Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
البَنْوَةَ
عناصر الموضوع
مفهوم البنوة
٣٤٦
البنوة في الاستعمال القرآني
٣٤٧
الألفاظ ذات الصلة
٣٤٨
٣٥٠
البنوة بين الفتنة والنعمة
٣٦٢
حقوق الأبناء
٣٦٥
واجبات الأبناء
المُجَلَّدَ السَّابِعْ

حرف الباء
مفهوم البنوة
أولًا: المعنى اللغوي :
ابنٌّ: جمعه: أبناءٌ، وبنون ((الولد الذكر)). والابن: الولد، ولامه في الأصل منقلبةٌ عن واوٍ
عند البعض، وقيل في معتل الياء: الابن الولد، فعلٌ محذوفة اللام مجتلبٌ لها ألف الوصل،
وإنما قضى أنه من الياء؛ لأن بنى يبني أكثر في كلامهم من يبنو، والجمع أبناء. والاسم البنوة،
فالبنوة مصدر الابن. يقال: ابنٌّ بين البنوة. ويقال: تبنيته أي ادعيت بنوته. وتبناه: اتخذه ابنًا (١)،
وسمي بذلك لأنه بناءٌ للأب، فإن الأب هو الذي بناه، وجعله الله بناءً في إيجاده، ومؤنثه ابنة
وبنت، وجمعه بنات (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال فيه الراغب: ((يقال لكل ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته، أو بتفقده أو كثرة
خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه))(٣).
وذكر بعض المفسرين كالشوكاني قوله: «الابن: هو أخص القرابة، وأولاهم بالحماية،
والدفع، والنفع، فإذا لم ينفع، فغيره من القرابة والأعوان بالأولى)) (٤)، وقال فيه الشعراوي:
((الابن هو الإنسان الوحيد في الوجود الذي يود أبوه أن يكون الابن أفضل وأحسن حالًا منه،
ویتمنی أن یعوض ما فاته في نفسه في ولده، ويتدارك فیه ما فاته من خير»(٥).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٨٩/١٤.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٦٢ - ٦٣.
(٣) المفردات، ص١٤٧.
(٤) فتح القدير، ٤/ ١٢٣.
(٥) تفسير الشعراوي، ١١٦٣٦/١٩.
٣٤٦
الوضوء
مُوسُوبَةُ النَِّيـ
القرآن الكريمِ

البنوة
البنوة في الاستعمال القرآني
وردت صيغ مادة ((بنو)) الدالة على بنوة الأبناء في القرآن الكريم (١٦٢) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
المفرد
٤٠
﴿وَنَادَى نُوعُّ أَبْنَهُ،وَكَانَفِ مَعْزِلٍ﴾ [هود: ٤٢]
المثنى
٢
﴿ وَثَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِ﴾ [المائدة: ٢٧]
فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَنِكَ أَلْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْسَنُونَ
١٤٩
الجمع
١٢٠
[الصافات: ١٤٩]
وجاءت مادة (بنو) في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو الشيء يتولد عن الشيء، كابن
الإنسان وغيره (٢).
قال الله تعالى: ﴿وَحَلَبِلُ أَبْنَابِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
أي: وحلائل أبنائكم الذين ولدتموهم(٣).
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص١٣٦ - ١٣٩.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٣٠٣.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٥٦٠.
www. modoee.com
٣٤٧

حرف الباء
الألفاظ ذات الصلة
الولد:
١
الولد لغةً:
الولد: كل ما ولد، ويطلق على الذكر والأنثى، والمثنى والجمع، وجمعه: أولادٌ، ولد
الشيء من الشيء: أنشأه وأنتجه (١).
الولد اصطلاحًا:
قال الراغب: ((الولد: المولود. يقال للواحد والجمع والصغير والكبير))(٢).
الصلة بين الولد والابن:
١. أن الابن يفيد الاختصاص ومداومة الصحبة، ولهذا يقال الناس بنو آدم؛ لأنهم
منسوبون إلیه، و کذلك بنو إسرائيل.
٢. الابن في كل شئ صغير فيقول الشيخ للشاب: يا بني، ويسمي الملك رعيته الأبناء.
٣. الولد يقتضي الولادة، ولا يقتضيها الابن، والابن يقتضي أبًا، والولد يقتضي والدًا،
ولا یسمی الإنسان والدا إلا إذا صار له ولد.
٤. يطلق اسم الولد حقيقة في ولد الصلب، واستعمال الابن والولد في ابن الابن مجاز.
٥. يطلق الابن على الذكر، ويطلق الولد على الذكر والأنثى، والنسل والذرية يقع على
٠
الجميع
الطفل :
٢
الطفل لغةً:
العطاء والفاء واللام أصله المولود الصغير؛ يقال هو طفلٌ، والأنثى طفلة (٤).
الطفل اصطلاحًا:
الولد الصغير من الإنسان والدواب. وقيل ويبقى هذا الاسم له حتى يميز(٥).
(١) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢٨١/٣.
(٢) المفردات، ص ٨٨٣.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ١/ ١٢، الكليات، أبو البقاء الكفوي، ص٢٧.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٢٢/٣.
(٥) انظر: التوقيف، المناوي، ص٢٢٧.
٣٤٨
مَوسُوبَةُ النَّسية
القرآن الكريم

البنوة
الصلة بين الطفل والابن:
يكون الابن طفلًا في فترة عمرية معينة، فالطفل يطلق على المولود منذ أن يولد إلى أن
یمیز.
الصبي:
٣
الصبي لغةً:
يقال: رأيته في صباه أي في صغره، والصبي: من لدن يولد إلى أن يفطم، والجمع أصبيةٌ
وصبوةٌ وصبيةٌ(١).
الصبى اصطلاحًا:
قال الراغب: ((الصبي: من لم يبلغ الحلم))(٢).
الصلة بين الصبي والابن:
يكون الابن صبيًا في فترة عمرية معينة، فالصبي يطلق على الإنسان منذ أن يميز إلى أن
يبلغ الحلم.
٤ الغلام:
الغلام لغةً:
(هو من حين يولد إلى أن يشيب، والجمع أغلمةٌ وغلمةٌ وغلمانٌ)) (٣).
الغلام اصطلاحًا:
(يقع هذا الاسم على الصبي من حين يولد على اختلاف حالاته إلى أن يبلغ)) (٤).
الصلة بين الغلام والابن:
يكون الابن غلامًا حين تظهر عليه علامات البلوغ.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٤ /٤٥٠.
(٢) المفردات، ص٤٧٥.
(٣) لسان العرب، ابن منظور، ١٢/ ٤٤٠.
(٤) الكليات، أبو البقاء الكفوي، ص ٦٧٢.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف الباء
البنوة بين الفتنة والنعمة
أولًا: البنوة نعمة:
إن الأولاد نعمة عظيمة، وهبة من الله
سبحانه قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِِّ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ إِنَدفًا
وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَةُ الذُّكُرَ آ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذَكْرَانًا
وَإِنَشَّاً وَبَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاْ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
[الشورى: ٤٩ -٥٠].
كما أن من أعظم نعم الله على الإنسان
في هذه الحياة نعمة الأولاد، فهم منحة
إلهية، وهبة ربانية، يختص الله بها من يشاء
من عباده ولو كان فقيرا، ويمنعها عمن يشاء
من خلقه ولو كان غنيًا، والأولاد نعمة يتضح
من عدة أوجه:
١ . إن من سنن الله تعالى في الأنبياء
والرسل أن جعل لهم أزواجًا وذرية.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن
قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨].
والله تعالى لا يختار لرسله إلا أكمل
الأحوال وأفضلها.
قال ابن كثير رحمه الله: «وكما أرسلناك
یا محمد رسولًا بشریًا، کذلك قد بعثنا
المرسلين قبلك بشرًا، يأكلون الطعام،
ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات،
ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية))(١).
٢. حب الأبناء فطرة.
كما أن النفس الإنسانية مفطورة على
حبهم وطلبهم، وقد ذكر سبحانه الأولاد
في سياق ذكر النعم فقال سبحانه ﴿فَقُلْتُ
اُسْتَغْفِرُواْرَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَآءَ
عَلَيْكُم مِدْرَارًا وَيُمْدِ ذَّكُ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُ
جَثَّتٍ وَيَجْعَل ◌َّكُمْ أَنْهَرًّا ﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
٣. الأولاد زينة الحياة الدنيا.
قال تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ
الدُّنیًا﴾ [الكهف:٦ ٤ ]فهم زهرتها، يخففون
عن آبائهم متاعب الحياة وهمومها،
وجودهم في البيت كالأزهار في الحدائق،
يضفون عليهم البهجة والسرور، تسر الفؤاد
مشاهدتهم، وتقر العين رؤيتهم، وتبتهج
النفس بمحادثتهم، وهم بسمة الأمل، وأريج
النفس، وريحان القلب، وهم أكبادنا التي
تمشي على الأرض.
وقد توجه بعض الأنبياء إلى الله بالدعاء
في أن يرزقه الولد وألا يدعه فردًا بلا خلف،
فقال تعالى: ﴿وَزَكَرِنَّ إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ
لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِينَ ﴾
[الأنبياء: ٨٩].
وقد أثنى الله على نبيه زكريا عليه السلام
حيث قال: ﴿إِذْ نَادَىْ رَبَّهُ نِدَاءُ خَفِيَّا ))﴾
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٦٨/٤.
٣٥٠
جو
القرآن الكَرِيمِ

البنوة
[مريم: ٣] والنداء هنا بمعنى الدعاء.
فالولد نعمة ومتعة من متع هذه الحياة،
وهم كما قال عنهم الأحنف بن قيس: «ثمار
قلوبنا وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض
ذليلة، وسماء ظليلة))(١)
ومن تمام النعمة على أهل الجنة أن يلحق
الله تعالی بهم ذریتھم وإن قصر عملهم، قال
سبحانه: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّهُهُم بِإِيمَانٍ
◌َْتَغْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَا أَلْنَّتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم ◌ِنِ شَىَّوَكُلُّ
أَمْرِي ◌ِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [الطور: ٢١].
قال ابن كثير رحمه الله: ((يخبر تعالى عن
فضله و کرمه وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه،
أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان
يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا
عملهم لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في
منازلهم، فیجمع بینهم على أحسن الوجوه
بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا
ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه
وبين ذاك))(٢).
ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قوله
سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدٍّ أَلَّتِ
وَعَدَتَّهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ
وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾
[غافر:٨].
ومع هذا تكون النعمة ممزوجة بالفتنة،
(١) انظر: زهر الآداب، أبو إسحاق القيرواني،
٦٣/١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٣٣/٧.
قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤].
قال ابن كثير رحمه الله: ((يخبر تعالى
عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من
أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء؛
لأن الفتنة بهن أشد ... ، وحب البنين تارة
یکون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا،
وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير أمة محمد
صلی الله علیه وسلم ممن يعبد الله وحده لا
شريك له، فهذا محمود ممدوح))(٣)
يقول الله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَأَلْبَنُونَ زِينَةُ
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرٌ عِنْدَ
رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٦].
يقول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ
الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ وَالْخَيْلِ
الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْفَمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللهُ عِندَهُ، حُسْنُ اَلْمَعَابِ
١٤°﴾ [آل عمران: ١٤].
يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ, مَالَّا مَّمْدُودًا
﴾ وَتِيْنَ شُهُودًا (٣)﴾ [المدثر: ١٢ - ١٣].
فالأولاد هبة من الله للإنسان يسر الفؤاد
بمشاهدتهم وتقر العين برؤيتهم وتبتهج
النفس بمحادثتهم فهم زهرة الحياة الدنيا
وزينتها، ولكي نعرف قيمة هذه النعمة لننظر
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٩/٢
باختصار.
www. modoee.com
٣٥١

حرف الباء
٧٧
فيمن حرمها ممن ابتلاه الله بالعقم كيف بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْنَيَّ مَالًا وَوَلَدًا
[مريم: ٧٧].
يبذل المستحيل لعله أن يظفر ولو بطفل
واحد ليملأ عليه دنياه بهجة وسرورًا.
كما أن الأموال والأولاد نعمة يسبغها والبنون زينة الحياة الدنيا؛ لأن في المال
الله على عبد من عباده؛ حين يوفقه إلى
الشكر على النعمة، والإصلاح بها في
وقال السعدي رحمه الله: ((أخبر تعالى
أن المال والبنین، زينة الحياة الدنيا؛ أي: لیس
وراء ذلك شيء، وأن الذي يبقى للإنسان
وينفعه ويسره: الباقيات الصالحات)) (٢).
الأرض، والتوجه بها إلى الله؛ فإذا هو
مطمئن الضمير، ساكن النفس، واثق من
المصير؛ فكلما أنفق احتسب وشعر أنه
قدم لنفسه ذخرًا، و کلما أصيب في ماله أو
بنيه احتسب؛ فإذا السكينة النفسية تغمره.
والأمل في الله يسري عنه.
ولقد قرن الله سبحانه وتعالى في القرآن
الكريم الأموال والأولاد في أربعة وعشرين
موضعًا قدمت فيها الأموال على الأولاد،
وفي موضعين قدم الأولاد على الأموال.
وإن المتأمل في الحكم والأسرار
ليستنتج أن المال والبنون زينة وتفاخر في
الحياة الدنيا.
قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَأَلْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ
الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦].
وقال سبحانه: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا
لَعِبٌ وَلَمْوٌّ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُّ فِ اْأَمْوَلِ
وَالْأَوْلَدِ﴾ [الحديد: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ
نَفَرًا ﴾ [الكهف: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿أَفَرَغَيْتَ الَّذِى كَفَرَ
قال القرطبي رحمه الله: إنما كان المال
جمالًا ونفعًا، وفي البنین قوة و دفعًا، فصارا
زينة الحياة الدنيا)) (١).
فالمال والبنون زينة الحياة، والإسلام لا
ينهى عن التمتع بالزينة في حدود الطيبات.
ولكنه يعطيهما القيمة التي تستحقها الزينة
في میزان الخلود ولا یزید.
إنهما زينة ولكنهما ليستا قيمة؛ فما
يجوز أن يوزن بهما الناس ولا أن يقدروا
على أساسهما في الحياة؛ إنما القيمة الحقة
الباقيات الصالحات من الأعمال والأقوال
والعبادات (٣)
.
وإن من وجوه الإعجاز البياني في القرآن
الكريم أن كل لفظة موضوعة بما يتناسب مع
سياقها وموضوعها، فترى الكلمة قدمت في
موضع وأخرت في موضع آخر تناسبًا مع
سياقها وموضوعها وغرضها، فليس التقديم
والتأخير والتكرار عبئًا أو هدرًا، ومن ذلك
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٤١٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ٤٧٩.
(٣) انظر: في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٧٢.
مُؤْسو ◌َةُ النَّفِيَّة
لِلْعَشْرَآن الكَرِيْمِ
٣٥٢

البنوة
قوله تعالى في آية الكهف: ﴿اَلْمَالُ وَاَلْبَنُونَ كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: ٣١].
زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦].
ونظير ذلك قوله تعالى في آية التغابن:
﴿إِنَّمَا أَمْوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥].
في حين أنك تجد تقديم البنين على
المال في آية آل عمران في قوله تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ اُلْنِسَآءِ
وَأَلْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَّرَةِ مِنَ الذَّهَبِ
وَاَلْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤].
والحكمة في هذا التأخير وذاك التقديم
أن السياق يقتضيه، فنجد تقديم المال على
الولد حيث تكون الفتنة والإغراء والزينة
والاستعانة، وذلك لأن المال قوام الحياة
والزينة أشد فتنة من فتنة الولد فقدم عليه.
وحينما يكون السياق عن الحب والمحبة
يقدم الولد على المال لأنه الأحب إلى
الرجل، ولذلك تجد تقديمه على المال في
آية آل عمران حيث قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ
لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْنِسَآءِ وَالْبَنِينَ
وَاَلْقَتَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْفَمِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ
مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْبُّ الْمَشَابِ
﴾ [آل عمران: ١٤].
كما أن من دقائق التعبير القرآني في
سورة الإسراء أنه تعالى قدم رزق الأبناء
على الآباء: ﴿ وَلاَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةً إِمْلَقٌ
◌َّحْنُ نَرْزُقُّهُمْ وَإِيَّاكُنْ إِنَّ قَنْلَهُمْ كَانَ خِعْئًا
﴿وَلَا
وفي سورة الأنعام قدم رزق الآباء:
تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمَّلَقٍ تَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ
وَإِيََّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].
والسر في ذلك أن قتل الأولاد في سورة
الإسراء كان خشية وقوع الفقر بسببهم، فقدم
تعالى رزق الأولاد. وفي سورة الأنعام كان
قتلهم بسبب فقر الآباء فعلا، فقدم رزق
الآباء. فلله در التنزيل ما أروع أسراره! (١)
إن سنة الأنبياء والفضلاء التحرز في
الدعاء بطلب الولد: فهذا زكريا عليه الصلاة
والسلام تحرز فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنْ لَّدُنكَ
ذُرِيَّةٌ طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَِّ﴾ [آل عمران:٣٨].
وقال: ﴿وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦].
وتحرز إبراهيم فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنَ
الصَّلِحِينَ ﴾ [الصافات: ١٠٠]
وتحرز المؤمنون فقالوا ما حكى الله
تعالى عنهم، ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَاهَبْ لَنَا
مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا
لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: ٧٤].
وتحرز الرسول صلى الله عليه وسلم في
دعوته لأنس بن مالك رضي الله عنه فدعا له
بالبركة في ماله وولده فقال: (اللهم أكثر ماله
وولده وبارك له في ما أعطيته)(٢).
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ١٩٨٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب الدعاء بكثرة المال مع البركة،
رقم ٠٦٣٧٨
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الباء
والولد إذا كان بهذه الصفة كان نفعًا وتخلصوا وتتجردوا لله.
لأبويه في الدنيا والآخرة، وخرج من حد
العداوة والفتنة إلى حد المسرة والنعمة.
ثانيًا: البنوة فتنة:
ورد التحذير من فتنة الأبناء في أكثر
من موضع من القرآن الكريم منها قول الله
تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاَللَّهُ
عِندَهُأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التغابن: ١٥].
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمَّوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ: أَجْرٌ عَظِيمٌ
[الأنفال: ٢٨].
٢٨
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى:
يَكَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِ كُمْ
عَدُوَالَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ
وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) إِنَّمَا
أَمْوَّلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
[التغابن: ١٤- ١٥].
وقوله تعالي: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُوْ
أَمَوَّلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾
[المنافقون: ٩].
والمتأمل في كلمة فتنة نجد أنها تحتمل
معان منها:
الأول: أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد
بمعنى يختبركم، فانتبهوا لهذا، وحاذروا
وكونوا أبدًا يقظين لتنجحوا في الابتلاء
الثاني: أن هذه الأموال والأولاد فتنة لكم
توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية.
والفتنة ليست مذمومة في ذاتها؛ لأن
معناها اختبار وامتحان، وقد يمر الإنسان
بالفتنة وينجح؛ كأن يكون عنده الأموال
والأولاد، وهم فتنة بالفعل فلا يغره المال؛
بل إنه استعمله في الخير، والأولاد لم
يصيبوه بالغرور بل علمهم حمل منهج الله،
وجعلهم ينشؤون على النماذج السلوكية
الصحيحة في الدين؛ لذلك فساعة يسمع
الإنسان أي أمر فيه فتنة فلا يظن أنها أمر
سيئع؛ بل عليه أن يتذكر أن الفتنة هي اختبار
وابتلاء وامتحان، وعلى الإنسان أن ينجح
مع هذه الفتنة؛ فالفتنة إنما تضر من يخفق
ویضعف عند مواجهتها.
والكافرون لا ينجحون في فتنة الأموال
والأولاد، ويأتي يوم لا يملكون فيه هذا
المال، ولا أولئك الأولاد؛ وحتى إن ملكوا
المال فلن يشتروا به في الآخرة شيئًا،
وسيكون كل واحد من أولادهم مشغولًا
بنفسه.
يقول الإمام البغوي عند تفسير آية
التغابن: ((وقال عطاء بن يسار: نزلت في
عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل
وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه،
وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ويقيم،
٣٥٤
جوبي
القرآن الكريمِ

البنوة
فأنزل الله ﴿إِنَّمَا أَمَوَّ لُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةُ وَاَللَّهُ
عِنْدَهُأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥].
بلاء واختبار وشغل عن الآخرة، يقع
بسببها الإنسان في العظائم ومنع الحق
وتناول الحرام)) (١).
ويعلق سيد قطب رحمه الله على آية
التغابن ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
[التغابن: ١٥].
ويقول: (( التنبيه هنا إلى أن من الأزواج
والأولاد من يكون عدوًا .. إن هذا يشيرإلى
حقيقة عميقة في الحياة البشرية، ويمس
وشائج متشابكة ودقيقة في التركيب
العاطفي فالأزواج والأولاد قد يكونون
مشغلة وملهاة عن ذكر الله، كما أنهم قد
يكونون دافعا للتقصير في تبعات الإيمان
اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن
بواجبه فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله!
والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة
الكثير، وتضحية الكثير كما يتعرض هو
وأهله للعنت، وقد يحتمل العنت في نفسه
ولا يحتلمه في زوجته وأولاده فيبخل
ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع
والمال! فیکونون عدوًا له، لأنهم صدوه
عن الخير، وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده
الإنساني العليا)) (٢).
(١) معالم التنزيل ١٤٣/٨.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٢٧٤.
ومن معان الفتنة في الأولاد أن تكون
نقمة يصيب الله بها عبدًا من عباده؛ لأنه
يعلم من أمره الفساد والدخل؛ فإذا القلق
علی الأموال والأولاد یحول حیاته جحيمًا،
وإذا الحرص عليها يؤرقه ويتلف أعصابه،
وإذا هو ينفق المال حين ينفقه فى ما يتلفه
ويعود عليه بالأذى، وإذا هو يشقى بأبنائه
إذا مرضوا ويشقى بهم إذا صحوا. وكم من
الناس يعذبون بأبنائهم لسبب من الأسباب!
وهؤلاء الذين يملكون الأموال ويرزقون
الأولاد، يعجب الناس ظاهرها، وهي لهم
عذاب(٣)
وتظهر معالم الفتنة بالأولاد في الصور
الآتية:
١. الانشغال بها عن الآخرة،
والاستعداد لها.
فالتفريط فى الصالحات، والحرص على
المال والأولاد والمحبة الشديدة لهما تدفع
إلى الوقوع في المحرمات، التحاسد والتدابر
والتباغض، التقاتل على الدنيا وأموالها.
ومعها الوقوع في صفتین ذمیمتین بسبب
الأموال والأولاد هما. البخل والجبن. وقد
نبه الرسول صلى الله عليه وسلم عليهما
بقوله: (إن الولد مبخلة مجبنة) (٤).
والبخل يدفع إلى الوقوع في المال
(٣) انظر: المصدر السابق ٣/ ١٦٦٦.
(٤) المسند الجامع ٢٧ / ١٥٣.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف الباء
الحرام، وإلى أن تمنع الحقوق الواجبة،
وهذا هو الشح المذموم الذي قال الله تعالى
عنه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُخَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].
٢. البغي والتكبر على الناس.
٣٠٠
وَلَوْ بَسَطَ
قال الله عز وجل:
اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ
بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾
[الشورى: ٢٧].
وقال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَ أَنْ
رَّدَاهُ أَسْتَغْفَ﴾ [العلق: ٦ -٧].
كما أن هناك من الناس من يعذب بماله
وولده في الدنيا قبل الآخرة، وتتحول عنده
الأمور التي يحبها الناس ويحرصون على
تكثيرها من كونها مصدر نعمة وسعادة إلى
أن تكون مصدر نقمة وشقاء وعذاب.
وَلَا تَعْجِبْكَ
وصدق الله العظيم:
◌َمَوَاهُمْ وَأَوْلَدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِىِ
الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ
[التوبة: ٨٥].
وهذه الآية وإن كانت في المنافقين
الكافرين إلا أنه يمكن الاستشهاد بها في هذا
المقام للحذر من هذه النهاية. (١)
ولقد حذر الله سبحانه وتعالى من هذه
الفتنة في آيتي الأنفال والتغابن.
قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ: أَجْرٌ عَظِيمٌ
﴾[الأنفال: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ
فِتْنَهُ وَاَللَّهُ عِندَهُ، أَجْرٌ عَظِيمٌ
[التغابن: ١٥].
وكلمة ﴿فِتْنَةٌ﴾ تأتي في مثل هذه
الموارد بمعنى وسيلة الامتحان، والحقيقة
أن أهم وسيلة لامتحان الإيمان والكفر
والشخصية وفقدانها وميزان القيم الإنسانية
للأفراد هي (المال والأولاد). فكيفية جمع
المال وكيفية إنفاقه والمحافظة عليه.
وميزان التعلق به ميزان لامتحان البشر،
فكم من أناس يلتزمون بظاهر العبادة
وشعائر الدين حتى المستحبات يلتزمون
بأدائها، لكنهم إذا ما ابتلوا بقضية مالية تراهم
ينسون كل شئ، ويدعون الأوامر الإلهية،
ومسائل الحق والعدل والإنسانية جانبًا، هذا
من جانب المال.
أما عن الأبناء فهم ثمار قلب الإنسان
وبراعم حياته المتفتحة، ولهذا نجد الكثير
من الناس المتمسكين بالدين والمسائل
الأخلاقية والإنسانية لا يراعون الحق
والدين بالنسبة للمسائل المتعلقة بمصلحة
أبنائهم، فكأن ستارًا يلقى على أفكارهم
فينسون كل الأمور ويصير حبهم لأبنائهم
(١) انظر: ففروا إلى الله. أبو زر القلموني، ص سببًا ليحلوا الحرام ويحرموا الحلال، ومن
٢١٦
٣٥٦
القرآن الكريم

البنوة
حق ویقدمون علی کل منکر، فيجب علينا
الاعتصام بالله العظيم في هذين الميدانين
العظيمين للامتحان، وأن نحذر بشدة،
فکم من أناس زلت أقدامهم وسقطوا فيهما
وظلت لعنة التأريخ تلاحقهم أبدًا، فإذا
زلت لنا قدم يومًا وجب علينا الإسراع إلى
تصحيح المسير.
٣. تحول الأبناء إلى أعداءً
قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِ كُمْ عَدُوَّا لَّكُمْ
فَأَحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التغابن : ١٤].
ربما يكون من الأولاد والنساء من هو
عدو للإنسان، فیجب الحذر منهم.
ومعنى ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ أَزْوَجِكُمْ﴾
للتبعيض، وسياق الخطاب بلفظ ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وتعليق العداوة بهم يفيد
التعليل أي أنهم يعادونهم بما أنهم مؤمنون،
والعداوة من جهة الايمان لا تتحقق إلا
باهتمامهم أن یصرفوهم عن أصل الایمان،
أو عن الأعمال الصالحة كالانفاق في سبيل
الله والهجرة من دار الكفر، أو أن يحملوهم
على الكفر، أو المعاصي الموبقة كالبخل
عن الانفاق في سبيل الله شفقة على الأولاد
والأزواج، والغصب واكتساب المال من
غير طريق حله. فالله سبحانه يعد بعض
أجل توفير المستقبل لأبنائهم يمنعون كل الأولاد والأزواج عدوًا للمؤمنين في إيمانه،
حیث يحملونهم على ترك الايمان بالله أو
ترك بعض الأعمال الصالحة أو اقتراف
بعض الكبائر الموبقة، وربما أطاعوهم في
بعض ذلك شفقة عليهم وحبًا لهم، فأمرهم
الله بالحذر منهم.
فعن أبي جعفر رضي الله عنه في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَحِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا
لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] ((وذلك أن
الرجل إذا أراد الهجرة تعلق به ابنه وامرأته
وقالوا: ننشدك الله أن تذهب عنا فتضيع
بعدك، فمنهم من يطيع أهله فیقیم، فحذرهم
الله من أبنائهم ونسائهم ونهاهم عن
طاعتهم، ومنهم من يمضي ویذرهم ويقول:
أما والله لئن لم تهاجروا معي ثم جمع الله
بيني وبينكم في دار الهجرة لا أنفعكم بشيء
أبدًا))(١).
٤. منع الأبناء عن ذكر الله.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمُ
أَمْوَّلُكُمْ وَلَا أَوْلَئِدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
[المنافقون: ٩].
فلقد خاطب سبحانه المؤمنين فقال:
﴿َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتُلْهِكُمْ﴾ أي لا تشغلكم
﴿أَقَوَّلُكُمْ وَلَآ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾
أي: عن الصلوات الخمس المفروضة.
(١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ص ٢٧١
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الباء
وقيل. ذكر الله جميع طاعاته، عن أبي مسلم . - بالقوم في أموالهم وأولادهم فلا تعتبروا
الناس بأموالهم وأولادهم ولكن اعتبروهم
بالإيمان والعمل الصالح)(١).
وقيل: ذكره شکره علی نعمائه والصبر على
بلائه والرضا بقضائه، وهو إشارة إلى أنه لا
ينبغي أن يغفل المؤمن عن ذكر الله في بؤسٍ
كان أو نعمةٍ، فإن إحسانه في الحالات لا
ينقطع، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي من يشغله
ماله وولده عن ذكر الله ﴿فَأَوْلَئِكَ هُمُ
الْخَسِرُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْوَ لُكُمْ وَلَا أَوْلَئُكُم
بأَلَّتِى تُقَرِّيْكُرْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ
صَلِحًا فَأَوْلَكَ لَهُمْ جَزَّةُ الصِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ
اَلْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ )﴾ [سبأ:٣٧].
فإن كثرة الأولاد والأموال لا تعني
القرب من الله. وقوله سبحانه وتعالى:
﴿وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ﴾، خطاب إلى
عامة الناس من الكفار وغيرهم، والوجه
فيه أن ما ذكره من الحكم - حكم الأموال
والأولاد - سواء في ذلك المؤمن والكافر،
فالمال والولد إنما يؤثران أثرهما الجميل
إذا كان هناك إيمان وعمل صالح وإلا فلا
يزيدان الإنسان إلا وبالا.
كما تكون الأموال والأولاد استدراج
وإملاء للكافرين ليز دادوا إثمًا.
قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِمِن
قَالٍ وَبَنِيِنَ ا تُشَارِعُ لَمْ فِي ◌َلْخَيْرَتِّ بَلَ لَا يَشْعُرُونَ
﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
وعن قتادة رحمه الله قال: (مكر - والله
وذلك لأنهم استخدموا أموالهم
وأولادهم لأجل الطغيان والاستكبار عن
الحق؛ كما قال تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ
[القلم: ١٤].
١٤
وأغروا بهما الناس وصدوهم عن سبيل
الله؛ كما قال تعالى: عن قوم نوح ﴿وَأَتَّبَعُواْ
مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ, وَوَلَّدُهُوِلََّ خَسَارًا﴾ [نوح: ٢١].
فذكر أنهم أهل أموال وأولاد؛ إيماءً إلى
أن ذلك سبب نفاذ قولهم في قومهم وائتمار
القوم بأمرهم؛ فأموالهم إذ أنفقوها لتأليف
أتباعهم، وأرهبوا بأولادهم من يقاومهم،
والمعنى: واتبعوا أهل الأموال والأولاد التي
لم تزدهم تلك الأموال والأولاد إلا خسارًا؛
لأنهم استعملوها في تأييد الكفر والفساد
فزادتهم خسارًا إذ لو لم تكن لهم أموال ولا
أولاد لكانوا أقل ارتكابًا للفساد(٢).
الأموال والأولاد اختبار وامتحان
في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا
أَمَّوَّلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ: أَجْرُّ
عَظِيمٌ
﴾ [الأنفال: ٢٨].
فهذا تنبيه على الحذر من الخيانة التي
يحمل عليها المرء حب المال؛ وهي خيانة
(١) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١٠/ ٥٨٢.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/
١٩٢.
٣٥٨
جوب
القرآن الكريم

البنوة
الغلول وغيرها؛ فتقديم الأموال لأنها مظنة الحرام ويرغبه في القصد والاعتدال،
ويتكلف العناء في حفظها، وتتنازعه الأهواء
الحمل على الخيانة في هذا المقام، وعطف
الأولاد على الأموال لاستيفاء أقوى دواعي
الخيانة فإن غرض جمهور الناس في جمع
الأموال أن یتر کوها لأبنائهم من بعدهم.
في إنفاقها، ويفرض عليه الشارع فيها
حقوقًا معينة وغير معينة: كالزكاة ونفقات
الأولاد والأزواج وغيرهم. ويقول الحق
سبحانه عن هذا المغتر بالمال والأولاد
وهو كافر بالله: ﴿أُوْلَبِكَ أَصْعَبُ النَّارِ هُمْ
فِيَهَا خَلِدُونَ﴾، وهذا مصير يليق بمن يقع في
خديعة نفسه بالمال أو الأولاد(٣).
وجعل نفس (الأموال والأولاد) فتنة
لكثرة حدوث فتنة المرء من جراء أحوالهما؛
مبالغة في التحذير من تلك الأحوال وما
ينشأ عنها، فكأن وجود الأموال والأولاد
نفس الفتنة، وعطف قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ,
أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ على قوله: ﴿أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ للإشارة إلى أن ما عند الله
من الأجر على كف النفس عن المنهيات
هو خير من المنافع الحاصلة عن اقتحام
المناهي لأجل الأموال والأولاد (١).
والفتنة: هي البلاء والمحنة؛ لأنهم
يوقعون في الإثم والعقوبة، ولا بلاء أعظم
منهما، وقدمت الأموال على الأولاد لأنها
أعظم فتنة (٢).
إن فتنة الأموال والأولاد عظيمة لا تخفى
على ذوي الألباب؛ إذ أموال الإنسان عليها
مدار معیشته وتحصيل رغائبه وشهواته،
ودفع کثیر من المکاره عنه؛ من أجل ذلك
يتكلف في كسبها المشاق ويركب الصعاب
ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ٧٩.
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ٢٠٩.
وقال السمرقندي رحمه الله: ((إنما ذكر
الأموال والأولاد؛ لأن أكثر الناس يدخلون
النار لأجل الأموال والأولاد، فأخبر الله
تعالى أنه لا ينفعهم في الآخرة؛ لكيلا يفني
الناس أعمارهم لأجل المال والولد؛ وإنما
ذكر الله تعالى الكفار، لكي يعتبر بذلك
المؤمنون)» (٤)
.
فعلى العاقل أن يعتبر بالآيات ولا يغتر
بكثرة الأعداد من الأموال والأولاد وعدم
اجتهاده؛ لمعاده فإن الله يمتعه قليلاً ثم
يضطره إلى عذاب غليظ (٥)
٠
الأموال والأولاد قد تقعد المسلم عن
العمل لدين الله والاستجابة خوفًا وبخلّاً.
والحياة التي يدعو إليها الإسلام حياة
كريمة، لا بد لها من تكاليف، ولا بد لها من
تضحيات؛ لذلك يعالج القرآن هذا الحرص
(٣) انظر: تفسير الشعراوي ١١٤٢
(٤) انظر: تفسير السمر قندي ١/ ٢٢١.
(٥) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ١/ ١٢.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الباء
بالتنبيه إلى فتنة الأموال والأولاد - فهي
موضع ابتلاء واختبار وامتحان - وبالتحذير
من الضعف عن اجتياز هذا الامتحان، ومن
التخلف عن دعوة الجهاد وعن تكاليف
الأمانة والعهد والبيعة؛ واعتبار هذا التخلف
خيانة لله والرسول، وخيانة للأمانات التي
تضطلع بها الأمة المسلمة في الأرض؛ وهي
إعلاء كلمة الله وتقرير الوهيته وحده للعباد،
والوصاية على البشرية بالحق والعدل ومع
هذا التحذير التذکیر بما عند الله من أجر
عظيم يرجح على الأموال والأولاد، التي قد
تقعد الناس عن التضحية والجهاد (١).
فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان
والاختبار، کان ذلك عونًا له على الحذر
واليقظة والاحتياط؛ أن يستغرق وينسى
ويخفق في الامتحان والفتنة. ثم لا يدعه الله
بلا عون منه ولا عوض ... فقد يضعف عن
الأداء بعد الانتباه؛ لثقل التضحية وضخامة
التكليف وبخاصة في موطن الضعف في
الأموال والأولاد؛ إنما يلوح له بما هو خير
وأبقى، ليستعين به على الفتنة ويتقوى.
﴿وَأَنَّ اللَّهُ عِنْدَهُ، أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. إنه
سبحانه هو الذي وهب الأموال والأولاد ...
وعنده وراءهما أجر عظيم لمن يستعلي على
فتنة الأموال والأولاد، فلا يقعد أحد إذن عن
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٤٩٧.
تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد (٢).
ومن أجل ذلك حذر الله المؤمنين
من الاشتغال بالأموال والأولاد عن ذكره
فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْأَ مَوَلُكُمْ وَلَآ
أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [المنافقون: ٩].
خص الأموال والأولاد بتوجه النهي عن
الاشتغال بها اشتغالًا یلھي عن ذکر الله؛ لأن
الأموال مما يكثر إقبال الناس على إنمائها
والتفكير في اكتسابها؛ بحيث تكون أوقات
الشغل بها أكثر من أوقات الشغل بالأولاد.
ولأنها كما تشغل عن ذكر الله بصرف
الوقت في كسبها ونمائها، تشغل عن ذكره
أیضا بالتذکیر لکنزها؛ بحیث ینسی ذکر ما
دعا الله إليه من إنفاقها.
وأما ذكر الأولاد فهو إدماج؛ لأن
الاشتغال بالأولاد والشفقة عليهم وتدبير
شؤونهم وقضاء الأوقات في التأنس بهم
من شأنه أن ینسي عن تذکر أمر الله ونهيه في
أوقات كثيرة فالشغل بهذين أكثر من الشغل
بغيرهما.
وفيه أن الاشتغال بالأموال والأولاد
الذي لا يلهي عن ذكر الله ليس بمذموم(٣).
وهنا نلحظ أنه قدم في سورتي آل عمران
والتوبة البنون على الأموال، قال تعالى في
(٢) انظر: المصدر السابق ٣/ ١٥١٧
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨/
٢٢٥.
٣٦٠
وَضوي
مَوَسُولَة النَّفِيَّ
القرآن الكريم

البنوة
آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ
النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَّرَةِ مِنَ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ
وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللَّهُ
عِندَهُ, حُسْنُ الْمَعَابِ ﴾ [آل عمران: ١٤].
وقال في التوبة: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتُكُ
وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ
حَتَّى يَأْتِى اَللَّهُ بِأَمْيِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٢٤]
فعندما يذكر سبحانه الحب الفطري
يؤخر الأموال؛ لأن الأموال تترك للأبناء؟
يعمل ويكد ويعلم أنه ميت ويترك الأموال
للأبناء.
أما في مواطن الإلهاء فقدم الأموال
على الأولاد مع أن حب الأولاد أكثر لكن
الالتهاء بالمال يكون أكثر؛ لذا قدم الأموال
على الأولاد للتحذير.
قال أبو حيان رحمه الله: (لما كان
المال في باب المدافعة والتقرب والفتنة
أبلغ من الأولاد قدم، بخلاف قوله تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ
وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنطَّرَةِ﴾؛ فإنه ذكر هنا
حب الشهوات، فقدم فيه البنين على ذكر
الأموال)(١). فالفتنة بالمال أكثر؛ لأنه یعین
على تحصيل الشهوات المحرمة بخلاف
الأولاد، فإن الإنسان قد يفتن بهم ويعصي
الله من أجلهم، ولكن الفتنة بالمال أكثر
وأشد، ولهذا بدأ سبحانه بالأموال قبل
الأولاد كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَلُكُمْ
وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِأَلَِّى تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَازُلْفَىَ﴾ [سبأ: ٣٧].
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَقَّوَالُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ
﴾ [التغابن: ١٥].
وقوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
نُلْهِكُنْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَئِدُكُمْ عَن ذِكْرِ
اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
[المنافقون: ٩].
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٢٩٥.
www. modoee.com
٣٦١

حرف الباء
حقوق الأبناء
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمْ
الَّذِى خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيراً وَنِسَاءٍ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَ لُونَ
◌ِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )
[النساء: ١].
الأولاد أمانة ومسؤولية عند الوالدين،
كلفهما الله بحفظها ورعايتها، وأوصاهما
بتربيتهم تربية صالحة في دينهم ودنياهم،
وهم أولى الناس بالبر وأحقهم بالمعروف،
والأبوان مسؤولان بين يدي الله عن تربية
أبنائهم، قال صلی الله عليه وسلم: (كلكم
راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع
في بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة
راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن
رعيتها) (١)
وما دام الأولاد نعمة ومتعة وزينة، فإن
الإسلام رتب لهؤلاء الأبناء حقوقًا من قبل
الآباء، وهي حقوق تقضي بها الفطرة السوية،
ولكن الإسلام مع هذا وضع الضوابط
والقواعد التي تحافظ عليها، وتحول دون
التفريط فيها أو إساءة القيام بها)) (٢)
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب الجمعة في القرى والمدن، ٥/٢، رقم
٨٩٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب فضيلة الإمام العادل، ١٤٥٩/٣، رقم
١٨٢٩.
(٢) انظر: حقوق الأولاد قبل الوالدين، بحث
والعناية بها في ظلال القرآن والسنة،
منذ كان نطفة ثم جنينا ثم بعد الولادة حتى
البلوغ، ومنها حق النسب، وحق اختيار
الاسم الحسن، وحق الرضاع والحضانة،
وحق التربية، وحق النفقة، وغيرها مذكرا أنه
تعالى خلق الجميع من نفس واحدة نصت
عليه الآية السابقة.
وعندما أرسل الله تعالى الرسل جعل
لهم أزواجًا وذرية، فقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَمُمْ أَزْوَجًا
وَذُرِّيَّةٌ ﴾ [الرعد:٣٨].
وقد بين القرآن الكريم أن الأبناء زينة
الحياة الدنيا ومتاعها، قال تعالى: ﴿الْمَالُ
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾، قال علي بن
أبي طالب رضي الله عنه: ((المال والبنون
حرث الدنيا والأعمال الصالحة حرث
الآخرة، وقد یجمعها لأقوام)).
وأخبرنا المولى تعالى أن بعض الأنبياء
توجه إليه بالدعاء في أن يرزقه الولد
وألا يدعه فردًا بلا خلف، فقال تعالى:
﴿وَزَكَرِنَّ إِذْ نَادَىْ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
وقد أثنى الله على نبيه زكريا عليه السلام
حيث قال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءُ خَفِيًّا لَ
أعده د. عبد الحميد الأنصاري، بحولية
كلية الشريعة، جامعة قطر، العدد الثاني عشر
١٤١٥ هـ، ص ٣١١.
٣٦٢
القرآن الكريم

البنوة
[مريم: ٣]. والنداء هنا بمعنى الدعاء.
أولًا: حقوق مادية:
١. حق الحياة.
٥
قال تعالى: و ﴿وَ إِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ
بِأَتِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ ﴾ [التكوير: ٨-٩].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِالْأُنَى
ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ { يَنَوَرَى مِنَ
اَلْقَوَّمِ مِن سُوَّهِ مَا بُشِّرَ بِّهِ أَيُّمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ
أَمْ يَدُسُّهُ فِىِ التََّبُ أَلَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ لـ
[النحل: ٥٨-٥٩].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم
مِّنْ إِمْلَقِّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾
[الأنعام: ١٥١].
وقال تعالى: ﴿وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطًا
فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ:
إِلَّاّ أَنْ يَصَدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٢].
والإجهاض من أنواع قتل الولد، قال
تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُبِلَتْ لُ بِأَتِ ذَنْبٍ
قُئِلَتْ ﴾ [التكوير: ٨-٩].
وفي الحديث الصحيح سئل عليه الصلاة
والسلام أي الذنب أعظم؟ قال (أن تجعل
لله ندًا وهو الذي خلقك، ثم قيل أي؟ قال:
أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (فلا تجعلوا لله أندادا)، ١٨/٦،
رقم ٤٤٧٧، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب،
وأن الله سبحانه وتعالى حينما أمر
النبي أن يبايع النساء بايعهن على أن: ﴿لَّا
يُشْرِكْن ◌ِاللَّهِ شَيْئًا وَلَّا يَشْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ
أَوْ لَدَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢].
٢. حق رضاعة الطفل.
وَأْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ
قال تعالى:
أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُثِّ الرَّضَاعَةُ
وَعَلَى الْؤُلُودِ لَهُ رِذْقُهُنَّ وَّكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ لَا
تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَاً لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ؟
بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ
ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ
فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَّكُمُ
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَالَيْتُم بِالْغُرُوفِ
وَأَلَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيدٌ ()
[البقرة: ٢٣٣].
ومنه إحضار مرضعة إذا لم ترض الأم
المطلقة أن ترضع طفلها.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَّكُمْ فَاتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ وَأَمِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ" وَإِن تَعَاسَرْتُمْ
فَسَتُرْضِعُ لَهُهُ أُخْرَى ﴾ [الطلاق: ٢].
التشاور مع الأمهات فى عملية الفطام،
أي: الفصال التى يحكمها ألا تقل عن
عامین.
وفى هذا قال تعالى ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا
عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾
[البقرة: ٢٣٣].
٩٠/١، رقم ٨٦.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف الباء
٣. حق الإنفاق عليهم.
ويشمل الطعام والكسوة.
قال تعالى ﴿وَعَلَ الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
٤. حق الميراث.
وقد شرع الله عز وجل في ذلك نظامًا
فریدًا، يحفظ لکل ذي قرابة حقه دون نقص
أو زيادة.
ثانيًا: حقوق معنوية:
لقد عني القرآن بتنمية الشعور الفطري
الذي ينشأ من خلال الرابطة الأسرية
والمحافظة عليها وتقويتها فحدد دائرة معينة
من الأقارب حرم فيها الزواج سموًا بهذه
القرابة ووقاية لهذه القلوب المتآلفة من
شواهد الخصومة والبغضاء التي تنشأ من
خلال الممارسات اليومية.
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
فقال تعالى:
أُتَّهَتُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ
وَخَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخْ وَبَنَاتُ اَلْأُخْتِ
وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم
مِّنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَتُ نِسَآَيِكُمْ
وَرَبِيِبُكُمُ الَّتِ فِي حُجُورِكُم
مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن
لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْنَآَيَكُمُ الَّذِينَ
مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ
الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَُّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ [النساء: ٢٣].
١. حق النسب.
فإن الإسلام يقرر حفظ الأنساب، لذلك
أمر الله بالزواج وحرم السفاح.
قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَرْ يَكُنْ لَمْ
شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتِ بِاللَّهِ
إِنَّهُ لَمِنَ الصََّدِفِينَ ل وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ
وَيَدْرَوَأْ عَنْهَا الْعَذَابَ
عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِينَ {(
أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَانِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِنَ
وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَاْ إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ
[النور:٦-٩].
كما قرر القرآن تحريم التبني في
موضعين:
أحدهما: بسلوك النبي العملي ﴿وَمَا
جَعَلَ أَدْعِيَآءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَِكُمْ
وَاللَّهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾
[الأحزاب: ٤].
والآخر: توجيهي في قوله تعالى:
﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَآِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِّ فَإِنِ لَّمْ
تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيكُمَّ
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٌَ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِنْ
مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
﴾ [الأحزاب: ٥].
كما منع الإسلام الزواج من زوجات
الأبناء.
قال تعالى: ﴿وَحَلَِّلُ أَبْنَا بِكُمُ الَّذِينَ
٣٦٤
مُؤْتَو ◌َرُ النَفسِيْ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ