Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ البُكاء عناصر الموضوع مفهوم البكاء ٢٦٠ البكاء في الاستعمال القرآني ٢٦١ الألفاظ ذات الصلة ٢٦٢ الضحك والبكاء من دلائل القدرة ٢٦٣ أسباب البكاء ٢٦٦ أنواع البكاء ٢٧٥ ٢٧٩ فوائد البكاء المُجَلَّدَ السَّابِعْ حرف الباء مفهوم البكاء أولًا: المعنى اللغوي : الباء والكاف والواو والهمزة أصلان: أحدهما سيلان الدمع، والآخر نقصان الشيء وقلته(١). فالأول: بکی يبكي بكا وبكاءً، فهو باك، والجمع بكاة وبكي، فالبكاء بالمد سيلان الدمع عن حزن وعويل، يقال إذا كان الصوت أغلب كالرغاء والثغاء وسائر هذه الأبنية الموضوعة للصوت، وبالقصر يقال إذا كان الحزن أغلب(٢). وقيل: هو بالقصر خروج الدمع فقط، وبالمد خروج الدمع مع الصوت. قال الشاعر(٣): بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل والأصل الآخر: قولهم للناقة القليلة اللبن هي بكيئةٌ، ومنه قول الشاعر (٤): ولو تعادی بیكٍ کل محلوب يقال محبسها أدنی لمرتعها ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الراغب: ((البكاء بالمد سيلان الدمع عن حزن وعويل)).(٥) وقال السمعاني: ((والبكاء حالة تعتري الإنسان من الهم وضيق القلب مع جريان الدمع على الخد)) (٦). والملاحظ أن هذه التعريفات عرفت البكاء بحالته الأكثر انتشارًا، وإلا فهناك بكاء لم ينشأ عن غم أو حزن؛ كبكاء الخشية من الله، وبكاء الفرح، وهو ما تنبه له ابن عاشور، فقال: «البکاء انفعال باطني ناشئ عن حزن أو عن خوف أو عن شوق))(٧). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/٢٨٥. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ١٤١. (٣) البيت لكعب بن مالك كما رجحه ابن بري، انظر: لسان العرب ١/ ٤٧٥. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٨٦/١، والبيت في ديوان سلامة بن جندل السعدي، ص٦. (٥) المفردات ص ١٤١. (٦) تفسير القرآن، السمعاني ٣٣٣/٢ (٧) التحرير والتنوير ٢٣٥/١٥، وقارنه بالتعريف الوارد في روضة النعيم ٨٣٣/٣:) إراقة الدموع من أثر الخوف من الله أو للتعبير عن حزن في الفؤاد)». مُوسُوبَةُ اللَّهـ القرآن الكريم ٢٦٠ البكاء البكاء في الاستعمال القرآني وردت مادة (بكي) في القرآن الكريم (٧) مرات(١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَّهِمُ السَّمَاءُ وَاْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ٢٩ ٢ [الدخان: ٢٩] وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ؟ ١٠٩ الفعل المضارع ٤ [الإسراء: ١٠٩] ﴿إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَتُكِيًّا اسم الفاعل ١ [مريم: ٥٨] وجاء البكاء في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: سيلان الدمع عن حزن وغيره(٢). (١)١ انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص ١٣٣. (٢)٢ انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٢٨٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢٦٨/٢، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٤١، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٢٢٢/٢-٢٢٣. www. modoee.com ٢٦١ المثال الفعل الماضي حرف الباء الألفاظ ذات الصلة الخشوع: ١ الخشوع لغة: خضع وذل وخاف، والخشوع: الخضوع والسكون والتذلل والخوف. الخشوع اصطلاحًا: إقبال المرء بقلبه على الله في دعائه وصلاته؛ خوفًا وانقيادًا، مع خضوع الجوارح والأعضاء (١). الصلة بين الخشوع والبكاء: البكاء أثر من آثار الخشوع، والخشوع محله القلب. ٢ الضحك: الضحك لغة: يقال ضحك يضحك ضحكًا وضحكًا وضحكًا وضحكًا أربع لغاتٍ، ومن ذلك الضحك (٢) وهو دليل الانكشاف والبروز الضحك اصطلاحًا: ((انبساط الوجه وتكشر الأسنان من سرور النفس)) (٣). الصلة بين الضحك والبكاء: الضحك ضد البكاء. (١)١ المفردات للأصفهاني ص ٢٨٣، الفروق اللغوية العسكري ص٢٤٨، التعريفات للجرجاني ص٩٨. (٢) ٢ لسان العرب، ابن منظور، ١٠/ ٤٥٩، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣/ ٣٩٣. (٣) ٣ المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٥٠١. ٢٦٢ القرآن الكريم البكاء الضحك والبكاء من دلائل القدرة ذكر الحق سبحانه وتعالى- في معرض إثبات كمال قدرته وانفراده بالخلق والإيجاد في سورة النجم - ((جملة من عجائب صنع الله في خلقه، ولاسيما ما في خلق الإنسان وتكوينه من أسرار ظاهرة وباطنة، لم يصل الإنسان نفسه حتى الآن إلى تحديدها، واستكناه حقيقتها)» (١). فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) [النجم: ٤٣]. والراجح من الأقوال أن الله تعالى أضحك الناس وأبكاهم؛ قال السمعاني:» أولًا: نسبة الإضحاك والإبكاء لله عز والأصح من الأقاويل أنه أضحك الخلق وأبكاهم (٧). وجل: نسب الله تعالى لنفسه القدرة على الإضحاك والإبكاء بصيغة القصر الدالة على مطلق اختصاصه تعالى بهذا الفعل، ونفي إسناده لغيره، فقال: ((﴿وَأَنَّدُهُوَ﴾. كما أن الفعلين ﴿أَضْحَكَ وَأَبَّكَ﴾، لا مفعول لهما في هذا الموضع؛ لأنهما سيقا لبيان قدرة الله، لا لبيان المقدور، فلا حاجة إلى المفعول (٢) وقد اختلف أهل التأويل في بيان من المقصود بالإضحاك والإبكاء: فقال مقاتل: أضحك أهل الجنة، وأبكى (١) التيسير في أحاديث التفسير، المكي الناصري ٦/ ١١٩. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ١٩. أهل النار(٣). وقال التستري: أضحك المطيع بالرحمة، وأهلك العاصي بالسخط، وأضحك قلوب العارفين بنور معرفته، وأبكى قلوب أعدائه بظلمات سخطه (٤). وقيل: أضحك بالوعد، وأبكى بالوعيد (٥). وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر (٦). لكن، إذا كان فعل الإضحاك والإبكاء موجها للإنسان، فما المراد بذلك؟ اختلف المفسرون أيضًا في تعيين المراد بذلك، وهذا جماع أقوالهم: الضحك قال الهواري: «خلق والبكاء))(٨). وقال الماتريدي: ((قوله عز وجل: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبَّكَى ﴾ يخرج على (٣) تفسير مقاتل ٣/ ٢٩٤. (٤) تفسير التستري، ص١٥٧. (٥) تفسير القرآن، السمعاني ٥/ ٣٠١. (٦) زاد المسير ابن الجوزي ٨٣/٨. (٧) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣٠١/٥. (٨) تفسير كتاب الله العزيز، الهواري ٢٤٧/٤. التفسير المظهري، محمد ثناء الله المظهري ٠١٣١/٩ www. modoee.com ٢٦٣ حرف الباء وجھین: أحدهما: على الكناية والاستعارة؛ جعل الضحك كناية عن السرور، والبكاء كناية عن الحزن؛ وكذا العرف في الناس أنه إذا اشتد بهم السرور ضحكوا، وإذا اشتد بهم الحزن بكوا. والثاني: على حقيقة الضحك والبكاء، فھو علی وجھین: أحدهما: أي أنشأهم بحيث يضحكون، ويبكون. والثاني: يخلق منهم فعل الضحك والبكاء؛ فهو أشبه التأويلين عندنا))(١). وقال مكي بن أبي طالب القيسي: أضحك من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه(٢). وقال القرطبي: ((قضى أسباب الضحك والبكاء)) (٣) وقال الزمخشري:((﴿أَضْحَكَ وَأَبِّكَ﴾، خلق قوتي الضحك والبكاء)) (٤). وأرى أن حمل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّدُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَتگئ﴾ على حقيقة الضحك والبكاء أولى؛ لأن حمل الألفاظ على حقيقتها أولى من صرفها إلى المجاز؛ ولذلك قال ابن حيان: ((الظاهر حقيقة الضحك والبكاء))(٥). وقال الماتريدي- بعد أن ذكر المعنى الحقيقي للإضحاك والإبكاء -: (( فهو أشبه التأویلین عندنا»(٦)، ثم إن باقي المعاني تؤول إليه؛ لأن الضحك والبكاء من القوى والاستعدادات الغريزية التي فطر الله عليها الإنسان؛ وجعلها مقترنة بأسبابها وبواعثها من السرور والحزن؛ ولذلك قال الطاهر ابن عاشور:)) وإسناد الإضحاك والإبكاء إلى الله تعالى؛ لأنه خالق قوتي الضحك والبكاء في الإنسان، وذلك خلق عجيب؛ ولأنه خالق طبائع الموجودات، التي تجلب أسباب الضحك والبكاء من سرور وحزن» (٧). ثانيا: البكاء نعمة ومنة كبرى على جنس الإنسان: البكاء نعمة من النعم الكبرى التي امتن بها سبحانه على جنس البشر، واختصهم بها دون سائر مخلوقاته الأخرى، وهي آية معجزة دالة على انفراده سبحانه وتعالى بالإيجاد والقهر، وقد دل على إعجاز صفة البكاء في تكوين الإنسان، أن العلم لا یستطیع تعلیله وفهم کیفیة وقوعه، و لا تعيين مختلف المتغيرات المؤثرة في إنشائه (١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤ / ٦١٤ . (٢) تفسير الهداية، مكي بن أبي طالب، ص ٧١٧٣. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ١٠٣. (٤) الكشاف، الزمخشري ٤ /٤٢٨. (٥) البحر المحيط، أبو حيان، ٨/ ١٦٥. (٦) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤/ ٦١٤. (٧) التحرير والتنوير ٢٧/ ١٤٣. صَوَسُو ◌َرُ النَّقِّ القرآن الكريم ٢٦٤ البكاء وإحداثه. قال الامام الرازي: ((اختار هذين الوصفين للذكر والأنثى؛ لأنهما أمران لا یعللان، فلا يقدر أحد من الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجها وسببا، وإذا لم يعلل بأمر، ولا بد له من موجد فهو الله تعالى، بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون: سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال، ويدلك على هذا أنهم إذا ذكروا في الضحك أمرا له الضحك، قالوا: قوة التعجب، وهو في غاية البطلان؛ لأن الإنسان ربما یبهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك، وقيل: قوة الفرح، ولیس کذلك؛ لأن الإنسان یفرح كثيرا، ولا يضحك، والحزين الذي عند غاية الحزن يضحكه المضحك، وكذلك الأمر في البكاء، وإن قيل لأكثرهم علما بالأمور التي يدعيها الطبيعيون إن خروج الدمع من على تعليل صحيح)) (١). وقد بين سيد قطب كثيرًا من حقائق الإعجاز في خلق الإنسان كائنا ضاحكا باكيا، بأسلوب بليغ وعبارة رشيقة فقال: ((أضحك وأبكى .. فأودع هذا الإنسان خاصية الضحك وخاصية البكاء؛ وهما سر كيف هما، ولا كيف تقعان في هذا الجهاز المركب المعقد، الذي لا يقل تركيبه وتعقيده النفسي عن تركيبه وتعقيده العضوي، والذي تتداخل المؤثرات النفسية والمؤثرات العضوية فيه، وتتشابكان، وتتفاعلان في إحداث الضحك، وإحداث البكاء. وأضحك وأبكى .. فأنشأ للإنسان دواعي الضحك ودواعي البكاء، وجعله - وفق أسرار معقدة فيه - يضحك لهذا ويبكي لهذا، وقد يضحك غدا مما أبكاه اليوم، ويبكي اليوم مما أضحكه بالأمس، في غير جنون ولا ذهول؛ إنما هي الحالات النفسية المتقلبة، والموازين والدواعي والدوافع والاعتبارات التي لا تثبت في شعوره على حال! وأضحك وأبكى .. فجعل في اللحظة الواحدة ضاحكين وباكين، كل حسب المؤثرات الواقعة عليه، وقد يضحك فريق العين عند أمور مخصوصة لماذا ؟ لا يقدر مما يبكي منه فريق؛ لأن وقعه على هؤلاء غير وقعه على أولئك .. وهو هو في ذاته؛ ولکنه بملابساته بعید من بعید! وأضحك وأبكى .. من الأمر الواحد صاحبه نفسه، يضحك اليوم من الأمر ثم تواجهه عاقبته غدا أو جرائره فإذا هو باك، یتمنى أن لم یکن، وأن لم یکن ضحك، وکم من أسرار التكوين البشري لا يدري أحد من ضاحك في الدنيا باك في الآخرة حيث لا ینفع البكاء ! (١) مفاتيح الغيب ٢٠/٢٩. www. modoee.com ٢٦٥ حرف الباء هذه الصور والظلال والمشاعر والأحوال .. وغيرها كثير، تنبثق من خلال النص القصير، وتتراءى للحس والشعور، وتظل حشود منها تنبثق من خلاله؛كلما زاد رصيد النفس من التجارب؛ وكلما تجددت عوامل الضحك والبكاء في النفوس؛ وهذا هو الإعجاز في صورة من صوره الكثيرة في هذا القرآن))(١). فقد بين هذا النص أن قدرة الضحك و البكاء، من الخصائص المودعة في الإنسان، وهي سر من أسرار التكوين؛ إذ لا تعقل ماهیتهما و لا کیفیة وقوعهما،کما لا يفهم سببهما ودواعيهما؛ إذ كيف يضحك قومٌ مما یبکي منه آخرون؟ و کیف یبکي الواحد اليوم ما كان أضحكه بالأمس القريب؟ وصدق الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَفِّ أَنفُسِكُمْ أَفَلاً تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: ٢١]. أسباب البكاء سبق القول إن البكاء عملية معقدة تتفاعل في إحداثها عوامل داخلية عضوية ونفسية وفطرية، وأخرى خارجية وفق سنة الله تعالى في ربط الأسباب بمسبباتها. وإن تتبع جميع الأسباب التي تثير البكاء وتحمل عليه شأنه أن يحيد بنا عن صلب هذا البحث المخصص للمفهوم في القرآن، ولذلك سأقتصر على الأسباب الواردة في السياقات القرآنية المتضمنة للبكاء بلفظه أو بمعناه: أولًا: البكاء لسماع آيات الله والتأثر بمواعظه : يعد البكاء لسماع آيات الله تعالى من أعظم أوصاف أنبياء الله تعالى وعباده المتقين، ولذلك مدحهم الله به في مواضع من كتابه العزيز، منها: قوله عز وجل: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ مِنْ ذُرِيَّةِ ءَآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُرْجِ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِنْزَهِيمَ وَإِسْرَّهِيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَلَجْنَبَيْنَا إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْمَا يَنْتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَتَكِيّاً ا ﴾ [مريم: ٥٨]. فقد ذكر الله أن هؤلاء المنعم عليهم من النبيين إذا تتلى عليهم آيات الله خروا سجدًا ويكيًا، استكانة لله، وتذللًا وخضوعًا لأمره وانقيادًا. (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٤١٥/٦- ٣٤١٦. ٢٦٦ القرآن الكريم البكاء والمراد بآيات الرحمن في هذا السياق: ((أدلة الله وحججه التي أنزلها عليهم في کتبه»(١). قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَهُ, عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْتَهُ نَِيلًا (٢٦) قُلْ ءَامِنُواْ بِ أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِ: إِذَا وَيَقُولُونَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا () ١٠٨) سُبْحَنَ رَيِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا [الإسراء: ١٠٦- ١٠٨]. وقد وردت هذه الآيات في سياق محاجة الكفار المكذبين بالقرآن، و المطالبين بالآيات المعجزة، يأمر الله فيها نبيه عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم:» آمنوا بهذا القرآن - الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، لم يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظھیرا - أو لا تؤمنوا به، فإن إیمانکم به لن یزید في خزائن رحمة الله، ولا ترككم الإيمان به ينقص ذلك، وإن تکفروا به، فإن الذين أوتوا العلم بالله وآياته -من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتابين- إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون تعظيما له وتكريما، وعلما منهم بأنه من عند الله، لأذقانهم سجدا بالأرض» (٢). وقد ذكر مجاهد أن المراد بالذين ﴿أُوتُواْ اَلْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾﴾ هم ناس من أهل الكتاب (١) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٢١٤. (٢) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٥٧٧. حين سمعوا ما أنزل الله على محمد قالوا سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا(٣). وذكر مقاتل أنها نزلت في مؤمني أهل التوراة عبد الله بن سلام وأصحابه (٤). أما المتلو فهو القرآن الكريم لدلالة السياق عليه. وهو الذي رجحه ابن جرير الطبري فقال: ((وإنما قلنا: عني بقوله: ﴿إِذَا يُتْلَ عَلَيْهِمْ﴾ القرآن، لأنه في سياق ذكر القرآن لم يجر لغیره من الکتب ذکر، فیصرف الكلام إلیه، ولذلك جعلت الهاء التي في قوله: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ من ذكر القرآن؛ لأن الكلام بذكره جرى قبله، وذلك قوله: ﴿وَقُرْءَانَا فَرَقْتَهُ﴾ وما بعده في سياق الخبر عنه؛ فلذلك وجبت صحة ما قلنا، إذا لم يأت بخلاف ما قلنا فيه حجة يجب التسليم لها)»(٥). فهؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان، تلين قلوبهم لسماع القرآن، ويخرون على وجوههم سجدا وبكيا، وهو ((مشهد مصور لحالة شعورية غامرة، يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه؛ العارفة بطبيعته وقيمته؛ بسبب ما أوتيت من العلم قبله))(٦)، خلافًا لمن يقابل آيات الله (٣) انظر: المصدر السابق ١٧ /٥٧٨. (٤) تفسير مقاتل ٢٧٦/٢. (٥) جامع البيان، الطبري ١٧/ ٥٧٨-٥٧٩. (٦) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٥٤/٤. www. modoee.com ٢٦٧ حرف الباء بالإستهزاء والصدود، كأولئك المخاطبين ٥٩ بقوله تعالى: ﴿أَفِّنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَمْجَبُونَ وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ فَأَسْبُدُ واْلِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ حَ )﴾ [النجم: ٥٩-٦٢]. إن هذه الآيات لما سمعها أهل الصفة بكوا حتى أخضلوا؛ فعن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿أَفِّنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ الآية، بكى أصحاب الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنینهم بکی معهم، وبکینا لبكائه، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يلج النار من بكى من خشية الله تعالى، ولا يدخل الجنة مصر على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم یذنبون، ثم يستغفرون، فیغفر لهم)(١). وبهذا يتبين أن البكاء لسماع القرآن سمة العلماء وأمارة الشوق والمحبة، وحري بکل سالك إلی الله تعالى أن يجتهد في تحصیل وبلوغ هذه المنزلة. ثانيًا: البكاء لمعرفة الحق: ما أعظم فرح القلب سرورا بمعرفة الحق، وما أشد هذا الفرح إذا فاضت العين بالدمع تعبيرا عن تأثرها العميق بهذا الحق. (١) أخرجه الترمذي في الجامع، رقم ١٦٣٣، ورقم ٢٣١١، والنسائي في السنن الصغرى، ٣- ٣١٠٨. رقم ٣١٠٧-١ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. هذا مقام طائفة من النصارى حكى القرآن أحوالهم، فقال عز وجل: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْبَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىّ ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ ﴾ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبََّاَ ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴾ [المائدة: ٨٢٩٨٣]. وقد قال بعض المفسرين: إنها نزلت في النجاشي وأصحابه؛ لما كان جعفر وأصحابه رضوان الله عليهم يتلون عليهم بعض ما أنزل من القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام؛ جعلت دموعهم تفيض بسبب ما عرفوا من الحق (٢). وقال غيرهم: إنها نزلت في الوفد من العلماء والقساوسة الذين بعثهم النجاشي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل إليه، بكوا وأسفوا، فأنزل الله فيهم ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى آخر الآية (٣). وقال آخرون: بل هذه صفة قوم كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان، فلما (٢) جامع البيان، الطبري ٨ / ٥٩٤. (٣) انظر: المصدر السابق ٥٩٤/٨، وتفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٤ / ١١٨٤. مَوَسُورَةُ النَّهِ القرآن الكريم ٢٦٨ البكاء بعث الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها (٣ وسلم آمنوا به(١). . وسبب هذا البكاء العميق تأثرهم بالحق والآيات تحمل على عمومها؛ فتشمل كل من علم الحق من النصارى، فزاده ما الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمانا وتصديقا. ولذلك قال ابن جرير الطبري: ((والصواب في ذلك من القول عندي: أن الله تعالى وصف صفة قوم قالوا: ﴿إِنَّا نَصری﴾، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس ودادًا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسم لنا أسماءهم؛ وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشي، ويجوز أن یکون أريد به قومٌ كانوا على شريعة عيسى، فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه))(٢). وقد وصف القرآن الكريم أعين هذه الطائفة بأنها تفيض من الدمع، أي تمتلئ بالدمع حتى يسيل من جوانبها. وذكر الإمام الرازي أن قوله تعالى: أَعْیُنَھُمْ تَفِيضُمِنَ الذَّمْعِ﴾ فیه وجهان: الأول: المراد أن أعينهم تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء وغيره حتی یطلع ما فيه من جوانبه. الثاني: أن يكون المراد المبالغة في (١) انظر: جامع البيان ٨/ ٥٩٧. (٢) المصدر السابق. وتطابقه مع ما أوتوه من العلم، وتيقنهم من صدقه عليه الصلاة والسلام. قال أبو زهرة: ((معناه أن سبب البكاء هو ما عرفوه من الحق، وهذا يدل على أمرين: أولهما: أنه تحقق لديهم ما وجدوه من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم . ثانيهما: أنهم كانوا لنفاذ بصائرهم، وعظم مدار کھم یحسون بأنهم كانوا في ضلال فعرفوا الطريق، وكانوا في ظلام فاستناروا وكانوا في حيرة فاطمأنوا)) (٤). إن هذه الطائفة من النصارى استحقت التنويه والإشادة بحالها الخاشعة وهي لم تعلم إلا بعض الحق، كما هو واضح من حرف التبعيض المقرون بالحق ﴿مِنَ الحَقِّ﴾، فکیف لو عرفوا الحق کله ؟ وهذا يبين مبلغ هؤلاء القساوسة والرهبان من الخشية والرهبة، واستعدادهم لتلقي الحق والانخراط مع أنصاره وأتباعه: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنًا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ﴾. (٣) مفاتيح الغيب ٧٢/١٢. (٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢٣٢٨/٥. www. modoee.com ٢٦٩ حرف الباء ثالثًا: البكاء لفوات الخير وتحسرا [التوبة: ٩٢]. عليه: مشهد آخر من مشاهد البكاء يقصه القرآن الكريم عن نفر من المومنين (١)، جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسألونه نفقة تعينهم على الخروج إلى الجهاد وقتال العدو مع المومنين، لكنهم صادفوا شحة في الرواحل، ونقصا في النفقات، لم يستطع النبي عليه الصلاة والسلام - معها- أن يوفر لهم ما يطلبون من الحملان، فعذرهم في الخروج، وسامحهم في التخلف لهذا السبب. ولكنهم من فرط حبهم للجهاد، وصدق رغبتهم في الخروج للقتال، لم يستسيغوا التخلف، ولم يطيقوا التأخر عن صفوف النافرين لقتال العدو، وإذا لم يجدوا حيلة ولا اهتدوا إلى سبيلٍ للجهاد، فقد تولوا وأعینهم تفيض من الدمع، حزنا على حالهم، وتحسرا على ما فاتهم من فضل الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَآ أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ نَّوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ (١) لمعرفة اختلاف العلماء في تعين أسماء البکائین. انظر: تفسير ابن جرير الطبري ٤٢١/١٤ وما بعدها. إن مشهد التخلف عن صفوف الزاحفين إلى ذروة سنام الإسلام يفلق الأكباد ويقطع الأحشاء، ولو كان لعذر وضرورة، وهذا ما جعل هذه الطائفة المؤمنة المأذون لها بالقعود تعود إلى ديارها، والحزن يعتصر قلبها، ويفيض الدمع من أعينها، ((وإنها لصورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد، والألم الصادق للحرمان من نعمة أدائه)»(٢). ولذلك سمي هؤلاء النفر من المومنين (البكاؤون)(٣)، واستحقوا أن يخصوا بالذكر رغم أنهم مندرجون مع أصحاب الأعذار- لاسيما الذين لا يجدون ما ينفقون- المذكورين في قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: ٩١]. « لأنهم بالغوا في تحصيل ما يخرجون به إلى الجهاد حتى أفضى بهم الحال إلى المسألة، والحاجة لبذل ماء وجوههم في طلب ما يحملهم إلى الجهاد، والاستعانة به حتی یجاهدوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يفوتهم أجره)) (٤). قال المراغي: ((وهؤلاء - وإن دخلوا في (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٦٨٥/٣. (٣) انظر: سيرة ابن هشام ٣٩٩/٤. (٤) البحر المحيط ٨٨/٥. ٢٧٠ مَوَسُوع القرآن الكريم البكاء عموم الذين لا يجدون ما ينفقون للجهاد لفقدهم الرواحل - قد خصوا بالذكر اعتناء بشأنهم، وجعلهم كأنهم قسم مستقل))(١). وفي ذلك تنويه بصدق البكائين وإخلاصهم وعلو مكانتهم عند الله. رابعًا: البكاء بسبب نزول المصائب وتتالي الأحزان: من أسباب البكاء الواردة في القرآن الكريم الحزن الشديد على فقد حبيب من الأحبة، وهذا کان حال نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام؛ فقد فجع بفقد ولده يوسف عليه السلام، وظل يندبه لسنين طويلة، ثم تتالت عليه الأحزان بفقد ابنه الآخر، فئوى إلى معزل، واستأنف البكاء والتفجع حتى ابيضت عيناه. قال الله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: ﴿وَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: ٨٤]. والأسف أشد الحزن. ٨٤ قال البقاعي: ((﴿يَأَسَفَى﴾ أي يا أشد حزني، والألف بدل عن ياء الإضافة، لتدل على بلوغ الأسف إلى ما لا حد له))(٢). وهذا الحزن الشديد الطويل تسبب في ابيضاض عيني يعقوب عليه السلام، أي في إصابتها بالعمى، لأن الحزن الدائم يوجب (١) تفسير المراغي ١٠/ ١٨٣. (٢) نظم الدرر، البقاعي ٤ /٨٩. البکاء الدائم وهو يوجب العمي؛ وإنما كان البكاء الدائم يوجب العمى؛ لأنه يورث كدورة في سوداء العین. قال الزمخشري: ((إذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين، وقلبته إلى بياض كدر))(٣)، لأن توالي إحساس الحزن علی الدماغ یفضي إلى تعطیل عمل عصب الإبصار (٤). وهذا العمی حقيقي- کما قرره جمهور المفسرين- وليس مجرد امتلاء العين بالماء، لغلبة البكاء فتصير كأنها ابيضت من بیاض ذلك الماء، لأن الله عز وجل حكى عن يوسف أنه قال لإخوته: ﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِ يَأْتِ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٣]. وقال تعالى كذلك: ﴿فَلَمَّا أَن جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَرْتَذَّ بَصِيرًاْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَكُمْ إِّ أَعْلَمُ مِنَ اَللّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )﴾ [يوسف: ٩٦]. وورد ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ مقابلا ﴿اَلْأَعْمَى﴾ في آيات القرآن الكريم، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ١٩ [فاطر: ١٩]. قال ابن جرير: ((وقوله: ﴿فَأَرْتَذَّ بَصِيرًا﴾ رجع وعاد مبصرًا بعينيه، بعد ما قد عمي)) (٥). (٣) الزمخشري ٤٦٨/٢. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٣/١٣. (٥) جامع البيان ٣٣٢/١٣. www. modoee.com ٢٧١ حرف الباء وقال ابن كثير: ((وكان قد عمي من كثرة خامسًا: بكاء الحسرة والندم ونزول العذاب: البكاء))(١). وقال ابن عاشور: «وعندي أن ابيضاض العينين كناية عن عدم الإبصار))(٢). ولا يتعارض هذا مع القول بعصمة الأنبياء، واستحالة اتصافهم بما ينفر، أو يمنع من التبليغ؛ لأن بياض عيني يعقوب حصل بعد التبليغ؛ و لم یکن أصليا في خلقته؛بل عرض له، وهو من البلاء الذي يشتد على الأنبياء؛ لرفعة قدرهم، وعلو شأنهم عند الله تعالی، والله تعالى أعلم. وابيضاض عيني يعقوب عليه السلام ليس بسبب الحزن، ولكن بسبب توالي البكاء، فقوله ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾ تعليل بالأصل الذي نشأ منه البكاء وهو الحزن (٣). ويستفاد من قصة يعقوب وحزنه على ولده یوسف، جواز التأسف والبكاء عند النوائب؛ فإن الكف عن ذلك مما لا يدخل تحت التكليف؛ فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم، وقال: (إن العين تدمع، و القلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) (٤). (١) تفسير ابن كثير ٤/ ٤٠٩. (٢) التحرير والتنوير ٤٣/١٣. (٣) البحر المحيط، أبو حيان ٣٣٣/٥. (٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣٠٢/٤. توعد الله المنافقين بالبكاء المرير يوم القيامة، حسرة على تضييع حدود الله، وندامة على اتخاذ آياته هزؤا، ومعاقبة لهم على تخلفهم عن رسول الله، وفرحهم بخذلان المؤمنین. ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ قال تعالى: بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِى اْخَرَّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّا لَوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوْ قَلِلًاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [التوبة: ٨١-٨٢]. عن ابن عباس قال: ((الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا ﴿وَلْيَبُوا كِيرًا﴾ فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله، استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا)»(٥). وروى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن في قوله تعالى: ﴿فَلَيَضْحَكُواْ فَلِيلًا﴾، قال: «یضحكوا قليلا في الدنيا، وليبكوا كثيرًا في الآخرة في نار جهنم، جزاء ما كانوا یکسبون»(٦). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:)) إنا بك لمحزونون))، رقم ١٣٠٣، عن أنس بن مالك. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٥٥. (٦) تفسير الصنعاني ٢٤٨/١. مُوسُوبَةُ اللَّيـ القرآن الكريم ٢٧٢ البكاء فالآيات القرآنية السابقة إذن متضمنة وأمر الرسول والمؤمنون بمعاملتهم بما يقتضيه نفاقهم، وعدم الاعتداد بما يظهرون من إسلامهم، وأن فرحهم عاقبته الحزن والكآبة، والخيبة والندامة، في الدنيا ويوم القيامة(٣). إخبارًا بحقيقة ضحك وبكاء المنافقين، فإنهم مهما ضحكوا وتمتعوا في هذه الدنيا، فإن ذلك يعد قليلًا، بالنظر إلى ما ينتظرهم من عذاب الآخرة، وما يعقبه من حسرة وبكاء دائم، لأن الدنيا ((دار قلعة وزوال وانزعاج وارتحال)»(١)، أما الآخرة فهي دار قرار ومقام وخلود. وقد أخرج هذا الإخبار من الله تعالى بما سيؤول إليه حال المنافقين على صيغة الأمر، للدلالة على أنه حتم واجب. قال رشيد رضا: ((وإنما كان الأمر في الآية بمعنى الخبر؛ لأنه إنذار بالجزاء لا تكليف، وقد قيل في فائدة هذا التعبير عن الخبر بالإنشاء أنه يدل على أنه حتم لا يحتمل الصدق والكذب كما هو شأن الخبر لذاته في احتمالهما، لأن الأصل في الأمر أن یکون للإیجاب وهو حتم؛ ویمکن أن يقال: إن الأمر بما ذكر يتضمن الإخبار بسببه؛ فيكون مؤكدا للخبر ببناء الحكم عليه، ويقابله التعبير عن الأمر بصيغة الخبر للتفاؤل بمضمونه كأنه وقع بالفعل)»(٢). ويستفاد من هذا الوعيد الموجه للمنافقين أنهم لن یطیب لهم فيها عیش بعد أن هتك الوحي أستارهم، وكشف عوارهم، (١) نظم الدرر، البقاعي ٣٦٩/٣. (٢) تفسير المنار ٤٩٨/١٠. في سياق هذا الوعيد أيضًا نفهم بعض الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي يأمر فيها بالإكثار من البكاء والتقليل من الفرح، كقوله عليه الصلاة والسلام: (لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبکیتم کثیرًا) (٤). وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: ما النجاة؟ قال: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك)(٥). (٣) تفسير المنار ٤٩١/١٠-٤٩٢. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا))، رقم ٦٤٨٥ - ٦٤٨٦، وأخرجه أيضًا في كتاب التفسير، باب (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)، رقم٤٦٢١، من حديث أنس بن مالك و أبي هريرة. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله، رقم ٢٣٥٩. (٥) أخرجه الترمذي في سننه، ٤/ ٦٠٥. وقال حديث حسن، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم ٢٧٤١. www. modoee.com ٢٧٣ حرف الباء سادسًا: البكاء بسبب الكذب وهو التباكي، (( وإنما اصطنعوا البكاء تمويها والمخادعة: قال الله تعالى: ﴿وَجَآءُ وَ أَبَاهُمْ عِشَآءُ يَبْكُونَ ﴾ [يوسف: ١٦]. هذا كان شأن أبناء يعقوب لما ألقوا أخاهم يوسف في غيابات الجب، جاءوا أباهم باكين أو متباكين، ومعهم قميصه مضمخا بالدماء؛ ليوهموه أنهم صادقون في نسبة افتراسه للذئب؛ ولأنهم كاذبون، فقد (جاءوا في ظلمة العشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب»(١). والعشاء محل الظلمة، وهو ستر للانفعالات التي توجد على الوجوه من الاضطراب؛ ومن مناقضة كذب ألسنتهم؛ لأنهم لن يخبروا الأب بالواقع الذي حدث؛ بل بحديث مختلق، وقد تخدعهم حركاتهم، ويفضحهم تلجلجهم، وتنكشف سيماهم الكاذبة أمام أبيهم؛ فقالوا: الليل أخفى للوجه من النهار، وأستر للفضائح؛ وحين ندخل على أبينا عشاء؛ فلن تكشفنا انفعالاتنا؛ وبذلك اختاروا الظرف الزمني الذي یتوارون فیه من أحداثهم (٢). وإذا كان البكاء انفعالًا غريزيًا يسيل معه الدمع من العینین عند ورود باعثه على القلب، فقد أطلق هنا على البكاء المصطنع (١) تفسير القرآن، السمعاني ١٤/٣. (٢) انظر: تفسير الشعراوي ١١/ ٦٨٨٢. على أبيهم لئلا يظن بهم أنهم اغتالوا يوسف عليه السلام، ولعلهم كانت لهم مقدرة على البكاء مع عدم وجدان موجبه، وفي الناس عجائب من التمويه والكيد)»(٣). ويستفاد من تباكي إخوة يوسف أمام أبيهم يعقوب عليه السلام أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله؛ لاحتمال أن يكون تصنعا (٤). (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٦/١٢. (٤) أحكام القرآن، ابن العربي ٣٨/٣-٣٩. ٢٧٤ مَوَسُولَةُ النَّشيد القرآن الكريم البكاء أنواع البكاء عدد ابن قيم الجوزية في كتابه (زاد المعاد) أنواع البكاء، وحصرها في عشرة أنواع: أحدها: بكاء الرحمة والرقة. والثاني: بكاء الخوف والخشية. والثالث: بكاء المحبة والشوق. والرابع: بكاء الفرح والسرور. والخامس: بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله. والسادس: بكاء الحزن. والسابع: بكاء الخور والضعف. والثامن: بكاء النفاق، وهو أن تدمع العین، والقلب قاسٍ. والتاسع: البكاء المستعار والمستأجر عليه؛ كبكاء النائحة بالأجرة، فإنها- كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه -: «تبيع عَبْرَتَها، وتبکي شجو غيرها )). والعاشر: بكاء الموافقة، وهو أن يرى الرجل الناس ییکون لأمر ورد عليهم، فيبكي معهم، ولا يدري لأي شيء يبكون؛ ولكن يراهم پیکون، فییکي(١). ترى ما أنواع البكاء الواردة في القرآن الكريم ؟ تبين من المبحث السابق أن أسباب البكاء (١) زاد المعاد ١/ ١٨٤. في القرآن الکریم متعددة، و لا يخفى أن كل سبب من هذه الأسباب يرتبط به نوع أو أكثر من أنواع البكاء، فإذا كان سبب البكاء- على سبيل التمثيل - تأثرًا بسماع القرآن ومواعظه كان البكاء بكاء خشية أو خشوع أو فرح ... وإذا كان السبب حزنا، كان البكاء من جنسه، إما بكاء حسرة وندم، أو بكاء تألم وکرب ... وعمومًا يمكن تقسيم أنواع البكاء الواردة في القرآن الكريم باعتبارات متعددة: أولًا: باعتبار السبب الباعث عليه: يمكن ترتيب البكاء الوارد في القرآن الكريم باعتبار السبب الباعث عليه والجالب له إلى الأنواع الآتية: ١. بكاء الفرح. البكاء الناشئ عن سرور القلب وبهجة النفس وانشراح الصدر. ٢. بكاء الخشوع والإنابة. وهو بكاء الأنبياء والرسل والصالحين والمهديين والمجتبين. قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبْنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ ءَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةٍ إِبْرَهِيمَ وَإِسْرَّهِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَأَجْنَبَيْنَا إِذَا نُقْلَى عَلَيْهِمْ ءَيْتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَتِيًّا ؟ )) [مريم: ٥٨]. وهو أيضًا بكاء الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا www. modoee.com ٢٧٥ حرف الباء ١٠٧ وَيَقُولُونَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٨ ٢هـ سُبْحَنَ رَيِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا [الإسراء: ١٠٧- ١٠٨]. ٣. بكاء معرفة الحق. وهو بكاء العارفين بالله تعالى، العالمين بأمره، المسارعين إلى مغفرته ورضوانه حينما تتجلى لهم الحقائق، وتلوح لهم البصائر. و يأتي الموقف الذي حكاه الله تعالى عن بعض قساوسة ورهبان النصارى صورة مجلية لهذا النوع من البكاء، إذ لما سمعوا بينات القرآن وبصائره تتلى عليهم، فاضت أعينهم فرحًا وانشراحًا وحبورًا. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قال تعالى: وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا قِسيسِين وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى يَسْتَكْبُونَ ) الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنًا فَأَكْثُبْنَا مَعَ ﴾ [المائدة: ٨٢-٨٣]. الشَّهِدِينَ لَّ ٤ . بكاء الحزن. حينما تشتد الأحزان على القلب وتتوالى عليه المصائب وتنزل به الكروب، يفيض الدمع، ویبکي المحزون والمكروب، ويتخذ هذا النوع من البكاء صورا في القرآن الكريم منها: بكاء الحزن على فقد محبوب. وأدق مثال له بكاء يعقوب عليه السلام علی فقد فلذة كبده يوسف عليه السلام، فقد بکاه حتی شرق بماء دمعه،وشحب وجهه، وتقرحت أجفانه. قال تعالى حكاية لشأنه: ﴿وَقَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَتَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ اٌلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: ٨٤]. ويمكن عد هذا البكاء أيضًا بكاء شوقٍ وحنينٍ للقاء المحبوب. بكاء الحزن على فوات مرغوب. وأغلى مرغوب للمؤمن تحصيل الطاعات وعمل الصالحات، فإذا فاته شيئ من ذلك -لعجزه عنه مع حبه و اشتياقه إليه- لم يجد ما يعبر به عن هذا الفوات إلا بإسبال العبرة و إذراء الدمعة، كما صنع البكاؤون لما فاتهم شرف الخروج مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجهاد، قال عز وجل: ﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتْوَكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآَ أَجِدُمَا أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَّنَا أَلََّّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ ١٢)﴾ [التوبة: ٩٢]. ٥. بكاء الحسرة والندم على التفريط في جنب الله. وهذا بكاء المنافقين المستهزئين بالحق، والمعرضين عن سبيل الله، يكثر بكاؤهم ويطول يوم القيامة، كما كثر ٢٧٦ جوي القرآن الكريم البكاء فرحهم وتخلفهم في الدنيا،قال الحق أبي طالب، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير سبحانه وتعالى منذرا ومخبراً بمصيرهم: فَلْيَصْحَكُوْ قَلِيلًاً وَلْيَبَّكُوا كَثِيرًا جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ ﴾ [التوبة: ٨٢]. يَكْسِبُونَ ٦. البكاء المصطنع. وهو بكاء مفتعل، لم يصدر على السجية، ولم يبعث عليه باعث مقبول من فرح أو حزن، وإنما هو دمعة مختلقة، وعبرة مصطنعة، غايتها التضليل والخداع، وإخفاء الحقيقة؛كما هو حال بكاء إخوة يوسف، وقد أضاعوا أخاهم، وجاؤوا على قميصه بدم كذب، قال الله تعالى: ﴿وَجَآءُ وَ أَبَاهُمْ عِشَآءُ يَبْكُونَ (١)﴾ [يوسف: ١٦]. ٧. بكاء السماء والأرض. قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ﴾ [الدخان: ٢٩]. نفت هذه الآية أن تكون السماء والأرض بكت على قوم فرعون، فاقتضى أن للسماء والأرض بکاء. واختلف المتأولون في معنى ذلك، فحمله قوم على الحقيقة، وقالوا: إن الرجل المؤمن إذا مات بكى عليه من الأرض موضع عبادته أربعين صباحًا، وبكى عليه من السماء موضع صعود عمله، ولم يكن في قوم فرعون من هذه حاله. وممن ذهب إلى هذا القول: علي بن وقال ابن عطية: ((والمعنى الجيد في الآية أنها استعارة باهية فصيحة تتضمن تحقير أمرهم، وأنهم لم يتغير عن هلاكهم شيء، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنِ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]))(٢). ورجح القرطبي: القول الذي يحمل بكاء السماء والأرض على الحقيقة، إذ لا استحالة في ذلك، وكما أن السماوات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم ... فهي کذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك (٣). فإذا كان الأمر كذلك، لم نحتج إلى (١) ((عن سعيد بن جبير، قال: أتى ابن عباس رجلٌ، فقال: يا ابن عباس، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَنُواْ مُنظَرِينَ ﴾، فهل تبكي السماء والأرض على أحد ؟ قال: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، بكى عليه وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير، قال: فلم تبك عليهم السماء والأرض)). أخرجه الصنعاني في تفسيره ٢٠٨/٢، والطبري في تفسيره ٢٢/ ٣٤، وابن أبي حاتم في تفسيره ١٠ / ٣٢٨٨-٣٢٨٩. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٦٥/٥. (٣) الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٤٢. www. modoee.com ٢٧٧ حرف الباء تكلف كيفية هذا البكاء، كما فعله بعض ثالثًا: باعتبار الموافقة أو المخالفة المفسرين، لأن ذلك يتوقف على الخبر للشرع: الصحيح المرفوع. ويتحصل لنا من هذه الآية أن الدموع رحمة لا يستحقها إلا المطيعون والمخبتون، ولو صدرت من السماء والأرض. ثانيًا: باعتبار القصد: یقسم البکاء باعتبار قصد الباکي إلى قسمين: ١. البكاء الممدوح. وهو البكاء المحمود المشروع الذي يكون قصد صاحبه مشروعا وحسنا، «کالبكاء من خشية الله تعالى، وخوفا منه، وطمعا في رحمته، أو البكاء من سماع القرآن وما فيه بعد تدبره وتأمله، أو البكاء لمعنى إنساني نبيل؛ كما فعل سيد البشر صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم)) (١). ٢. البكاء المذموم. وهو ما کان قصد صاحبه سیئا ومنکرا، مثل «بکاء التصنع وما فيه، سواء أكان ذلك لإثبات صدق قول أم دعوی أم ما إلی ذلك، كما فعل إخوة يوسف، فهذا من البكاء المذموم؛ لأنه لا يكاد يدل على صدق الإنسان في فعله أو فعاله))(٢). ينقسم البكاء باعتبار الموافقة والمخالفة إلى: ١ . بكاء موافق. وهو ما كان الباعث عليه أمرا فطريا مقبولا، وکان القصد منه محمودا، و صدر عن صاحبه موافقا لشرع الله، ومنسجما مع هدي رسول الله صلی الله علیه وسلم . ٢. بكاء مخالف. وهو البكاء الذي اختل فيه شرط إما في سببه، أو في قصد صاحبه، أو في كيفية وقوعه، ويدخل في ذلك البكاء النابع من تسخط النعمة، وعدم الرضا بالمقدور، أو كان قصد صاحبه إبطال الحق، وخداع الناظرین إلیه، أو كان بكاء مقرونا بالعويل والصياح المنكر كما يفعله ((جهال العوام والمبتدعة الطعام من الزعيق والزئير، ومن النهاق الذي یشبه نهاق الحمیر»(٣). (١) انظر: نضرة النعيم ٨٣٤/٣. (٢) المصدر السابق. (٣) انظر: هذا المعنى في الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٦٦/٧. ٢٧٨ مُوسُورًا القرآن الكريم