Indexed OCR Text

Pages 21-40

الأنهار
وهو ما تحمله الأنهار وينحدر من الجبال
إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته،
ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ وهي
التي لا نبات فيها، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّا
لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا ﴾ [الكهف:
٨].
أي: یبسًا لا تنبت شيئًا، وليس المراد من
قوله ﴿إلى الأرْضِ آلْجُرُزِ﴾ أرض مصر فقط،
بل هي بعض المقصود وإن مثل بها كثيرٌ من
المفسرين فليست هي المقصودة وحدها،
ولكنها مرادَةٌ قطعًا من هذه الآية، فإنها في
نفسها أرضٌ رخوةٌ غليظةٌ تحتاج من الماء ما
لو نزل عليها مطرًا لتهدمت أبنيتها، فيسوق
الله تعالی إلیها النيل بما یتحمله من الزيادة
الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طینٌ
أحمر، فيغشى أرض مصر وهي أرضٌ سبخةٌ
مرملةٌ محتاجةٌ إلى ذلك الماء، وذلك الطين
أيضًا، لينبت الزرع فيه، فيستغلون كل سنةٍ
على ماءٍ جديدٍ ممطورٍ في غیر بلادهم،
وطينٍ جديدٍ من غير أرضهم، فسبحان
الحكيم الكريم المنان المحمود ابتداءً(١).
وقال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ
◌ِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ
الْفُلْكَ لِتَجْرِئَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِهُ وَسَخَّرَ لَكُمُ
الْأَنْعَرَ (٣٢)
# [إبراهيم: ٣٢].
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٣٢/٦.
لتسقي
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ:
حروثكم وأشجاركم وتشربوا منها (٢).
وجعله سببا للإنبات، فقال:
الَّذِىَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآَ مَآءُ﴾ [الأنعام:٩٩]
وَهُ
أي: أن الله هو الذي أنزل بقدرته
وتصريفه وحكمته من السحاب ماء بقدر،
مباركًا، ورزقًا للعباد، وإحياء وإغاثة
للخلائق، رحمة من الله بخلقه، فأخرجنا
بسبب هذا المطر أصناف النبات المختلف
في شكله وخواصه وآثاره، كما قال تعالى:
﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِ
الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤].
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيّ
وقال:
أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
﴿ إِنَّ اللهَ فَالِقُ لٌَْتٍّ وَالتَّوَىّ
وفي آية:
يُخْرِجُ الْحَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخِجُ الْمَيْتِ مِنَ الْحَيَّ ذَلِكُمُ
اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ [الأنعام: ٩٥].
ثم ذكر تعالى آية من آيات التكوين في
النبات وهي إنزال الماء من السماء وأخرجنا
بالمطر زرعًا وشجرًا أخضر، ثم بعد ذلك
نخلق فيه الحب والثمر، لهذا قال تعالى:
﴿تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتََّاكِبًا ﴾. أي: يركب
بعضه بعضًا كالسنابل ونحوها(٣).
فالله سبحانه هو الذي خلق السموات
والأرض وما فيهن، وهو الذي أنزل من
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ٤٢٦/١.
(٣) التفسير المنير، الزحيلي، ٣٠٨/٧.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الألف
السماء هذا الماء الذي تتدفق به الأنهار،
وتتفجر منه العیون، وتحیا علیه الزروع، وما
يخرج منها من ثمر وحب(١).
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ﴾ أي: فجر
لكم ينابيع الماء الجاري في الأنهار، ويسر
توزيعها وتفرعها لسقي أكبر مساحة من
الأرض والشجر والزرع(٢).
وقال تعالى: ﴿أَيْوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ
لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اْأَنْهَرُ لَهُ، فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ
الْكِبرُ وَلَهُ, ذُرِيَّةٌ مُعَفَاءٍ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ
فَأَحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيُِّّ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: ٢٦٦].
وهذا المثل مضروب لمن عمل عملاً
لوجه الله تعالى من صدقة أو غيرها، ثم
عمل أعمالًا تفسده، فمثله كمثل صاحب
هذا البستان الذي فيه من كل الثمرات،
وخص منها النخل والعنب لفضلهما وكثرة
منافعهما، لكونهما غذاء وقوتًا وفاكهة
وحلوى، وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية
التي تسقيها من غير مؤنة، وکان صاحبها قد
اغتبط بها وسرته(٣).
وقال تعالى: ﴿كِلْنَا الْجَنََّيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا
وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًاْ وَفَجَرْنَا خِلَلَهُمَا نَهَرًّا فِ
٣٣
(١) التفسير القرآني للقرآن، لعبد الكريم الخطيب
١٨٥/٧.
(٢) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢/ ١٢٠٠.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١١٤/١.
[الكهف: ٣٣].
جعل الله لأحدهما جنتین، أي: بستانين
من أعناب، محاطين بنخيل، وفي وسطهما
الزروع والأشجار المثمرة.
﴿كِلْنَا الْجَنََّيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا﴾ أي: أخرجت
ثمارها، ولم تنقص منه شيئًا في كل عام.
﴿وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهْرًا﴾ أي: وشققنا وسط
الجنتين نهرًا، تتفرع عنه عدة جداول، لسقي
جمیع الجوانب (٤).
وقال تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن
تُخِيلٍ وَعِنَبِ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْجِيرًا
﴾ [الإسراء: ٩١].
٩١
تفجر أنهارًا تسقي جنةً واحدةً تكون تلك
الجنة وأنهارها لك(٥).
ثالثًا: ركوبه للتنقل والجهاد:
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى سَخَّرَ
الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ
مِنْهُ حِلِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ
مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِه
: ١٤] .
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
يمتن الله على عباده بتذليل البحر لهم
وتیسیرهم للركوب فيه، وتسخيره لحمل
السفن التي تمخره، أي: تشقه، وقيل: تمخر
الرياح، وكلاهما صحيح، وقيل: تمخره
(٤) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢/ ١٤٢٤.
(٥) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور
٢٠٨/١٥.
١١٠
مُوسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم

الأنهار
بجؤجئها وهو صدرها المسنم الذي أرشد
العباد إلى صنعتها وهداهم إلى ذلك، إرثًا
عن أبيهم نوح عليه السلام، فإنه أول من
ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم
أخذها الناس عنه قرنًا بعد قرنٍ، وجیلًا بعد
جیل، یسیرون من قطرٍ إلى قطر، ومن بلد
إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، لجلب ما
هناك إلى ما هنا، وما هنا إلى ما هناك (١).
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ أي:
ترى السفن شواق للماء تدفعه بصدرها.
ومخر السفينة: شقها الماء بصدرها(٢).
ومن نعم الله تعالى أيضًا تذليله البحر
للناس، وتيسيره للركوب فيه، وعبور الفلك
السفن فيه جيئة وإيابا، وطلب فضل الله
ورزقه بالتجارة فيه، مما یوجب شکر نعمه
وإحسانه على الناس بما يسره لهم في
البحار (٣)
يقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا
عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَيَغْ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْعُّ أُجَاجٌ وَمِن
كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِيَةٌ
تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِنْ
فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [فاطر: ١٢].
﴿فِيهِ﴾ أي: في كل. ﴿مَوَاخِرَ﴾ تشق
الماء بجريها (٤).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٣/٤.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ١٨٤/٣.
(٣) التفسير الوسيط، الزحيلي ١٢٤٨/٢.
(٤) الموسوعة القرآنية، لإبراهيم الأبياري
﴿وَتَرَىَ الْفُلَكَ فِيهِ﴾ أي: في كل واحدٍ
من البحرين.
وقال النحاس: الضمير يعود إلى الماء
المالح خاصةً، ولولا ذلك لقال: فيهما
مواخر يقال: مخرت السفينة تمخر: إذا
شقت الماء. فالمعنى: وترى السفن في
البحرين شواق للماء بعضها مقبلةٌ، وبعضها
مدبرةٌ بريح واحدةٍ (٥).
﴿وَرَىّ الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ أي: تمخره
وتشقه بحيزومها: وهو مقدمها المسنم
الذي يشبه جوجؤ الطير وهو صدره، وقال
مجاهدٌ: تمخر الريح السفن ولا يمخر الريح
من السفن إلا العظام.
وقوله جل وعلا: ﴿لِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ أي:
بأسفاركم بالتجارة من قطرٍ إلى قطرٍ وإقليم
إلى إقلیم.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي:
وقوله:
تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا
الخلق العظيم، وهو البحر، تتصرفون فيه
كيف شئتم، تذهبون أين أردتم، ولا يمتنع
علیکم شيءٌ منه، بل بقدرته قد سخر لكم ما
في السموات وما في الأرض، الجميع من
فضله ورحمته(٦).
وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ
لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِوَّهُ وَسَخَّرَ لَكُمُ
٢١/١١.
(٥) فتح القدير، الشوكاني ٣٩٣/٤.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٨/٦ .
www. modoee.com
١١١

حرف الألف
الْأَنْهَرَ ﴾ [إبراهيم: ٣٢].
وهو سبحانه الذي سخر الفلك، وأجراها
مع الماء، وسخر الأنهار لتحمل الفلك على
ظهرها(١) .
﴿لَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ولتطلبوا بها
منافع أخرى من فضل الله غير ما تقدم،
كالتجارة ونقل الحاصلات والبضائع من
مرفٍ إلى مرفٍ ومن قطر إلى قطر، وغير ذلك
كالارتحال بها لطلب العلم حيث يوجد
العلم والعلماء(٢) .
هو وحده لا شريك له ﴿الَّذِى سَخَّرَ
الْبَحْرَ﴾ وهيأه لمنافعكم المتنوعة.
﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وهو السمك
والحوت الذي يصطادونه منه، ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ
مِنْهُ ◌ِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ فتزيدكم جمالًا
وحسنًا إلى حسنكم، ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾
أي: السفن والمراكب ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾
أي: تمخر في البحر العجاج الهائل بمقدمها
حتى تسلك فيه من قطر إلى آخر، تحمل
المسافرين وأرزاقهم وأمتعتهم وتجاراتهم
التي يطلبون بها الأرزاق وفضل الله
عليهم (٣).
ومن تسخير البحر: خلقه على هيئةٍ
(١) التفسير القرآني للقرآن، لعبد الكريم الخطيب
١٨٥/٧.
(٢) التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر ٥٩٩/٥.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٣٧.
یمکن معها السبح والسير بالفلك، وتمکین
السابحين والمآخرين من صيد الحيتان
المخلوقة فيه والمسخرة لحيل الصائدين.
وزيد في الامتنان أن لحم صيده طريٌ (٤).
رابعًا: الانتفاع بجريان مائه:
من المنافع التي تحدثت عنها بعض آيات
الأنهار: السرور بمنظر الماء الجاري للنهر،
هذا السرور الذي يبعث البهجة في النفس،
والراحة النفسية، والتفكر في ملكوت الله
وعظمته وامتنانه على عباده.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
قال تعالى:
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أَنَّلَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَمُ؟
[البقرة: ٢٥].
قيل: المعنى في ﴿َّجْرِى مِن تَحْتِهَا﴾:
أي: بأمر سكانها واختيارهم، فعبر بتحتها
عن قهرهم لها وجريانها على حكمهم،
کما قيل في قوله تعالی حکایةً عن فرعون:
وهذه الأنهار تجري من تحتي، أي: بأمري
و قهري ... وقد روي عن مسروقٍ: أن أنهار
الجنة تجري في غير أخاديد، وأنها تجري
على سطح أرض الجنة منبسطةً.
وإذا صح هذا النقل، فهو أبلغ في النزهة،
وأحلى في المنظر، وأبهج للنفس. فإن الماء
الجاري ينبسط على وجه الأرض جوهره
فيحسن اندفاعه وتكسره، وأحسن البساتين
(٤) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور
٠١١٩/١٤
١١٢
القرآن الكريم

الأنهار
ما كانت أشجاره ملتفةً وظله ضافيًا وماؤه بين الجنتين-نهرًا عذبًا، فكان هذا النهر
صافيًا منسابًا على وجه أرضه، لا سيما متعة للناظرين، وسببًا أدى إلى وصول الماء
الدائم والمستمر إلى هاتين الجنتين، فكان
هذا أيضًا من الأسباب التي جعلت هاتين
الجنتين تؤتي أكلها كاملة (٤).
الجنة، حصباؤها الدر والياقوت واللؤلؤ،
فتتكسر تلك المياه على ذلك الحصى،
ويجلو صفاء الماء بهجة تلك الجواهر،
وتسمع لذلك الماء المتكسر على تلك
١٢
اعَيْنَ جَارِيَّة
وقال الله تعالى:
[الغاشية: ١٢].
الیواقیت واللآلئ له خریرًا (١).
﴿أَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ أي: من
تحت أشجارها، كما تراها جارية تحت
الأشجار النابتة على شواطئها (٢).
وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِهَانِ ﴾
[الرحمن: ٥٠].
أي: في تلك الجنة عين عظيمة لا ينقطع
ماؤها عن الجريان، أو عيون كثيرة، ...
ووصف ماء العيون بالجريان للإشارة إلى
أنه بارد صافٍ؛ لأن ماء العيون إذا كان جاريًا
يكون في العادة باردًا صافيًا مع ما في منظر
وأورد أبو حيان قول ابن عباسٍ: هما الماء الجاري من مسرة وارتياح (٥).
عينان مثل الدنيا أضعافًا مضاعفةً، وقال:
تجريان بالزيادة والكرامة على أهل الجنة.
وقال الحسن: تجريان بالماء الزلال،
إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل.
وقال ابن عطية: إحداهما من ماءٍ،
والأخرى من خمرٍ. وقيل: تجريان في
الأعالي والأسافل من جبلٍ من مسكٍ(٣).
ومما يزيدها بهجة ورواء أن الله سبحانه
وتعالى قال: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَهُمَا نَهْرًا ﴾ [الكهف:
٣٣].
فجر الله سبحانه خلال الجنتين-أي:
(١) البحر المحيط، لأبي حيان ١/ ١٨٢ -١٨٣.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ٦٠ .
وأنوار التنزيل، البيضاوي ١٧٤/٥.
(٤) انظر: مقرر التفسير الموضوعي ٢، ص ٢٤٢.
(٣) انظر: البحر المحيط، لأبي حيان ٦٨/١٠، (٥) التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر ١٨٨٩/١٠.
www. modoee.com
١١٣

حرف الألف
أكل صيده وطعامه واستخراج حليته
لما كانت هذه الشريعة خاتمة الشرائع
السماوية، كان لابد أن تكون مميزة
بخصائص ومميزات تجعلها قابلة للثبات
والاستمرار ومواكبة لحياة الإنسان مهما
کان، وفي أي عصر کان، وفي أي مكان كان.
ومن أهم المميزات التي تميزت بها
شريعتنا الغراء: رفع الحرج عن المكلفين
والتيسير عليهم، من أجل هذا كانت عناية
الشريعة، تلك العناية البالغة ببيان الحلال
والحرام، من طعام الإنسان وشرابه، ليقيم
وجهه على ما أحل الله له من طيبات.
ولیعرض عما حرم علیه من خبائٹ.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ
قال تعالى:
وَطَعَامُهُ, مَتَعًا لَّكُمْ وَلِسَّيَّارَةٌ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ
أَلْبَرِ مَا دُمْتُمْ حُرُمَاً وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىَ إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ ﴾ [المائدة: ٩٦].
ففى هذه الآية یبین الله سبحانه وتعالى
للمؤمنين حكم الصيد، وما لهم منه، وما
علیهم فيه.
فعن أبي هريرة: (أن رجلا سأل رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول
الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل
من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ
بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته)(١).
والبحر يشمل الأنهار والأودية؛ لأن
جميعها يسمى بحرًا في لسان العرب.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ
هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ الآية. وليس العذب إلا
الأنهار كدجلة والفرات. وصيد البحر:
كل دواب الماء التي تصاد فيه، فيكون
إخراجها منه سبب موتها قريبًا أو بعيدًا. فأما
ما يعيش في البر وفي الماء فليس من صيد
البحر كالضفدع والسلحفاة، ولا خلاف في
هذا (٢).
وفي هذا يتضح أن الله تعالى أباح لعباده
أكل ما في الأرض من الحلال الطيب،
وکانت وجوه الحلال كثيرة، وبین لهم ما
حرم عليهم لكونه أقل، حتى إن الصحابة
کانوا عندما یتشککون في أمرٍ يذهبون إلى
رسول الله ويسألونه.
فعن جابرٍ بن عبد الله قال: ((غزونا
جيش الخبط(٣) وأميرنا أبو عبيدة، فجعنا
جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم نر
مثله، يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهرٍ،
فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه فمر الراكب
(١) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده،
١٤ / ٣٤٩ رقم ٠٨٧٣٥
(٢) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور ٧/ ٥٢.
(٣) الخبط: ورق الشجر يضرب بالعصا فيسقط،
وسميت هذه الغزوة بذلك لشدتها على
الصحابة حتى أنهم أكلوا الخبط انظر معالم
السنن لشرح أبي داوود، ٤ /٢٥٢.
١١٤
مُوسو
القرآن الكْرِيْمِ

الأنهار
تحته، قال: فلما قدمنا المدينة ذکرنا ذلك
للنبي صلی الله عليه وسلم فقال: (كلوا رزقًا
أخرجه الله عز وجل لکم، أُطعمونا إن كان
معكم، فأتاه بعضهم بشيءٍ فأكله)(١) .
قال أبو بكر الصديق: صيد البحر ما
تصطاده أيدينا وطعامه ما لائه البحر (٢).
فلا يخفى ما لإطابة المطعم بتحري
ما أحل الله وترك ما حرم الله من أثر بالغ
على قلب الإنسان وسلوكه، وأن الأكل
من الطيبات له آثار حميدة على النفوس
والأبدان؛ لأن الطيبات تؤثر الخير والنفع
للأبدان والعقول والأخلاق، والخبائث تؤثر
شرًا وضررًا في الأبدان والعقول والأخلاق،
وکل ما ينفع فهو طيب وکل ما یضر فهو
خبیٹ.
وإن هذه الطیبات التي أحلها الله لهي من
ضمن الأشياء التي سخرها سبحانه وتعالى
لنا في قوله عز وجل: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ
هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَيْعٌ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْعُّ أُجَاتٌ
وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ
حِلْيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِنْ
فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [فاطر: ١٢].
﴿وَمِنْ كُلِّ﴾ منهما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا
طَرِيًّا﴾ وهو ما يصاد منهما من حيواناتهما
(١) الحديث أخرجه البخاري، ١٦٧/٥،
رقم ٤٣٦٢.
(٢) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي،
٠١٩٧/٣
التي تؤكل (٣).
يقول تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ
◌ِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ
حِلِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ
فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: ١٤].
هو وحده لا شريك له ﴿الَّذِى سَخَّرَ
اَلْبَحْرَ﴾ وهيأه لمنافعكم المتنوعة.
﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وهو السمك
والحوت الذي يصطادونه منه، ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ
مِنْهُ حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا ﴾
فتزيدكم جمالا
وحسنا إلی حسنكم (٤).
ومن تسخير البحر: خلقه على هيئةٍ
یمکن معها السبح والسير بالفلك، وتمکین
السابحين والماخرين من صيد الحيتان
المخلوقة فيه والمسخرة لحيل الصائدين.
وزيد في الامتنان أن لحم صيده طريٌ (٥).
﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ
سَبِعُ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْعُّ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ
لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ عِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا
وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴾ [فاطر: ١٢].
إن من آيات الله عز وجل أن سخر لنا
البحر لنأكل منه لحمًا طريًا، ومن نعم الله
جل في علاه أن ذلل البحر لنا حتى استطعنا
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٣٩٣/٤ .
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ٤٣٧.
(٥) التحرير والتنوير، لا بن عاشور ١١٩/١٤.
www. modoee.com
١١٥

حرف الألف
أن نصطاد منه الأسماك وغيرها مما يؤكل من
هذه اللحوم الطرية، كذلك ذلَّله لنا لنغوص
فيه فنجمع اللؤلؤ والمرجان وما يتخذ زينة.
سمي السمك لحمًا؛ لأنه حيوان من جملة
الحيوانات، و کونه بحریًا لا ینفي کونه لحمًا،
ووصف بالطري؛ لأن لحم السمك أطرى
من لحم حيوانات البر.
یمتن الله على عباده بتذليل البحر لهم
وتيسيرهم للركوب فيه، وجعله السمك
والحيتان فيه، وإحلاله لعباده لحمها حيها
وميتها، وما يخلقه فيه من اللآلئ والجواهر
النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجهم من
قراره حليةً يلبسونها(١).
امتن الله سبحانه بتسخير البحر بإمكان
الركوب عليه واستخراج ما فيه من صيد
وجواهر؛ لكونه من جملة النعم التي أنعم
الله بها على عباده مع ما فيه من الدلالة على
وحدانية الرب سبحانه وكمال قدرته، ...
ثم ذكر العلة في تسخير البحر فقال:
﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ المراد به:
السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته،
والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما
يفسد بسرعةٍ (٢).
﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ أي: لؤلؤًا
ومرجانًا كما في قوله سبحانه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٨٣/٤.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ١٨٣/٣.
اللُّؤْلُ وَالْمَرْحَانُ ﴾ [الرحمن: ٢٢](٣).
وقد ذكر بعض المفسرين أن ((وصفه
بالطراوة؛ لأن الفساد يسارع إليه)»، ولكن
هذا القول مما لا يناسب مقام الامتنان
بنعم الله؛لأن المعنی یکون حينئذ: وسخر
لكم البحر لتأكلوا لحم السمك الذي
يسارع إليه الفساد فتأكلونه طريًا لئلا يفسد،
وهذا لا يناسب مقام الامتنان، وإنما الذي
يناسب مقام الامتنان هو وصف لحم
السمك بالطراوة الذي هو عنوان للذة لحوم
السمك، جاء التعبير ﴿وَتَسْتَخْرُواْ﴾ وليس
(( تخرجوا))؛ لأن الاستخراج يدل على
الطلب، فالذي يغوص في البحر يطلب
اللؤلؤ والمرجان، فهو يستخرجهما، أي:
يطلبهما (٤).
ووجه الأكل إلى لحمه مباشرة وفيه
إشارة إلى أنه لا يزكى، بل يؤكل ميتًا، ولذا
روى في الأثر (أحل لنا ميتتان حلالان:
السمك والجراد) (٥) .
وعبر سبحانه وتعالى أيضًا بقوله:
﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾، ولم يقل سمكًا؛ لأن
في البحر ما ليس بسمك، حيوانات تشبه
(٣) المصدر السباق ١٨٤/٣.
(٤) التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق
المعاني، لسامي القدومي ٢٩/١.
(٥) أخرجه ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب الكبد
والطحال ٢/ ١١٠٢، رقم ٣٣١٤، وأحمد
٩٧/٢، رقم ٥٧٢٣.
١١٦
جوبيبو
القرآن الكريم

الأنهار
حيوانات البحر، والظاهر أنها حلال وفيها يتشبهوا بالنساء(١).
ضخم يكفي الألوف، كالحيوان البحري
المسمی الترسة، و کالحوت وفرس البحر،
وغير ذلك، وکلها لحم طري، وقد وصف
القرآن اللحم الذي يؤخذ من البحر بأنه
لحم طري؛ لأنه فعلًا طري، وعظمه قليل،
ولا يتخلل أجزاء جسمه، بل هو في موضع
معين والذي يتخلل جسمه شيء صغير
يسميه العامة ( سفا)».
ويقول الزمخشري في وصفه بأنه طري
للإشارة إلى أنه سريع العفن، وأنه ضار إذا
تعفن، وفي ذلك نظر، فإنه إذا وضع الملح
عليه لم يكن ضارًا في تعفنه، وهو المتفسخ
منه، وقد أنكره أطباء عصرنا وزماننا ثم
أباحوه، بل استحسنوه، وقرروا أن فيه سرًا
طبيًّا، وإن لم يعرفوه، وحرم التفسخ الحنفية؛
لأنه ضار، وقد علمت ما فيه.
و (اللام) في قوله تعالى: ﴿لِتَّأْكُلُواْ﴾
هي لام الغاية، أي: ذلله وسخره لتأكلوا منه
لحما بعد صیده، وإنضاجه، وفيه مواد غذائية
كبيرة، مملوءة بالقشور، وغيرها.
وإذا كان ذلك الطعام فيه منفعة مرئية
طيبة، فالبحر وعاء للجواهر المختلفة،
ولذا قال: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾
وهي ما يسمونه بالأحجار الكريمة من
لآلئ، وزمرد، وغيرهما مما يتحلى به
النساء وبعض المرفهين من الرجال، وإن لم
فالأنهار تقدم للإنسان أيضًا فوائد كثيرة،
وخاصة مع سكان المناطق التي يعيشون
على ضفافها، فهي تفيض لهم بالخير،
وتخرج من جوفها الأسماك والأعشاب
والخيرات، وقد أثبت العلم الغذائي ما في
ثمار البحر عمومًا، والسمك خصوصًا، من
فوائد جمة. وينصح الأطباء بتناول وجبة
سمك ولو مرة واحدة أو مرتين في الأسبوع؛
لما فيها من غذاء ضروري للأجسام.
ومن نعم الله تعالى أيضًا تذليله البحر
للناس، وتيسيره للركوب فيه، وإباحته
الأسماك المختلفة المستخرجة منه،
واستخراج الحلي واللآلئ منه للبس
والزينة، والاستفادة من المرجان، وعبور
الفلك (السفن) فيه جيئة وإيابًا، وطلب
فضل الله ورزقه بالتجارة فيه، مما يوجب
شكر نعمه وإحسانه على الناس بما يسره
لهم في البحار(٢).
(١) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، لمحمد أبي
زهرة ٨/ ٤١٤٤.
(٢) التفسير الوسيط، الزحيلي ١٢٤٨/٢.
وانظر في هذا المعنى كلام البيضاوي في: أنوار
التنزيل ٢٢٢/٣.
www. modoee.com
١١٧

حرف الألف
أنهار الجنة
جمع الله عز وجل الأنهار التي أعدها
لعباده المتقين في الجنة في آية واحدة من
آیات القرآن الکریم، ومن حكمته سبحانه أن
جعل هذه الآية في سورة محمد صلى الله
عليه وسلم.
﴿وَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُجِدَ الْمُنَّعُونَ فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن مَّلْمِ
غَيْرِ مَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَرٌ مِنْ
خَّرِ لَّذَّةٍ لِلِشَّرِنَ وَأَتْهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُّصَلَىّ وَلَمْ فِهَا مِن
كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَّبِهِمَّ كُمَنْ هُوَ خَلِدٌ فِالنَّارِ
وَسُقُواْ مَآءَ حِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَهُمْ ﴾﴾ [محمد:
١٥].
لما بين سبحانه الفرق بين الفريقين
في الاهتداء والضلال بين الفرق في
مرجعهما ومالهما، فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُصِدَ
الْمُنَّقُونَ﴾(١) .
و﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: صفة الجنة العجيبة
الشأن، وقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ﴾، في حكم
الصلة، كالتكرير لها. ألا ترى إلى سر قوله:
التي فيها أنهارٌ؟ ويجوز أن تكون خبر مبتدٍ
محذوفٍ هي: فيها أنهارٌ(٢).
﴿أَنْهَرٌ مِّن مٍَّ غَيْرِءَاسِنِ﴾ ذكر الله تعالى
في هذه الآية نوعين من الجزاء لكل من
الفريقين: جزاء مادي وجزاء معنوي،
(١) فتح القدير، الشوكاني ٤١/٥.
(٢) انظر: البحر المحيط، لأبي حيان ٤٦٦/٩، (٥) المصدر السباق.
والتفسير المنير، الزحيلي ٢٦/ ١٠٠.
أما نوعا جزاء المؤمنين فهما المشروب
والمطعوم، والمغفرة والرضوان، وأما نوعا
جزاء الكافرين فهما المشروب الحار،
والخلود في النار ... ومعنى الآية: إن نعت
الجنة أو وصفها العجيب الشأن، التي وعد
الله بها عباده المتقين، الذين اتقوا عقابه
بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ هو ما
تسمعون. ثم ابتدأ بمشروب أهل الجنة فيها
أنهار جارية، من ماء غير متغير الطعم والريح
واللون لطول المكث، بل إنه ماء عذب
فرات، متدفق نقي غير مصحوب برواسب
أو طحالب، من شربه لا يظمأ أبدًا، وقد
إبتدأ بالماء؛ لأنه أعم نفعًا للناس من بقية
المشروبات (٣).
ونقل ابن كثير قول قتادة والضحاك
وعطاء الخراساني: غير منتٍ، والعرب
تقول: أسن الماء إذ تغير ريحه (٤).
﴿وَهَرٌ مِنْ لََّنٍ لَمْ يَنَغَّرْ طَعْمُهُ,﴾ وفيها أنهار
من حلیب لم یحمض کما تتغير ألبان الدنیا،
وهو في غاية البياض والحلاوة والدسومة،
وثنى باللبن، لأنه ضروري للناس كلهم،
وهو غذاء كامل ومطعوم شهي(٥).
﴿وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَّرِبِنَ﴾ والخمر:
عصير العنب الذي يترك حتى يصيبه التخمر
(٣) التفسير المنير، الزحيلي ١٠٢/٢٦.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٩/٧.
وانظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٠٣/٢٦.
١١٨
جَوَسُولَهُ النَّ
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الأنهار
وهو الحموضة مثل خمير العجين. ولذةٍ
وصفٌ وليس باسم، وهو تأنيث اللذ، أي:
اللذيذ، واللذاذة: انَّفعالٌ نفسانيٌ فیه مسرةٌ،
وهي ضد الألم وأكثر حصوله من الطعوم
والأشربة والملامس البدنية، فوصف خمرٍ
هنا بأنها لذةٍ، معناه: يجد شاربها لذاذةً في
طعمها، أي: بخلاف خمر الدنيا فإنها حريقة
الطعم فلولا ترقب ما تفعله في الشارب من
نشوةٍ وطربٍ لما شربها لحموضة طعمها (١).
أي: ليست كريهة الطعم والرائحة
كخمر، الدنيا، حسنة المنظر والطعم
والرائحة والفعل لا فيها غولٌ ولا هم عنها
ينزفون ﴿لَا فِيَهَا غَوْلٌ وَلَّا هُمْ عَنْهَا يُنْزَّقُونَ ))
[الصافات: ٤٧](٢).
أي: من عسل ليس فيه عكرٌ ولا كدرٌ
﴿وَهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلِشَّرِبِينَ﴾ أي: تلذذ كعسل أهل الدنيا (٦).
خالص لیس معه ذهاب عقل ولا سکر ولا
صداع، بخلاف خمر الدنیا، فإنها کریهة عند
الشرب، و﴿الَذَّةِ﴾: تأنيث لذ، أي: لذيذ (٣).
وفيها أنهار من خمر لذيذة الطعم، طيبة
الشرب، ليست كريهة الطعم والرائحة أو
مرة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم
والرائحة: ﴿لَا فِيَهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَقُونَ
a B
﴾ [الصافات: ٤٧].
﴿لَّايُصَدَّغُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (١)﴾ [الواقعة:
١٩].
(١) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور ٢٦/ ٩٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٩/٧.
(٣) تفسير الكشاف، الزمخشري ٣٢٢/٤.
أي: ليس فيها ضرر ولا مادة مسكرة
تزيل العقل، ولا يصيب شاربها صداع، ولا
يذهب عقله، وإنما هي لذيذة للشاربين:
﴿بَيْضَّةَ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ ﴾ [الصافات: ٤٦].
وذكرت في المرتبة الثالثة؛ لأنها ليست
ضرورية، وإنما فيها متعة ذوقية، فهي
لذيذة الطعم، طيبة الشرب، لا يكرهها
الشاربون، وتناولها للذة بعد حصول الري
(٤)
والمطعوم
٠
﴿وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ العسل المصفى:
الذي خلص مما يخالط العسل من بقايا
الشمع وبقايا أعضاء النحل التي قد تموت
فيه(٥).
وفيها أنهار من عسل في غاية الصفاء،
وحسن اللون والطعم والريح، لم يخالطه
شيء من الشمع والقذى والعكر والكدر.
وذكر في المرتبة الرابعة؛ لأنه ليس
ضروريًا وإنما جمع بين مختلف الطعوم
والإحساسات الذوقية المرغوبة، ولا شك
أن الحلو أطيب الطعوم، والعسل أرقاها،
وفيه فوائد كثيرة للجسد: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ
لِّلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩].
ففيه الشفاء في الدنيا بعد المشروب
(٤) التفسير المنير، الزحيلي ١٠٣/٢٦.
(٥) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور ٩٧/٢٦.
(٦) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ /١١٨.
www. modoee.com
١١٩

حرف الألف
والمطعوم، وفيه الخير في الآخرة.
وفي ذكر هذه الأجناس الأربعة، إطناب
بتكرار لفظ أنهارٌ، وتشويق لنعيم الجنة،
وجمع بين الضرورة (الماء) والحاجة
(اللبن) والمتعة (الخمر غير المسكرة)
والعلاج النافع (العسل)(١).
وقد يكون ذكر هذه الأربعة جمعًا بين
ما تشتهيه كل الأذواق من الناس، ليكتمل
لأهل الجنة کل شراب یشتھی.
ويورد ابن كثير حديث الإمام أحمد
بسنده عن حكيم بن معاوية عن أبيه، قال:
سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم
يقول: (في الجنة بحر اللبن وبحر الماء
وبحر العسل وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار
منها بعد) (٢).
وفي الصحيح أشار النبي صلى الله
علیه وسلم مرغبا أمته في العمل على طلب
الجنة وأنهارها فقال: (إذا سألتم الله تعالى
فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى
الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش
الرحمن) (٣).
والمعنى العام للآية: مثل الجنة الموعودة
(١) التفسير المنير، الزحيلي، ١٠١/٢٦-١٠٣.
(٢) مسند أحمد بن حنبل، ٥/٥، وأخرجه
الترمذي، في كتاب صفة الجنة، باب ٢٧، عن
محمد بن بشارٍ، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد،
باب ٤، والترمذي في صفة الجنة، باب ٤،
وأحمد في مسنده، ٢/ ٣٣٥.
للمؤمنين، وشأنها العجيب ما يتلى عليكم
من جلائل النعم، في هذه الجنة أنهار من
الماء النقي المتجدد الذي لم يداخله كدر،
ولم يلحقه تغير في لون أو طعم لطول
مکثه، وأنهار من لبن لم تطرأ عليه حموضة
ولم يستكره له طعم، كما يحدث في ألبان
الدنيا، وأنهار من خمر لذيذ الطعم مستساغ
المذاق، ليس فيها كراهية ريح، ولا غائلة
سكر، ولا يجد شاربها إلا اللذة والمتعة،
وأنهار من عسل خالص صرف مصفى من
الشمع، ومن جميع الشوائب وفضلات
النحل، وفيها غير هذا من كل الثمرات،
وأصناف المطعومات ما لا عين رأت ولا
أذن سمعت، وكل ذلك من الوفرة والكثرة
بحيث لا يخاف منه حرمان، ولا إقلال
ولهم قبل هذا مغفرة واسعة من ربهم تمحو
ذنوبهم، وترفع درجاتهم (٤).
من أنهار الدنيا في الجنة:
وإذا كان بعض المفسرين يرى أن أنهار
الجنة هذه، التي ذكرت في الآية الكريمة،
وصفت على سبيل التشبيه، فبعضهم يرى
أن أنهار الماء حقيقة، وأنهار اللبن والعسل
والخمر على طريقة التشبيه البليغ أو
المماثلة.
قال أبو حيان الأندلسي: ((ويظهر أن
(٤) التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر ٩٥٨/٩.
١٢٠
القرآن الكريم

الأنهار
القصد بالتمثيل هو إلى الشيء الذي يتخيله
المرء عند سماعه. فههنا كذا، فكأنه يتصور
عند ذلك اتباعًا على هذه الصورة، وذلك هو
مثل الجنة))(١).
وقال ابن عاشور: ((فأما إطلاق الأنهار
على أنهار الماء فهو حقيقةٌ، وأما إطلاق
الأنهار على ما هو من لبنٍ وخمرٍ وعسلٍ
فذلك على طريقة التشبيه البليغ، أي:
مماثلةٌ للأنهار، فيجوز أن تكون المماثلة
تامةً في أنها کالأنهار مستبحرةٌ في أخاديد
من أرض الجنة، فإن أحوال الآخرة خارقةٌ
للعادة المعروفة في الدنيا، فإن مرأى أنهار
من هذه الأصناف مزأى مبهجٌ. ويجوز أن
تكون مماثلة هذه الأصناف للأنهار في
بعض صفات الأنهار وهي الاستبحار. وهذه
الأصناف الخمسة المذكورة في الآية كانت
من أفضل ما يتنافسون فيه ومن أعز ما یتیسر
الحصول عليه، فكيف الكثير منها، فكيف
إذا كان منها أنهارٌ في الجنة))(٢).
أقول: ومع ذلك فإن رسولنا الكريم
صلى الله عليه وسلم دلنا بوضوح على أنه
في الدنيا أنهار من أنهار الجنة.
فقد ذكر البغوي بسنده عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(سيحان وجيحان والنيل والفرات كلٌّ من
(١) البحر المحيط، لأبي حيان ٩/ ٤٦٦، والتفسير
المنير، الزحيلي ٢٦/ ١٠٠.
(٢) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور ٢٦/ ٩٥.
أنهار الجنة) (٣)
٠
كما أورد القرطبي قول كعب الأحبار:
نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات
نھر لبنھم، ونھر مصر نهر خمرهم، ونهر
سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة
تخرج من نهر الكوثر (٤).
وهذا الكلام أقصد قول كعب الذي
أورده القرطبي له علاقة بالحديث الصحيح
قبله، وإن كان آخره وهو خروج هذه الأنهار
من نهر الكوثر لم أعثر له على أثر، والله
أعلم.
(٣) أخرجه مسلم في الجنة، باب ما في الدنيا من
أنهار الجنة، رقم ٤٢٨٣٩ / ٢٦٨٣.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦/
٢٣٧.
www. modoee.com
١٢١

حرف الألف
٤٣
الأنهار في المثل القرآني
المثل في الأدب: قول محكي سائر،
يقصد به تشبيه حال الذي حكي فيه بحال
الذي قیل لأجله، أي: يشبه مضربه بمورده.
ويطلق المثل على الحال والقصة
العجيبة الشأن. وبهذا المعنى فسر لفظ
المثل في كثير من الآيات. كقوله تعالى:
﴿وَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وَهِدَ الْمُنَّقُونَّ فِيهَا أَتْهَرٌ مِنِ مٍَّ غَيْرِ
مَاسِنٍ﴾ [محمد: ١٥].
أي: قصتها وصفتها التي يتعجب منها(١).
وضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه
أمورٌ كثيرةٌ، منها: التذكير والوعظ، والحث
والزجر، والاعتبار والتقرير، وترتيب المراد
للعقل، وتصويره في صورة المحسوس،
بحيث يكون نسبته للفعل كنسبة المحسوس
إلى الحس.
وتأتي أمثال القرآن مشتملةً على بيان
تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى
الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو
تحقیره، و علی تحقیق أمر وإبطال أمر.
قال تعالى ممتنًا على عباده بضرب
الأمثال لما تضمنته من فوائد: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا
لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم:
٥٨].
وقال أيضًا: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا
(١) مباحث في علوم القرآن، للقطان ص٢٩١.
لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِّمُونَ
[العنكبوت: ٤٣](٢) .
وذكر الله المثلين: المائي والناري-في
سورة الرعد للحق والباطل. فقال تعالى:
﴿أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا
فَاحْتَمَلَ الشَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيَا وَمِمَا يُوِّدُونَ عَلَيْهِ فِي
النَّارِ أَبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَحِ زَيَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ
اللَّهُ الْحَقِّ وَاَلْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَأَّهُ وَأَمَّا
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللّهُ
الْأَمْثَالَ ﴾ [الرعد: ١٧].
شبه الوحي الذي أنزله من السماء لحياة
القلوب بالماء الذي أنزله لحياة الأرض
بالنبات، وشبه القلوب بالأودية، والسيل
إذا جرى في الأودية احتمل زبدًا وغثاء،
فكذلك الهدى والعلم إذا سرى في القلوب
أثار ما فيها من الشهوات ليذهب بها، وهذا
هو المثل المائي في قوله: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ
مَآءَ﴾ وهكذا يضرب الله الحق والباطل(٣).
وهذا المثل مضروب لمن عمل عملًا
لوجه الله تعالى من صدقة أو غيرها، ثم
عمل أعمالًا تفسده، فمثله كمثل صاحب
هذا البستان الذي فيه من كل الثمرات،
وخص منها النخل والعنب لفضلهما وكثرة
منافعهما، لكونهما غذاء وقوتًا وفاكهة
وحلوى، وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية
(٢) البرهان في علوم القرآن، للزركشي ١/ ٤٨٧.
(٣) مباحث في علوم القرآن، للقطان ص٢٩٤.
١٢٢
الْقُرآن الكَرِيمِ

الأنهار
التي تسقيها من غير مؤنة، وكان صاحبها قد لكان ذلك عظيمًا وخطره جسيمًا، فلهذا أمر
اغتبط بها وسرته (١).
ثم إنه أصابه الكبر فضعف عن العمل
وزاد حرصه، وكان له ذرية ضعفاء ما فيهم
معاونة له، بل هم كل عليه، ونفقته ونفقتهم
من تلك الجنة، فبينما هو كذلك إذ أصاب
تلك الجنة إعصار، وهو الريح القوية
التي تستدير ثم ترتفع في الجو، وفي ذلك
الإعصار نار، فاحترقت تلك الجنة، فلا
تسأل عما لقي ذلك الذي أصابه الکبر من
الهم والغم والحزن، فلو قدر أن الحزن يقتل
صاحبہ لقتله الحزن، کذلك من عمل عملا
لوجه الله فإن أعماله بمنزلة البذر للزروع
والثمار، ولا يزال كذلك حتى يحصل له من
عمله جنة موصوفة بغاية الحسن والبهاء،
وتلك المفسدات التي تفسد الأعمال بمنزلة
الإعصار الذي فيه نار، والعبد أحوج ما
يكون لعمله إذا مات، وكان بحالة لا يقدر
معها على العمل، فيجد عمله الذي يؤمل
نفعه هباء منثورًا، ووجد الله عنده فوفاه
حسابه، والله سريع الحساب، فلو علم
الإنسان وتصور هذه الحال وكان له أدنى
مسكة من عقل، لم يقدم على ما فيه مضرته
ونهاية حسرته، ولكن ضعف الإيمان
والعقل وقلة البصيرة يصير صاحبه إلى هذه
الحالة، التي لو صدرت من مجنون لا يعقل
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١١٤.
تعالى بالتفكر وحث عليه(٢).
ومن الأمثال التي لها صلة بالأنهار في
القرآن قوله تعالى: ﴿﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ اَلَّتِى
وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن ◌َّحْنِهَا الْأَنْهَرُّ أُكُلُهَا
دَابِرٌ وَظِلُّهَاْ تِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَعُقْبَ
اَلْكَفِرِينَ النَّارُ ﴾ [الرعد: ٣٥].
يقول تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ اَلَتِ وُعِدَ
اُلْمُتَّقُونَ﴾ الذين تركوا ما نهاهم الله عنه،
ولم يقصروا فیما أمرهم به، أي: صفتها
وحقيقتها ﴿تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ أنهار
العسل، وأنهار الخمر، وأنهار اللبن، وأنهار
الماء التي تجري في غير أخدود، فتسقى تلك
البساتين والأشجار فتحمل من جميع أنواع
الثمار. ﴿أُكُلُهَا دَآَبٌِ وَظِلُهَا﴾ دائم أيضًا،
﴿تِلْكَ عُقْقَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ﴾ أي: عاقبتهم
ومآلهم التي إليها يصيرون، ﴿وَعُقْبَ
اَلْكَفِرِينَ النَّارُ﴾ فكم بين الفريقين من الفرق
المبين؟ !! (٣).
كذلك من الأمثال التي لها صلة بالأنهار
﴿ وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَا تَّجُلَيْنِ
قوله تعالى:
جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهَا بِنَخْلٍ
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٦ كِلْنَا الْجَنَّنَيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا
وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهَمَّا )﴾
[الكهف: ٣٢ -٣٣].
وتصوير المثل كما حكى القرآن:
(٢) المصدر السابق ص ١١٤.
(٣) المصدر السابق ص٤١٩.
www. modoee.com
١٢٣

حرف الألف
واضرب أيها الرسول مثلًا لهؤلاء
المشركين بالله الذين طلبوا منك طرد
المؤمنين من مجلسك، ذلك المثل هو
حال رجلين، جعل الله لأحدهما جنتين،
أي بستانين من أعناب، محاطين بنخيل،
وفي وسطهما الزروع والأشجار المثمرة.
﴿كِنَا الْجَنََّيْنِ ءَانَتْ أَكُلَهَا﴾ أي: أخرجت
ثمارها، ولم تنقص منه شيئًا في كل عام.
﴿وَفَجَّرْنَا ◌ِخِلَهُمَا نَهَرً﴾ أي: وشققنا وسط
الجنتين نهرًا، تتفرع عنه عدة جداول، لسقي
جميع الجوانب(١).
ويورد ابن الجوزي في مورد المثل رواية
عطاء عن ابن عباس، قوله: هما ابنا ملك
کان في بني إسرائيل، توفي وتركهما، فاتخذ
أحدهما الجنان والقصور، وكان الآخر
زاهدًا في الدنيا، فكان إذا عمل أخوه شيئًا
من زينة الدنیا، أخذ مثل ذلك فقدمه لآخرته،
حتی نفد ماله، فضربهما الله عز وجل مثلًا
للمؤمن والكافر الذي أبطرته النعمة (٢).
إذن فقد وردت الأنهار في المثل
القرآني في أكثر من موضع، للمقابلة بين
الحق والباطل في المثل المائي والناري،
وللتذكير والوعظ في النهر الذي فجره الله
وسط الجنتين، وللتشويق إلى أنهار الجنة،
وللاعتبار والتقرير والثبات على الإيمان،
وغير ذلك.
(١) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢/ ١٤٢٤.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٨٣.
الأنهار والابتلاء
الابتلاء وسيلة تمییز الصفوف وتمحيص
القلوب؛ جعله سنة ماضية، فحمل الأمانة
لا يصلح له كل الناس، بل يحتاج إلى قوم
مختارين، وهم الصفوة الذين يعدون لهذا
الأمر إعدادًا خاصًا ليحسنوا القيام به.
ومن النتائج المترتبة على سنة الابتلاء
لاحقًا: سنة التمحيص، فالمؤمن من جهة
يتعرض للمحنة، فيصقل معدنه من أثرها،
والمنافق من جهة ثانية لا يستطيع الصمود
أمام الفتنة، فينكص على عقبيه؛ ولهذا جعل
الله التمحيص معبرًا لتنقية الصف المؤمن
من أدعياء الإيمان، فیقع به التمییز بین الدر
الثمين والخرز الخسيس.
قال تعالى ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ أَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى
مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخِيْثَ مِنَ اَلَّيِّبِ﴾ [آل
عمران: ١٧٩].
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِىَ اَللّهُ مَا فِى
صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وقد أدرك أهل العلم والبصيرة هذه
الحقيقة؛ فعندما سئل الإمام الشافعي رحمه
الله: أيما أفضل للرجل: أن يمكن أو يبتلى؟
فقال: لا یمکن حتی یبتلی.
أولًا: ابتلاء الله لجنود طالوت بالنهر:
من حوادث الابتلاء المتعلقة بالأنهار:
موسوعة التقنية الوضوء
القرآن الكريم
١٢٤

الأنهار
ما ذكره القرآن الكريم من ابتلاء الله عز إسرائيل فادهن رأسه منه وملكه عليهم.
وجل بني إسرائيل بالنهر وعدم الشرب منه،
والقصة بدأت عندما طلبوا من نبيهم القتال،
وأن يبعث لهم ملكًا يقاتلون معه؛ لرفع الظلم
الواقع عليهم.
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَّا
مِنْ بَنِيّ إِسْرَّهِيَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَىَ إِذْ قَالُوْلِنَّبٍِ لَّهُمُ
أَبَْتْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ
هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّ
نُقَدِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآئِنَّاً فَلَمَّا كُتِبَ
عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمُ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: ٢٤٦].
وهذه القصة حدثت بعد وفاة موسى
عليه السلام، والنبي الذي سألوه أن يبعث
لهم ملگا هو شمويل بن بال بن علقمة،
ويعرف بابن العجوز، ويقال فيه: شمعون.
قاله السدي، وإنما قيل: ابن العجوز؛ لأن
أمه كانت عجوزًا، فسألت الله الولد، وقد
كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها، ويقال
له أيضًا: شمعون.
قال وهب بن منبه: لما قال الملأ من
بني إسرائيل لشمویل بن بال ما قالوا، سأل
الله تعالى أن يبعث إليهم ملكًا ويدله عليه،
فقال الله تعالى له: انظر إلى القرن الذي
فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل
فنش الدهن الذي في القرن، فهو ملك بني
وكان طالوت دباغًا فخرج في ابتغاء دابة
أضلها، فقصد شمویل عسی أن يدعو له في
أمر الدابة أو يجد عنده فرجًا، فنش الدهن
على ما زعموا، قال: فقام إليه شمويل فأخذه
ودهن منه رأس طالوت، وقال له: أنت ملك
بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى بتقديمه.
ثم قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ
لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧].
و کان طالوت من سبط بنیامین، ولم یکن
من سبط النبوة، ولا من سبط الملك، وكانت
النبوة في بني لاوي، والملك في سبط يهوذا،
فلذلك أنكروا، وقالو: ١ أنی يكون له الملك
علينا ؟أي: کیف یملكنا ونحن أحق بالملك
منه؟!، جروا على طريقتهم في التعنت مع
الأنبياء، والانحراف عن أمر الله تعالى،
وتعجبوا کیف یکون له الملك، وهم من
سبط الملوك ، هو ليس كذلك، هم أغنياء
وهو فقير؟، فتركوا السبب الأقوى وهو
قدر الله تعالى وقضاؤه السابق، فالأمر أمره
والعبد عبده، والحلال ما أحل، والحرام ما
حرم، والدين ما شرع، وليس للعبد إلا أن
يستسلم ويقول: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا
وإليك المصير.
فنبيهم قد صرح لهم وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ
قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ فساروا
على درب إبليس عندما اعترض على الأمر
www. modoee.com
١٢٥

حرف الألف
المباشر بالسجود لآدم، وكان أول من قاس والعاصي والراضي والساخط، فيختار
المطيع الذي يرجى بلاؤه في القتال، وثباته
قیاسًا فاسدًا في مواجهة النص، وقال: ﴿آنا
خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْنَهُ، مِن طِينٍ
قد تصور القوم أن الملك حكر عليهم،
وأن التقديم والتأخير تبعًا للغنى والفقر،
وصادموا الوحي بذلك، وهم أهل تعنت؛
فقد صنعوا ذلك من قبل مع نبي الله موسى
عليه السلام عندما أمرهم بذبح بقرة، فأكثروا
وشددوا؛ فشدد الله عليهم.
في معامع النزال، وينفي من يظهر عصيانه،
ويخشى في الوغى خذلانه، فإن طاعة
الجيش للقائد وثقته به من شروط الظفر،
وأحوج القواد إلى اختبار الجيش من ولي
علی قوم وهم له كارهون، أو کان فیھم من
یکرهه، فإذا وجد في الجیش من ليس متحدًا
معه يخشى أن يوضعوا خلاله يبغونه الفتنة
ويسمونه بالفشل.
قال ابن عباسٍ: کان طالوت يومئذٍ أعلم
رجلٍ في بني إسرائيل وأجمله وأتمه، وزيادة
الجسم مما يهيب العدو (١).
قال تعالى ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ
قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيَكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ
مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِيَ إِلَّا
مَنِ أَغْتََّفَ غُرْفَةٌ بِبَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا
مِنْهُمَّ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ,
قَالُواْلَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ،
قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِكَم
مِّنٍ فِتَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِذْنِ
﴾ [البقرة: ٢٤٩].
اللَّهِ وَاَللَهُ مَعَ الصَّبِينَ
لما كان بنو إسرائيل من قبل كارهين
لملك طالوت عليهم، ثم أذعنوا من بعد،
و کان إِذعان الجمیع ورضاهم مما لا يمكن
العلم به إلا بالاختبار والابتلاء، أراد الله
أن يبتلي هذا القائد جنده ليعلم المطيع
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٦/٣.
مُوسُو ◌َةُ المفيده
القرآن الكريم
فأخبر طالوت جنوده بأن سيمرون على
نهر یمتحنهم به بإذن الله، فمن شرب منه فلا
يعد من أشياعه المتحدين معه في أمر القتال.
إلا أن يكون ما یشربه قليلا وهو غرفة تؤخذ
بالید، فإن هذا مما يتسامح فيه ولا يراه مانعًا
من الاتحاد به والاعتصام بحبله، ومن لم
يطعمه، أي: يذقه بالمرة فإنه منه، وهو الذي
يركن إليه ويوثق به تمام الثقة، فالابتلاء
سیکون علی ثلاث مراتب:
الأولى: مرتبة من يشرب فيروى لا يبالي
بالأمر، وحکمه أن يتبرأ منه.
الثانية: ومرتبة من يأخذ بيده غرفة يبل بها
ريقه وهو مقبول في الجملة.
الثالثة: مرتبة من لا يذوقه ألبتة، وهو
الولي النصير الذي يوثق باتحاده، ويعول
على جهاده.
قال تعالى: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا
١٢٦

الأنهار
مِنْهُمْ﴾ ذلك أن القوم كانوا قد فسد بأسهم بِيَدِوِء﴾ يبل بها ريقه في هذه الفلاة وشدة
العطش، فلا بأس عليه في ذلك.
وتزلزل إيمانهم، واعتادوا العصيان فسهل
عليهم عصيانهم، وشق عليهم مخالفة
الشهوة وإن كان فيها هوانهم، ولم يبق فيهم
من أهل الصدق في الإيمان والغيرة على
الملة والأمة إلا نفر قليل ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ
الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
والعدد القليل من أهل العزائم يفعل ما
لا يفعل الکثیر من ذوي المآثم، کما یعلم
من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ (١).
فلما خرج طالوت بالجنود من بيت
المقدس، لقتال أعدائهم، قال لهم: إن الله
مختبركم وممتحن مقدار صدقكم-في
لقاء عدو کم، واستجابتکم لأوامر قائدکم-
﴿إِنَهَرٍ﴾ يعترض طريقكم: أطلب منكم
عدم الشرب منه، ليظهر منكم المطيع
والعاصي، فإن طاعة القائد شرط أساسي
للنصر، فمن غلبته شهوته وشرب من مائه،
فليس من أتباعي؛ لأنه إذا عصاني اليوم، فهو
أحری أن یعصي أمري وقت اشتداد الحرب،
فتحدث الهزيمة. ومن لم يذق ماءه استجابة
لهذا الأمر وصبر، فإنه مني، ضالع معي في
لقاء العدو، والرغبة في الانتصار عليه.
ثم استثنى من القسم الأول وهو: من
شرب من النهر فقال: ﴿إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ عُرْفَةٌ
(١) تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا ٣٨٦/٢.
قالوا - في حكمة الأمر بالاكتفاء
بالغرفة -: إنه اختبار لطاعتهم كما تقدم،
كما أن فيه سلامة الجندي، فإن الإسراف
في الشرب-عند مناجزة العدو-یضر ضررًا
بلیغًا.
﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًامِنْهُمْ﴾ أي: فلم
يمتثلوا ما أمرهم به طالوت، بل شربوا منه
أكثر مما أمرهم به، إلا قليلاً منهم، نفذوا
أمره فاغترف كل واحد منهم لنفسه غرفة
واحدة (٢).
وهؤلاء الذين يظنون أنهم ملاقو الله
في الآخرة هم الذين آمنوا وجاوزوا النهر
مع طالوت، قال ضعافهم: لا طاقة لنا اليوم
بجالوت وجنوده، وقال أقوياؤهم: كم من
فئة قليلة إلخ ... ثم اشتد بعضهم بعزيمة
بعض، وكان من أمر انتصارهم ما يأتي في
الآية التي بعد هذه، والعبارة لا تدل على أن
الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه، وإنما
خص بالذكر الذين لم يشربوا؛ لأنهم لم
يتخلفوا عن طالوت لأجل الشرب، فهم
الذين جاوزوه معه مقترنين وهم الذين
يعتدهم منه، ويتبرأ من المتخلفين العاصين.
(٢) التفسير الوسيط، لمجموعة من العلماء
بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر،
٤٢٣/١.
www. modoee.com
١٢٧

حرف الألف
كما علم من قوله في الابتلاء(١).
والظاهر أن الملك لما علم أنه سائرٌ
بهم إلى عدوٍ كثير العدد، وقوي العهد
أراد أن يختبر قوة يقينهم في نصرة الدين،
ومخاطرتهم بأنفسهم وتحملهم المتاعب
وعزيمة معاكستهم نفوسهم، فقال لهم:
إنكم ستمرون على نهرٍ، وهو نهر الأردن،
فلا تشربوا منه فمن شرب منه فليس مني،
ورخص لهم في غرفةٍ يغترفها الواحد بيده
يبل بها ريقه، وهذا غاية ما يختبر به طاعة
الجيش، فإن السير في الحرب يعطش
الجيش، فإذا وردوا الماء توافرت دواعيهم
إلى الشرب منه عطشًا وشهوةً، ويحتمل أنه
أراد إبقاء نشاطهم؛ لأن المحارب إذا شرب
ماءً كثيرًا بعد التعب، انحلت عراه ومال إلى
الراحة، وأثقله الماء(٢).
امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابت
المطمئن ممن ليس كذلك، فقال: ﴿إِنَّ
اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ
مِنِ﴾ فهو عاص ولا يتبعنا؛ لعدم صبره
وثباته ولمعصيته ﴿وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ أي: لم
يشرب منه فإنه مني ﴿إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ
بِيَدِوِ﴾ فلا جناح عليه في ذلك، ولعل الله
أن يجعل فيها بركة فتكفيه، وفى هذا الابتلاء
(١) تفسير المنار، لمحمد عبده، ومحمد رشيد
رضاء ٢/ ٣٨٧.
(٢) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور،
٤٩٦/٢.
ما يدل على أن الماء قد قل عليهم ليتحقق
الامتحان، فعصی أکثرهم وشربوا من النهر
الشرب المنهي عنه (٣).
ومن بديع إيجاز القرآن: أن يحذف الشيء
ويأتي في السیاق بما يدل عليه، كما وصف
الذين لم يشربوا بالإيمان مرة وباعتقاد
لقاء الله تعالى مرة أخرى، فأعلمنا أن هذا
الإيمان والاعتقاد هما سبب طاعة القائد
وترك الشرب، وسبب الشجاعة والإقدام
على لقاء العدو الذي يفوقهم عددًا (٤).
إذن فقد جعل الله الأنهار سببًا للابتلاء،
فابتلی بني إسرائيل بالنهر وعدم الشرب منه،
اختبارًا لطاعتهم وثباتهم وهو أعلم.
ثانيًا: ابتلاء الله لفرعون بجريان الأنهار
من تحت قصوره:
الابتلاء سنة ربانية جارية إلى يوم القيامة،
وهي سنة ثابتة من سنن الدعوات، وعلامة
من علامات الصدق، والسير في الاتجاه
الصحيح نحو تحقيق الأهداف، وكيف
لا؟! والتاريخ يؤيد هذه الحقيقة، والقرآن
يؤكدها ﴿وَلَنَبْلُوَتُّكُمْ حَتَّ نَعْلَمَ اَلْمُجَتِهِدِينَ مِنْكُمْ
وَالصَِّنَ وَنَبْلُوَالَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
ولقد خلق الله الإنسان في هذه الحياة
ليختبره ويبتليه، وجعل حياته فى هذه الدنيا
حیاة کد وكدح و کبد، فقال سبحانه موضحًا
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١٠٨/١.
(٤) تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا ٣٨٧/٢.
١٢٨
مَوبوابة البقية
القرآن الكريم