧٧.
النبي صلى الله عليه وسلم في معاملته لهم، تعالى عليهم ليزجروه، فينهاهم النبي صلى
الله عليه وسلم بقوله: (لا تزرموه دعوه
فتر کوه حتی بال، ثم إن رسول الله صلی الله
عليه وسلم دعاه فقال له: إن هذه المساجد
لا تصلح لشيءٍ من هذا البول، ولا القذر
إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة وقراءة
القرآن)(٢).
وربما لو لم يتدخل الرسول صلى الله
عليه وسلم حينها ليمنع الناس من زجره،
لترك الإسلام أو لوقع في نفسه البغض
للمسلمين، وهذا مالا يرضي ربنا جل وعلا.
٣. الشجاعة والجرأة في قول الحق.
وقد ذكر القرآن الكريم قصصًا لدعاةٍ
أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر بكل
جرأة وشجاعة فبذلوا في سبيل ذلك الغالي
والنفيس، ومن هذه القصص، قصة الرجل
المؤمن الذي دعا قومه لاتباع الرسل فقتلوه.
قال تعالى: ﴿وَجَآءُ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ
يَسْعَى قَالَ يَنَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ
أَتَّبِعُواْ مَنْ لَّا يَسََّلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ شُهْتَدُونَ)
وَمَالِىَ لَآ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِىِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ: مَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ
لَا تُغْنِ عَنِّ شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات
إذا حصلت في المسجد، وأن الأرض تطهر
بالماء، من غير حاجة إلى حفرها ٢٣٦/١،
رقم ٢٨٥.
www. modoee.com
٥٧

حرف الباء
إِّ إِذَا لَّفِىِ ضَلَلِ مُّبِينٍ إِنّتْ ءَامَنتُ
٢٣
بِرَبِّكُمْ فَأَسْمَعُونِ ) قِلَ أَدْخُلِ اَلْجَنَّةٌ قَالَ
يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ ﴾ بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ
وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ [يس: ٢٠ - ٢٧].
يتضح من الآيات الكريمة أن الرجل
المؤمن قد تحلى بشجاعة وإقدام في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمر قومه
باتباع الرسل عليهم السلام، وأظهر لهم
إيمانه فقتلوه بسبب ذلك، فادخله الله تعالی
الجنة. (١)
ويستفاد من تلك القصة أنه على الداعية
الذي يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر أن يكون شجاعًا جريئًا لا يخاف
في الله لومة لائم، فيقول الحق مهما كان
الثمن لقوله.
٥. التناجي بالبر والتقوى.
يعمد الناس إلى التناجي في حال أرادوا
التحدث بكلام لبعض الأشخاص دون
غيرهم في جماعة واحدة، ونظرًا للأثر
السلبي الذي تخلفه النجوى على المستثنين
من سماع الكلام الذي يدور من خلال
النجوى فقد وضعت الشريعة الإسلامية
ضوابط وآداب تضمن لمن التزمها في نجواه
تجنب التأثير السلبي للنجوى، وتتمثل هذه
الضوابط والآداب بما يأتي:
١. عدم التناجي إلا بالبر والتقوى.
(١) انظر: الوجيز، الواحدي ص٨٩٩.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَاتَتَجَيْهُمْ
فَلاَ تَنَجَوْأْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدّوَّنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ
وَتَجَوْ بِلِّ وَالنَّقْوَىّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىَ إِلَيْهِ تُخْشَرُونَ﴾
[المجادلة: ٩].
وبناءًا على ما جاء في هذه الآية من النهي
عن التناجي بالإثم والعدوان، فإن المؤمن لا
ینزعج إذا رأى إخوة له يتناجون دون إشراكه
في سماع ما يدور بينهم من حديث؛ لعلمه
بأن ما يتناجون به خير ليس فيه شيء مما نهى
الله تعالى عنه.
٢. إذا كانت الجماعة مكونة من ثلاثة
أشخاص فلا یتناج اثنان دون الثالث.
قال صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم
ثلاثةً، فلا یتناجى رجلان دون الآخر حتى
تختلطوا بالناس، أجل أن يحزنه).(٢)
٦. التعاون على البر والتقوى.
من حكمة الله تعالى أن جعل الإسلام
دين جماعة، يظهر ذلك جليًا في النصوص
الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنة
المطهرة، والتي يتوجه فيها الخطاب
للجماعة كالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
وغيرها، وتعزيزًا لذلك أمر الله تعالى عباده
المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى، فقال
تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِّ وَالنَّقْوَىٌّ وَلَا نَعَاوَنُواْ
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاستئذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا
باس بالمسارة والمناجاة ٨/ ٦٥، رقم ٦٢٩٠.
٥٨
جَوَسُو ◌َر النفسيةِ الموضوع
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

البر
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ على رفعة منزلة الصدق في أخلاق المؤمنين
الأتقياء.
أَلْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
ويشمل التعاون على البر والتقوى جميع
مجالات التعاون في ما أباح الله تعالى اتيانه
والتعاون في تأديته كالبناء، وصناعة الأشياء
المباحة، وعمل الشرکات، وتصنيف الكتب
النافعة ونشرها، وغير ذلك.
٧. الصدق.
أثنى الله تعالى على عباده الملازمين
للبر في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم بأنهم
صادقون.
فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الِبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ أَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبْهِ ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى
وَاَلْمَسَكِينَ وَأَبْنَ اُلسَّبِيلِ وَالسَّآِلِينَ وَفِي الْرِقَابِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُؤْقُونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَِّينَ فِ الْبَأْسَآءِ
وَأَلْشَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِنُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
كما أن خلق الصدق من الأخلاق
الحميدة التي دعا إليها الله تعالى في
كتابه العزيز، وذلك كما في قوله تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ
الصَّدِقِين.
[التوبة: ١١٩].
وأمر الله تعالى المؤمنين بتقواه ولزوم
الصدق في النية والقول والعمل فيه دلالة
وفي هذا الشأن يقول المصطفى صلى
الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر،
وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق
حتی یکتب صدیقًا، وإن الكذب يهدي إلى
الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن
الرجل لیکذب حتی یکتب کذاًا)(١).
والعبد إذا كتب عند الله تعالى من
الصديقين لملازمته الصدق في القول
والفعل والمعتقد، فإنه يكتب عند الله تعالى
مع الذين أنعم عليهم.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ
أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق
وفضله ٤ /٢٠١٢، رقم ٢٦٠٧.
www. modoee.com
٥٩

حرف الباء
البر والصلات الاجتماعية
أنعم الله تعالى على البشرية بأن خلق آدم
وخلق منه زوجه حواء؛ لیسکن إلیھا، ویانس
بها، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ
مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ
بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
كما أنعم الله تعالى على الناس بأن
جعلهم يتناسلون ويتكاثرون، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ
لَكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ وَرَزَقَكُمْ
مِنَ الطَّيِّبَتِ﴾ [النحل: ٧٢].
ومن المعلوم أن الله تعالى قد خلق
الإنسان ليؤدي مهمة الخلافة في الأرض،
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِ
جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
ولأداء هذه المهمة العظيمة لابد للفرد
من أن يعمل ضمن الجماعة، ولإيجاد
الجماعة لابد من ترابط الأفراد.
وقد ربط الله تعالى بين الأفراد بأمرين
أساسيين:
الأول: العبادات.
والثاني: المعاملات.
ومما تتضمنه المعاملات الإسلامية
الصلات الاجتماعية التي تقوي الروابط بين
مكونات المجتمع، كما لم يغفل التشريع
الإسلامي الروابط والصلات التي تربط
المجتمع المسلم بغيره من المجتمعات،
فشرع أنواع من التعاملات التي تربط
المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى.
وقد جعل الله تعالى البر هو العنوان
الرئيس لكافة العلاقات والروابط، سواء
أكانت بين الأفراد في المجتمع المسلم،
أو كانت بين المجتمع المسلم وغيره من
المجتمعات الأخرى، وبيان ذلك فیما یآتي:
أولًا: البر وصلة الرحم:
من فضل الله تعالى على عباده أنه
أوجدهم وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة،
ومن أعظم هذه النعم نعمة الوالدين
والأقارب.
وتكمن عظمة هذه النعمة في أن كلا من
الوالدين والأقربين يمثلون الحاضنة التي
توفر للإنسان ما يحتاجه من الرعاية التي لا
غنى له عنها في أي مرحلةٍ من مراحل حياته.
وبالتالي فينبغي على الإنسان أن يشكر
الله تعالى الذي من عليه بهذه النعمة
العظيمة، وذلك من خلال أمرين:
الأول: بر الوالدين والإحسان إليهما.
الثاني: الإحسان إلى الأقارب.
أما الأمر الأول وهو بر الوالدين
والإحسان إليهما، فقد قال الله تعالى فيه:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِلْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُ هُمَا أَوْ
٦٠
القرآن الكريم

البر
كِلَهُمَا فَلَا تَقُل ◌َّثُمَا أُنٍ وَلَا نَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا
قَوْلًا كَرِيمًا (٢) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ
مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَّا رَبَِّنِ صَغِيرًا﴾
[الإسراء: ٢٣ - ٢٤].
والملاحظ من الآيتين الكريمتين أن الله
تعالى قد شدد على ضرورة الإحسان إلى
الوالدين في جمیع أحوالهما وبالذات حین
يضعفهما الکبر في السن.
وهذا يتطلب من الابن أن يشعر بأنه مدانٌ
لوالديه بالكثير؛ فهما اللذان اعتنيا به حين
كان صغيرًا لا يقوى على القيام بشيء من
احتياجاته، هذا فضلا عن أنهما كانا السبب
في وجوده.
ومن الملاحظ أيضًا في الآية الأولى أن
الله تعالى قد أمر بالإحسان إلى الوالدين بعد
الأمر بإفراده بالعبادة، وهذا يدل على مدى
أهمية الإحسان إلى الوالدين.
كما يلاحظ في الآية الثانية أن الإحسان
إلى الوالدين لا يقتصر على فترة وجودهما
في الحياة، وإنما يبقى مستمرًا إلى ما بعد
وفاتهما.
وهذا ما فهمه الصحابة الكرام رضوان
الله تعالى عليهم أجمعين، فهذا عبد الله
بن عمر رضي الله عنهما يلقى أعرابيًا
فيسلم عليه، وينزل عن حماره ليحمل عليه
الأعرابي، ويهدیه عمامته، فيقول له حينها
عبد الله بن دينار رحمه الله تعالى: أصلحك
الله إنهم الأعراب ويرضون باليسير، فيرد
عليه ابن عمر رضي الله عنهما قائلًا: إن هذا
كان ودًا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن
أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه)(١).
ويقول الإمام القشيري: (( أمر - أي
الله تعالى- بالإحسان إلى الوالدين
ومراعاة حقهما، والوقوف عند إشارتهما،
والقيام بخدمتهما، وملازمة ما كان يعود
إلى رضاهما، وحسن عشرتهما، ورعاية
حرمتهما، وألا يبدى شواهد الكسل عند
أوامرهما، وأن يبذل المكنة فيما يعود إلى
حفظ قلوبهما ... هذا فى حال حياتهما،
فأما بعد وفاتهما فبصدق الدعاء لهما، وأداء
الصدقة عنهما، وحفظ وصيتهما على الوجه
الذي فعلاه، والإحسان إلى من كان من أهل
ودهما ومعارفهما))(٢).
وبالتالي فإن بر الوالدين يعد من أعظم
أبواب البر والخير التي يجب على الأبناء
أن يتزاحموا ويتسابقوا لولوج الجنة من
خلالها.
وأما الأمر الثاني الذي يشكر العبد ربه
من خلاله على نعمة الرعاية فهو الإحسان
إلى الأقارب.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب صلة أصدقاء الأب والأم،
ونحوهما ١٩٧٩/٤، رقم ٢٥٥٢.
(٢) لطائف الإشارات، القشيري ٣٤٤/٢-٣٤٣.
www. modoee.com
٦١

حرف الباء
وفيه يقول الله تعالى:
[الإسراء: ٢٦].
وتشمل حقوق ذوي القربى زيارتهم،
وحسن التعامل معهم، وأمرهم بالمعروف
ونهيهم عن المنكر، وتقديم العون لهم،
والإنفاق عليهم حال فقرهم، وغير ذلك من
أوجه برهم.
وقد جعلهم الله تعالى في الدرجة الثانية
بعد الوالدين نظرًا لكون الوالدين أعظم
فضلًا على العبد من باقي أقاربه.
ثانيًا: البر بالمسلمين:
أكرم الله تعالى عباد المؤمنين برباط
الأخوة الإيمانية المتين الذي ألف به بين
القلوب المتنافرة.
﴿هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِم
قال تعالى:
وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ
مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[الأنفال: ٦٢ - ٦٣].
وقال رسول الله: صلی الله عليه وسلم
(إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه
بعضًا، وشبك أصابعه)(١).
وتتطلب هذه النصوص الشرعية من
المسلمين حسن رعاية بعضهم لبعض،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره
١٠٣/١، رقم ٤٨١.
﴿ وَءَاتِ ذَا الْقَرَبِىَ
وممن خصهم الله تعالى بالذكر للحث على
رعايتهم الأصناف الآتية:
١. اليتامى.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَتِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّيْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتَمَى﴾ [البقرة: ١٧٧].
واليتيم هو من فقد أباه وهو صغير (٢)،
وقد خصه الله تعالى بالذكر وجعل النفقة
عليه من أوجه البر؛ نظرًا لأنه قد فقد من
يعيله ويتولى النفقة عليه بالعادة، وتركه
للفقر أمر فيه مفسدة عظيمة.
٢. الفقراء.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
[التوبة: ٦٠].
والفقير هو من لا مال له(٣)، وبالتالي
فهو في أمس الحاجة إلى يعينه على لوازم
الحياة.
٣. المساكين.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].
والمسکین هو من لا يملك ما یکفیه ومن
يعيله من المال(٤).
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ١٠٦.
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣١٦/٤.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية الأندلسي
٤٨/٣.
مَوْقَبُوالَهُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
٦٢

البر
مصارف الزكاة؛ حتى يتمكن من الحصول
على ما يسد به حاجته، ويكفيه ذل المسألة.
وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَتِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ
وَءَاقَ الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ﴾ [البقرة:
١٧٧].
والسائل هو الذي يطلب العون
والمساعدة من الآخرين (١).
وقد خصهم الله تعالى بالذكر والحث
على مساعدتهم؛ لأن سؤالهم ناجم عن
فقرهم، وعدم قدرتهم على الكسب، وفي
معونتهم سد لحاجاتهم.
٥. الجار.
قال تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
بِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ
وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى
وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦].
وتوصي الآية الكريمة بالإحسان إلى
الجيران عمومًا سواء أكانوا أقارب وأرحام،
أو كانوا أجانب، وسواء أكانوا ملاصقين في
سكناهم أو بعدت أماکن سكناهم، وقد أمر
الله تعالى بالإحسان إلى الجار نظرًا لتعدد
(١) انظر: معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن،
حسن الجمل ٢٧٦/٢.
وقد جعل الله تعالى هذا الصنف من الحقوق التي تكون للجار على جاره، فمثلاً
إن كان الجار مسلمًا ومن ذوي الأرحام
كانت له حقوق الإسلام والجيرة والقرابة،
وإن لم يكن من الأقارب كانت له حقوق
٤. السائلين.
الإسلام والجوار، وإن لم يكن مسلمًا كانت
﴿وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ
قال تعالى:
له حقوق الجوار فقط (٢).
وقد أكد المصطفى صلى الله عليه
وسلم على ضرورة الإحسان إلى الجار في
أحادیث متعددة، منها:
قوله صلی الله عليه وسلم (ما زال جبريل
يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه)(٣).
وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي
الله عنها عندما سألته عن المقدم بالهدية من
الجيران قائلةً: إن لي جارين فإلى أيهما
أهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك بابًا)(٤).
وهذا يدل على أن الجار الأقرب هو
الأولى بالهدية من الأبعد؛ لأنه ينظر إلى
يدخله الجار إلى بيته من المتاع بخلاف
الأبعد (٥).
(٢) انظر: تفسير القرآن، أبو المظفر السمعاني
٤٢٦/١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب الوصاة بالجار ١٠/٨، رقم ٦٠١٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة
وفضلها والتحريض عليها، باب بمن يبدأ
بالهدية ١٥٩/٣، رقم ٢٥٩٥.
(٥) انظر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري،
القسطلاني ٩/ ٢٦.
www. modoee.com
٦٣

حرف الباء
٦. ابن السبيل.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَىِّ
وَاَلْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وابن السبيل هو المنقطع عن أهله وماله
في سفر (١)، وقد جعل الله تعالى إعانة ابن
السبيل أحد أوجه البر لما في الانفاق عليه
بغية إيصاله إلى بلده وماله من التيسير على
المعسر الذي انقطع عن ماله في غیر بلده.
٧. في الرقاب.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَلَىّ
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِىِ
اَلْرِقَابِ ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والمراد بمن في الرقاب هم العبيد(٢).
وقد حث الله تعالى على فكاكهم في غير
موضع من القرآن الكريم؛ لما في فكاكهم
وتخليصهم من الرق والعبودية من الحفظ
لكرامتهم، والإعلاء لشأنھم.
ثالثًا: البر مع الأعداء:
لم يقتصر فضل البر على المسلمين
فحسب، وإنما تعدى الأمر المسلمين ليصل
(١) انظر: فتح البيان، القنوجي ١٨٢/٥.
(٢) انظر: معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن،
حسن الجمل ٢٧٤/٣.
إلی غیرهم من غير المسلمین، وما ذلك إلا
تعبيرًا عن سماحة الإسلام وأهله.
وفي هذا الشأن يقول الله تعالى: ﴿لَا
يَنْهَنَكُاللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِ اَلِدِينِ وَلَوْ نُزِجُوكُ
مِّن دِيَرِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ ، إِنََّا يَتَهَنَّكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِى
اُلِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُ واْ عَلَ إِخْرَاجِكُمْ
أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَنَوَلَُّمْ فَأَوْلَبِكَ هُمُ الَّتِسُونَ﴾
[الممتحنة: ٨ - ٩].
وتبين الآية الكريمة أن البر إلى غير
المسلمين جائز شريطة أن يكونوا مسالمين
وأن يلتزموا بعهودهم ومواثيقهم التي
أبرموها مع المسلمين.
﴿كَيْفَ يَكُونُ
قال تعالى:
لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِة
إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ فَمَا
أَسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُوا لَمُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧].
أما المحاربين فلا تجوز مودتهم؛ لأنهم
ناصبوا المسلمین العداء، وبذلوا كل جهد
للقضاء على الإسلام والمسلمين، فهؤلاء
ليس لهم عند المسلمين إلا القتال حتى
يغلبوا وينتهي شرهم، ولا يعني ذلك جواز
تجاوز الحد المأذون به شرعًا في معاقبة
الأعداء، أو معاقبة غير المعتدين (٣)؛ فإن
العدل مع الأعداء من البر الذي دعا إليه
(٣) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٢٩١/٧.
جَوَسُواحَرَ النَّيّة
القرآن الكريم
٦٤

البر
الإسلام.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
كُونُواْ قَوَِّينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلَاَ
يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ
أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٌّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
والبر إلى المسالمين من غير المسلمين
يكون في التعامل معهم في مختلف
المجالات بالرفق واللين، وعدم هضم
حقوقهم أو الانتقاص من شأنهم، وذلك
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ألا
من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق
طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ، فأنا
حجيجه يوم القيامة)(١).
ولا يشمل البر إلى المسالمين من غير
المسلمين موالاتهم في معتقداتهم الفاسدة،
فالغرض من برهم هو دعوتهم إلى الهدى
والإيمان وليس التأثر بمعتقداتهم الباطلة.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ )
لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُّدُونَ تَعْبُدُونَ وَلَآَ أَنْتُمْ
عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ وَلَآَ أَنْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُمْ )
وَلَآَ أَنْتُمْ عَِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ٥ لَكُرْدِينُكُمْ وَلِىَ
دِينِ ﴾ [الكافرون: ١ - ٦].
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الخراج
والإمارة والفيء، باب في تعشير أهل الذمة
إذا اختلفوا بالتجارات ٣/ ١٧٠، رقم ٣٠٥٢.
وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع
٥١٨/١.
آثار البر في الدنيا والآخرة
مما لا شك فيه أن للبر آثار جليلة تعود
بالنفع على الأبرار في الدنيا والآخرة، كيف
لا یکون ذلك والله تعالی هو الذي أمر بالبر
وحث عليه المؤمنين، ولمعرفة تلك الآثار
لا بد للنظر في نصوص القرآن الکریم، وبیان
ذلك فيما يأتي:
أولًا: آثار البر في الدنيا:
١. محبة الله تعالی.
وقد أكد الله تعالى محبته للقائمين
بأعمال البر التي حثت الشريعة الإسلامية
في غير موضع من کتاب الله تعالی.
قال تعالى: ﴿أَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِ السَّرَآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ
النَّاسِّ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:
١٣٤].
والآية الكريمة تبين أن الإنفاق في سبيل
الله تعالى في السراء والضراء، وكظم الغيظ،
والعفو عن الآخرين، والإحسان في الأمور
كلها تستدعى محبة الله تعالى، ومما لا شك
فيه أن الأمور التي ذكرتها الآية الكريمة من
أعمال البر.
وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَكَأَيِّن
مِّن نَّبِيٍ قَتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَّ
أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْوَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاَللَّهُ
www. modoee.com
٦٥

حرف الباء
[آل عمران: ١٤٦].
يُحِبُّ الصَّبِرِينَ
والآية الكريمة تحث على الصبر
والتحمل في سبيل إعلاء شأن الإسلام،
وعدم الفتور والضعف والاستكانة مهما
أصابهم من قتل وجراح وغير ذلك في سبيل
الله تعالى(١).
ومعلوم أن الصبر من أعظم الأخلاقيات
التي حث عليها الإسلام.
٢. الطمأنينة وانشراح الصدر.
قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ.
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ.
يَجْعَلْ صَدْرَهُ، ضَيِّقًا حَرَجًاً كَأَنَّمَا يَضَعَدُ
فيِ السَّمَآءْ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرَّحْسَ عَلَى
اَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٥) وَهَذَا صِرَطُ رَيِّكَ
مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الَيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّ كَّرُونَ (٦)
لَهُمْ دَارُ السَّلَمِ عِندَ رَيْهِمٌ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥ - ١٢٧].
يبين الله تعالى في هذه الآيات الكريمة
أن الذي يهديه الله تعالى للإسلام يشرح
صدره بأن يقذف في قلبه نورًا يميز من
خلاله الحق فيقتنع به ويهتدي إليه، وتطمئن
نفسه إلى المسلك الذي یسیر فیه(٢).
قال تعالى: ﴿اَللَّهُ وَبِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
[البقرة :
يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُّمَتِ إِلَى النُّورِ﴾
٢٥٧].
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/ ٤٢٧.
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ١٦٨/٢.
والمقصود بالظلمات في الآية الكريمة
هو ظلمات الكفر، والنور هو نور الإيمان(٣).
وهذا النور الذي يجده المؤمن في حياته
هو سبب الراحة النفسية التي يعيشها، كما أن
الطمأنة الإلهية للمؤمنين الأبرار هي مفتاح
السعادة بالنسبة لهم.
وقد جاءت هذه الطمأنة في الحديث
القدسي الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه
وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليا فقد
آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ
أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال
عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا
أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره
الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله
التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن
استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا
فاعله ترددي عن نفس المؤمن، یکره الموت
وأنا أكره مساءته) (٤).
يبين هذا الحديث الشريف أن الاجتهاد
في أعمال البر أمر يوجب محبة الله تعالى،
كما أن الله تعالى يكرم الأبرار بلذة وراحة
أثناء قيامهم بأعمال البر.
وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله
عليه وسلم: (ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة
(٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
الغرناطي ١/ ١٣٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب التواضع ٨/ ١٠٥، رقم ٦٥٠٢.
٦٦
مَوَسُوبَةُ النَّسية
القرآن الكريم

البر
الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما تعالي في موضع آخر: ﴿قَالَ أَهْيِطَا مِنْهَا
جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِحْضِ عَدٌُ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم
سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله،
وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن
يقذف في النار)(١).
مِّنِى هُدِّى فَمَنِ أَتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا
يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].
ولا يقتصر انشراح صدر المؤمن البار
واطمئنانه خلال فترة حیاته فحسب، بل إن
الملائكة الكرام تتنزل عليه عند قبض روحه
لطمأنته وتبشيره (٢).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
أُسْتَقَمُواْ تَتَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلََّّ
تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ
تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
٣. الحياة الطيبة.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ
طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
والملاحظ أن الآية الكريمة عبارة عن
جملة شرطية، ومعلوم أن أسلوب الشرط
يعمد إلى الربط بين أمرين فلا يتحقق الأمر
الثاني إلا إذا تحقق الأمر الأول، وبالتالي
فإن تحقق حصول الحياة الطيبة للعبد في
الدنیا أمر مرهون باستقرار الإيمان في قلبه،
ومداومته على العمل الصالح، ويقول الله
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حلاوة الإيمان ١/ ١٢، رقم ١٦.
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٥٢/٢.
وتبين هذه الآية الكريمة أن اتباع الهدى
شرط لعدم الضلال والشقاء.
ثانيًا: آثار البر في الآخرة:
وضع الله تعالى شرطًا للنجاة من عذابه
الأليم في الآخرة، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا
بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌّ فَنْ كَانَ
يَرْجُو ◌ْلِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ
رَيِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وتوضح الآية الكريمة أن الشرط هو
المداومة على العمل الصالح، وعدم
الاشراك بالله تعالى مطلقًا، وقد أكد الله
تعالى في غير موضع من القرآن الكريم على
حسن مآل الأبرار المحسنین، کما حدد آثار
البر والعمل الصالح على الأبرار في الآخرة،
والتي منها ما يأتي:
١. الأمان من الخوف والحزن.
قال تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اَللَّهِ لَا
خَوْفُ عَلَيَّهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:
٦٢ - ٦٤].
تبین الآيات الكريمة أن أولياء الله تعالى
من المؤمنين الأبرار لا خوف عليهم مما
سيكون يوم القيامة من أهوال مخيفة، ولا
www. modoee.com
٦٧

حرف الباء
هم يحزنون على ما أسلفوا، لأنهم لم يقدموا أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى
إلا صالحًا(١).
يقول شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري
في تفسير هذه الآية: ((يقول تعالى ذكره: ألا
إن أنصار الله لا خوف عليهم في الآخرة من
عقاب الله، لأن الله رضي عنهم فآمنهم من
عقابه، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من
الدنيا)) (٢).
٢. النجاة من النار والفوز بالجنة
ونعيمها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ عَلَى
الْأَرَّبِكِ يَنْظُرُونَ ٦ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَصْرَةً
التَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ تَخْتُوٍ )
خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَفِسُونَ )
وَمِنَ اجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
[المطففين: ٢٢ - ٢٨].
تبين الآيات الكريمة حسن ما أعده الله
تعالى لعباده الأبرار من النعيم والثواب
في جنانه التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن
سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وقد قال الله تعالى عما في هذه الجنان:
﴿لَهُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ وَهُمْ مَايَذَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧].
قَالُواْ رَبَّنَا
وَإِنَّ الَّذِير.
وقال تعالى أيضًا:
اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدِمُواْ تَخَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٣٦٨.
(٢) جامع البيان، الطبري ١١٨/١٥.
نَحْنُ أَوْلِیَاؤُكُمْ فِ
كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْأَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا
تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾
[فصلت: ٣٠-٣١].
فهذه الآيات تحتوي على البشارات
الواضحة بدخول المؤمنين الصالحين
الأبرار جنان ربهم جل وعلا، وحصولهم
فيها على ما يشاؤون من النعم والمتع، كما
جاءت آيات أخرى تبين الطريقة التي من
خلالها ادخال المؤمنین إلی جنان ربهم جل
وعلا، منها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ
إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥].
وتعني كلمة وفدًا أي: ركبانًا(٣).
وهذا مما يدل على تكريم الله تعالى لهم
لما قدموه من العمل الصالح في الدنيا.
ومن الآيات أيضًا التي تبين حسن
استقبال المؤمنين البررة عند دخولهم الجنة
قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى
اَلْجَنَّةِ زُمَرَاْ حَقََّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ ◌ِبْتُمْ
فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ ﴾ [الزمر: ٧٣].
وتبين الآية الكريمة أن خزنة الجنة من
الملائكة يستقبلون الأبرار من المؤمنين
الأتقياء أحسن الاستقبال عند دخولهم
الجنة، وحين يرى المؤمنون حسن
(٣) جامع البيان، الطبري ١١٨/١٥.
٦٨
ضـ
مَوَسُولَةُ التَّفي
القرآن الكريم

البر
استقبالهم وما أعده الله تعالى لهم من الأجر
الكبير يقولون: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى
صَدَقَنَا وَعْدَهُ، وَأَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ
[الزمر: ٧٤].
حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
موضوعات ذات صلة:
الإحسان، التطوع، الخير، العطاء
www. modoee.com
٦٩