Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
الإِثْفَاق
عناصر الموضوع
مفهوم الإنفاق
٨
الإنفاق في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
الأساليب القرآنية في عرض الإنفاق
١٣
أنواع الإنفاق ومجالاته
٣١
آداب الإنفاق
٥٣
٧٣
آثار الإنفاق
المُجَلَدَ السَّادِسْ

حرف الألف
مفهوم الإنفاق
أولًا: المعنى اللغوي:
الإنفاق مصدر للفعل الرباعي أنفق، فيقال: أنفق ينفق إنفاقًا، فهو منفق، والمفعول منفق
(للمتعدي)، أنفق مالًا: صرفه وأنفده، وهو بذل المال ونحوه في وجه من وجوه الخير،
ويأتي بمعنى الفقر والإملاق؛ لأن الإنفاق سبب للافتقار من الشيء المنفق(١).
ومنه (النفقة): وهي اسم لما ينفق من الدراهم والزاد ونحوهما، وما يفرض للزوجة على
زوجها من مال الطعام والكساء والسكنى والحضانة ونحوها، والجمع: نفقات، ونفاق(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يوجد كبير فرق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للإنفاق، وقد عرفه
الجرجاني بقوله: ((هو صرف المال في الحاجة)) (٣). واختار الراغب: أنه يكون في المال
وغيره (٤).
فهو على هذا بذل المال ونحوه في وجوه الخير، ويطلق أيضًا على ما ينفقه الرجل على
نفسه وعلی عیاله.
ويشمل كل ما أمر الله به في دينه من الإنفاق، سواء كان إنفاقًا في حج أو عمرة، أو كان
جهادًا بالنفس، أو تجهيزًا للغير، أو كان إنفاقًا في صلة الرحم، أو في الصدقات، أو على
العيال، أو في الزكوات والكفارات، أو عمارة السبيل وغير ذلك.
والتعريف المختار للإنفاق أنه: إخراج المال من ملكية صاحبه، في سبيل تحصيل منفعة
صحیحة، عينية أو معنوية، له أو لغيره.
(١) عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٢٠٨، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٩٤٢، معجم اللغة
العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر ٣/ ٢٢٦٠.
(٢) المعجم الوسيط ٨٠٦/٢.
(٣) التعريفات ١ / ٥٧.
(٤) المفردات ص ٨١٩.
٨
جَوَسُوبَة النفسية
القرآن الكريم

الإنفاق
الإنفاق في الاستعمال القرآني
وردت مادة (نفق) في القرآن (٧٣) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٨
﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيَهَا﴾ [الكهف: ٤٢]
الفعل المضارع
٤١
﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]
فعل الأمر
٩
٢٥٤]
﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآيِنَ رَحْمَةٍ رَبِ إِذَا لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ
المصدر
١
٠)﴾ [الإسراء: ١٠٠]
اُلْإِنفَاقِ
اسم
٣
﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ
يَعْلَمُهُ ﴾ [البقرة: ٢٧٠]
اسم فاعل
١
﴿اَلْصَّبِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَنِينَ وَالْمُنْفِقِينَ
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: ١٧]
وجاء الإنفاق في القرآن على أربعة أوجه (٢):
الأول: الصدقة والزكاة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَّا رَفَقْهُمْ يُفِقُونَ ﴾ [البقرة: ٣]. يعني:
یتصدقون ويؤدون الزكاة.
الثاني: النفقة الواجبة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَتْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ
حَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. يعني: على الزوجات.
الثالث: الإعمار: ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنفَقَ فِيَهَا﴾ [الكهف: ٤٢].
يعني: ما عمر فيها.
الرابع: الرزق: ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. يعني يرزق.
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧١٥، ٧١٦.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤٣٥، ٤٣٦، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١٦٠/٥.
www. modoee.com
١٩
[البقرة:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُمْ

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
١
الزكاة:
الزكاة لغة:
النماء، يقال: زكى الزرع يزكو، أي: نما، وهي الطهارة والبركة والمدح (١).
الزكاة اصطلاحًا:
إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالكِ مخصوص، معتبرًا فيه الحول
والنصاب(٢).
الصلة بين الإنفاق والزكاة:
الإنفاق أعم من الزكاة من حيث أحكام الشرع وأصناف المال، فالإنفاق يكون في عموم
أنواع المال، ويكون على سبيل الوجوب والاستحباب والإباحة، بينما الزكاة فهي مقدرة في
مال مخصوص، ولها حكم الوجوب فقط.
التصدق:
٢
التصدق لغة:
إعطاء الصدقة، تصدق: أي أعطى الصدقة (٣).
التصدق اصطلاحًا:
ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة (٤).
الصلة بين الإنفاق والتصدق:
الإنفاق أعم من التصدق من حيث أحكام الشرع، فالإنفاق يكون على سبيل الوجوب
والاستحباب والإباحة، أما التصدق فلها حكم الاستحباب فقط.
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٣٠٧، طلبة الطلبة، نجم الدين النسفي ص ١٦.
(٢) التعريفات ص ١١٤.
(٣) شمس العلوم، نشوان الحميري ٦/ ٣٧٠٧.
(٤) تاج العروس ٢٦/ ١٢، معجم لغة الفقهاء ص ٢٧٢.
مُوسُوبر النفسيةالوضوي
جوسى
القرآن الكريم
١٠

الإنفاق
الإقراض:
٣
الإقراض لغة:
مصدر من أقرضته المال إقراضًا، ومنه القرض، والجمع قروضٌ (١).
الإقراض اصطلاحًا:
هو إعطاء غيرك من مالك لتقضاه(٢).
الصلة بين الإنفاق والإقراض:
أن الإنفاق فيه إخراج للمال من الملكية، بينما الإقراض يبقى فيه المال ملك لمخرجه في
ذمة غيره؛ ليرده له.
الإيتاء:
٤
الإيتاء لغة:
الإعطاء، آتى يؤاتي إيتاءً، وآتاه إيتاءً، أي: أعطاه، ويقال: آتاه الشيء، أي: أعطاه إياه(٣).
الإيتاء اصطلاحًا:
إعطاء المال للغير على سبيل التمليك وحرية التصرف.
الصلة بين الإيتاء والإنفاق:
الإنفاق أعم من الإيتاء، فالإنفاق قد يكون على سبيل التمليك المفضي إلى حرية
التصرف، وقد يكون التصرف في المال مشروطًا، أو يكون له مقابل، بينما الإيتاء لا يكون
إلا على سبيل التمليك، ولا يكون مشروطًا، أو له مقابل، وإن لم يكن كذلك فليس بإيتاء (٤).
(١) المطلع على ألفاظ المقنع، شمس الدين البعلي ص ٢٩٥، المصباح المنير، الحموي ٢/ ٤٩٨.
(٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ٧١، المصباح المنير، الحموي ٢/ ٤٩٨.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٥١، لسان العرب، ابن منظور ١٤ / ١٧.
(٤) دستور العلماء، الأحمد نكري ١/ ١٨.
www. modoee.com

حرف الألف
الإعطاء:
٥
الإعطاء لغة:
المناولة، أعطاه الشيء أي: ناوله إياه.
الإعطاء اصطلاحًا:
هو مناولة الشيء للآخر على سبيل تصرف مأذون فيه من المناول (١).
الصلة بين الإنفاق والإعطاء:
الإنفاق هو إخراج المال من الملك، والإعطاء لا يقتضي إخراج المعطى المال من
الملك(٢).
البخل:
٦
البخل لغة:
منع الفضل والإمساك عن البذل، منع الرجل القادر العطاء بالمعروف من ماله(٣).
البخل اصطلاحًا:
هو إمساك المال وعدم صرفه في الوجوه المعتبرة حرصًا على بقائه وزيادته وخوفًا من
نفاده (٤).
الصلة بين الإنفاق والبخل:
بينهما نوع تضاد، فالإنفاق هو البذل تلبية لسد الحاجة، والبخل الإمساك عن البذل وإن
دعت إليه الحاجة.
(١) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص ١٦٧.
(٢) المصدر السابق.
(٣) معجم لغة الفقهاء، قلعجي، قنيبي ص ١٠٤.
(٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار، أبو الفضل البستي ٢/ ٢٤٥.
مُوسُوبَة الَِّي
القرآن الكريمِ
١٢

الإنفاق
الأساليب القرآنية في عرض الإنفاق
تنوعت أساليب القرآن في الحديث عن
الإنفاق، وهذا ما سنتناوله بالبيان فيما يأتي:
أولًا: الأمر بالإنفاق:
جاء الأمر بالإنفاق، وبذل المال في سبيل
الله صريحًا في القرآن الكريم، فقال تعالى:
﴿وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَبْدِيَكُ إِلَى النَُّلْكَّةِ
وَأَحْسِنُوْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ
مِمَّا رَزَّقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا
خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
وقال تعالى: ﴿ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيَّةٍ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنْكُمْ وَأَنَفَقُواْلَمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧].
وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ مِنْمَا رَزَقْنَكُمْمِّن قَبْلِ
أَنْ يَأْتِىَ أَحَدُكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبٍّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِىّ
إِلَ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّفَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾
[المنافقون: ١٠].
﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْرًا
وقال تعالى:
لِأَنْفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُوسَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ،
وَمَنْ قُّدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَنَهُ اللَّهُ﴾
[الطلاق: ٧].
فهذه الأوامر المتكررة في الآيات
السابقة بالإنفاق من الأموال جاءت بصيغة
الأمر (أنفقوا) و(لينفق)، فإن كان المراد
بالإنفاق هو الزكاة فلا إشكال؛ لأن الزكاة
واجبة، بل ركن من أركان الإسلام، فتحمل
هذه الأوامر على الوجوب.
وحجة هذا القول أن قوله: ﴿وَأَنْفِقُواْ﴾
للوجوب، والإنفاق
أمر، وظاهر الأمر
الواجب ليس إلا الزكاة، وسائر النفقات
الواجبة، والقرآن كثيرًا ما يعبر عن الزكاة
بالإنفاق، ويقرن الإنفاق بالصلاة، كما قال
تعالى: ﴿وَيُقِمُونَ الصَّلَوَةَ وَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:
٣].
وقوله: ﴿أَلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا
رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ [الأنفال: ٣].
وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِىِ الصَّلَوَةِ وَمَّا رَزَقْتَهُمْ
يُفِقُّونَ﴾ [الحج: ٣٥].
وقوله: ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ
وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨].
وإن كان المراد بالإنفاق هو الإنفاق
المستحب فتكون الأوامر الواردة بالإنفاق
للندب. وقيل: إنه يتناول الفرض والنفل
معًا.
وحجة من قال: الفرض والنفل داخلان
في هذا: أن المفهوم من الأمر ترجيح جانب
الفعل على جانب الترك، من غير أن يكون
فيه بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز، وهذا
المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل،
www. modoee.com
١٣

حرف الألف
فوجب أن يكونا داخلين تحت الأمر(١).
فيكون المراد بهذه الأوامر: التحريض
على الإنفاق بمرتبتيه، واجب الإنفاق
ومندوبه، والاهتمام بالنزاهة من فتنة المال
التي ذكرت في قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاللَّهُ عِندَهُ، أَبْرٌ عَظِيمٌ﴾
[التغابن: ١٥].
فيكون قوله: ﴿وَأَنفِقُواْ﴾ أي: ما أمرتم به بعض ما أعطيناكم، تفضلًا من غير أن يكون
من واجب أو مندوب.
وقد اختار الجصاص في قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرُجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا
تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ
أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
أن المراد بالإنفاق هاهنا: النفقة الواجبة
من الزكاة ونحوها، حيث قال: ((وأيضًا فإن
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن
طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
هنا نفقة واجبة غير الزكاة والعشر؛ إذ النفقة
على عياله واجبة، وأيضًا فإن النفقة على
نفسه وأولاده معقولة غير مفتقرة إلى الأمر،
فلا معنی لحمل الآية علیه، فإن قيل: المراد
صدقة التطوع، قيل له: هذا غلط من وجهين:
أحدهما: أن الأمر على الوجوب فلا
يصرف إلى الندب إلا بدليل، والثاني: قوله
(١) انظر: مفاتيح الغيب ٧/ ٥٤،٥٣.
تعالى: ﴿وَلَسْتُمِعَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾
قد دل على الوجوب؛ لأن الإغماض إنما
يكون في اقتضاء الدين الواجب، فأما ما
ليس بواجب فكل ما أخذه منه فهو فضل
وربح، فلا إغماض فيه)) (٢)
والمقصود أنه تعالى أمر الإنسان بالإنفاق
مما رزقه الله، فقال: ﴿مِمَّا رَزَقْنَكُمْ﴾ أي:
حصوله من جهتكم وبسببكم، وفي آية
أخرى أمره بالإنفاق مما جعله الله مستخلفًا
فيه، فقال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ تُسْتَخْلِفِينَ
فِيهِ ﴾ [الحديد: ٧].
فقوله: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ تُسْتَخْلَفِينَ
فِيَةٌ﴾ فيه ملاحظة وصول المال إليهم من
جهته تعالی مع کونه هو المالك الحقيقي له،
وهذا من أقوى الدواعي إلى صرفه إلى الجهة
المأمور بها، وقيل: هو أمر بإعطاء سهمهم
من الصدقات، فالأمر للوجوب حتمًا،
أمر، وهو يقتضي الوجوب، وليس ها والإضافة والوصف لتعيين المأخذ(٣).
وفي هذا التعبير تجريد للإنسان من المال
الذي بين يديه، فليس له الحق في المال
الذي بین یدیه یعبث فیه کما یشاء، ويتصرف
فيه كما يريد؛ ولهذا نهاه الله سبحانه وتعالى
عن الإسراف، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١٧٩/٤.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ١٧٣.
١٤
جوبيى
القرآن الكريم

الإنفاق
﴿ إِنَّ
ونهاه عن التبذير، فقال تعالى:
الْمُبَذِّرِينَ كَانُّواْ إِخْوَانَ الشَّيَطِيْنِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِرَبِّهِ، كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧].
وقال سبحانه: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ.
وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ اَلسَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِرًا﴾
[الإسراء: ٢٦].
فالمال في الحقيقة مال الله، والعبد
مستخلف فيه؛ ولهذا قال: ﴿رَءَاتُوهُم ◌ِّن
مَّالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ [النور: ٣٣].
فيكون مضمون الآيات السابقة: الأمر
بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه
القربات، ووجوه الطاعات، وخاصة صرف
الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى
به المسلمون على عدوهم.
ثانيًا: الثناء على المنفقين، وخاصة عند
الحاجة:
ومن أساليب القرآن الكريم في الحث
على الإنفاق والترغيب في البذل والعطاء
في سبيل الله أنه امتدح المنفقين، ورفع
من مكانة المحسنين، وجعلهم مهتدين
مفلحين، قال تعالى: ﴿الَِّينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيٍْ وَيُقِيمُونَ
السَّلَةَ وَمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ ﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِآَخِرَةِ هُمْيُوهُنَ ا أُوْلَتِكَ عَلَى هُدَى مِن
نَِّهِمّ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِعُونَ﴾ [البقرة: ٣-٥].
فالإشارة بـ(أولئك) في قوله: ﴿وَأُوْقَتَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ إلى من سبقت أوصافهم،
وهم المتقون، أصحاب الصفات الخمس،
التي منها الإنفاق مما رزقهم الله، ويشير اسم
الإشارة (أولئك) إلى علو مرتبتهم، والعناية
التامة بهم، كأنهم حضروا بين يدي المتكلم،
وفيه الفصل بين الغاية والوسيلة، فالغاية:
الفلاح، ووسيلته: ما سبق، والفلاح: هو
الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب،
فهي كلمة جامعة لانتفاء جميع الشرور،
وحصول جميع الخير (١).
وفي آية أخرى جعلهم من المؤمنين،
فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أَلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ
إِيَمَنًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
[الأنفال: ٢-٣].
فقوله: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ﴾ حصر
للإيمان فيمن اتصف بالصفات المذكورة
التي منها الإنفاق في سبيل الله، والمعنى:
إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان هم
هؤلاء، فالتعريف في ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾
تعريف الجنس، المفيد قصرًا ادعائيًا على
أصحاب هذه الصفات مبالغة، وحرف
(أل) فيه هو ما يسمى بالدالة على معنى
الكمال (٢).
وقد جاء التعبير عن صفاتهم بصيغة من
(١) انظر: تفسير العثيمين الفاتحة والبقرة ١/ ٣٢.
(٢) انظر: التحرير والتنوير ١٧١٢/١.
www. modoee.com
١٥

حرف الألف
صيغ القصر وهي (إنما) للإشعار بأن من
هذه صفاتهم هم المؤمنون الصادقون في
إيمانهم وإخلاصهم، أما غيرهم ممن لم
تتوفر به هذه الصفات فأمره غير أمرهم،
وجزاؤه غير جزائهم، وكفى بهذا شرفًا لهم
وفخرًا.
ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ
الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ ( أُوْلَئِكَ هُمُ
اَلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَتُ عِندَ رَيِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ
وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٣-٤].
فقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي:
يقينًا؛ لأنهم حققوا إيمانهم، بأن ضموا إليه
مكارم أعمال القلب من الخشية والإخلاص
والتوكل، ومحاسن أعمال الجوارح
كالصلاة والصدقة (١).
وفي هذه الجملة: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقًّا﴾ قصر آخر يشبه القصر الذي قبله:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ حيث قصر الإيمان
مرة أخرى على أصحاب تلك الصفات
ومنها الإنفاق، ولکنه قرن هنا بما فيه بيان
المقصور، وهو أنهم المؤمنون الأحقاء
بوصف الإيمان، والحق: أصله مصدر
(حق) بمعنى ثبت، واستعمل استعمال
الأسماء للشيء الثابت الذي لا شك فيه،
كما قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّاً وَمَنْ أَصْدَقُ
مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢].
(١) تفسير اللباب، ابن عادل ١٠٨/٨.
ويطلق كثيرًا على الكامل في نوعه، الذي
لا سترة في تحقق ماهية نوعه فيه، كما يقول
أحد لابنه البار به: أنت ابني حقًا، وليس
يريد أن غيره من أبنائه ليسوا لرشده، ولكنه
يريد أنت بنوتك واضحة، وآثارها واضحة،
ويطلق الحق على الصواب والحكمة، فاسم
الحق يجمع معنى كمال النوع، ولكل صيغة
قصر منطوق ومفهوم، فمنطوقها هنا: أن
الذين جمعوا ما دلت عليه تلك الصلات
هم مؤمنون حقًا، ومفهومها: أن من انتفى
عنه أحد مدلولات تلك الصلات لم يكن
مؤمنًا حقًّا، أي: لم یکن مؤمنًا كاملًا، ولیس
المقصود أن من ثبتت له إحداها كان مؤمناً
كاملًا إذا لم يتصف ببقية خصال المؤمنين
الكاملين، فمعنى ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حقًا﴾ أن من کان على خلاف ذلك لیس
بمؤمن حقًا، أي: كاملًا(٢).
ثم زادهم مدحًا وفضلًا فقال:
دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: كرامات، وعلو
منزلة، أو درجات في الجنة يرتقونها
بأعمالهم ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لما فرط من ذنوبهم
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أعده لهم في الجنة،
لا ینقطع مدده، ولا ینتهي أمده، بمحض
الفضل والكرم.
وفي آية ثالثة يقرن المنفقين بمقيمي
الصلاة، والمواظبین علیھا، وهو تعبیر یحمل
(٢) انظر: التحرير والتنوير ١٧١٥/١.
جَوَسُ بَر التفسير
القرآن الكَرِيمِ
١٦

الإنفاق
بين جنباته بأن هؤلاء من المطيعين لله، وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[آل عمران: ١٣٣ -
١٣٤].
والمواظبين على امتثال أوامره، قال تعالى:
وَالَّذِينَ أَسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَّةَ وَأَمْرُهُمْ
شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨].
وسياق الآية ولحاقها جاء في مدح
من اتصفوا بالإيمان، والتوكل على الله،
واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والتجاوز
عمن أساء إليهم، والاستجابة لربهم في کل
ما دعاهم إليه فعلًا أو ترگًا، وفي هذه الآية
مدخٌ للذين استجابوا لربهم حين دعاهم
إلى توحيده وطاعته، والمقيمي الصلاة
المفروضة بحدودها في أوقاتها، والذين
إذا أرادوا أمرًا تشاوروا فيه، والمنفقين مما
أعطاهم الله من الأموال في سبيل الله،
والمؤدون ما فرض الله عليهم من الحقوق
لأهلها من زكاة ونفقة وغير ذلك من وجوه
الإنفاق، فهذه عشرة صفات، بین الله تعالى
أن ما أعده لأصحابها یوم یلقونه خير من
متاع الدنيا بكامله.
وفي آية أخرى تبرز أهمية الإنفاق بتقديم
المنفقين على غيرهم من الأصناف الذين
ذكرتهم الآية، والذين أعدت لهم الجنة
من الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس،
فيقول: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِ السَّرّاءِ وَالضَّرَّآءِ
لِلْمُتَّقِينَ ()
وَاَلْكَظِمِينَ الْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ
فقد دلت هذه الآية على أن الإنفاق في
سبيل الله، وكظم الغيط، والعفو عن الناس،
من صفات المتقين أهل الجنة، ونلحظ هنا
أن الله تعالى قدم المنفقين على غيرهم،
وكفى بذلك حثًا على الإنفاق، أما في
قوله: ﴿اُلصََِّّينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَدِنِينَ
وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل
عمران: ١٧].
فالترتيب ها هنا من الأدنى إلى الأشرف،
فلا جرم وقع الختم بذكر المنفقين
والمستغفرين بالأسحار.
وفي الآية أيضًا دلالة على أن إنفاقهم
ليس في حال دون حال، بل في جميع
الأحوال ﴿في السَّرَّآءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ والسراء:
فعلاء، اسم لمصدر سره سرًا وسرورًا،
والضراء من ضره، أي: في حالي الاتصاف
بالفرح والحزن، وكأن الجمع بينهما هنا؛
لأن السراء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن
غيرهم، والضراء فيها ملهاة وقلة موجدة،
فملازمة الإنفاق في هذين الحالين تدل
على أن محبة نفع الغير بالمال الذي هو
عزيز على النفس، فقد صار لهم خلقًا، لا
یحجبهم عنه حاجب، ولا ينشأ ذلك إلا عن
نفس طاهرة (١).
(١) التحرير والتنوير ٨٢٣/١.
www. modoee.com
١٧

حرف الألف
وكذلك امتدح الله تعالى المنفقين في
سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات،
من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال من
سر وجهار، فقال: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُم بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّاً وَعَلَانِيَةً
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[البقرة: ٢٧٤]. فقد
بين الله تعالى في هذه الآية حسن عاقبة
المنفقین، وعظيم ثوابهم في ثلاث جمل،
فقال في الجملة الأولى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: فلهم أجرهم الجزيل
عند خالقهم، ومربيهم ورازقهم، وقال في
الجملة الثانية: ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ أي:
لا خوف عليهم من أي عذاب؛ لأنهم في
مأمن من عذاب الله، بسبب ما قدموا من
عمل صالح، وقال في الجملة الثالثة: ﴿وَلَا
مُمْ يَخْزَنُونَ ﴾ أي: لا يصيبهم ما يؤدي
بهم إلى الحزن والهم والغم؛ لأنهم دائمًا في
اطمئنان يدفع عنهم الهموم والأحزان.
ومدح الله تعالى من يطعم الفقير في يوم
أَوْ إِطْعَمْ في يومٍ
عصيب ذي مجاعة، فقال:
ذِیمَسْغَبَةِ﴾ [البلد: ١٤].
أي: ذي مجاعة شديدة؛ لأن الناس
قد يصابون بالمجاعة الشديدة، إما لقلة
الحاصل من الثمار والزروع، وإما لأمراض
في أجسامهم یأکل الإنسان ولا یشبع، وإما
بسبب الحروب أو غير ذلك.
ووجه تخصيص اليوم ذي مسغبة
بالإطعام فيه؛ لأن إخراج المال فيه أشد
على النفس، والناس في زمن المجاعة يشتد
شحهم بالمال؛ خشية امتداد زمن المجاعة،
والاحتياج إلى الأقوات، فالإطعام في ذلك
الزمن أفضل، وهو العقبة، ودون العقبة
مصاعد متفاوتة، فهذه العقبة هي التي
تقف بين الإنسان وبين الجنة، فلو تخطاها
لوصل! وهذه العقبة العظيمة في الآخرة لا
يقتحمها الإنسان إلا بهذه الأعمال العظيمة.
وتصويرها كذلك حافز قوي، واستجاشة
للقلب البشري، وتحريك له ليقتحم العقبة،
وقد وضحت، ووضح معها أنها الحائل
بينه وبين هذا المكسب الضخم ﴿فَلَا أَقْنَحَمَ
اُلْمَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١].
ففیه تحضیض ودفع وترغيب! ثم تفخيم
لهذا الشأن وتعظيم ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾
[البلد: ١٢].
إنه ليس تضخيم العقبة، ولكنه تعظيم
شأنها عند الله ليحفز به الإنسان إلى اقتحامها
وتخطيها، مهما تتطلب من جهد ومن كبد،
فالكبد واقع واقع، وحين يبذل لاقتحام
العقبة يؤتي ثمره، ويعوض المقتحم عما
یکابده، ولا يذهب ضیاعًا، وهو واقع على
كل حال!
ويبدأ کشف العقبة، وبيان طبيعتها بالأمر
الذي كانت البيئة الخاصة التي تواجهها
١٨
القرآن الكريم

الإنفاق
الدعوة في أمس الحاجة إليه، فك الرقاب
العانية، وإطعام الطعام، والحاجة إليه ماسة
للضعاف الذين تقسو عليهم البيئة الجاحدة
المتكالبة، وينتهي بالأمر الذي لا يتعلق ببيئة
خاصة، ولا بزمان خاص، والذي تواجهه
النفوس جميعًا، وهي تتخطى العقبة إلى
النجاة ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ
وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَةِ﴾ [البلد: ١٧](١).
ولهذا كانت النفقة قبل الفتح أعظم؛ لأن
حاجة الناس كانت أكثر؛ لضعف الإسلام،
وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذٍ أشق،
والأجر على قدر النصب إذا وافق هدي
النبي صلى الله عليه وسلم، وأخلص فاعله.
ومما جاء في مدح المنفقين في سبيل
الله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ
وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَّا يُضَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ
آجْرٌ گرِیٌ ﴾[الحديد :.
فذكر هاهنا صنفين: المتصدقين
والمقرضين، والمعنى: إن الذين تصدقوا
وأقرضوا، والظاهر أن الأول هو الواجب،
والثاني: هو التطوع؛ لأن تشبيهه بالقرض
كالدلالة على ذلك، وأيضًا ذكر الأول بلفظ
اسم الفاعل، الدال على الاستمرار ينبئ عن
الالتزام والوجوب، ومن قرأ بتشديد الدال
فقط فمعناه: إن الذين صدقوا الله ورسوله
وأقرضوا، ويندرج تحت التصديق الإيمان
(١) في ظلال القرآن ٤٣/٨.
وجميع الأعمال الصالحات، إلا أنه أفرد
الإنفاق بالذكر تحريضًا عليه، كما أنه أفرد
الإيمان لتفضيله والترغيب فيه (٢).
٠
ونلحظ أنه سبحانه وتعالى لما رغب في
الإنفاق، وختم آياته بما يقتضي الوعد من
أصدق القائلين بالغنى، والإثابة في الدارين،
أتبعه بما للعدو الكاذب من ضد ذلك، فقال
محذرًا من البخل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَدَّةِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً
مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
إذن هو الشيطان الرجيم المانع من
الإنفاق، أي: الذي اسمه أسوأ الأسماء، فإنه
يقتضي الهلاك والبعد، وأحد الوصفين كافٍ
في مجانبته، فكيف إذا اجتمعا؟!
فهذه الآية تتضمن الحض على الإنفاق
بأبلغ الألفاظ، وأحسن المعاني؛ فإنها
اشتملت على بيان الداعي إلى البخل،
والداعي إلى البذل والإنفاق، وبيان ما
يدعو إليه داعي البخل، وما يدعو إليه داعي
الإنفاق، وبيان ما يدعو به داعي الأمرين،
فأخبر سبحانه أن الذي يدعوهم إلى البخل
والشح هو الشيطان، وأخبر أن دعوته هي
بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا
أموالهم، وهذا هو الداعي الغالب على
الخلق، فإنه يهم بالصدقة والبذل، فيجد في
قلبه داعيًا يقول له: متى أخرجت هذا دعتك
(٢) تفسير النيسابوري ١٢٦/٧.
www. modoee.com
١٩

حرف الألف
الحاجة إليه، وافتقرت إليه بعد إخراجه،
وإمساكه خير لك؛ حتى لا تبقى مثل الفقير،
فغناك خير لك من غناه، فإذا صور له هذه
الصورة أمره بالفحشاء وهي البخل(١)
الذي هو من أقبح الفواحش ... ، فهذا
وعده وهذا أمره، وهو الكاذب في وعده،
الغار الفاجر في أمره، فالمستجيب لدعوته
مغرور مخدوع مغبون، فإنه يدلي من يدعوه
بغروره، ثم يورده شر الموارد(٢).
ثالثًا: الوعد بالإخلاف على المنفقين
والأجر الكبير في الآخرة:
أمر الله تعالى عباده بالإنفاق في أوجه
الطاعات من المال الذي أعطاهم إياه،
وجعله بين أيديهم على سبيل الأمانة، أو
الإعارة، ووعدهم بالخلف، أي: العوض
المضاعف، فقال: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَهُوَ
يُعْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم
به الله، وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في
الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب.
وقوله: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُمْ﴾ (ما) هنا تفيد
(١) تفسير الفحشاء في هذه الآية بالبخل هو القول
الأول الذي ذكره جمع من المفسرين، منهم:
البغوي في المسمى بمعالم التنزيل ٣٦٣/١،
والشوكاني في فتح القدير ٤٣٧/١، وابن
الجوزي في زاد المسير ١/ ٣٢٣، والألوسي
في روح المعاني ٣/ ٤٠، وغيرهم.
(٢) انظر: جامع لطائف التفسير ١٢٥/٩ بتصرف.
العموم، يعني: سواء كان المنفق صغيرًا أو
کبیرًا. ومعنى: ﴿فَهُوَ مُخْلِفُهُ﴾ أي: يخلفه
عليكم، يقال: أخلف له، وأخلف عليه،
إذا أعطاه عوضه وبدله، وذلك البدل إما
في الدنيا وإما في الآخرة، والمقصود: لا
تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق، بل
وعد بالخلف للمنفق، الذي يبسط الرزق
لمن يشاء ويقدر.
وقد جاء في الحديث: (يقول الله تعالى:
يا بن آدم أنفق، أنفق علیك)(٣).
قال ابن العربي: ((وهذه إشارة إلى
أن الخلف في الدنيا بمثل المنفق بها إذا
كانت النفقة في طاعة الله، وهو كالدعاء
كما تقدم سواء، إما أن تقضى حاجته -أو
يدفع الله عنه من السوء مثلها، أو يدخر إلى
الآخرة-، وكذلك في النفقة يعوض مثلها،
وإما أن يعوض أزيد منها، والتعويض ها هنا
بالثواب، وإما أن يدخر له، والادخار ها هنا
مثله في الآخرة))(٤).
وأكد هذا الوعد بصيغة الشرط، وبجعل
جملة الجواب اسمية، وبتقديم المسند إليه
على الخبر الفعلي، بقوله: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾
ففي هذا الوعد ثلاثة مؤكدات، دالة على
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٤٢، ٧٢٩٦، وقال شعيب
الأرنؤوط في تعليقه على المسند: ((إسناده
صحيح على شرط الشيخين)).
(٤) أحكام القرآن ابن العربي ٦/ ٤٦٣.
مُوَسُولَةُ الْتَّخِي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٠

الإنفاق
مزيد العناية بتحقيقه(١).
والمراد بالإنفاق الموعود عليه بالخلف
هو الإنفاق المرغب فيه في الدين، وهو
المأذون فيه شرعًا، كالإنفاق على الفقراء،
والإنفاق في سبيل الله عمومًا.
وروي عن الضحاك أنه سئل عن قوله:
﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أهو
النفقة في سبيل الله؟ قال: لا، ولكن نفقة
الرجل على نفسه وأهله، فالله يخلفه (٢)
ونجده هنا في هذه الآية لم یذکر وجهة
الإنفاق (وهو سبيل الله) بل أطلق فقال:
﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾؛ لأن
ذلك -والله أعلم- أصبح من المسائل
المتقررة في أذهان السامعين-، وأن كل
من أنفق ماله في لهو الدنيا وفرجتها من
غير قصدٍ حسن، بل لمجرد الحظ والهوى
لیس له أجر، بل يكون عليه حسرة وندامة،
تنقضي لذاته، وتبقى تبعاته، وهو من كفران
نعمة المال، فهو معرض للزوال، وإن بقي
فهو استدراج، وعلامة إنفاقه في الهوى:
أنه إذا أتاه فقير يسأله درهمًا منعه، وينفق في
النزهة والفرجة الآلاف، فهذا يكون إنفاقه
حسرة علیه، والعياذ بالله.
وأيضًا فإن هذا الوعد بالخلف ليس
مدعاة للإنسان أن ينفق کل ما معه بحجة
(١) التحرير والتنوير ٣٤٤٧/١.
(٢) الدر المنثور ٧٠٦/٦.
أن الله سيخلفه له، فقد روي عن مجاهد
قال: ((من كان عنده من هذا المال ما يقيمه
فليقتصد، فإن الرزق مقسوم، ولعل ما قسم
له قليل، وهو ينفق نفقة الموسع عليه، فينفق
جميع ما في يده، ثم يبقى طول عمره في
فقره، ولا يتأولن: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ
يُخْلِفُهُ﴾ فإن هذا في الآخرة، ومعنى الآية:
ما كان من خلف فهو منه)» (٣).
والصواب ما تقدم من أن الخلف قد
يكون إما عاجلًا بالمال في الدنيا، وإما آجلاً
بالثواب في الآخرة.
والحاصل أن في هذا دعوة إلى الإنفاق
في سبيل الله، وتشجيعًا عليه بإعلام الناس
أن الإنفاق لا ينقص المال، والبخل به لا
يزيده، فإن التوسعة كالتضييق لحكمة، فلا
البخل يزيد في المال، ولا الإنفاق في سبيل
الله ینقص منه.
وختم الله هذا بوعده الصادق، وهو أن
من أنفق في سبيل الله شيئًا أخلفه الله عليه،
وهو تعالى خير الرازقين، فجملة: ﴿وَهُوَ
خَبْرُ الزَّزِقِينَ﴾ تذييل للترغيب والوعد
بالزيادة؛ لبيان أن ما يخلفه أفضل مما أنفقه
المنفق و﴿خَيرُ﴾ بمعنى أخير؛ لأن الرزق
الواصل من غيره تعالى إنما هو من فضله
أجراه على يد بعض مخلوقاته، فإذا كان
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٢٣،
ولباب التأويل، الخازن ٢٢٧/٥.
www. modoee.com
٢١

حرف الألف
تيسيره برضا من الله على المرزوق، ووعد تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو
به كان ذلك أخلق بالبركة والدوام(١).
ومما جاء في الوعد بالخلف للمنفق
قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:
٢٤٥].
ففي هذه الآية حث الله تعالى عباده على
الإنفاق في سبيله، وقد كرر الله تعالى هذه
الآية بهذا السياق في كتابه العزيز في غير
موضع، وفي حديث النزول أن الله تعالى
قال: (من يقرض غير عديم ولا ظلوم)(٢).
فطلب الله تعالى من عباده القرض، مع
أن المال مال الله، إلا أنه من رحمته تعالى
وكرمه يستقرضهم إياه؛ لأنه متول على
جميع الخلق، غني بذاته عنهم، ومع هذا
يجعل طاعتهم له سلفًا منهم له.
والاستفهام في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى﴾
للحض على البذل والعطاء، والتحريض
على التحلي بمكارم الأخلاق، والمعنى:
من هذا المؤمن القوي الإيمان الذي يقدم
ماله في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله،
وفي غير ذلك من وجوه الخير، كمعاونة
المحتاجين، وسد حاجة البائسين؟!
والتعبير بالقرض في هذه الآية إنما هو
(١) التحرير والتنوير ١/ ٣٤٤٨.
(٢) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب
الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل
والإجابة فيه ١٨١١،١٧٦/٢.
الغنى الحميد، لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن
في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة
بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال
في أخذ الجنة بالبيع والشراء.
ولم يكتف بالحث على القرض، بل
حيث جاء القرض في القرآن قيده بكونه
حسنًا، وذلك يجمع أمورًا ثلاثة، أحدها: أن
یکون من طيب ماله، لا من رديئه وخبيثه،
الثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه، ثابتة عند
بذله، ابتغاء مرضاة الله، الثالث: أن لا يمن
به، ولا يؤذي، فالأول يتعلق بالمال، والثاني
يتعلق بالمنفق بينه وبين الله، والثالث بينه
وبين الآخذ(٣).
فيكون القرض الحسن: هو القرض
المستكمل محاسن نوعه من كونه عن
طيب نفس، وبشاشة في وجه المستقرض،
وخلو عن كل ما يعرض بالمنة، أو بتضييق
أجل القضاء، وتحري أكرم المال، وأفضل
الجهات، وذكر بعضهم أن القرض الحسن:
ما يجمع عشر صفات: أن يكون من
الحلال، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا
طيبًا، وأن يكون من أكرم ما يملكه المرء،
وأن يكون المرء صحیحًا شحیحًا، يأمل
العيش، ويخشي الفقر، وأن يضعه في
الأحوج الأولى، وأن يكتم ذلك، وأن لا
(٣) التفسير القيم، ابن القيم ٢٥٨/١.
جَوَسُو ◌َ النَِّيّة
القرآن الكريم
٢٢

الإنفاق
يتبعه بالمن والأذى، وأن يقصد به وجه الله
تعالی، وأن يستحقر ما يعطي وإن کثر، وأن
یکون من أحب أمواله إليه، وأن یتوخى في
إيصاله للفقير، ما هو أسر لديه من الوجوه،
کحمله إلی بیته، ولا يخفى أنه یمکن الزيادة
والنقص فيما ذكر (١).
وقوله: ﴿فَيُضَعِفَهُ لَهُهُ أَضْعَافَا كَثِيرَةً﴾ الأجر الكريم إليها، ومن ذلك التعبير عن
أي: فیعطیه سبحانه أجره على إنفاقه أضعافًا
مضاعفة، ولم يبين هنا قدر هذه الأضعاف
الكثيرة، ولکنه بین في موضع آخر أنها تبلغ
ونظير الآية السابقة، قوله تعالى:
ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللّهَ قَّضًا حَسَنًا فَيُضَدِفَهُ لَهُ, وَلَّهُوَ أَجْرٌ
كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١].
سبعمائة ضعف، وتزيد عن ذلك؛ وذلك في
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى
كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّأْتَةُ حَبَّةٌ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ
وَسِعُ عَلِيمُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
والمقصود أن الآية قد اشتملت على
ألوان من الحض على الإنفاق في وجوه
الخير، ومن ذلك التعبير بالاستفهام في
ذاته؛ لأنه للتنبيه، وبعث النفوس إلى التدبر
والاستجابة، ومن ذلك أيضًا التعبير بقوله:
﴿مَّن ذَا الَّذِى﴾ إذ لا يستفهم بتلك الطريقة
إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر، وكأن
المخاطب لعظم شأنه من شأنه أن يشار إليه،
وأن يجمع له بين اسم الإشارة وبين الاسم
الموصول، ومن ذلك تسميته ما يبذله الباذل
قرضًا، ولمن هذا القرض؟ إنه لله الذي له
(١) تفسير الألوسي ج٢٠/ ص٣١٧.
خزائن السموات والأرض، فكأنه تعالى
يقول: أقرضوني مما أعطيتكم، وسأضاعف
لكم هذا القرض أضعافًا مضاعفة يوم القيامة
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُخْضَرًا﴾
[آل عمران: ٣٠].
ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة، وضم
الإنفاق بالقرض؛ إذ القرض معناه: إخراج
المال، وانتظار ما يقابله من بدل (٢)
مَّن
فصدر سبحانه الآية بألطف أنواع
الخطاب، وهو الاستفهام المتضمن لمعنى
الطلب، وهو أبلغ في الطلب من صيغة
الأمر، والمعنى: هل أحد يبذل هذا القرض
الحسن، فيجازى عليه أضعافًا مضاعفة؟
وسمي ذلك الإنفاق قرضًا حسنًا حثًا
للنفوس، وبعثًا لها على البذل؛ لأن الباذل
متى علم أن عين ماله يعود إليه ولابد،
طوعت له نفسه بذله، وسهل عليه إخراجه،
فإن علم أن المستقرض ملئ، وفيٌّ محسن،
کان أبلغ في طیب قلبه، وسماحة نفسه.
فإن علم أن المستقرض يتجر له بما
اقترضه، وينميه له ويثمره حتى يصير أضعاف
ما بذله کان بالقرض أسمح وأسمح، فإن علم
(٢) الوسيط لسيد طنطاوي ٤٠٨٨/١.
www. modoee.com
٢٣

حرف الألف
أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجرًا المنفق فضلًا عن كل ذلك أجر كريم
آخر من غير جنس القرض، وأن ذلك الأجر عند خالقه، لا يعلم مقداره إلا هو تعالى،
والظاهر أن هذا الأجر هو المغفرة، كما
في قوله تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُواْ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا
يُضَحِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُرُ حَلِيمٌ﴾
[التغابن: ١٧].
حظ عظيم، وعطاء كريم، فإنه لا يتخلف عن
قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل والشح،
أو عدم الثقة بالضمان؛ وذلك من ضعف
إيمانه؛ ولهذا كانت الصدقة برهانًا لصاحبها،
وقد جعل الإنفاق سبب للغفران كما في
قوله صلى الله عليه وسلم: (الصدقة تطفئ
الخطايا كما يطفئ الماء النار)(١).
وهذه الأمور كلها تحت هذه الألفاظ التي
تضمنتها الآية، فإنه سماه قرضًا، وأخبر أنه
هو المقترض لا قرض حاجة، ولكن قرض
إحسان إلى المقرض، واستدعاء لمعاملته،
وليعرف مقدار الربح، فهو الذي أعطاه ماله،
واستدعی منه معاملته به، ثم أخبر عما يرجع
إليه بالقرض وهو الأضعاف المضاعفة، ثم
أخبر عما يعطيه فوق ذلك من الزيادة وهو
الأجر الکریم.
وأشار الله في هذا إلى شيئين: إلى
الإخلاص في قوله: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُعْرِضُ
آلله﴾ يعني: لا یری سوی الله عز وجل،
والمتابعة في قوله: ﴿حَسَنًا﴾ لأن العمل
الحسن ما كان موافقًا للشريعة الإسلامية،
والإخلاص والمتابعة هما شرطان في
كل عمل، ووصف الله تعالى الإنفاق في
سبيله بالقرض تشبيهًا بالقرض الذي يقرضه
الإنسان غيره؛ لأنك إذا أقرضت غيرك فإنك
واثق من أنه سیرده عليك، هكذا أيضًا العمل
الصالح سیرد على الإنسان بلا شك.
وقوله: ﴿وَلَهُ، أَجْرٌّ كَرِيمٌ﴾ أي: ولهذا
وقد جاء أنه لما نزلت: ﴿قَن ذَاالَّذِى
يُقْرِضُ اللَّهَ قًَّا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ، لَهُ﴾ قال أبو
الدحداح الأنصاري: يا رسول الله وإن
الله ليريد منا القرض؟! قال: (نعم يا أبا
الدحداح)، قال: أرني يدك يا رسول الله،
قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي
حائطي، قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة،
وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو
الدحداح، فناداها: يا أم الدحداح، قالت:
لبيك، قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي عز
وجل. هكذا كان امتثال الصحابة لهذه الآية،
أما اليهود فإنهم لما سمعوا قوله تعالى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُعْرِضُ اَللَّهَ قَرّضًا حَسَنًا﴾ قالوا:
﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَثَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾[آل عمران: ١٨١].
فقد روي أنه عليه الصلاة السلام لما
کتب مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهود
بني قينقاع، يدعوهم إلى الإسلام، وإقام
(١) تفسير القرآن للعثيمين ١٥/ ٢١.
موسوعة التفاوضويـ
القرآن الكريم
٢٤

الإنفاق
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله الآخر نقبله كما هو، ويصح أن نقول: إنه
تصوير لحالهم، تسببه عاقبة أمرهم بمن
يكوون بذهبهم وفضتهم.
قرضًا حسنًا، قال فنحاص: إن الله فقير حتى
سألنا القرض، فلطمه أبو بكر رضي الله عنه
في وجهه، وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من
العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول
الله صلی الله علیه وسلم، وجحد ما قاله،
فنزلت الآية، ونسب القول إلى الجمع مع
كون القائل واحدًا لرضا الباقين بذلك(١).
رابعًا: الوعيد الشديد لمن يكنز الذهب
والفضة ولا ينفقها في سبيل الله:
توعد الله تعالى كل من يكنز الذهب
والفضة ولا ينفقها في سبيل الله بعذاب
أليم، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا
مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلٍ
اللَّهُ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اَللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَاپٍ
أَلِيمٍ ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ
فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمَّ
هَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ
تَكْنِزُونَ﴾[التوبة: ٣٤-٣٥].
وهذا إخبار من الله تعالى عن الكنوز
وأصحابها يوم القيامة، وما يتعلق باليوم
(١) أخرجه الترمذي في أبواب السفر، باب ما ذكر
في فضل الصلاة ٥١٢/٢، ٦١٤، وأحمد
٤٢٥/٢٣، ١٥٢٨٤، وصححه الألباني في
التعليق الرغيب ٣ / ١٥ و١٥٠.
فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ ﴾ يحتمل
أن يراد بهم: أولئك الأحبار والرهبان
السابق ذكرهم في نفس الآية، فيكون قد
وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال
الناس، بقوله تعالى: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
النَّاسِ بِالْبَطِلِ﴾ ووصفهم أيضًا بالبخل
الشديد والامتناع من إخراج الواجبات عن
أموال أنفسهم، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ ويحتمل أن
يراد بهم: المسلمون الذين يجمعون المال
ولا يؤدون حقه، ويكون اقترانهم بالمرتشين
من اليهود والنصارى تغليظًا، ودلالة على
أن من يأخذ من أهل الكتاب السحت، ومن
لا يعطي من المسلمين زكاة ماله سواء في
استحقاق البشارة بالعذاب الأليم، واحتمال
أن يراد بذلك الجمیع، وهو کل من کنز المال
ولم يخرج منه الحقوق الواجبة، سواء كان
من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين.
والكنز بفتح الكاف مصدر (كنز) إذا
ادخر مالًا. وكل شيء غمزته في وعاء أو
أرض فقد كنزته، واكتنز: اجتمع وامثلا (٢).
يقال: هذا جسم مكتنز الأجزاء إذا كان
مجتمع الأجزاء، ويطلق على المال من
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٦٣/١.
www. modoee.com
٢٥

حرف الألف
الذهب والفضة الذي يخزن، وعلى كل هنا، فقال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه
الزكاة ولم تؤد زكاته وإن لم یکن مدفونًا،
قالوا: وعنى بقوله: ﴿وَلَا يُفِقُونَهَافِ سَبِيلِ
اللهِ﴾ أي: ولا يؤدون زكاتها.
شيء ثمين، سواء دفن في باطن الأرض أو
لم يدفن، ولكن شاع استعماله فيما يدفن في
باطن الأرض، ولكن شيوعه لا يمنع أصل
إطلاقه، ولا يمنع الشيوع من أن يطلق على
الأصل اللغوي، ولقد قال شيخ المفسرين
الطبري: «الكنز: كل شيء مجموع بعضه
إلى بعض في بطن الأرض كان أو على
ظهرها))(١).
والمعنى: أنهم يجمعونهما ويحفظونهما
سواء كان ذلك بالدفن، أو بوجه آخر، وسمي
الذهب ذهبًا لأنه يذهب ولا يبقى، وسميت
فضة لأنها تنفض، أي: تتفرق ولا تبقى،
وحسبك بالاسمين دلالة على فنائهما، وأنه
لا بقاء لهما (٢).
وخص الذهب والفضة بالذکر لأنهما
الأصل الغالب في الأموال، ولأنهما مقیاس
التقدير لكل الأموال، ولأنهما اللذان
يقصدان بالکنز أکثر من غيرهما، وقد قال
في ذلك الزمخشري: ((إنهما قانون التمول،
وأثمان الأشياء، ولا يكنزهما إلا من فضلا
عن حاجته، ومن كثرا عنده حتى يكنزهما لم
یعدم سائر أجناس المال، فكان ذکر کنزهما
دليلًا على ما سواهما))(٣).
واختلف أهل العلم في معنى الكنز ها وعدم الإنفاق في سبيل الله، فإذا وجدا معًا
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٦/٣.
(٢) القاموس المحيط ١/ ٦٧٣.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٢٢٥.
وقال آخرون: كل مال زاد على أربعة
آلاف درهم فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم
تؤد، وقال آخرون: الكنز كل ما فضل من
المال عن حاجة صاحبه إليه. ولعل الأقرب
هو القول الأول، وهو أن الكنز هو: كل مال
وجبت فیہ الزکاھ ولم تؤد زکاته وإن لم یکن
مدفونًا.
قال الطبري بعد أن ذكر هذه الأقوال:
((وأولى الأقوال في ذلك بالصحة القول
الذي ذكر عن ابن عمر: من أن كل مالٍ أديت
زکاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه
وإن کثر، وأن کل مالٍ لم تؤد زكاته فصاحبه
معاقب مستحقٌّ وعيد الله، إلا أن يتفضل
الله علیه بعفوه وإن قل، إذا كان مما يجب
فيه الزكاة)» (٤)
والوعيد منوط بالكنز وعدم الإنفاق،
فلیس الکنز وحده بمتوعد علیه، بل الوعيد
على الأمرين مجتمعين، لا على أمر واحد
منهما، فليس الوعيد على الكنز لذات الكنز،
وإنما الوعيد على الأمرين معًا، على الكنز
كان التبشير بالعذاب الأليم، وكان الوعيد
(٤) تفسير روح البيان ٣١٨/٣.
صَوَ سُورَةُ التَّقِّ
القرآن الكريم
٢٦