Indexed OCR Text
Pages 21-40
الإنفاق الشديد لمن يمنع الإنفاق مع أنه يكنز المال؛ (الذهب والفضة) باعتبار أنها دنانير أو دراهم وهي متعددة، وبني الفعل للمفعول ولذا تضاربت الروايات على أن من يعطي الزكاة لا یکون علیہ إثم الکانزین، بل إنه لا يعد کانزًا من يخرج حقه في سبيل الله، وإنما الکانز هو الجامع للمال الذي یمنع حقه. لعدم تعلق الغرض بالفاعل، فكأنه قيل: يوم يحمي الحامون عليها، وأسند الفعل المبني للمفعول إلى المجرور لعدم تعلق الغرض بذكر المفعول المحمي لظهوره؛ إذ هو النار وقد ورد أن الإنفاق يمنع إثم الكانز الذي يجمع المال، بل قد ورد في الأثر الصحيح: (نعم المال الصالح للمرء الصالح) (١). التي تحمى، وعدي بـ (على) الدالة على الاستعلاء المجازي لإفادة أن الحمي تمكن من الأموال بحيث تكتسب حرارة المحمي کما أن في الآية إشارة إلى أن المال من الذهب والفضة ينبغي ألا يكنز، بل يجب أن يخرج للاستغلال الحلال، بالاتجار والصناعة والزراعة، ولا يبقى في الخزائن، كالماء العطن الذي لا ينتفع به. كلها، ثم أكد معنى التمكن بمعنى الظرفية التي في قوله: ﴿فِ نَارٍ جَهَنَّمَ ﴾ فصارت الأموال محمية عليها النار، وموضوعة في النار، وبإضافة النار إلى جهنم علم أن المحمي هو نار جهنم التي هي أشد نار في الحرارة، فجاء تركيبًا بديعًا من البلاغة والمبالغة في إيجاز(٣). وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِمِ ﴾ وضع الوعيد لهم بالعذاب موضع البشارة بالتنعم لغيرهم، وهذا على سبيل التهكم عليهم(٢)؛ لأن العذاب الأليم لا يبشر به، بل یهدد به، فلأنهم كانوا يرتقبون خيرًا في الآخرة من تكاثرهم في المال واكتنازه، فجاءت العقبى غير ما يرتقبون. وقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ أي: أنها تحول إلی صفائح ویحمی علیھا، ثم تکوی بها جباههم، والحمي: شدة الحرارة، يقال: حمي الشيء إذا اشتد حره. والضمير المجرور بـ(على) عائد إلى (١) الكشاف ٤١٨/٢. (٢) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٢١٧. وقوله: ﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾ الكي: أن يوضع على الجلد جمر أو شيء مشتعل. وقوله: ﴿جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمّ﴾ والمعنى: تعميم جهات الأجساد بالكي، فإن تلك الجهات متفاوتة ومختلفة في الإحساس بألم الكي، فيحصل مع تعميم الكي إذاقة لأصناف من الآلام، وسلك في التعبير عن التعميم مسلك الإطناب بالتعداد لاستحضار حالة ذلك العقاب الأليم تهويلا (٣) أخرجه أحمد ٢٩٨/٢٩، ١٧٧٦٣، وصححه الألباني في تخريج مشكلة الفقر ١/ ١٩،٢٢. www. modoee.com ٢٧ حرف الألف لشأنه، فلذلك لم يقل: فتكوى بها أجسادهم التي لا تعين على طاعة الله، وإخراجها فقط، وإنما أطنب (١). وقيل: إنما تكوى هذه الأعضاء دون غيرها؛ لأن الغني إذا رأى الفقير الطالب للزكاة كان يعبس جبهته، وإذا بالغ في السؤال يعرض عنه بجنبه، وإذا بالغ يقوم من موضعه ويولي ظهره، ولم يعطه شيئًا غالبًا، أو لأن مقصود الکانز من جمع المال لما كان طلب الوجاهة بالغنى فتعلق الكي بأعلى وجهه وهو الجبهة، ولما قصد به أيضًا التنعم بالمطاعم الشهية التي ينتفخ بسببها جنباه، وبالملابس البهية التي يلقيها على ظهره تعلق الكي بالجنوب والظهور أيضًا (٢). والمقصود أن الآيتين فيهما تحذير من الله تعالى لعباده المؤمنين من التشبه بالأحبار والرهبان في أكل أموال الناس بالباطل و کنز المال، وذكر الله في هاتين الآيتين انحراف الإنسان في ماله، وذلك بأحد أمرين: إما أن ينفقه في الباطل الذي لا يجدي علیه نفعًا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض، وذلك كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات (١) انظر: تفسير روح البيان ٣٢٩/٨، وروح المعاني ٩١/٣، وغرائب القرآن ورغائب الفرقان ١٩٨/١، وفتح القدير ٥٧٨/٥، ومفردات ألفاظ القرآن ٤٦٧/٢، وزهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ١/ ٣٢٩٤. (٢) التحرير والتنوير ١/ ١٨٤٢. للصد عن سبيل الله، وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات، والنهي عن الشيء أمر بضده، وكلا الأمرين مذموم. ومن الآيات التي تدل على الوعيد لمن يبخل عن الإنفاق في سبيل الله قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًا لَُّّ بَلَ هُوَ شَرٌّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَلِلَّهِ مِيرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. أي: لا يظنن الذين يبخلون بما أنعم الله به عليهم تفضلًا منه من المال والجاه والعلم، وغير ذلك مما منحهم الله، واحسن إليهم به، وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده: أن هذا البخل خير لهم، بل هو شرٌ لهم؛ لأن هذا المال الذي جمعوه سيكون طوقًا من نار يوضع في أعناقهم يوم القيامة، والله سبحانه وتعالى هو مالك الملك، وهو الباقي بعد فناء جميع خلقه، وهو خبير بأعمالکم جمیعھا، وسیجازي كلّا علی قدر استحقاقه. ومدلول هذه الآية عام، فهو يشمل اليهود الذين بخلوا بالوفاء بتعهداتهم، كما يشمل غيرهم ممن يبخلون بما آتاهم الله من فضله، ویحسبون أن هذا البخل خير لهم، يحفظ لهم أموالهم، فلا تذهب بالإنفاق. ٢٨ صَوَسُولَةُ النَِّّ القرآن الكريم الإنفاق أما شمولها لمنع الزكاة فإن لم يكن لهما، وهو عليم بما يعمل الناس من بخل وصدقة، فالآية موعظة ووعيد ووعد؛ لأن المقصود لازم قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾(٢). بعموم صلة الموصول إن كان الموصول للعهد لا للجنس فبدلالة فحوى الخطاب، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّلَهُمْ﴾ تأكيد لنفي كونه خيرًا، وجملة: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ واقعة موقع العلة لقوله: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّلَهُمْ﴾ و(يطوقون) يحتمل أنه مشتق من الطاقة، وهي تحمل ما فوق القدرة، أي: سيحملون ما بخلوا به، أي: يكون عليهم وزرًا يوم القيامة، والأظهر أنه مشتق من الطوق، وهو ما يلبس تحت الرقبة، فوق الصدر، أي: تجعل أموالهم أطواقًا يوم القيامة، فيعذبون بحملها، وهذا کقوله صلی الله عليه وسلم: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضین)(١). والعرب يقولون في أمثالهم: تقلدها -أي: الفعلة الذميمة- طوق الحمامة، وعلى كلا الاحتمالین، فالمعنى أنهم يشهرون بهذه المذمة بين أهل المحشر، ويلزمون عقاب ذلك. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيْرَّثُ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ﴾ تذييل لموعظة الباخلين وغيرهم بأن المال مال الله، وما من بخيل إلا سيذهب ويترك ماله، والمتصرف في ذلك کله هو الله، فهو يرث السماوات والأرض، أي: يستمر ملكه عليهما بعد زوال البشر كلهم، المنتفعين ببعض ذلك، وهو يملك ما في ضمنها تبعًا (١) التحرير والتنوير ١٨٤٢/١. ومن الوعيد ما جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: ٣٧]. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ونظيرها: النَّاسَ بِالْبُخْلُّ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤]. وفي هذا بيان لمن لا يحبهم الله وهم أهل الكبر والفخر، بذكر صفتين قبيحتين لهم، وهما البخل الذي هو منع الواجب، والأمر بالبخل والدعوة إليه، فهم لم يكتفوا ببخلهم، فأمروا غيرهم بالبخل الذي هو منع الواجب، وعدم بذله، والعياذ بالله من هذه .(٣) القبائح فيكون قوله: ﴿اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ أي: الذين يمتنعون عن الإنفاق والعطاء مما رزقهم الله، ويأمرون غيرهم بالبخل، أي: يجمعون بين الأمرين الذميمين، اللذين كل منهما كافٍ في الشر، البخل وهو منع الحقوق الواجبة، (٢) تفسير روح البيان ٣١٨/٣. (٣) أخرجه البخاري في المظالم، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض ٢٣٢١، ومسلم في المساقاة، باب تحريم الظلم ٤٢٢٢. www. modoee.com ٢٩ حرف الألف ويأمرون الناس بذلك، فلم يكفهم بخلهم، في شأنهم: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾ [المنافقون: ٧]. حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم بقولهم وفعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم، و تولیھم عنها. واختلف العلماء فى نزول الآية ومعناها، فقال أكثرهم: نزلت في اليهود، كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يبينوها للناس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة. وقال السدي: هي في المنافقين، الذين قد قالوا: ﴿لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ﴾ [المنافقون: ٧]. وقيل: في مشركي مكة، المتفقين على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم (١). والصواب أن المراد بالذين يبخلون: كل من یبخل بماله أو بعمله، فكأنه تعالى يقول: والله لا يحب الذين يبخلون بما أعطاهم من فضله، بخلا يجعلهم لا ينفقون شيئًا منه في وجوه الخير؛ لأن حبهم لأموالهم جعلهم یمسکونها، ویشحون بها شحًا شديدًا، ولا يكتفون بذلك، بل يأمرون غيرهم بالبخل والشح. وعلى رأس هؤلاء الذين لا يحبهم الله تعالی المنافقون، فقد كانوا يبخلون بأموالهم عن إنفاق شيء منها في سبيل الله، وكانوا يتواصون بذلك فيما بينهم، فقد قال سبحانه (١) التحرير والتنوير ١ /٨٦٦. مُوسُورُ النَّسيد القرآن الكريم ٣٠ الإنفاق أنواع الإنفاق ومجالاته تعددت أنواع الإنفاق ومجالاته التي تحدث عنها القرآن، وهذا ما سنتحدث عنه فيما يأتي: أولًا: الإنفاق الواجب: ذكر القرآن الكريم أنواعًا من الإنفاق الواجب، وبينت السنة شيئًا منه، وينحصر الإنفاق الواجب في الأنواع الآتية: ١. الزكاة المفروضة. والزكاة في اللغة: النماء والزيادة، وفي الشرع: هي دفع مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، تعبدًا لله عز وجل، وسميت زكاة لأنها تزكي الإنسان وماله(١). وهي ركن من أركان الإسلام، ومبانيه العظام، وقد قرنت بالصلاة، وأمر الله بأدائها في آيات كثيرة، ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةُ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. والخطاب في قوله: ﴿خُذْ﴾ للرسول صلى الله عليه وسلم، ولمن جاء بعده من خلفاء الإسلام، وفي الآية إشارة إلى أن الأئمة بعده صلی الله عليه وسلم هم نوابه، وقائمين بما كان يقوم به، فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام، (١) أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير ٢٧٦/٥. وظاهر الآية للوجوب، فدل هذا النص على أن أخذها واجب. وفي الآية دلالة على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الإمام، ومن يلي من قبله، والدليل عليه: أن الله تعالى جعل للعاملين سهمًا فيها؛ وذلك يدل على أنه لابد في أداء هذه الزكوات من عامل، والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات، فدل هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ هذه الزكوات، وتأكد هذا النص بقوله تعالى: ﴿خُذّ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ﴾ (٢). وقال: ﴿مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ ولم يقل: خذ أموالهم؛ لأن المراد بعض المال لا كله، فـ(من) للتبعيض، مما يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال لا کلها. ومقدار ذلك البعض غير مذكور هاهنا بصريح اللفظ، بل المذكور هاهنا قوله: ﴿وَصَدَقَةٌ﴾ ومعلوم أنه ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخذ أي جزء كان وإن كان في غاية القلة، مثل الحبة الواحدة من الحنطة، أو الجزء الحقير من الذهب، بل المراد صدقة معلومة الصفة والكيفية والكمية عندهم، حتى يكون قوله: ﴿خُدّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ أمرًا بأخذ تلك الصدقة المعلومة، فحينئذٍ يزول الإجمال، ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا الصدقات التي (٢) الكشف والبيان للثعلبي ٤١٢/٣. www. modoee.com ٣١ حرف الألف وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين كيفيتها(١). فيكون المراد بالصدقة هنا: الزكاة المفروضة، فالصدقة تطلق على الفرض والنفل، كما هاهنا، وكما في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] ... الآية. بينما الزكاة لا تطلق إلا على الفرض فقط، ومن امتنع عن أداء الزكاة أخذها الإمام کرها، ووضعها موضعها. والظاهر في قوله: ﴿أَمْوَهِمْ﴾ العموم، فتجب الزكاة في جميع المال حتى في الديون، وفي مال الركاز، وفي مال الضمان. وقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّم﴾ معنى التطهير: إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب، ومعنى التزكية: المبالغة في التطهير، والمقصود أن الزكاة تزكي الإنسان في أخلاقه وعقيدته، وتطهره من الرذائل؛ لأنها تخرجه من حظيرة البخلاء إلى حظيرة الأجواد والكرماء، وتكفر سيئاته، فهي تطهر ظاهره وباطنه، يتزكى أولًا من الشرك بالنسبة لمعاملة الله، فيعبد الله مخلصًا له الدین، لا یرائي ولا یسمع ولا یطلب جاهًا ولا رئاسة، فیما يتعبد به الله عز وجل، وإنما يريد بهذا وجه الله والدار الآخرة، ويتزكي (١) انظر: التعريفات للجرجاني ١٥٢/١، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ٣٨٧/١. في اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، بحيث لا يبتدع في شريعته، لا بقليل ولا كثير، لا في الاعتقاد ولا في الأقوال ولا في الأفعال(٢). وكون إخراج الزكاة فيها تطهيرًا لهم وتزكية لأن المال مادة الشهوات، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأخذ من ذلك ليكون أول حالهم التجرد لتنكسر قوى النفس، وتضعف أهواؤها وصفاتها، فتتزکی من الهيئات المظلمة، وتتطهر من خبث الذنوب، ورجس دواعي الشيطان (٣). فتكون الحكمة في إيجاب الزكاة هو أن المال محبوب بالطبع وهو سبب لحصول القدرة على المشتهيات والمآرب، لكن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله، وعن التأهب للآخرة، فاقتضت الحكمة الإلهية تكليف مالك المال إخراج طائفة منه كسرًا للنفس، ومنعًا من انصبابها بالكلية إليه، فإيجاب الزكاة علاج صالح لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب، وهو المراد من قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَيِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ أي: عن دنس الاستغراق في حب المال، وأيضًا إن كثرة الأموال توجب القوة والقدرة والشدة، وتزايد تلك اللذات يدعو الإنسان إلى تحصيل الأموال المتزايدة، فتصير المسألة دورية لا مقطع لها، ولا آخر، فأثبت (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٨/ ٧٧. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٨/ ١٣٦. مَوَسُولَهُ النَّهِ القرآن الكريم ٣٢ الإنفاق الشرع لها مقطعًا وآخرًا، وهو صرف طائفة من المال في طلب مرضاة الله؛ ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له، ويفضي في الأغلب إلى الطغيان، وقساوة القلب (١). فإن قيل: إن الزكاة إنما وجبت لكونها طهرة من الآثام، وصدور الآثام لا يمكن حصولها إلا من البالغ دون الصبي، فوجب أن تجب الزكاة في مال البالغ دون الصبي، فالجواب: أنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقًا. ومن أدلة فرض الزكاة في القرآن: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْمُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَأَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِي الْرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. فقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ﴾ قيل: المراد بالصدقات هنا: الزكاة الواجبة؛ بدليل أن الصدقة المستحبة لكل أحد لا يخص بها أحد دون أحد، فيجوز صرفها في غير الأصناف الثمانية، كبناء المساجد والمدارس وغير ذلك. ولأن (أل) في الصدقات للعهد الذكري، والمعهود هو الصدقات الواجبة، التي أشار إليها القرآن بقوله قبيل هذه الآية: ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَتِ﴾ [التوبة: ٥٨]. (١) فتح القدير ٢/ ٥٨٠. التي جاءت في المنافقين الذين عابوا النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الصدقات، فإن نالهم نصيب منها رضوا وسكتوا، وإن لم يصبهم حظ منها سخطوا عليه وعابوه؛ ولهذا جاء خص مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقین فیها. ويبدو أن لفظ الصدقات في الآية عام، بحيث يتناول كل صدقة، إلا أن الزكاة المفروضة تدخل فيه دخولًا أوليًا. والمراد: إنما الصدقات لهؤلاء المذکورین دون من عداهم؛ لأنه حصرها فيهم، وهم ثمانية أصناف ... ، وهذه الأصناف الثمانية ترجع إلى أمرين: أحدهما: من يعطى لحاجته ونفعه، کالفقير والمسکین، ونحوهما. والثاني: من يعطى للحاجة إليه، وانتفاع الإسلام به، فأوجب الله هذه الحصة في أموال الأغنياء؛ لسد الحاجات الخاصة والعامة للإسلام والمسلمين، فلو أعطى الأغنياء زكاة أموالهم على الوجه الشرعي لم يبق فقير من المسلمين، ولحصل من الأموال ما يسد الثغور، ويجاهد به الكفار، وتحصل به جميع المصالح الدينية (٢). فهؤلاء الثمانية هم أهلها، فإذا دفعت إلى جهة من هذه الجهات أجزات، ووقعت (٢) تفسير الألوسي ٣٦٨/٧. www. modoee.com ٣٣ حرف الألف موقعها، وإن دفعت في غير هذه الجهات لم والإضافي معًا إلا على طريقة استعمال المشترك في معنييه (٢). تجز؛ لأن هذه القسمة فريضة، فرضها الله وقدرها، والله علیم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره وشرعه؛ ولهذا ذيل الآية بقوله: ﴿وَ اَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. وكأنه لما ذكر تعالى من يعيب الرسول صلى الله عليه وسلم في تقسيم الصدقات بأنه يعطي من يشاء ويحرم من يشاء، وكانوا يسألون فوق ما يستحقون، بين تعالى مصرف الصدقات، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما قسم على ما فرضه الله تعالى، قال ابن كثير: ((لما ذكر الله تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولمزهم إياه في قسم الصدقات، بين تعالی أنه هو الذي قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره، فجزأها لهؤلاء المذكورين»(١). ولفظه: (إنما) إن كانت وضعت للحصر، فالحصر مستفاد من لفظها، وإن كانت لم توضع للحصر فالحصر مستفاد من الأوصاف؛ إذ مناط الحكم بالوصف يقتضي التعليل به، والتعليل بالشيء يقتضي الاقتصار عليه. ويستفاد الحصر بالثمانية الأصناف أيضًا من الاقتصار عليها في مقام البيان؛ إذ لا تكون صيغة القصر مستعملة للحقيقي (١) تفسير النيسابوري ٤/ ١٧٠. مَوَسُو ◌َر النفسيةِ المضوي القرآن الكريم وعموم قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِيْنِ﴾ یتناول الكافر والمسلم، إلا أن الأخبار دلت على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الفقراء والمساكين وغيرهم إلا إذا كانوا مسلمين، ولعل مرجع الضمير في قوله: (تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم)(٣) یشهد لذلك، بخلاف صدقة التطوع. ومن أدلة فرض الزكاة في القرآن: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ أي: المفروضة، والأمر للوجوب، وقد تكرر هذا الأمر في عدة آيات من القرآن المكي والمدني، والمخاطب فيها قد تعدد أيضًا، فجاء للمسلمین، ولبني إسرائيل، وهذا دليل على جوب الزكاة على من كان قبلنا، ولكن لا يلزم أن يكونوا مساوين لنا في الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا في مقدار الزكاة، ولا في أهلها الذين تدفع إليهم. ومن يتتبع آيات القرآن الكريم يجد أن الزكاة قد قرنت بالصلاة في أكثر من موضع، وهذا دليل على كمال الاتصال بينهما؛ لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ٣٤١. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ١٦٥. ٣٤ الإنفاق للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن فرط رغبتهم من مواساة إخوانهم، ومعنى كون الحق معلومًا: أنه يعلمه كل واحد منهم عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرین منه، فلا إخلاص ولا إحسان. ويحسبونه، ويعلمه السائل والمحروم بما اعتاد منهم. حتی استنبط أبو بكر رضي الله عنه من ذلك أن مانع الزكاة يقاتل عليها، فقال لعمر رضي الله عنه: لأقاتلن بين من فرق بين الصلاة والزكاة (١). ومن أدلة فرض الزكاة في القرآن: قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ فِ أَمْوَهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ﴾ [المعارج: ٢٤]. وهذا وإن كان خبرًا في سياق المدح كقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِلِزَّكَوِ فَعِلُونَ ﴾ [المؤمنون: ٤]. إلا أنه يفهم منه الوجوب؛ لأنه سماه حقًا، فيكون المقصود به الزكاة، ولا يمنع ذلك من أن تكون السورة مكية، فقد یکون أصل مشروعية الزكاة بمكة، ثم أتى تفصيل أحكامها بالمدينة، عن طريق السنة النبوية المطهرة. وقد قيل في المراد بالحق المعلوم هاهنا: ما أوجبوه على أنفسهم من دفع جزء من أموالهم للمحتاجين على سبيل التقرب إلى الله تعالى، وشكره على نعمه، وتسمية ما یعطونه من أموالهم من الصدقات باسم (الحق) للإشارة إلى أنهم جعلوا السائل والمحروم كالشركاء لهم في أموالهم، من (١) التحرير والتنوير ١/ ١٨٦٩. إلا أن القول الأول: وهو أن المراد بالحق الزكاة - أصح؛ لأنه وصف الحق بأنه معلوم، والمعلوم هو المقدر، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو قدر الحاجة، وذلك يقل ویکثر(٢). وسماهاللههنا في هذهالآية (حق) وسماه في آيات كثيرة (زكاة) ولكنه أجمل مقداره، وأجمل الأنواع التي فيها الحق، ووكلهم في ذلك إلى حرصهم على الخير، وكان هذا قبل شرع نصابها ومقاديرها، ثم شرعت الزكاة، وبينت السنة نصابها ومقاديرها. ومجيء الصلة جملة اسمية ﴿فِي أَمْوَهِمْ حَقَّ مَّعْلُومٌ ﴾ لإفادة ثبات هذه الخصلة فيهم، وتمكنها منهم؛ دفعًا لتوهم الشح في بعض الأحیان؛ لما هو معروف بين غالب الناس من معاودة الشح للنفوس. والمراد بالسائل: هو الذي يسأل، والمحروم: الذي لا يسأل الناس، تعففًا مع احتياجه، فلا يتفطن له كثير من الناس، فيبقى كالمحروم، وأصل المحروم: الممنوع من مرغوبه ... ، وهذه الصفة للمؤمنين مضادة ﴿وَجَمَعَ صفة الكافرين المتقدمة، فى قوله: (٢) اللباب في علوم الكتاب ١٥/ ٤٧١. www. modoee.com ٣٥ حرف الألف فَأَوْعَ ﴾[المعارج: ١٨](١). ٢. النفقة في الجهاد. ومن النفقات الواجبة النفقة في الجهاد، حيث أمر الله بالإنفاق في الجهاد في جميع الأوقات، وبأنواع الصدقات المتعددة، سواء كان من الزكاة المفروضة أو من غيرها، ووعد على ذلك الأجر العظيم، قال تعالى: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَ لِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١]. فقوله: ﴿وَجَهِدُواْ﴾ أمر بالجهاد، وحقيقته: بذل الجهد والطاقة، وهو قسمان، جهاد بالنفس وجهاد بالمال، أما الجهاد بالنفس فمعلوم، وهو من فروض الكفايات، إلا عند هجوم العدو فيصير متعينًا. وأما بالمال فیزاده وراحلته إذا قدر على الجهاد بنفسه، فإن عجز عنه بنفسه فيبذل المال بدلًا عنه، فمن استطاع الجهاد بالمال والنفس وجب عليه الجهاد بهما، ومن قدر علی أحدهما دون الآخر وجب عليه ما كان في قدرته منهما، إلى هذا ذهب كثير من العلماء، وقيل: هو إيجاب للقسم الأول فقط (٢). وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ورسوله (١) التحرير والتنوير ١/ ٤٥٦٢. (٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ٦٧. جوبيبو القرآن الكريم صلى الله عليه وسلم، قال الشوكاني: ((فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال، وإيجابه على العباد، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم، والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها، وهو فرض كفاية مهما کان البعض يقوم بجهاد العدو وبدفعه، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين في قطر من الأرض، أو أقطار وجب عليهم ذلك و جوب عین»(٣). ٣. الإنفاق على الزوجة. النفقة على الزوجة بالمعروف واجبة بنص القرآن، قال تعالى: ﴿وَعَلَ الْمَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمُعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات، وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره (٤). قال ابن رشد رحمه الله: ((واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على الزوج: النفقة والكسوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ پامعْرُوفِ ﴾ ولما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)(٥)، ولقوله لهند: (٣) فتح القدير ٢/ ٥٢٧. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦٣٤. (٥) أخرجه مسلم في الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم ٣٠٠٩،٣٩/٤. ٣٦ الإنفاق (خذيمايكفيك وولدك بالمعروف)»(١)(٢). فقوله: ﴿وَعَلَى الْوَّلُودِ لَهُ﴾ أي: الأب، وظاهر الآية أنه لا فرق بین أن تكون الزوجة في حباله أو بائنًا منه، فإن كانت في حباله فلوجوب الإنفاق عليها سببان: الزوجية والإرضاع، وإن لم تكن في حباله فلها سبب واحد وهو الإرضاع، ولا يمتنع أن یکون للحكم الواحد سببان، کما في الزوج یکون ابن عم فيرث بالزوجية والقرابة (٣). وقوله: ﴿بِالْعْرُوفِ﴾ أي: أنه يرجع إلى العرف في نوع الرزق وكميته وكيفيته وكذلك الكسوة. ومن المعلوم أن الكفاية بالمعروف تتنوع بحال الزوجة في حاجتها، وبتنوع الزمان والمكان، ويتنوع حال الزوج في يساره وإعساره، فليست كسوة القصيرة الضئيلة ككسوة الطويلة الجسيمة، ولا كسوة الشتاء ككسوة الصيف، ولا كفاية طعام الشتاء مثل طعام الصيف، ولا طعام البلاد الحارة كالباردة، ولا المعروف في بلاد التمر والشعير كالمعروف في بلاد الفاكهة والخبز، فيطعمها في كل بلد مما هو عادة (١) أخرجه البخاري في كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف ٩/ ٥٠٧، ومسلم في كتاب الأقضية، باب قضية هند ١٢/ ٧. (٢) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/ ٤٤. (٣) تفسير القرآن للعثيمين ١١٧/٥، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ١٠٤. أهل البلد والعرف عندهم. وقال بعضهم: هي مقدرة بالشرع نوعًا وقدرًا، مدًا من حنطة، أو مدًا ونصفًا، أو مدين قياسًا على الإطعام الواجب في الكفارة. والصواب المقطوع به ما عليه الأمة علمًا وعملًا قديمًا وحديثًا أن تقديرها بالعرف لا بالشرع؛ لقوله في هذه الآية: ﴿بِالمُعْرُوفِ﴾ ولقوله عليه الصلاة والسلام لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)(٤) ولم يقدر لها نوعًا ولا قدرًا، ولو كان ذلك مقدرًا بشرع لبينه لها قدرًا ونوعًا، کما بین فرائض الزكوات والديات (٥). والنفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام والشراب والكسوة والمسكن، فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور، فأما هذه الأربعة فلابد لها منها؛ لأن بها إقامة المهجة (٦). وهذه النفقة تسقط إذا كانت الزوجة ناشزًا، أي: عاصية لزوجها، کخروجها بدون إذنه، وامتناعها عن إعطائه حقه، وتلزم (٤) أخرجه البخاري في كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف ٩/ ٥٠٧، ومسلم في كتاب الأقضية، باب قضية هند ٧/١٢. (٥) انظر: اللباب في علوم الكتاب ٣٣٧/١٥. (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٣/١١. www. modoee.com ٣٧ حرف الألف نفقة المطلقة طلاقًا رجعيًا خلال العدة، فإن لا تتعدى هذه الثلاثة، وما يتبعها من الخدمة، وما تتضرر بتركه. طلقها وهي حامل فعدتها إلى وضع الحمل، فيلزمه النفقة عليها والسكنى خلال حملها، ولو طلقها بائنًا، وذلك باتفاق الفقهاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيِنَّ حَقَّ يَضَعْنَ حْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. وأما المطلقة قبل الدخول فلأنه لا عدة عليها فالنفقة ساقطة بلا ريب، وكذلك السكنى، والمتعة المذكورة لها في القرآن هي عوض عن المهر، والملاعنة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها إن كانت المطلقة بائنًا كانت مثلها في ذلك، وإن كانت المتوفى عنها زوجها فكذلك، ولا ريب أن فرقتها أشد من فرقة المطلقة بائنًا؛ لأن هذه يجوز نكاحها في حال من الأحوال بخلاف تلك. والمقصود أن الآية تدل على فرضية الإنفاق للزوجة، والمقصود بالنفقة هو تأمين الحاجات الضرورية التي لابد منها للإنسان؛ کی لا یحتاج إلى الغير، والحاجات الأساسية التي لا يستغني عنها الإنسان في حياته هي: الغذاء والكساء والمسكن، فأما الغذاء ففيه قوام حياة الإنسان وبقاء بنيته الأساسية، فالغذاء يقيم بناءه، ویدیم وجوده في الداخل، وأما اللباس أو الكساء ففيه حمايته من الخارج، وأما المسكن فيأوي إلیه، ويرتاح فيه، ويحتمي به من عوادي الدهر، فالنفقة الواجبة على الزوج لزوجته ومن أدلة القرآن على وجوب نفقة الزوجة أيضًا: قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَاً أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. أي: قائمون على شؤنهن بسبب تفضيله الرجال على النساء بالحزم والعزم والقوة والفتوة وغيرها من الشمائل الشاملة، ويسبب إنفاقهم من أموالهم في نكاحهن كالمهر والنفقة، وهذا أدل على وجوب نفقات الزوجات على الأزواج. قال ابن كثير: ((أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في کتابه، وسنة نبيه صلی الله عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قیمًا عليها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ... الآية))(١). وقال القرطبى: ((قد جعل الإنفاق عليهن من شرط القوامة، فمتى ما عجز عن نفقتها لم یکن قوامًا علیھا، وإذا لم یکن قوامًا عليها كان لها فسخ العقد؛ لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح)»(٢). وأخذ بعض العلماء وجوب نفقة الزوجة (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٢/٢. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥/ ١٦٩. مُوسُو ◌َةُ اللَّهـ القرآن الكريم ٣٨ الإنفاق فَقَلْنَا يَتَعَادَمَ إِنّ على زوجها من قوله تعالى: هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُحِجَنَّكَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]. حیث جاء الخطاب شاملًا لآدم وحواء، ثم خص آدم بالشقاء دونها في قوله: ﴿فَتَشْقَى﴾ فدل ذلك على أنه هو المكلف بالكد عليها، وتحصيل لوازم الحياة الضرورية لها، من مطعم ومشرب وملبس ومسکن. قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: ((وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل: فتشقيا، يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذٍ جرت نفقة النساء على الأزواج، فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية»(١). ٤. النفقة على الوالدين. ومن النفقات الواجبة نفقة الوالد (أب أو أم) الفقير الذي لا مال له ولا كسب على ولده الغني، ذكرًا كان أو أنثى، وتقدر النفقة بالكفاية وسد الحاجة، فإذا كانا غنيين أو لهما مال خاص انتفى سبب وجوب النفقة لهم. قال ابن المنذر: ((أجمع أهل العلم على وجوب نفقة الوالدين اللذين لا كسب لهما ولا مال، سواء أكان الوالدان مسلمين أو (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٣/١١. کافرین، وسواء كان الفرع ذكرا أو أنثى)»(٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]. وقوله سبحانه: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ اُلُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: ١٥]. فإن من إكرام الوالدين والإحسان إليهما أن يقدم لهما ما يحتاجان إليه من مال وغیره، وخاصةً حین یصبحان غير قادرين على العمل، وليس من الإحسان ولا من المصاحبة بالمعروف أن يموت الوالدان جوعًا والولد في سعة من العيش، ولا ينفق علیھما! ولقوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْمَاً أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥]. أي: يسألونك عن النفقة، وهذا يعم السؤال عن المنفق والمنفق عليه، فأجابهم عنهما، فقال: ﴿قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ أي: مال قليل أو كثير، فأولى الناس به وأحقهم بالتقديم أعظمهم حقًا عليك، وهم الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق ترك الإنفاق عليهما؛ ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين الأقربون على اختلاف طبقاتهم، الأقرب فالأقرب، على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليهم صدقة (٢) المغني، ابن قدامة ٨/ ٢١٢. www. modoee.com ٣٩ حرف الألف وصلة، ولقوله صلى الله عليه وسلم لمن ويبين أن الولد لأبيه لا لأمه، والآية توجب جاء يشكو أباه الذي يريد أن يجتاح ماله: رزق الرضيع على أبيه دون غيره(٥). (أنت ومالك لأبيك)(١). ٥. النفقة على الأبناء. وتجب نفقة الطفل الحر الفقير على أبيه (٢) للإجماع على ذلك(٣)، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُنْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. وهو أمر للأزواج يقضي بوجوب إعطاء المرأة أجرة الرضاع المستلزمة وجوب المؤنة عمومًا من رضاع وغيره (٤). ولقوله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوَّلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فلفظ المولود له يعم الوالد وسيد العبد، (١) أخرجه ابن ماجه في التجارات، باب ما للرجل من مال ولده ٧٦٩/٢، ٢٢٩٢، وصححه الألباني في الإرواء ٨٣٨. (٢) انظر: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ٤٩٦/١، وحاشية ابن عابدين ٦١٢/٣، ٧٥١/٦، وتبيين الحقائق للزيلعي ٦٢/٣، ٦٤، والمبسوط للسرخسي ٢٢٢/٥، وفتح القدير، ابن الهمام ٢١٧/٤، ٢٢٠، والقوانين الفقهية، ابن جزي ص١٤٨، ومغني المحتاج ٤٤٨/٣، ٤٥١، والمجموع شرح المهذب ١٧٢/١٧، ١٧٨، ١٨٠، والمغني، ابن قدامة ٥٨٢/٧، ٥٨٤، ٦٢٧، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد ٣٩٦،٣٩٢/٩. (٣) انظر: مجمع الأنهار في شرح ملتقى الأبحر ٤٩٦/١، وبدائع الصنائع ٣٢/٤، والمغني، ابن قدامة ٧/ ٥٨٣. (٤) انظر: مغني المحتاج ٤٤٧/٣. وقد دلت السنة على ذلك في كثير من الأحادیث، منها: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)(٦). وهذا يقتضي لزوم نفقة الولد على أبيه وإلا لما كان لها الأخذ بالمعروف. ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: عندي دينار؟ فقال: (أنفقه على نفسك). قال: عندي آخر؟ فقال: (أنفقه على ولدك ... ) الحديث(٧). ففي هذا الحديث أمر صلى الله عليه وسلم بالإنفاق على الولد بما فضل عن كفاية النفس، والأمر للوجوب، مما يدل على وجوب إنفاق الأب على أولاده. وسبب وجوب هذه النفقة هو الولادة؛ (٥) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٤ /١٠٥. (٦) أخرجه البخاري في النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف ٩/ ٥٠٧، ومسلم في الأقضية، باب قضية هند ١٢/ ٧. (٧) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب في صلة الرحم ١١٠/٥، والنسائي في الزكاة، باب أي الصدقة أفضل ٧٠/٥، وأحمد ٢٥١/٢، والحاكم في الزكاة، باب الإعطاء للأقرباء أعظم الآجر ٤١٥/١، وصححه الألباني في المشكاة ١٩٤٠. مُوسُو ◌َةُ التَّقِّ القرآن الكريم ٤٠ الإنفاق لأن به تثبت الجزئية والبعضية، والإنفاق إذا حرم قطعها حرم كل سبب مفضٍ إليه، على المحتاج إحياء له، ويجب على الإنسان وترك الإنفاق من ذي الرحم المحرم(٥)، مع قدرته وحاجته تفضي إلى قطع الرحم، فيحرم الترك، وإذا حرم الترك وجب الفعل ضرورة (٦). إحياء کله و جزئه، ولأنها قرابة يحرم قطعها، وإذا حرم القطع حرم کل سبب مفضيٍ إليه، وترك الإنفاق من ذي الرحم المحرم مع وهذا هو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]. قدرته وحاجة المنفق عليه تفضي إلى قطع الرحم فيحرم الترك. وإذا حرم الترك وجب الفعل (١)، مما يدل على وجوب الإنفاق على الأولاد، ولأن للأب ولاية على ابنه، مما يدل على استحقاقه النفقة من أبيه(٢)، ولأن ولد الإنسان بعضه، فكما يجب على الإنسان أن ينفق على نفسه، فيجب عليه أن ينفق على ولده(٣). ٦. النفقة على القريب غير الأبوين والأبناء. أما نفقة الأقارب غير الأبوين والأبناء فلا تجب النفقة على القريب لقريبه إلا من باب صلة الرحم؛ لعدم ورود دلیل یخص ذلك، بل جاءت أحاديث صلة الرحم وهي عامة، والرحم المحتاج إلى نفقة أحق الأرحام بالصلة. وقيل: بل تجب؛ لأن سبب وجوب هذه النفقة هي القرابة (٤) المحرمة للقطع؛ لأنه (١) انظر: بدائع الصنائع ٤ /٣١. (٢) انظر: المجموع شرح المهذب ١٧٢/١٧. (٣) انظر: المغني، ابن قدامة ٥٨٣/٧. (٤) انظر: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر فقد أمر الله سبحانه بالإحسان إلى القرابة، وإيتائه حقها، ولا ريب أن من كان يتقلب في النعم وقريبه قد أضر به الجوع أو العري فهو غیر محسن إلیه ولا قائم بحقه، ولما جاء عند أبي داود أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أبر؟ قال: (أمك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي ذلك، حق واجب، ورحم موصولة)(٧). ١/ ٤٨٤، وحاشية ابن عابدين ٣/ ٥٧٢، وتبيين الحقائق للزيلعي ٣/ ٥٠، والمبسوط السرخسي ١٨٠/٥، وفتح القدير، ابن الهمام ٤/ ١٩٣، ومغني المحتاج ٤٢٥/٣، وحاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ٣٤٥/٢، والمغني، ابن قدامة ٧/ ٥٨٤، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٤٦٠/٥، وبلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك ١/ ٥٢٥. (٥) الرحم المحرم: هو من لا يحل مناكحته على التأييد، مثل الأخوة والأخوات وأولادهما. مجمع الأنهر ١ / ٥٠٠. (٦) انظر: بدائع الصنائع ٤ /٣١،١٦. (٧) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في بر الوالدين ٣٣٦/٤، ٤٥، وحسنه الألباني في تخريج مشكلة الفقر ص ٣٢. www. modoee.com ٤١ حرف الألف ٧. النفقة على الرقيق. ومن النفقات الواجبة أن ينفق السيد على مملوكه ذكورا أو إناثًا بالمعروف، سواء أكان المملوك صحيحًا أم سقيمًا، أو أعمى، أو زمنًا، أو مدبرًا، أو مستولدًا، أو مستأجرًا، أو معارًا، أو قنّا، أو مشتركًا، أو مبعضًا، أو صغیرًا أو کبیرًا، بخلاف المكاتب فنفقته لا تجب على سيده؛ لاستقلاله بالكسب(١). وسبب وجوب هذه النفقة: الملك (٢) الموجب للاختصاص بالمملوك انتفاعًا وتصرفًا؛ ليكون به صلاحه ودوامه، ومن ملك منفعة شيء لزمته مؤنته؛ إذ الخراج بالضمان؛ ولأن الرقيق لا مال له وما في يده لمولاه، فلا يجوز للرقيق أن ينفق على نفسه من مال غيره، مما يجعل الإنفاق واجبًا على سیده(٣). وقد دل الكتاب على ذلك، قال (١) انظر: المبسوط ١٩٩/٥، وبلغة السالك ٥٢٥/١، وحاشية الدسوقي ٥٢٢/٢، وحاشية العدوي ١٢٤/٢، ومغني المحتاج ٤٦٠/٣، ونهاية المحتاج ٢٣٦/٧، وقليوبي وعميرة ٤ / ٩٢. (٢) انظر: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ٤٨٤/١، وحاشية ابن عابدين ٥٧٢/٣، وتبيين الحقائق للزيلعي ٥٠/٣، والمبسوط للسرخسي ١٨٠/٥، وفتح القدير لابن الهمام ١٩٣/٤، ومغني المحتاج ٤٢٥/٣، والمغني لابن قدامة ٥٨٤/٧، وبلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك ٥٢٥/١. (٣) انظر: بدائع الصنائع ٣٩/٤، والمغني لابن قدامة ٧/ ٥٨٥. تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ اَلْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ ◌ُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]. ففي هذه الآية أمر بالإحسان على المماليك، ومطلق الأمر يحمل على الوجوب؛ لأن الإنفاق عليهم من الإحسان بهم، فكان واجبًا، غير أنه قد يرد أن الأمر لیس للوجوب حیث یکون للندب. ويجاب على ذلك بأنه لو سلم بذلك لكان الأمر بالإحسان إليهم على وجه الندب؛ لغرض توسيع النفقة بعد وجوب أصلها؛ لأن المرء لا يترك أصل النفقة على مملوكه إشفاقًا، ومحافظة على بقاء ملكه، وقد أمر بالإنفاق عليه حتى لا يقتر النفقة عليه؛ لكونه مملوكًا في يده، فأمر الله عز وجل السادات بتوسيع النفقة على مماليكهم شكرًا لما أنعم عليهم من جعل من هو في جوهرهم وأمثالهم في الخلقة يقومون (٤) بخدمتهم (٤). أما من السنة فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، (٤) انظر: بدائع الصنائع ٤ /٣٩. ٤٢ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الإنفاق ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)(١). ففي هذا الحديث أمر بالإنفاق على الرقيق، والأمر للوجوب، مما يدل على وجوب نفقة الرقیق علی مالكه. ثانيًا: الإنفاق المندوب: ومن أنواع الإنفاق المذكورة في القرآن الكريم الإنفاق المندوب، فقد دعا الإسلام إلى البذل وحث عليه، في أسلوب يبعث في النفوس بواعث الخير، ويثير فيها معاني البر والإحسان، وجاء ما يدل على عظم الأجر والثواب لمن يعود نفسه الإنفاق في سبيل الله بشتى أنواعه وأحواله وزمانه ومکانه، بل لم تقتصر الصدقة في نظر الشرع على نوع معين من أعمال البر، وإنما القاعدة العامة: أن کل معروف صدقة. ومن الأدلة على ذلك في القرآن: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ أَلْبِرَّ أَنْ تُوُلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَتِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَلَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِىِ الْرِقَّابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُؤْقُّونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَِّينَ فِ الْبَأْسَآءِ (١) أخرجه البخاري في الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية ١/ ٨٤، ومسلم في الإيمان، باب صحبة المماليك ١١/ ١٣٣، ١٣٤. وَالضَّرَّآءِ وَحِيْنَ اَلْبَأْسُِّ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَيْكَ هُمُّ الْمُنَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. فهذه الآية قد اشتملت على خمسة عشر نوعًا من أنواع البر الذي يهدي إلى الحياة السعيدة في الدنيا، وإلى رضا الله تعالى في الآخرة، وقد أرشدت إلى أن البر أنواع ثلاثة، جامعة لكل خير، بر في العقيدة، وبر في العمل، وبر في الخلق، فأما بر العقيدة فقد بينته أكمل بيان في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَتِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ﴾ وأما بر العمل فقد بينته في قوله: ﴿وَالنَِّنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِلِينَ وَفِي الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾ وأما بر الخلق فقد بينته في قوله تعالى: ﴿وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ أَلْبَأْسِ﴾ ولا شك أن إنفاق المال في تلك الوجوه من شأنه أن يسعد الأفراد والجماعات والأمم، ويكون مظهرًا من أفضل مظاهر العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى . ومعنى الآية: ليس الخير عند الله تعالى في التوجه في الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، وإنما الخير كل الخير هو إيمان من آمن بالله وصدق به معبوده وحده لا شريك له، وآمن بيوم البعث والجزاء وبالملائكة جميعًا، www. modoee.com ٤٣ حرف الألف وبالكتب المنزلة كافة، ويجميع النبيين من لفلان كذا وكذا، وقد كان لفلان)(١). غير تفريق، وأعطى المال تطوعًا ذوي القربى واليتامى المحتاجين الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، والمساكين الذين أرهقهم الفقر، والمسافرين المحتاجين الذين بعدوا عن أهلهم ومالهم، والسائلين الذين اضطروا إلى السؤال لشدة حاجتهم، وأنفق في تحرير الرقيق والأسرى، وأقام الصلاة، وأدى الزكاة المفروضة. والضمير في قوله: ﴿عَلَى حُيِّدٍ﴾ يعود إلى المال، أي: أعطى المال وبذله عن طيب خاطره حال كونه محبًا له راغبًا فيه؛ لأن الإعطاء والبذل في هذه الحالة يدل على قوة الإيمان، وصفاء الوجدان، ويسمو بصاحبه إلی أعلى الدرجات، كما قال تعالى: ﴿لَن ثَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[آل عمران: ٩٢]. وكقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ عَلَى خُبِهِ، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]. وقد بین النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الصدقة ما كان في حال الصحة؛ لأن الإنسان في هذه الحالة يكون مظنة الحاجة إلى المال، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: وحث سبحانه وتعالى على إطعام الأيتام والمساکین، ويزداد ذلك فضلًا بكونه في يوم ذي مجاعة؛ لأن إخراج المال في وقت القحط أثقل على النفس، وأوجب لجزيل الأجر، قال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَمٌ فِ يَوْمِذِى مَسْغَبَةٍ يَتِمَا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤- ١٦]. ففي هذه الآيات بيان لفضيلة من الفضائل التي تؤدي إلى اقتحام العقبة، تتمثل في فك الرقاب، وإطعام المحتاجين، في يوم يشتد فيه جوعهم، والمسغبة: المجاعة، وهو مصدر ميمي، بمعنى السغب، يقال: سغب الرجل كفرح ونصر إذا أصابه الجوع، ووصف اليوم بذلك على سبيل المبالغة، كما في قولهم: نهاره صائم. وقيد سبحانه اليتيم بكونه ذا مقربة؛ لأنه في هذه الحالة يكون له حقان: حق القرابة وحق اليتم، ومن كان كذلك فهو أولى بالمساعدة من غيره. تنوع الإنفاق في وجوه الخير: الإنفاق في وجوه الخير باب واسع، وصدقات التطوع أنواع متعددة، فمنها ما يسمى بالصدقة الجارية، أو الوقف الخيري الدائم الإنتاج لصالح من وقف عليهم، ومن (١) أخرجه البخاري في الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح الصحيح ١١٠/٢، ١٤١٩، ومسلم في الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح رقم ١٠٣٢. مَوَسُولُ النَِّيّة القرآن الكريم ٤٤ الإنفاق ذلك الواجب الاجتماعي كمديد المساعدة يعد في أحيان كثيرة مثل دفع المال أو أفضل، وفي الحديث: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فیحمل علیھا، أو یرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة)(١). لكل محتاج، و کإنشاء دور المعوقين، وإغاثة الملهوفين، وإشباع الجائعين، وكسوة العارين، وبناء المساجد لفقراء المسلمين، وتشييد المستشفيات لمرضاهم، وحفر الآبار لهم في أي مکان یوجد فيه من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقد جاء أن على المسلم في ماله حقوقًا عظيمة غير الزكاة المفروضة. وكما أن الإنفاق في الخير متنوع، فكذلك المستفيدين من صدقة التطوع أيضًا شرائح متنوعة، بينهم قاسم مشترك ألا وهو الحاجة والعوز والفقر، والمرض والعجز، واليتم والترمل، وكبر السن، حتى بهيمة الأنعام يمكن أن تستفيد من صدقة التطوع. المفهوم الشامل للصدقة: ويجدر التنبيه هنا إلى أن الإنفاق التطوعي أيضًا ليس محصورًا في المال فقط، بل قد جاء أن قضاء الحوائج صدقة وأنه عبادة، فجهد الإنسان وعمله في الخير يعد من الصدقات التطوعية، ولا شك أن المال هو الأساس في صدقة التطوع، لكن المسلم أحيانًا لا يستطيع دفع المال بسبب حاجته له أو فقره أو نحو ذلك، أو بأن يكون أخوه المسلم محتاجًا إلى شيء آخر غير المال، ففضل الله واسع، وأجره عظيم، فتقديمك الجهد والعمل والسعي بالجاه لفعل الخير ومن هذا الحديث يتبين أن العبرة ومحط النظر هي الغاية لا الوسيلة التي تتخذ لتحصيلها ما دامت مشروعة، ولا غبار عليها؛ إذ الغاية هي نفع المسلم لأخيه المسلم بأي نوع من أنواع النفع المالي أو الجسدي أو المعنوي، فالشأن هو التعاون، وإسداء المعروف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)(٢). فتفع المسلم أخاه المسلم صدقة عظيمة خاصة في ظل هذه الحياة التي يبتلى ويمتحن فيها المسلم في كل أمر من أموره؛ ولهذا فمطلوب من كل مسلم أن ينتبه لنفسه ما دام في دار المهلة، فیجتهد في کسب رضا (١) أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب من أخذ بالركاب ونحوه ٣/ ١٠٩٠، ٢٨٢٧، ومسلم في الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، رقم ١٠٠٩. (٢) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء ٨/ ٣٧، ٦٨٥٧. www. modoee.com ٤٥ حرف الألف ربه ليحوز على جنته، وينجو من عذابه، وذلك عن طريق المساهمة في وجوه الخير والبر، ومجالات الخير والبر واسعة وكثيرة، ومنها نفع المسلم أخاه المسلم، وقضاء حاجته خاصة إن كانت تتعلق بأكله أو شربه أو لباسه أو سكنه أو علاجه أو أي ضرورة من ضروراته. وهكذا نجد أن الإسلام قد وسع مجال الصدقة وفتح دائرتها بحيث تشمل أعمالًا كثيرة يستطيع المسلم بالنية الصالحة أن یکسب أجورًا عظيمة، فكل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مکروب، أو يضمد به جراح مجروح، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي دين غارم، أو يأخذ بيد فقير متعفف ذي عیال، أو يهدي حائرًا، أو یعلم جاهلًا، أو یؤوي غریبًا، أو يدفع شرًا عن مخلوق، أو أذی عن طریق، أو يسوق نفعًا إلى ذي شيبة، فكل ذلك وغيره کثیر و کثیر یعد عبادة وقربة يؤجر الإنسان عليه. كذلك نجد أن الإسلام لم يقصر الصدقات على بني الإنسان، بل يتعداه إلى غيره من المخلوقات كالطيور والحيوانات، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (بینا رجل يمشي فاشتد علیه العطش، فنزل بثرًا فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له) قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: (في كل كبد رطبة أجر) (١). ومن مجالات صدقة التطوع: ١. الصدقة في باب الجهاد في سبيل الله. الإنفاق في الجهاد في سبيل الله ونصرة الدین ونشر الخير باب واسع، وقد يكون واجبًا، وقد یکون مندوبًا، وقد قال تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِ، وَتَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَهِ بِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيٌِّ لَكُمْ إِنَ كُمْ تَعْلُونَ﴾ [الصف: ١١]. فقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و﴿وَتَُّهِدُونَ﴾ خبر، وقيل: هو خبر بمعنى الأمر، أي: آمنوا وجاهدوا، والتعبير به للإيذان بوجوب الامتثال، كأن الإيمان والجهاد قد وقعا، فأخبر بوقوعهما، والخطاب إذا كان للمؤمنین الخلص، فالمراد تثبتون وتدومون على الإيمان، أو تجمعون بين الإيمان والجهاد، أي: بين تكميل النفس وتكميل الغير وإن كان للمؤمنين ظاهرًا، فالمراد تخلصون الإيمان (٢). (١) أخرجه البخاري في المساقاة، باب فضل سقي الماء ٨٣٣/٢، ٢٢٣٤، ومسلم في السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، رقم ٢٢٤٤. (٢) انظر: تفسير الألوسي ٢٠/ ٤٨٩. مَوَسُو ◌َةُ النَّفْسِد القرآن الكريم ٤٦