Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
٧
الأنهار
عناصر الموضوع
مفهوم الأنهار
٩٠
الأنهار في الاستعمال القرآني
٩١
الألفاظ ذات الصلة
٩٢
الجنان وجريان الأنهار من تحتها
٩٥
الأنهار نعمة إلهية
٩٨
الأنهار من جند الله
١٠٣
من منافع الأنهار
١٠٧
أكل صيده وطعامه واستخراج حليته
١١٤
١١٨
أنهار الجنة
١٢٢
الأنهار في المثل القرآني
الأنهار والابتلاء
١٢٤
لمسات إعجازية في الأنهار
١٣٥
المُجَلَّدَ السَّادِسْ

حرف الألف
مفهوم الأنهار
أولًا: المعنى اللغوي .
(نهر) النون والهاء والراء أصلٌ صحيحٌ يدل على تفتح شيءٍ أو فتحه. وأنهرت الدم:
فتحته وأرسلته، وأسلته، وسمي النهر لأنه ينهر الأرض، أي: يشقها. والمنهرة: فضاءٌ يكون
بين بيوت القوم يلقون فيها كناستهم. وجمع النهر أنهارٌ ونهرٌ ونهورٌ، والنهر محركةً: السعة
ومجرى الماء، واستنهر النهر: أخذ لمجراه موضعًا مکینًا، وأنھر الماء: جری. ونھرٌ نهرٌ: كثير
الماء (١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
هو مسطح مائي ينساب على اليابسة في مجرى طويل، وتبدأ معظم الأنهار من أعالي
الجبال أو التلال، وقد يكون منبع النهر مثلجة، أو نهرًا جليديًا ينصهر، أو ينبوعًا، أو بحيرة
تفيض مياهها. ويتلقى النهر أثناء جريانه في مجراه المزيد من المياه من الجداول، والأنهار
الأخرى، ومياه الأمطار. ويقع مصب النهر في نهايته، حيث تصب مياهه في نهر أكبر، أو في
بحيرة، أو في أحد المحيطات(٢).
فالأنهار: هي المجاري المائية التي تتدفق فيها المياه العذبة طوال السنة أو لعدة شهور (٣).
وقيل: النهر: الخليج الكبير. والجدول: النهر الصغير، وأنهار الجنة ليست إلا المياه؛
لأنها تجري من غير أخدود (٤).
والنهر: الماء الجاري المتسع، ثم أطلق على الأخدود مجازًا، فيقال: جرى النهر، وجف
النهر، والأصل: جرى ماء النهر، وجف ماء النهر (٥) .
إذن فالأنهار هي: المجاري المائية الواسعة التي تتدفق فيها المياه العذبة.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة نهر، ٣٦٢/٥.
(٢)
انظر: الموسوعة العربية العالمية: ٢٥/ ٥٣٩.
(٣) تيسير الكريم الرحمن للشيخ السعدي ١/ ٨٨٩، ط مؤسسة الرسالة، ط الأولى، سنة ١٤٢٠هـ،
٢٠٠٠ م.
(٤) انظر: معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، للكفوي ١/ ٩١٠.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف، للمناوي ٣٣١/١.
٩٠
مَوسُو ◌َ النَِّّ
القرآن الكريم

الأنهار
الأنهار في الاستعمال القرآني
وردت مادة (نهر) في القرآن (١٢٣) مرة، يخص موضوعنا منها (٥٤) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
المفرد
٣
﴿وَفَجَّرْنَا خِلَ هُمَا نَهْرًا ﴾ [الكهف: ٣٣]
﴿أَنَّلَهُمْ جَنَّتٍ ◌َّجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ﴾ [البقرة:
الجمع
٥١
٢٥]
واستعملت (الأنهار) في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: الماء العذب الغزير الجاري،
ومجرى الماء العذب (٢)
(١) المعجم المفهرس، عبدالله جلغوم، ص ١٣٤٧ - ١٣٤٨.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٢٧/٥، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٩٥٧/٢.
www. modoee.com
٩١

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
اليم:
١
اليمُ لغة:
الياء والميم: كلمةٌ تدل على قصد الشيء وتعمده وقصده، واليم: البحر (١).
اليم اصطلاحًا:
بحر؛ متسع من الأرض أصغر من المحيط مغمور بالماء الملح أو العذب (٢).
ففي قصة أم موسى، يقول الحق: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى أَلْيَمِ﴾ [القصص ٧].
وكان المقصود باليم هناك: النيل، لكن المقصود به هنا في سورة الأعراف هو البحر.
فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِ أَلْيَمْ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَدِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ ﴾ [الأعراف:
١٣٦](٣).
الصلة بين النهر واليم:
اليم في كلام العرب مرادف البحر، والبحر في كلامهم يطلق على الماء العظيم المستبحر،
فالنهر العظيم يسمى بحرًا، قال تعالى ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَيْعٌ شَرَابُهُ، وَهَذَا
مِلْحُ أَجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]. فإن اليم من الأنهار (٤).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦/ ١٥٢.
(٢) انظر: المحكم، ابن سيده، ١٠/ ٥٧٩.
(٣) المصدر السابق.
وذكر الطبري في تفسيره أن ((اليم)) هو نهر النيل ١٦/ ٥٧، وكذا قال القرطبي ١١/ ١٩٤، وابن الجوزي في
زاد المسير ٣ / ١٥٨.
(٤) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور ٢٠/ ٧٤.
مُوسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
٩٢

الأنهار
البحر:
٢
البحر لغة:
الماء الكثير، ملحًا كان أو عذبًا، وهو خلاف البر، سمي بذلك لعمقه واتساعه، قد غلب
على الملح حتى قل في العذب، وجمعه أبحرٌ وبحورٌ وبحارٌ. وماءٌ بحرٌ: ملحٌ، قل أو
كثر (١).
قال ابن فارس: ( والأنهار كلها بحارٌ)(٢).
البحر اصطلاحًا:
مستقر الماء الواسع بحيث لا يدرك طرفيه من كان في وسطه، وهو مأخوذ من الاتساع(٣).
وأصل البحر: كل مكان واسع جامع للماء الكثير، هذا هو الأصل، وسموا كل متوسع في
شيء بحرًا.
وقال بعضهم: البحر يقال في الأصل للماء الملح دون العذب (٤).
الصلة بين النهر والبحر واليم:
النهر والبحر يلتقيان في المعنى، فكل منهما: مجرى للماء الفائض، أو: الماء الجاري
المتسع، ولذا يقول ابن منظور: وقد أجمع أهل اللغة أن اليم هو البحر. وجاء في الكتاب
العزيز: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْيَمِ﴾ [القصص ٧]. قال أهل التفسير: هو نيل مصر،
حماها الله تعالى (٥).
وقد يكون البحر للمجرى المتسع للماء المالح، والنهر للمجرى المتسع للماء العذب.
قال الراغب: ((يقال في الأصل للماء الملح دون العذب، وقوله تعالى: ﴿﴿اَلْبَحْرَانِ هَذَا
عَذْبٌ قُرَاتٌ سَآِعٌ شَرَبِهُ، وَهَذَا مِلِحُّ أُجَاجٌ﴾(٦).
(١) انظر: لسان العرب، ٤ /٤١، مادة بحر.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة بحر، ٢٠١/١.
(٣) التوقيف على مهمات التعاريف، للمناوي، ١/ ٧١.
(٤) الموسوعة القرآنية، ٤٢/٨، لإبراهيم الأبياري.
(٥) لسان العرب، ٤٢/٤، مادة بحر.
(٦) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني ٣٦/١.
www. modoee.com
٩٣

حرف الألف
البر:
٣
البرلغة:
والبر، بالفتح: خلاف البحر. والبرية من الأرضيين، بفتح الباء: خلاف الريفية. والبرية:
الصحراء نسبت إلى البر، ويقال: أفصح العرب أبرهم. معناه: أبعدهم في البر والبدو دارًا.
وقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ اَلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ﴾ [الروم: ٤١]؛ قال الزجاج: معناه: ظهر الجدب في البر
والقحط في البحر، أي: في مدن البحر التي على الأنهار(١).
والبر: الصادق. وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّالرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]. والبر من صفات
الله تعالى وتقدس: العطوف الرحيم اللطيف الكريم(٢).
البراصطلاحًا:
البر: خلاف البحر، وهو التراب واليابس (٣).
الصلة بين النهر والبر:
إذا كان النهر بمعنى: مجرى الماء الفائض، أو: الخليج الكبير، أو: الماء الجاري المتسع،
والبحر: مستقر الماء الواسع، وكما ذكرنا في البر أنه خلاف البحر، فيمكننا القول أيضًا: أن
البر خلاف النهر، فالنهر والبر بينهما تضاد.
(١) لسان العرب، ٥٢/٤، مادة برر، وانظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة بحر، ١٧٩/١.
(٢) لسان العرب ٤/ ٥٢، مادة برر.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤ /٤٤، الكليات، أبو البقاء الكفوي، ٢٢٥/١.
٩٤
مُوسوبر البقية
القرآن الكريم

الأنهار
الجنان وجريان الأنهار من تحتها
حينما نستعرض آيات القرآن الكريم
نجد أن ورود الأنهار مرتبطة بالجنات في
خمسة وثلاثين موضعًا(١).
وقد ورد لفظ الأنهار مقترنًا بلفظ
(من تحتهم) في أربعة مواضع من القرآن
الكريم(٢)، وما عدا هذه المواضع الأربعة
فهو مقترن بلفظ (من تحتها)، وموضع وحيد
في سورة التوبة ورد بدون جر وهو في قوله
تعالى: ﴿وَأَعَذَّلَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا
الْأَنْهَرُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
خلافًا لابن كثير، الذي يقرؤها بالجر(٣).
(١) هي: البقرة: ٢٥،٢٦٦، وآل عمران:
١٥،١٣٦، ١٩٥،١٩٨، والنساء ١٣،
٥٧، ١٢٢، والمائدة ١٢، ٨٥، ١١٩،
والتوبة ٧٢، ٨٩، ١٠٠، والرعد ٣٥،
وإبراهيم ٢٣، والنحل ٣١، والكهف ٣١،
وطه ٧٦، والحج ١٤، ٢٣، والفرقان ١٠،
والعنكبوت ٥٨، ومحمد ١٢، والفتح ٥،١٧،
والحديد ١٢، والمجادلة ٢٢، والصف ١٢،
والتغابن ٩، والطلاق ١١، والتحريم ٨،
والبروج ١١، والبينة٨.
ویونس٩،
والأعراف ٤٣،
(٢) الأنعام٦،
والكهف٣١.
(٣) النشر في القراءات العشر، ٢/ ٢٨٠ لشمس
الدين محمد بن يوسف أبو الخير ابن
الجزري، ت: ٨٣٣ هـ، تحقيق: علي
محمد الضباع، المطبعة التجارية الكبرى،
وهي قراءة متواترة، انظر: تخريج قراءات
فتح القدير، لإيهاب فكري، ص ١٥٧، ط:
المكتبة الإسلامية بالقاهرة وانظر: المبسوط
في القراءات العشر، ٢٢٨/١، لأحمد بن
ومن المتعارف عليه أن أول حاجات
الإنسان الضرورية المكان والمسكن الذي
يعيشه ويسكنه، وأحسن المكان المشتمل
على النباتات والأشجار، وألطفه وأكمله ما
كان تحت قصوره الأنهار بكثرة.
ولهذا ورد في جزاء المؤمنين. ﴿وَبَشْرِ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ أَنَّلَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٥].
ثم إن أشد الحاجات الأكل والشرب
اللذين يشير إليهما الجنة والنهر، ثم إن
أكمل الرزق هو أن يكون مألوفًا ومأنوسًا،
وألذ الفاكهة أن تكون متجددة، وإن أصفى
اللذة هو أن يكون المقتطف معلومًا وقريبًا،
وإن ألذها أن يعرف أنها ثمرة عمله.
فلهذا قال: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ
رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِ،
مُتَشَبِهَاً وَلَّهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥](٤).
إذن فالعلة في اقتران الجنات بجريان
الأنهار من تحتها هي زيادة النعيم واكتماله
الذي أعده الله لأهل هذه الجنات.
قال الشيخ سعيد النورسي: أما ﴿عَّجْرِى؟
فاعلم أن أحسن الرياض ما فيها ماء، ثم
الحسين بن مهران النيسابورى، ت: ٣٨١هـ،
تحقيق: سبيع حمزة حاكيمي، مجمع اللغة
العربية، دمشق، ط: ١٩٨١ م.
(٤) من خواطر الشعراوي ١/ ٢٠٧.
www. modoee.com
٩٥

حرف الألف
أحسنها ما يسيل ماؤها، ثم أحسنها ما استمر
السیلان، فبلفظ ﴿عَمْرِی ﴾ أشار إلی تصویر
دوام الجريان، وأما ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ فاعلم أن
أحسن الماء الجاري في الخضروات أن
فأشار بـ ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ إلى هذه الثلاثة، وأما
﴿الْأَنْهرُ﴾ فاعلم أن أحسن الماء الجاري
في الجنان أن یکون كثيرًا، ثم أحسنه أن
تتلاحق الأمثال من جداوله، فإن بتناظر
الأمثال يتزايد الحسن على قيمة الأجزاء، ثم
أحسنه أن یکون الماء عذبًا فراتًا لذيذًا، كما
قال ﴿مَِّ غَيْرِ ءَامِنٍ﴾ فيلفظ (نهر) وجمعه
وتعريفه أشار إلى هذه(١).
والجريان لا يكون للأنهار وإنما للماء؛
لأن الأنهار هي ما يشق في الأرض ليجري
فيه الماء، فهو من إطلاق اسم المحل وإرادة
الحال، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَدْعُ نَادِيَهُ.
[العلق: ١٧].
١٧
وإن الناظر إلى الماء وهو يجري منسابًا
في الأرض لایری النهر؛ ولکن یری الماء،
فكأن النهر اختفى في الماء ولا يرى غير
الماء.
وإن هذه الجنات فيها بهجة للناظرين،
(١) إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، ١٩٣/١
لبديع الزمان سعيد النورسي ت: ١٣٧٩هـ
، تحقيق: إحسان قاسم الصالحي، ط: شركة
سوزلر للنشر، القاهرة، ط: الثالثة، ٢٠٠٢م.
فهي متعة للأنظار، وبهجة للنفوس بذاتها،
وفيها ثمرات شهية من كل شيء (٢).
قال الراغب: إن قيل: لم قال:
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وقد علم أن
ينبع صافيًا من تلك الروضة، ويمر متخرخرًا الماء في البساتين إذا كان جاريًا على وجه
تحت قصورها، ويسيل منتشرًا بين أشجارها الأرض أحسن منها إذا كان جاريًا تحتها؟
قيل: عنى أنهارًا جارية تحت الأشجار،
لا تحت الأرض، وقد روي عن مسروق
ما يدل على ذلك، وهو أن كل أنهار الجنة
تجري في غير أخاديد(٣).
على أن هناك آية تقول: ﴿وَأَعَدَّلَهُمْ
جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتُهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيَهَا
أَبَدَّا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
فما الفرق بين الاثنين؟
يقول الشعراوي في خواطره: آية تجري
تحتها الأنهار، أي: أن نبع الماء من مكان
بعيد وهو يمر من تحتها، أما قوله تعالى:
﴿تَجْرِى ◌َّحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ فكأن الأنهار
تنبع تحتها، حتى لا يخاف إنسان من أن
الماء الذي يأتي من بعید یقطع عنه أو یجف،
وهذه زيادة الاطمئنان المؤمنين، أن نعيم
الجنة باق وخالد، ومادام هناك ماء فهناك
(٢) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، ١/ ١٧١،
لمحمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد، أبو
زهرة ت: ١٣٩٤ هـ ط: دار الفكر العربي
(٣) تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ١٢٣ لأبي
القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب
الأصفهانى ت: ٥٠٢ ه، ط: أولى: ١٤٢٠
ه، ١٩٩٩ م.
مَوَسُو ◌َرُ النَفسِير
القرآن الكْرِيْمِ
٩٦

الأنهار
خضرة ومنظر جميل، ولابد أن يكون هناك
ثمر (١) و کأنه يرجع علة اقتران الجنة بجريان
الأنهار إلى بث الطمأنينة من الله لأهل هذه
الجنات.
وقال رشيد رضا: ويحتمل أن من في
قوله ﴿َّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهُ﴾ أن يكون
صلة معناه: تجري تحتها الأنهار، ويحتمل
أن یکون المراد أن ماءها منها لا يجري إليها
من موضع آخر، فيقال: هذا النهر منبعه من
أین؟ يقال: من عین کذا من تحت جبل كذا.
ولو دققنا في هذه الآية آية سورة التوبة
لوجدنا أنها الآية الوحيدة التي حددت
الأصناف الذين يدخلون الجنة، أما باقي
الآيات إنما هي على العموم، فالحق تبارك
وتعالى يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات
بجنات تجري من تحتها الأنهار، والجنات
جمع جنة، وهي جمع؛ لأنها كثيرة ومتنوعة،
وهناك درجات في کل جنة أکثر من الدنيا،
واقرأ قوله تبارك وتعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ
تَّفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: ٢١](٢).
من تحتها أي: من تحت أشجارها،
الأنهار أي: ماء الأنهار، فنسب الجري إلى
الأنهار توسعًا، وإنما یجری الماء وحده،
فحذف اختصارًا(٣).
(١) خواطر الشعراوي ١/ ٢٠٧.
(٢) تفسير المنار، ١٣/١١.
(٣) الموسوعة القرآنية، للأبياري٦٥/٩.
وقال السعدي: في آية سورة يونس:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ
اْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ ﴾ [يونس: ٩].
﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِیمَنِهِمْ﴾ أي: بسبب
ما معهم من الإيمان، يثيبهم الله أعظم
الثواب، وهو الهداية، فيعلمهم ما ينفعهم،
ويمن عليهم بالأعمال الناشئة عن الهداية،
ویهدیهم للنظر في آیاته، ویھدیھم في هذه
الدار إلى الصراط المستقيم وفي الصراط
المستقيم، وفي دار الجزاء إلى الصراط
الموصل إلى جنات النعيم.
ولهذا قال: ﴿تَجْرِى مِنْ تَّحْيِهِمُ الْأَنْهَرُ﴾
الجارية على الدوام ﴿فيِ جَنَّتِ التَّعِيمِ﴾
أضافها الله إلى النعيم، لاشتمالها على
النعيم التام، نعيم القلب بالفرح والسرور،
والبهجة والحبور، ورؤية الرحمن وسماع
كلامه، والاغتباط برضاه وقربه، ولقاء
الأحبة والإخوان، والتمتع بالاجتماع بهم،
وسماع الأصوات المطربات، والنغمات
المشجيات، والمناظر المفرحات. ونعيم
البدن بأنواع المآكل والمشارب، والمناكح
ونحو ذلك، مما لا تعلمه النفوس، ولا خطر
ببال أحد، أو قدر أن يصفه الواصفون (٤).
إذن فقد ورد لفظ الأنهار مرتبطًا بالجنات
في خمسة وثلاثين موضعًا، والحكمة في
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٣٥٨/١.
www. modoee.com
٩٧

حرف الألف
اقتران الجنة بجريان الأنهار من تحتها هي:
زيادة النعيم الذي أعده الله لأهل هذه
الجنات واكتماله لهم، وبث الطمأنينة لهم
من الله عز وجل.
الأنهار نعمة إلهية
أولًا: تسخير الأنهار:
الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق
السموات والأرض وما فيهن، وهو الذي
أنزل من السماء، هذا الماء الذي تتدفق به
الأنهار، وتتفجر منه العيون، وتحيا عليه
الزروع، وما يخرج منها من ثمر وحب،
وهو سبحانه الذي سخر الفلك، وأجراها
مع الماء، وسخر الأنهار لتحمل الفلك على
ظهرها، وسخر الشمس والقمر تسخيرًا
منتظمًا، لا يتخلف أبدًا، وسخر الليل
والنهار، على هذا النظام البديع المحكم(١).
ويتعهد الله تعالى بفضله ورحمته لعباده
بين الفينة والأخرى، فيذكرهم بما أنعم
عليهم من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى،
ليحملهم على الشكر والطاعة، وينبههم
على قدرته التي فيها إحسان إلى البشر،
لتقوم الحجة عليهم من وجهين. وهذا كله
دليل قاطع على وجود الله ووحدانيته،
وسلطانه وتصرفه في الكون والأنفس، مما
يوجب على العباد الإيمان بربهم، والثقة
بوعده، وشكر إحسانه ونعمه (٢).
قال الله تعالى معددًا آلاءه ومذكرًا
(١) التفسير القرآني للقرآن، لعبد الكريم الخطيب
٧/ ١٨٥.
(٢) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢/ ١٢٠٠.
٩٨
جوي
القرآن الكريم

الأنهار
بقدرته: ﴿اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ
وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ
الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْقُلْكَ
لِتَجْرِىَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ
[إبراهيم: ٣٢].
قال الرازي: ((يختم الله تعالى وصف
أحوال السعداء والأشقياء بالدلائل الدالة
على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته،
وذكر هاهنا عشرة أنواع من الدلائل. أولها:
خلق السموات. وثانيها: خلق الأرض، ...
إلى أن قال: وخامسها: قوله: وسخر لكم
الأنهار)» (١).
التسخير: تذليل الشيء وجعلك إياه
منقادًا فكأنك إذا سخرت منه جعلته كالمنقاد
لك(٢).
وقد ورد تسخير الأنهار صريحًا في
القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ
لَكُمُ الْقُلْكَ لِتَجْرِىَ فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ
لَكُمُ الْأَنْهَرَ ﴾ [إبراهيم: ٣٢].
والمراد بالتسخير هنا: التذليل،
والإخضاع، والانقياد، وذلك بإخضاع
هذه المخلوقات لسنن وقوانين تحكمها،
وتضبط موقفها بين المخلوقات، بحيث
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٩ / ٩٦.
(٢) الفروق اللغوية، العسكري ٢٥٥/١.
يمكن الإنسان إخضاع هذه المخلوقات
والانتفاع بها، إذا هو عرف القوانين الكونية
الممسکة بها(٣).
وسخر لكم الأنهار فجعلها معدة
لانتفاعكم وتصرفكم، وقيل: تسخير هذه
الأشياء تعليم كيفية اتخاذها (٤).
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ ﴾ أي: ذللها
لكم حيث تشربون منها وتسقون زروعكم
و جناتکم ودوابکم، وتشقون منها جداول
تسيرونها وفق إرادتكم(٥).
وسخر الأنهار تشق الأرض من قطرٍ إلى
قطرٍ رزقًا للعباد من شربٍ وسقيٍ، وغير
ذلك من أنواع المنافع (٦).
وتسخير الأنهار: خلقها على كيفيةٍ
تقتضي انتقال الماء من مكانٍ إلى مكانٍ
وقراره في بعض المنخفضات فيستقي
منه من تمر علیه وینزل على ضفافه حيث
تستقر مياهه، وخلق بعضها مستمرة القرار
كالدجلة والفرات والنيل للشرب ولسير
السفن فيها(٧).
ومن المفسرين من يجعل من معاني
(٣) التفسير القرآني للقرآن، لعبد الكريم الخطيب
٧/ ١٨٥.
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣/ ٢٠٠.
(٥) التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر ٤٩٩/٥.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٩/٤.
(٧) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور
٢٣٦/١٣.
www. modoee.com
٩٩

حرف الألف
التسخير: التفجير.
يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم
قال الرازي: ((واعلم أن ماء البحر قلما الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم
ينتفع به في الزراعات، لا جرم ذكر تعالى وتيسيرهم للركوب فيه، ... یسیرون من قطرٍ
إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى
إقليم، لجلب ما هناك إلى ما هنا، وما هنا إلى
ما هناك (٥).
حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزرع
والنبات، وأيضًا ماء البحر لا يصلح للشرب،
والصالح لهذا المهم هو مياه الأنهار))(١).
ويتضح لنا مما سبق من كلام المفسرين:
وقال ابن عطية: ((وأما تسخير الأنهار أن تسخير الأنهار يدور حول: التذليل،
فتفجرها في كل بلد، وانقيادها للسقي
وسائر المنافع»(٢).
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ ﴾، أي: فجر
لکم ینابيع الماء الجاري في الأنهار، ویسر
توزيعها وتفرعها لسقي أكبر مساحة من
الأرض والشجر والزرع(٣) .
وهو الذي سخر لكم الأنهار، وشقها
في بطون الأودية وجعل منها حياة الأقاليم
والأقطار. ألا ترى إلى نهر النيل والفرات
وغيرهما؟!(٤)
ومن باب التسخير قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ
الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا
طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا
وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ
مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )﴾
[النحل: ١٤].
(١) مفاتيح الغيب للفخر الرازي، ١٩ / ٩٨.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٣٩/٣.
(٣) التفسير الوسيط، الزحيلي، ٢/ ١٢٠٠.
(٤) التفسير الواضح، لمحمد حجازي ٢٦٣/٢.
والإخضاع، والانقياد، وخلقها على كيفيةٍ
معينة تقتضى انتقال الماء من مكانٍ إلى
مکاڼٍ، وقراره في بعض الأماكن، وتفجيرها
و تیسیر توزيعها.
ثانيًا: تفجير الأنهار
التفجر: التفتح بالسعة والكثرة. وقرأ
مالك بن دينار ( ينفجر) بالنون (٦).
وقد ورد الحديث عن تفجير الأنهار في
القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:
الأول: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم
مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَّ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ وَإِنَّ مِنَ
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٨٣/٤.
(٦) الكشاف ١/ ١٥٥، لأبي القاسم محمود بن
عمرو بن أحمد، الزمخشري، ت: ٥٣٨هـ،
نشر: دار الكتاب العربي، بيروت، ط: ثالثة،
١٤٠٧ هـ، البحر المحيط ٤٢٨/١، لأبي
حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف
بن حيان أثير الدين الأندلسي، ت: ٧٤٥هـ،
تحقيق: صدقي محمد جميل، نشر: دار
الفكر، بيروت، ط: ١٤٢٠ هـ.
١٠٠
موسوعة النفسية
جوبيبو
القرآن الكريم

الأنهار
الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا
يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآَةُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ
خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ())
[البقرة: ٧٤].
والثاني: في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ
جَنَّةٌ مِّن تَّخِيلٍ وَعِنَبِ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا
تَفْجِيرًا (١﴾ [الإسراء: ٩١].
والثالث: في قوله تعالى: ﴿كِلْنَا الْجَنَّئَيْنِ
ءَالَتْ أُكَّلَهَا وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا
نَهُوَ )﴾ [الكهف: ٣٣].
ويدور كلام المفسرين عن تفجير الأنهار
الوارد في تلك الآيات حول المعاني الآتية:
الشق والسيلان، التفتح والإجراء.
ففي آية سورة البقرة قال أبو حيان:
((والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة،
والانفجار دونه، والمعنى: إن من الحجارة
ما فيه خروقٌ واسعةٌ يندفق منها الماء الكثير
الغمر؛ إذ ليس المعنى ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾
للحجر الذي يتفجر منه الماء، إنما المعنى
للأحجار التي يتفجر منها الأنهار.
وقد ذهب بعضهم إلى أن الحجر الذي
يتفجر منه الأنهار، هو الحجر الذي ضربه
موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة
عينًا))(١).
وإن من الحجارة للذي يتفجر منه
الأنهار، يعني: من الحجارة ما يسيل منه
(١) البحر المحيط، لأبي حيان ٤٢٨/١.
أنهار من ماء (٢).
فكأنه قيل: وإن من القاسية قلوبهم من
يراجع، فبعض يتفجر منه الأنهار، ومعناه:
حكمة بالغة كأنهار متفجرة، وبعض يتحصل
منه نوع من العلوم يجري مجرى الماء ... ،
ونبه بفحوى في الكلام أن هؤلاء المذمومين
لم يحصل منهم شيء من ذلك فهم أحجار
صلدة، وإنما قال: ﴿لَمَا يَنَفَجِّرُمِنْهُ﴾، ولم
يقل من اعتبار بلفظ الحجارة (٣).
وسبب التفجير للأنهار إنما هو خشية
الله عز وجل، قال مجاهد: كل حجر ينفجر
منه الماء، وینشق عن ماء، أو یتردی من رأس
جبل، فمن خشية الله (٤).
أما عن آية سورة الإسراء فجاء في
تفسيرها: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ﴾ أي: بستان
﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ﴾ أي: تفتحها وتجريها
خلالها أي: وسط تلك الجنة (٥).
فتجرى الأنهار وسط تلك الجنة جريانًا
قويًا دائمًا للانتفاع بها في ري تلك الجنة
وغيرها(٦).، تشقيقًا.(٧).
والمعنى: هب أنك لا تفجر الأنهار
(٢) الوسيط، للواحدي ١٥٩/١.
(٣) تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٢٣٣.
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ١ / ٨٠.
(٥) انظر: الوسيط، للواحدي ١٢٧/٣، وزاد
المسير، ابن الجوزي ٣/ ٥٣.
(٦) التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر ٥/ ٨٠٣.
(٧) معالم التنزيل، البغوي ١٦٢/٣.
www. modoee.com
١٠

حرف الألف
لأجلنا ففجرها من أجلك بأن تكون لك جنةٌ
من نخيلٍ وعنبٍ ﴿فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ﴾ أي:
تجريها بقوةٍ ﴿خِلَلَهَا نَفْجِيرًا﴾ أي: وسطها
تفجيرًا كثيرًا(١).
والرازي يرى أنه نهر لكنه كالأنهار
في امتداده فيقول: أي: كان النهر يجري
في داخل تلك الجنتين، والتشديد على
المبالغة؛لأن النهر يمتد فيكون كأنهار،
تفجر أنهارًا تسقي جنةً واحدةً تكون تلك و﴿خِلَلَهُمَا﴾ أي: وسطهما وبينهما (٧).
الجنة وأنهارها لك(٢).
وذكر المفعول المطلق بقوله: (تفجيرًا)
للدلالة على التكثير؛ لأن تفجر قد كفى في
الدلالة على المبالغة في الفجر، فتعين أن
يكون الإتيان بمفعوله المطلق للمبالغة في
العدد، وهو المناسب لقوله: ﴿ خِلَلَهَا﴾،
لأن الجنة تتخللها شعب النهر لسقي
الأشجار. فجمع الأنهار باعتبار تشعب ماء
النهر إلى شعبٍ عديدةٍ (٣).
وفي آية سورة الكهف قال بعضهم:
﴿وَفَجَرْنَا خِلَهُمَا نَهْرًا﴾ أجرينا وشققنا
وسطهما (٤)
.
﴿وَفَجَرْنَا خِلَهُمَا نَهْرًا﴾ أي: وشققنا وسط
الجنتين نهرًا، تتفرع عنه عدة جداول، لسقي
جميع الجوانب (٥).
﴿وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهْرً﴾ أي: والأنهار
متفرقة فيهما هاهنا وهاهنا (٦).
(١) فتح القدير، الشوكاني ٣٠٦/٣.
(٢) التحرير والتنوير ٢٠٨/١٥
(٣) التحرير والتنوير ٢٠٩/١٥
(٤) التفسير الواضح ٤١٦/٢
(٥) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢/ ١٤٢٤
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٣/٥
١٠٢
مَوَبُو بَةُ النَّفي
القرآن الكريم
(٧) مفاتيح الغيب، الرازي، ٤٦٣/٢١

الأنهار
الأنهار من جند الله
نعم الله سبحانه على عباده لا تعد ولا
تحصى، ومن نعمه عليهم أن شق لهم البحار
والأنهار بقدرته وحكمته؛ لكي يستطيعوا
اصطياد كائناتها البحرية من الأسماك
ليأكلوها طرية، وسخر الله سبحانه تلك
البحار؛ لكي يتزينوا بحليتها، فيستخرجوا
منها الحلي، مثل اللؤلؤ والمرجان
والأصداف لاستعمالها في الزينة، وليس
ذلك فحسب؛ وإنما فيها منافع أخرى يبتغيها
عباده، كنقلهم للتجارة والأمتعة والارتحال
عن طريقها إلى الأقطار والبلدان الأخرى.
إذن فالأنهار بهذه الطريقة تعد من جند
الله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ
رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَا وَسُبُّلاً
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [النحل: ١٥].
وقوله: ﴿وآنهراً وَسُبُلاً﴾ أي: جعل فيها
أنهارا تجري من مکانٍ إلی مکانٍ آخر رزقًا
للعباد، ينبغ في موضعٍ وهو رزقٌ لأهل
موضعٍ آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار،
ويخترق الجبال والآكام، فيصل إلى البلد
الذي سخر لأهله، وهي سائرةٌ في الأرض
يمنةً ويسرةً، وجنوبًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا،
ما بين صغارٍ وكبارٍ، وأوديةً تجري حينًا
وتنقطع في وقتٍ، وما بين نبع وجمع، و قوي
السير وبطئه بحسب ما أراد وقدر وسخر
ويسر(١).
و﴿وَأَنْهَا﴾ وجعل فيها أنهارا، النيل،
والفرات، ودجلة، وسيحان، وجيحان(٢).
ثبت في العلوم العقلية أن أكثر الأنهار
إنما تتفجر منابعها في الجبال، فلهذا السبب
أتبع ذكرها بتفجير الأنهار(٣).
وفي الأرض نعم كثيرة، أهمها ثلاث:
وهي تثبيت الأرض بالجبال الراسيات،
كيلا تضطرب الأرض وتتحرك بأهلها،
وإجراء الأنهار على وجه الأرض لتيسير
الانتفاع بها، ففيها حياة الإنسان والحيوان
والنبات (٤).
هو الذي ألقى في الأرض رواسى
من الجبال الشامخات؛ لئلا تميد بكم
الأرض وتضطرب عند دورانها وتحركها،
وجعل لكم فيها أنهارًا كنهر النيل والفرات
والمسيسبى وغيرها وجعلها سبلًا وطرقًا
لربط أجزاء الأرض ولنقل التجارة
والمصالح، وجعلها علامات وحدودًا، وفي
الأرض علامات أخرى وحدود من أنهار
وجبال وآکام(٥).
﴿وَأَلْقَى فِىِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٣/٤.
(٢) الوسيط، للواحدي ٥٨/٣.
(٣) البحر المحيط، لأبي حيان ٦/ ٥١٤.
(٤) التفسير الوسيط، الزحيلي ١٢٤٨/٢.
(٥) التفسير الواضح، لمحمد حجازي ٢/ ٣٠٢.
www. modoee.com
١٠٣

حرف الألف
بِكُمْ﴾ أي: ومن نعم الله الكثيرة عليكم
أنه جعل في الأرض جبالًا شامخات ثابتات
تحفظ اتزانها في دورانها حتى لا تضطرب
في حركتها. ﴿وَأَنْهَا وَسُبُلَاً لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ﴾ أي: وجعل في الأرض أنهارًا
عذبة تجرى مياهها من منابعها إلى مصابها،
لتهئع الري للإنسان والحيوان والنبات(١).
كراهة ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ وتضطرب (٢)،
أي: نصب فيها جبالًا ثوابت أن تمید أي: لئلا
تميد، وقال الزجاج: كراهة ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾(٣).
ومن رحمته تعالى أن جعل فيها أنهارًا،
يسوقها من أرض بعيدة إلى أرض مضطرة
إليها لسقيهم وسقي مواشيهم وحروثهم،
أنهارًا على وجه الأرض، وأنهارًا في بطنها
يستخرجونها بحفرها، حتى يصلوا إليها
فيستخرجونها بما سخر الله لهم من الدوالي
والآلات ونحوها (٤).
ونعمة الأنهار عظيمةٌ، فإن منها شرابهم
وسقي حرثهم، وفيها تجري سفنهم
لأسفارهم(٥).
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا
(١) التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر ٥٩٩/٥.
(٢) الموسوعة القرآنية، لإبراهيم الأبياري
١٠ / ١٩٢.
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٥٥٣.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٣٧ .
(٥) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور
٠١٢٢/١٤
وَجَعَلَ خِلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَمَا رَوَسِ
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزَاْ أَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [النمل: ٦١].
قال ابن كثير: وجعل خلالها أنهارًا
أي: جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة شقها
في خلالھا وصرفھا فیھا ما بین أنھارٍ کبارٍ
وصغارٍ وبين ذلك، وسيرها شرقًا وغربًا
وجنوبًا وشمالًا بحسب مصالح عباده في
أقاليمهم وأقطارهم حيث ذرأهم في أرجاء
الأرض وسير لهم أرزاقهم بحسب ما
يحتاجون إليه(٦).
وجعل خلالها وفي أوساطها أنهارًا
جارية ينتفع كل بها كل قاطنيها في شؤن
حیاتهم(٧).
وسبق أن ذكرنا الصلة بين النهر والیم،
وقلنا: إن لفظ النهر واليم بينهما ترادف إلى
حد كبير، وقد أطلق القرآن الكريم اليم على
النهر في آيتين كريمتين، الأولى هي قوله
تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا
خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى الْيَمِ﴾ [القصص ٧].
وذكر الطبري في تفسيره أن ((اليم» هو
نهر النيل (٨).
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٨٣/٦
(٧) التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر ٧ / ١٧٠٠
(٨) جامع البيان، الطبري ١٦/ ٥٧.
وقال البغوي: ((واليم البحر وأراد هاهنا: النيل)).
معالم التنزيل ٥٢٣/٣.
وكذا قال القرطبي ١١/ ١٩٤، وابن الجوزي في
جَوَبُو حَرَ النَّفَبَيْ
القرآن الكريمِ
١٠٤

الأنهار
﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: وألهمنا.﴿فألقِیهِ في
أَلْيَمِّ﴾ اليم: البحر. والمقصود به هنا:
النيل، وكل نهر عظيم يطلق عليه بحر
لاستبحاره(١).
أي: فإذا خفت عليه من القتل بسبب
سماع أحد من الجيران صوته، فألقيه في
بحر النيل، ولكن لا تخافي عليه حينئذ
من الغرق ومن الضياع ومن الوقوع في يد
بعض جواسيس فرعون الذين يبحثون عن
الولدان، وغير ذلك من المخاوف، ولا
تحزني لفراقه.
وهکذا طمأنها الحق تعالی عن مخاوفها
وهواجسها الجديدة بعد إلقائه في البحر،
بإلقاء الأمان والسكينة في قلبها؛ لأن عناية
الله ورعايته تحوط بأنبيائه ورسله منذ بدء
الحمل وفي عهد الطفولة.
وذلك أنه کانت دارها على حافة النيل،
فاتخذت تابوتًا، ومهدت فیه مهداً، فلما كان
ذات يوم دخل عليها من تخافه، فذهبت
فوضعته في ذلك التابوت، وألقته في النيل،
فذهب مع الماء واحتمله على سطحه، حتى
مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري
وذهبن به إلى امرأة فرعون آسية بنت مزاحم،
فلما كشفت عنه، أوقع الله محبته في قلبها،
فآثرت الإبقاء عليه، ولم تزل تكلم فرعون
زاد المسير ٣/ ١٥٨.
(١) التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر ١٧٣٧/٧.
حتی تر که لها.
﴿إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكٍ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
[القصص: ٧]
٧
أي: إنا سنرده عليك لتكوني أنت
المرضعة له، وسنجعله نبيًا مرسلًا إلى أهل
مصر والشام.
وقد جمعت هذه الآية الواحدة بين أمرين
ونھیین، وخبرین وبشارتین والأمران: هما
أرضعيه وألقيه، والنهيان: هما ولا تخافي
ولا تحزني، والخبران: هما إنا رادوه إليك،
وجاعلوه، والبشارتان: في ضمن الخبرين،
وهما الرد والجعل من المرسلين(٢).
وهکذا وضح جلیًا أن الیم جند من جنود
الله في حفظ موسى عليه السلام من الغرق
بأمر الله وفي غرق عدو الله وعدوه، وهو
هو نهر النيل، قال صاحب المنار:
وأما الغرق في النيل فيفهم من قول
القرآن مثلاً في سورة طه: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى
◌ُمِّكَ مَا يُوحَى (٨) آنِ اقْذِفِیهِ فِ النَّابُوتِ فَاقْذِفِهِفِ
اَلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ آلْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّلِ وَعَدُوٌّ لَّهُ.
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِِّى وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْفِّ
[طه: ٣٨-٣٩].
ثم قوله في آخر هذه القصة: ﴿فَأَنْبَعَهُمْ
فِرْعَوْنُ بِحُنُودِهِ، فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِ مَا غَشِيَهُمْ
٧٨
[طه: ٧٨].
فالمتبادر من ذلك أن فرعون غرق في
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ٦٣/٢٠.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الألف
نفس اليم الذي ألقي فيه موسی وهو النیل،
وإن كان أكثر المفسرين يرى أنه أغرق في
البحر الأحمر.
قال الطاهر ابن عاشور: وقد أغرق
فرعون وجنده في البحر الأحمر حين لحق
بني إسرائيل يريد صدهم عن الخروج من
أرض مصر (١).
القصص، وهو قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ
فَأَلْفِيهِ فِى الْيَمِ﴾ [القصص ٧].
ثم قوله فيها بعد مما يدل على أن اليم
جند من جنود الله سبحانه: ﴿فَأَخَذْنَهُ
وَجُنُودَهُ، فَنَبَذْنَهُمْ فِ الْبَيِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾﴾
[القصص ٤٠].
أي: أغرقناهم في البحر في صبيحةٍ
واحدةٍ (٢)، کنایةٌ عن إدخالهم في البحر حتى
غرقوا، شبهوا بحصياتٍ. قذفها الرامي من
يده(٣).
ومن الآيات التي أطلق القرآن الكريم
فيها اليم على النهر، ووضح فيها جليًا أنه
من جنود الله سبحانه قوله تعالى: ﴿فَأَنْتَقَمْنَا
مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِى أَلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا
[الأعراف:
١٣٦
وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ
١٣٦].
(١) التحرير والتنوير ٧٥/٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢١٤/٦.
(٣) البحر المحيط، لأبي حيان ٣٠٧/٨.
ومما يدل على أن النهر من جنود الله
سبحانه قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بُنُورِهِ،
فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ [طه: ٧٨].
أي: تبعهم فرعون ومعه جنوده، فغشيهم
من البحر ما غشيهم مما هو معروف
ومشهور، فغرقوا جميعًا. وتكرار غشيهم
للتعظيم والتهويل (٤). أي: فعلاهم وغمرهم
ومثل ذلك أيضًا ما جاء في سورة ما غمرهم، من الأمر الهائل المروع الذي
يعجز البيان عن وصفه، حيث انطبق عليهم
الماء فأغرقهم فهلكوا جميعًا، ونجى الله
فرعون وأبقاه ببدنه خاليًا من الروح في اليوم
الذي نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من
الغرق(٥).
من خلال الآيات السابقة يتضح جليًا أن
الیم جند من جنود الله سبحانه وتعالى سواء
أكان المقصود به النهر أو البحر، لكن الثابت
من المعاجم اللغوية أن الیم مرادف للنهر.
وليس بلازم أن يكون الجندي لهلاك
العدو دائمًا، وإنما كثيرًا ما يكون الجندي
لنفع المسلمين، فالأنهار كانت جند خير
ونفع لبعض عباده، وجند وبال وهلاك
على بعضهم، وهذا ما ستتناوله تفصيلًا في
مطالب المبحث التالي الذي يتحدث عن
منافع الأنهار من خلال آيات القرآن الكريم
بصورة توضيحية.
(٤) التفسير المنير، الزحيلي ٢٥٥/١٦.
(٥) التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر ٦/ ١٠٥٠.
١٠٦
مَوَسُوبة النفسية الوضـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الأنهار
من منافع الأنهار
المنافع: ما فيه الخير والصالح والفائدة،
وكل ما ينتفع به، جنى من عمله منفعةً
کبری(١).
وعلى ذلك تتعدد منافع الأنهار على
الإنسان، وتتمثل هذه المنافع في شرب
مائها، الذي جعل الله فيه حياة الإنسان،
ومنها تسقى الزروع والثمار، ويعبرها
الإنسان ركوبًا للجهاد في سبيل الله وطلبًا
للرزق، ويتمتع الإنسان بجريان مائها،
ويصطاد من أسماکها وکائناتها لحمًا طريًا
يتخذه طعامًا شهيًا، وتفصيل الحديث عن
تلك المنافع في المطالب الآتية:
أولًا: شرب مائها:
الماء يعد أعظم نعمة من الله تعالى، وماء
النهر من أعظم منافعه شرب مائه، والآيات
في ذلك كثيرة، منها قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ
يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا
رَتْقَا فَفَنَقْنَهُمَاْ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيّ
﴾ [الأنبياء: ٣٠].
أَفَلَا يُؤْمِنُونَ )
أي: أصل كل الأحياء(٢).
ومن الآيات قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ
طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم
(١) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار
وآخرون ٢٢٥٩/٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٨/٥.
بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِى وَمَن لَّمْ
يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ, مِنِّىَ إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ عُرْفَةٌ بِيَدِهِ،
فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ قَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، قَالُواْ لَا طَاقَةً
لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهٍ، قَالَ الَّذِينَ
يَظُونَ أَنَّهُم مُّكَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةِ
قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِشَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
الصََّبِرِينَ ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ﴾،أي: فلا
يصحبني اليوم في هذا الوجه، ﴿وَمَن
أَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ، مِنِّيَّ إلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ
بِيَدِوء﴾، أي فلا بأس عليه.
قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي،
ومن شرب منه لم يرو (٣).
قال الله تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ
بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمّْ وَسَخَّرَ لَكُمُ
اٌلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِدٌ وَسَخَّرَ لَكُمُ
الْأَنْهَرَ ﴾ [إبراهيم: ٣٢].
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ ﴾ التسقي حروثكم
وأشجاركم وتشربوا منها (٤) .
ونعمة الأنهار عظيمةٌ، فإن منها شرابهم
وسقي حرثهم، وفيها تجري سفنهم
لأسفارهم (٥).
﴿ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾ [الحجر: ٢٢] أي:
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٥٠٩.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ٤٢٦/١.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤/ ١٢٢.
www. modoee.com
١٠٧

حرف الألف
فأنزلنا من السحاب مطرًا، ﴿فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ﴾
أي: يمكنكم أن تشربوا منه، وأسقينا
به زرعكم ومواشيكم، كما قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيْ﴾ [الأنبياء:
٣٠].
وقال سبحانه: ﴿أَفَرَّهَ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
◌َأَنْتُمْ أَنْزَ لْتُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ تَحْنُ الْمُنْزِلُونَ :
٦٨
لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ
٧٠
[الواقعة: ٦٨-٧٠].
وقال: ﴿هُوَ الَّذِىَّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مََّ
لَكُ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
[النحل: ١٠].
١٠
﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ يَخَزِنِينَ﴾ أي: لستم له
بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم
ونجعله ينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى
لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أبقاه
لكم في طول السنة، لشرب الناس والزروع
والثمار والحيوان، فالتخزين يكون في
السحاب وفي جوف الأرض(١).
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ﴾ أي: وخلقنا من
الماء كل حيوان سواء النازل من السماء
والنابع من الأرض. ﴿كُلّ شَىْءٍ حَيّ﴾ أي:
صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء، لا
یحیا دونه، سواء النبات وغيره، فالماء سبب
لحياته(٢).
(١) التفسير المنير، الزحيلي ٢٥/١٤
(٢) المصدر السابق ٤٣/١٧
وفي إطار الانتفاع بماء البحر يقول الله
تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ
سَبْغٌ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ
لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ عِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا
وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْنَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴾ [فاطر: ١٢].
ذکر سبحانه نوعًا آخر من بديع صنعه،
وعجيب قدرته فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ
هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَيَغْ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْحُ أَجَاجٌ﴾
فالمراد بالبحرين: العذب والمالح، فالعذب
الفرات الحلو، والأجاج المر، والمراد ب
﴿سَآَيْغٌ شَرَابُهُ﴾ الذي يسهل انحداره في
الحلق لعذوبته(٣).
ثانيًا: سقيا الزروع والثمار:
كما أن من منافع الأنهار شرب مائها،
وانتفاع الإنسان غاية النفع في ذلك، فإن ما
تحتاجه الزروع والثمار من ماء فيه منفعة
کبیرة قد لا تقل أهمية عن نفع الإنسان بماء
النهر في شرابه.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ اَلْمَآءَ
إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ
أَنْهَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴾ [السجدة:
٢٧].
يبين تعالى لطفه بخلقه وإحسانه إليهم في
إرساله الماء، إما من السماء أو من السيح،
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٣٩٣.
١٠٨
مَوَسُولَةُ النَِّّ
القرآن الكريم