Indexed OCR Text
Pages 21-26
البراء ما يُتَبَرَأ منه أولًا: الأوثان والمعبودون من دون الله: قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالَّغُوتِ وَيُؤْمِنَ بِاللَّهِ فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. الطاغوت: كل ما صرف عن عبادة الله تعالى من إنسان أو شيطان أو غيرهما (١)، والمعنى: فمن تبرأ وخلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله، وآمن بالله تعالى إيمانًا خالصًا صادقًا فقد ثبت أمره واستقام على الطريقة المثلى التي لا انقطاع لها، وأمسك من الدين بأقوى سبب وأحكم رباط (٢). وفي الموضع التالي يبين الله تعالى سبب براءة إبراهيم عليه السلام والمؤمنين معه من القوم في ذلك الزمان، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَّكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ فِيِّ إَِزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهٍُإِذْ قَالُواْلِقَوِْم ◌ِنَّا بُرَوَأْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤]. والمعنى: قد كانت لكم قدوة طيبة حميدة تقتدون بها في إبراهيم خليل الرحمن أبي الأنبياء والذين آمنوا معه من أتباعه حين قالوا لقومهم: إنا بريئون منكم؛ لكفركم (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٩/١٥، تاج العروس، الزبيدي ٤٩٥/٣٨. (٢) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ١/ ٥٠٤. بالله، وبریئون من كل ما تعبدون من غير الله من الأصنام والأنداد، فقد جحدنا بما آمنتم به من الأوثان، أو بدینکم، أو بأفعالکم، فإن تلك الأوثان لا تنفع شیئا، فهي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر (٣). ثانيًا: المشركون عامة وذوو الأرحام منهم خاصة: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْزَهِيمَ لِأَبِيدِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيِّنَ لَهُو أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ [التوبة: ١١٤]. لما وعد إبراهیم من أبيه أنه سیؤمن، كان بمنزلة المؤلفة قلوبهم بالاستغفار له؛ لأنه ظنه مترددًا في عبادة الأصنام لما قال له: ﴿وَآَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]. فسأل الله له المغفرة لعله يرفض عبادة الأصنام، ولكن لما علم يقينًا أنه مصرٌ على الكفر أعلن براءته منه علانية وبشكل صريح في قوله تعالى - كما يدل عليه قوله -: ﴿فَلَمَا نَبيَّنَ لَهُوَأَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (٤). وفي موضع آخر يعلن إبراهيم براءته من قومه عامة ومن أبیه خاصة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبَهِيُمْ لِأَبِيهِ وَقَّوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءُ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦]. (٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣/ ٤٦٨. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ٢٧٤. www. modoee.com ٢٧ حرف الباء أي: واذكر أيها الرسول لقومك قريش المعتمدين على تقليد الآباء والأجداد في عبادة الأصنام، حين تبرأ إبراهيم عليه السلام مما یعبد أبوه آزر، وقومه من الأصنام، إلا من عبادة خالقه وخالق الناس جميعًا، والذي قال بأنه سيرشدني لدينه، كما أرشدني في الماضي، ويثبتني على الحق(١). وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاَذَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَتَّدَهُم بِرُوجٍ مِنْهٌ وَيُدِّلُهُمْ جَنَّتِ تَجْرِىٍ مِن ◌َّهِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَأَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. أي: من شأن المؤمنين الصادقين أن يبتعدوا عن موالاة أعداء الله ورسوله، ولو كان هؤلاء الأعداء، آباءهم الذين أتوا إلى الحياة عن طريقهم أو أبناءهم الذين هم قطعة منهم، أو إخوانهم الذين تربطهم بهم رابطة الدم أو عشيرتهم التي ينتسبون إليها، بل يجب إعلان البراءة منهم؛ وذلك لأن قضية الإیمان یجب أن تقدم علی کل شيء، ثم أثنى سبحانه على هؤلاء المؤمنين الصادقين (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٦٥. الذين لم يوالوا أعداء الله مهما بلغت درجة قرابتهم فقال: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ ﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون أعداء الله، مهما كانوا، هم الذين كتب الله تعالى الإيمان في قلوبهم، فاختلط بها واختلطت به، فصارت قلوبهم لا تحب إلا من أحب دين الله، ولا تبغض إلا من أبغضه(٢). وقال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ أُسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَن يَنَّوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَكٌ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتْجَرَةٌ تَّخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَّ يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْيِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٣ - ٢٤]. والمعنى: يا أيها المصدقون بالله ورسوله، لا تتخذوا آباءکم وإخوانكم أولیاء تنصرونهم في القتال، وتؤيدون الكفار لأجلهم، أو تطلعونهم على أسرار المسلمين العامة أو الحربية، إن اختاروا الكفر على الإيمان، وآثروا الشرك على الإسلام، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون لأنفسهم وأمتهم لأنه خالفوا الله ورسوله، بموالاة الكافرين بدلًا من التبرؤ منهم، فبعد أن (٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٢٥١. مَوسُوبَة النَّسيد القرآن الكريم ٢٨ البراء نهى عن مخالطتهم، أوضح أن هذا النهي للتحريم لا للتنزيه، بقوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ . قال ابن عباس: هو مشرك مثلهم؛ لأنه رضي بشركهم، والرضا بالكفر كفر، كما أن الرضا بالفسق فسق. ثم أمر تعالی رسوله أن یتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله، مصدرًا ذلك بكلمة (إن) المفيدة للشك؛ لأن حب الکافرین مشکوك فیه من المؤمنين، والمقصود هو تفضيل حبهم على حب الله، أما أصل الحب فهو أمر فطري طبعي لا لوم عليه، ولا مؤاخذة فيه؛ لأن التكليف يتوجه على الأمور المقدورة للإنسان، لا على الأمور الجبلية الفطرية كالحب والبغض. فقال له: قل: إن كنتم تؤثرون هذه الأشياء الثمانية، وتفضلون الآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة (القرابة القريبة) والأموال، والتجارة، والمساكن، على حب الله ورسوله، أي طاعتهما، والجهاد في سبيله الذي يحقق السعادة الأبدية في الآخرة، فانتظروا حتى يأتي الله بعقابه العاجل أو الآجل(١). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ١٧٧، تفسير النكت والعيون، الماوردي ٣٤٩/٢. ثمرات البراءة ونتائجها البراءة هي جزء أساس من عقيدة المسلم، وإذا التزم المسلم بهذه العقيدة فسیکون لها ثمرات ونتائج كثيرة في الدنيا والآخرة، وسنتعرف على أهم هذه الثمرات: أولًا: الفوز بمرضاة الله، والنجاة من سخط الجبار جل جلاله: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ ما قال سبحانه: اَلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَةٌ، وَ إِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ اَلْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]. ويعقيدة البراء تتحقق أوثق عرى الإيمان: جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول صلی الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: (أي عرى الإيمان أوثق) ؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: (الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله) (٢). (٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢٨٦/٤، والحاكم في المستدرك ٤٨٠/٢، والطبراني في المعجم الكبير ٢١٥/١١. قال الألباني في السلسلة الصحيحة ٩٩٨، ١٧٢٨: «فالحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى www. modoee.com ٢٩ حرف الباء وجاء في الحديث الآخر أن النبي صلى ثالثًا: حصول النعم والخيرات في الدنيا، والثناء الحسن في الدارين: الله علیه وسلم قال: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان) (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله))(٢). ثانيًا: السلامة من الفتن والفساد في الأرض: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ قال سبحانه: أَوْلِيَآءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى اَلْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. يقول ابن كثير: ((أي إن تجانبوا المشركين، وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت فتنة في الناس، وهو التباس واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل» (٣). درجة الحسن على الأقل)). (١) أخرجه أبو داود رقم ٤٠٦١، والترمذي رقم ٢٤٤٠. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم ٣٠٢٩. (٢) الاحتجاج بالقدر ص ٦٢. (٣) تفسير ابن كثير، ٤ /٩٨. ولنتأمل قول الله عز وجل - في حق إبراهيم عليه السلام -: ﴿فَلَمَّا أَعْتَّزََُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٍ وَكُلَّا جَعَلْنَا فِيَّا ( ١) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠]. يبين سبحانه ما ترتب على اعتزال إبراهيم عليه السلام الشرك والمشركين، والمعنى: حين اعتزل إبراهيم عليه السلام أباه وقومه وآلهتهم الباطلة لم نضيعه، وإنما أكرمناه وتفضلنا عليه بأن وهبنا له إسحاق ويعقوب لیأنس بهما بعد أن فارق أباه وقومه من أجل إعلاء كلمتنا و كلا جعلنا نبيًا أي: وكل واحد منهما جعلناه نبيًا ووهبنا لهم أي: لإبراهيم وإسحاق ويعقوب من رحمتنا بأن جعلناهم أنبياء ومنحناهم الکثیر من فضلنا وإحساننا ورزقنا (٤)، فاعتزال الشرك والمشركين، والفسق والفاسقين، يؤدي إلى السعادة الدينية والدنيوية. رابعًا: يكون من حزب الله تعالى، ويحقق الغلبة والنصر على الكافرين: قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاذَّ اللَّهَ (٤) انظر: التفسير الوسيط، محمد طنطاوي ٩/ ٤٤. ٣٠ القرآن الكريم البراء وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمَّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَبَّدَهُم بِرُوجِ مِنَةٌ وَيُدْسِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َّمْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. أي: من شأن المؤمنين الصادقين أن يبتعدوا عن موالاة أعداء الله ورسوله، ولو كان هؤلاء الأعداء، آباءهم الذين أتوا إلى الحياة عن طريقهم أو أبناءهم الذين هم قطعة منهم، أو إخوانهم الذين تربطهم بهم رابطة الدم أو عشيرتهم التي ينتسبون إليها، بل يجب إعلان البراءة منهم؛ وذلك لأن قضية الإيمان يجب أن تقدم على كل شيء. ثم أثنى سبحانه على هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين لم يوالوا أعداء الله مهما بلغت درجة قرابتهم فقال: ﴿أُوْلَكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون أعداء الله مهما كانوا، هم الذين كتب الله تعالى الإيمان في قلوبهم، فاختلط بها واختلطت به، فصارت قلوبهم لا تحب إلا من أحب دين الله، ولا تبغض إلا من أبغضه(١). (١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٢٥١. خامسًا: تحفظ المسلم من الانقياد للكافرين: قال جل شأنه: ﴿يَتَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ يُذُوكُمْ بَعْدَ إِيَتِكُمْ كَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]. يحذر الحق تعالى المؤمنين من إطاعة أهل الكتاب والافتتان بفتنتهم إثر توبيخهم بالإغواء والإضلال ردعًا لهم عن ذلك، وتعليق الرد بطاعة فريق منهم؛ للمبالغة في التحذير عن طاعتهم، وإيجاب الاجتناب عن مصاحبتهم بالكلية، فإنه في قوة أن يقال (لا تطيعوا فريقًا) .. الخ كما أن تعميم التوبيخ فيما قبله للمبالغة في الزجر (٢). وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّلَا نُصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]. الركون إلى الشيء: الميل إليه. يقال: ركن فلان إلى فلان، إذا مال إليه بقلبه، واعتمد عليه في قضاء مصالحه(٣). والمراد بالذين ظلموا هنا: ما يتناول المشركين وغيرهم من الظالمين. والمعنى: واحذروا - أيها المؤمنون- أن تميلوا إلى الظالمين، أو تسكنوا إليهم؛ لأن ذلك يؤدى إلى تقوية جانبهم، وإضعاف (٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢/ ٦٤. (٣) انظر: تاج العروس ٣٥/ ١٠٩. www. modoee.com ٣١ حرف الباء جانب الحق والعدل(١). سادسًا: نيل ولاية الله: قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اَلْيَّهُودُ وَلَا النَّصَرِى حَتّى تَّعَ مِلَتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ اْهُدَىُّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ اَلْمِلُّمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. قال الإمام الطبري في هذه الآية ما ملخصه: ((وليست اليهود، يا محمد، ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما یرضیھم و یوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، فإن الذي تدعوهم إلیه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم. ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم؛ لأن اليهودية ضد النصرانية، والنصرانية ضد اليهودية، ولا تجتمع النصرانية واليهودية في شخص واحد في حال واحدة، واليهود والنصارى لا تجتمع على الرضابك، إلا أن تكون یھودیًا نصرانيا، وذلك مما لا يكون منك أبدًا؛ لأنك شخص واحد، ولن یجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة، وإذا لم يكن إلى اجتماعهما فیك في وقت واحد سبيل، لم يكن لك إلى إرضاء الفريقين سبيل. وإذا لم يكن لك إلى (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٢٦. ذلك سبيل، فالزم هدى الله الذي لجمع الخلق إلى الألفة عليه سبيل)) (٢). موضوعات ذات صلة: الإيمان، التوحيد، الشرك، الولاء (٢) جامع البيان، الطبري، ٢/ ٥٦٣. ٣٢ القرآن الكريم