Indexed OCR Text

Pages 21-40

أهل الكتاب
يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَأَلْمُدَى مِنْ بَعْدِ
مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِّ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ
وَيَلْعَنَّهُمُ اللَّعِنُنَ (٦)﴾
١٥٩ ﴾ [البقرة: ١٥٩].
فتوعدهم الله تعالى باللعنة منه، ومن
جميع من يتأتى منه اللعن، من الملائكة
ومؤمني الثقلين، وفي ذلك بيان لدوام اللعن
واستمراره(١)، وعظم جرم هؤلاء الكاتمين
وفعلهم، حيث استحقوا كل ذلك اللعن،
أي: الدعاء عليهم بالطرد والإبعاد من
رحمته.
أَلِيمُ﴾
وذلك لأنه غضبان عليهم، لأنهم كتموا
وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر
إليهم ولا يزكيهم، أي: لا يثني عليهم ولا
يمدحهم بل يعذبهم عذابا أليمًا(٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ
أَنْزَلَ اَللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنَّأَ
قَلِيلًاٌ أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُعُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِيهِمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ﴾ [البقرة: ١٧٤].
يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد
صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي
بأيديهم، مما تشهد له بالرسالة والنبوة،
فکتموا ذلك لئلا تذهب ریاستهم، وما كانوا
يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف
على تعظيمهم إياهم، ﴿أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ
فِي بُعُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ أي: إنما يأكلون ما
يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارًا تتأجج
في بطونهم يوم القيامة، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ
اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٪
٤٨٣-٤٨٤.
١٨٢/١.
www. modoee.com
١٥٩

حرف الألف
موقف أهل الكتاب من المسلمين
بين القرآن الكريم موقف أهل الكتاب
من المسلمين في آيات كثيرة، وكشف عن
نواياهم ومخططاتهم وتدابيرهم، وذلك
كله ليكون المسلمون على بينة من أمرهم،
فيحذرونهم ويحتاطون لهم إن كانوا من
أعدائهم، ويسالمونهم ويقاربونهم إن كانوا
من أصدقائهم ومحبيهم، ولما كان لأهل
الكتاب الدور الرئيس الأكبر في معاداة
الإسلام وأهله كما تشهد بذلك وقائع
التاريخ إلى يومنا هذا، فقد كشف القرآن
الكريم عن تلك العداوة وأسبابها وصورها،
لما لها من خطر داهم على المسلمين،
وذلك من طريقة القرآن في هدايته لكل خير،
والتحذير من كل شر، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا
اَلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِ هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
ولقد بين القرآن الكريم أن موقف أهل
الکتاب من المسلمین لا ينحصر في موقف
واحد من عداوتهم لهم، بل إن من أهل
الكتاب فريقًا لا يحمل في نفسه تلك العداوة
والبغض لهم، ولا يستكبر عن قبول الحق
واتباعه والإذعان به، وهذا الفريق قادته تلك
الصفات الحسنة إلى الإيمان بالله تعالى
ورسله جميعًا، والدخول في الإسلام.
قال تعالى: ﴿﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ
عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَأَلَّذِينَ أَشْرَكُواْ
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىُّ ذَلِكَ بِأَنَّ
مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى
الرَّسُولِ تَرَىٌ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا
عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنًا فَاكْتُبْنَا مَعَ
﴾ [المائدة: ٨٢-٨٣].
٨٣
الشَّهِدِينَ
فبين تعالى لرسوله صلى الله عليه
وسلم، وأقسم له على موقفين لأهل الكتاب
من المؤمنین:
أحدهما: موقف العداوة في قمتها حتى
فاقت كل العداوات، فأصحابها هم أشد
الناس عداوة وأصلبها للمؤمنين.
والثاني: هو موقف المودة والمحبة،
وأصحابها هم أقرب الناس مودة للمؤمنين.
أولًا: موقف العداء من المسلمين:
وهو موقف أهل الكتاب عامة واليهود
خاصة، ويشاركهم في هذا الموقف
المشركون من غير أهل الكتاب.
قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾.
وهي حقيقة يقررها الله تعالى لنبيه،
صلی الله علیه وسلم وأمته، وتوجيه لهم
في كون اليهود أعدى أعدائهم، ويلفت
تعالى أنظارهم إلى هذه الحقيقة في كون
أولئك اليهود مع أنهم أهل كتاب إلا أنهم
١٦٠
القرآن الكريمِ

أهل الكتاب
يتقدمون المشركين في هذه العداوة (١)، كما اليهود النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم
أقسم تعالى على هذه الحقيقة لتوكيدها، يأت منهم، وجاء من العرب، ولذلك تركوا
الإيمان به، وقالوا: نؤمن بما نزل علينا نحن
أمة اليهود فقط، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
ءَامِنُواْ بِمَآ أَنْزَّلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا
وَيَكْفُونَ بِمَا وَرَآءَهُ، وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًالِّمَا
مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [البقرة: ٩١].
والمقصود من هذا القسم للنبي صلى الله
عليه وسلم هو تسليته فيما يقع له منهم
من التكذيب والأذى بأنهم أعدى أعداء
المؤمنين، قال الفخر الرازي: ((واللام في
قوله ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ لام القسم، والتقدير:
قسما إنك تجد اليهود والمشركين أشد
الناس عداوة مع المؤمنين، وقد شرحت
لك أن هذا التمرد والمعصية عادة قديمة
لهم، ففرغ خاطرك عنهم ولا تبال بمكرهم
وكيدهم))(٢).
وعداوة أهل الشرك للمؤمنين واضحة
في أسبابها، لا تحتاج إلى تعليل، أما اليهود
فالوضع مقلوب بالنسبة لهم ((إذكانوا - وهم
أهل کتاب - أولی الناس بأن یناصروا أهل
الكتاب ویوادوهم، لا أن يكونوا في الجبهة
الأولى من الجبهات المعادية للمؤمنين؛ إذ
يتقدمون في هذا الموقف اللئيم أهل الكفر
والشرك، فيكونون قادة الحملة الموجهة
لحرب الله والمؤمنين بالله!))(٣).
وكشف القرآن الكريم عن سبب صدور
هذه العداوة منهم، وهو نفسيتهم المريضة،
التي غلبت الحسد والأهواء على أوامر الله
واتباع رسله وكتبه والإيمان بهما، فقد حسد
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢ / ٩٦٠.
(٢) مفاتيح الغيب، الفخر الرازي ١٢/ ٤١٣.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٤/٤.
وقد رد عليهم تعالى دعواهم بالإيمان
بکتبھم واحترامها وإجلالها، بقوله: ﴿قُلْ
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُم
مُؤْمِنِينَ﴾، وهذا تكذيب لهم وتوبيخ،
أي: لم تقتلون -إن کنتم یا معشر اليهود
مؤمنين بما أنزل الله عليكم - أنبياءه، وقد
حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم
قتلهم، بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم
وتصدیقهم؟(٤).
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ
النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَّهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَا
ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُلْكًا
عَظِيمًا (١)فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ
ج
وَكَفَى بَجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: ٥٤ -٥٥].
قال ابن كثير: ((يعني بذلك: حسدهم
النبي صلى الله عليه وسلم على ما رزقه الله
من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم
إیاه حسدهم له؛ لکونه من العرب ولیس من
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٥٠/٢.
www. modoee.com
١٦١

حرف الألف
بني إسرائيل))(١).
ثم رد تعالى عليهم، فقال: ﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَا
ءَالَ إِبْرَهِيَمَ اَلْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: أن إيتاء
النبوة والفضل لمحمد صلى الله عليه وسلم
ليس بدعًا ولا غريبًا على كرم الله، فإنعامه
لم يزل مستمرًا على عباده المؤمنين. (٢)
((إن الحسد- وليس غيره - هو الذي
أغری أهل الكتاب - وخاصة الیھود - بهذا
الموقف الضال الآثم، من رسالة رسول الله
صلوات الله وسلامه عليه، و کتمانهم الحق
عن علم بأنه رسول الله، وأنه الذي يجدونه
مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل ...
اليهود، ذابت كل معالم الحق الذي كان
معهم من أمر النبي، فكفروا به، واتخذوا
طريق الضلال مركبًا إلى عذاب الجحيم))(٣).
وقد ذكر القرآن الكريم قصة يوسف
عليه السلام مع إخوته، وهم آباء أسباط
بني إسرائيل، وفيها أنهم حسدوه وكادوا
له بإلقائه في البئر لیخلوا لهم وجه أبیھم،
وأن عاقبة حسدهم في نهاية الأمر كانت في
مصلحة یوسف وخیرًا له، وأنه صار بسبب
ذلك عزيزًا لمصر، وكأن في ذلك تنبيهًا
اليهود الذين يحسدون النبى صلى الله عليه
وسلم أن عاقبة حسدهم و کیدهم هي خير
للنبي صلی الله عليه وسلم وأمته.
((وفى قوله تعالى ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ إشارة
إلى أن هذا الحکم الذي فضح الله به اليهود،
لیس حکمًا معلقًا على أي شرط، بحیث یقع
إذا وقع هذا الشرط، أو هو حكم خفي لا
تظهر آثاره للعيان، وإنما هو حكم مطلق،
واقع دائمًا، ظاهر لا خفاء فيه، ولهذا جاء
التعبير عنه بلفظ (تجد) بمعنی تری، وتبصر،
وتتحقق، ثم جاء هذا اللفظ مؤكدًا بالقسم،
وينون التوكيد (لتجدن)، فهو أمر واقع،
مؤكد الوقوع، لا احتمال فيه لشك أو ريب.
وفى نار الحسد التي تأججت في صدور هذه هي وجهة اليهود في الحياة، وهذا هو
حکم الله علیهم»(٤).
وهذا الحکم الإلهي عليهم تشهد له وقائع
التاریخ بوضوح لا خفاء فیه، - وإن کنا لسنا
بصدد التفصيل التاريخي في الحديث عن
عداوتهم - فاليهود سبب معظم الفتن التي
حدثت في العالم الإسلامي، وقد حاربوا
النبي صلى الله عليه وسلم بشتى الوسائل
الممكنة، حاولوا بها سحره وسمه وقتله
مرات عديدة، إلا أن الله حفظ نبيه صلى
الله عليه وسلم ونجاه، ولا يزال أذى اليهود
للمسلمين إلى يومنا هذا مشاهد ومعلوم،
وما يحدث منهم في فلسطين والقدس وغزة
مكشوف معلوم.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٦/٢.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٨٢.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٧٢٦/١٦. (٤) المصدر السابق ٤/٤.
مَوسُو ◌َد النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٦٢

أهل الكتاب
ولعداء أهل الكتاب للمسلمين صور منه بعد ذلك، بغية صد الناس والمسلمين
عنه، وهذا المخطط الخبيث منهم مبني
((على قاعدة طبيعية في البشر، وهي أن من
علامة الحق ألا يرجع عنه من يعرفه، وقد
فقه هذا هرقل صاحب الروم فكان مما سأل
عنه أبا سفيان من شؤن النبي صلى الله عليه
وسلم عندما دعاه إلى الإسلام: ((هل يرجع
عنه من دخل في دينه؟ فقال أبو سفيان:
لا)) (٢).
متعددة، ومن هذه الصور:
١. سعيهم في إضلال المسلمين
وتشکیکھم في دینھم:
قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ مَاِنُواْ بِالَّذِىّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ
[آل
النَّهَارِ وَأَكْفُرُوْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
عمران: ٧٢].
وقد نزلت في جماعة من زعماء
اليهود وأحبارهم تآمروا لفتنة المسلمين
وتشکیکهم في دينهم، عن ابن عباس رضي
الله عنهما قال: (قال عبد الله بن الصيف،
وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم
لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد
وأصحابه غدوةً ونكفر به عشیةً، حتى نلبس
علیھم دینھم، لعلهم يصنعون كما نصنع،
فيرجعوا عن دينهم! فأنزل الله عز وجل
فيهم: ﴿يَأَهّلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلِسُونَ الْحَقَّ
بِالْبَطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١].
إلى قوله: ﴿وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:
٧٣](١).
فالآية في كشف وفضح اليهود وبيان
كيدهم ومكرهم للمسلمين، حيث دبروا
للتظاهر بالدخول في الإسلام، ثم الخروج
(١) جامع البيان، الطبري ٦/ ٥٠٤، موسوعة
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور،
یاسین ١/ ٤٢٥.
((وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس
من هذه الناحية ليقولوا: لولا أن ظهر لهؤلاء
بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا
فيه، واطلعوا على باطنه وخوافيه؛ إذ لا يعقل
أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته، ویرغب
عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب))(٣).
(٢) قصة أبي سفيان مع هرقل أخرجها البخاري
في صحيحه، أن عبد الله ابن عباس رضي
الله عنهما أخبره أبو سفيان بن حرب: ((أنّ
هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا
تجارًا بالشأم في المدة التي كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار
قريش، فأتوه وهم بإيلياء))، وذكر قصة طويلة،
وفيها أن هرقل جعل يسأل أبا سفيان عن
أشياء تتعلق بنوة النبي صلى الله عليه وسلم.
صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كان
بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم ؟، ح ٧، ٨/١، صحيح مسلم، كتاب
الجهاد والسير، باب كتاب النبي صلى الله
عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام،
ح ١٧٧٣، ١٣٩٣/٣.
(٣) تفسير المنار، رضا ٣/ ٢٧٤، ٢٧٥.
www. modoee.com
١٦٣

حرف الألف
قال ابن كثير: ((هذه مكيدة أرادوها للمؤمنين، وفي ذلك ما فيه من التوبيخ لهم
والتعنيف.
لیلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم،
وهو أنهم اشتوروا بينهم أن یظهروا الإيمان
أول النهار ويصلوا مع المسلمين صلاة
الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى
دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما ردهم
إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب
في دين المسلمين، ولهذا قالوا: ﴿لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ﴾))(١).
٢. كراهة نزول الخير على
المسلمين:
قال سبحانه وتعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ
أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّنِ زَّبِّكُمْ
وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو
الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ (١٥)﴾ [البقرة: ١٠٥].
وقبل البدء في تفسير الآية وبيان ما دلت
عليه من صور عداوة أهل الكتاب، نشير إلى
ملحوظة اقتران المشركين بأهل الكتاب في
الآية، وفي قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّأَشَدَّ النَّاسِ
عَدَاوَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾.
وكأن الله تعالى يريد أن يذكر أهل
الكتاب بمشابهتهم للمشركين في عداوتهم
لأهل الإيمان، الذين صدقوا بأنبياء الله
و کتبه، حتى أنهم يشاركونهم في صورة
هذه العداوة وهي إضمار الحقد والكراهية
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٥٩.
وبالعودة إلى تفسير الآية، قال السعدي:
(أخبر عن عداوة اليهود والمشركين
للمؤمنين، أنهم ما يودون ﴿أَن يُنَزَّلَ
عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ أي: لا قليلًا ولا كثيرًا
﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ حسدًا منهم، وبغضًا لكم
أن يختصكم بفضله فإنه ﴿ذُو الْفَضْلِ
اُلْعَظِيمِ ﴾ ومن فضله علیکم، إنزال الكتاب
على رسولكم، ليزكيكم ويعلمكم الكتاب
والحكمة، ویعلمکم ما لم تكونوا تعلمون،
فله الحمد والمنة))(٢).
فالآية تكشف ما تكنه صدور أهل
الكتاب للمسلمين من الشر والعداء، وما
تنغل به قلوبهم من الحقد والحسد، بسبب
ما اختصهم به الله من الفضل؛ ليحذر
المسلمون أعداءهم، ويستمسكوا بما
یحسدهم هؤلاء الأعداء عليه من الإيمان،
ويشكروا فضل الله عليهم ويحفظوه (٣)،
وتصور بلاغة النص القرآني في هذه الآية
عظم هذا العداء في نفوس القوم، فـ (من)
في قوله تعالى: ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾ للاستغراق (٤)،
أي: من أي شيء مما يسمى خيرًا، فأهل
الكتاب لا يودون أن ينال أهل الإيمان أي
خير أبدًا، ولا يرضيهم ذلك.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦١.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٠١/١.
(٤) مفاتيح الغيب، الفخر الرازي ٦٣٦/٣.
مَوسُو ◌َرُ الْبَقِنَّة
القرآن الكريم
١٦٤

أهل الكتاب
وفي ختمه تعالى الآية بقوله: ﴿وَاَللَّهُ وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم،
وهم لا يشعرون أنهم ممکور بهم»(٢)، إنهم
یتمنون أن يضل المسلمون، ولکن هیهات
أن يكون ذلك لهم، فمن خالطت بشاشة
الإيمان قلبه لا يتركه أبدًا، ومن أبصر النور
لا يعود إلى الظلام، أما أولئك من أهل
الكتاب فإنهم ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلََّّ أَنْفُسَهُمْ﴾؛
لأنهم بسعيهم في إضلال المسلمين
يزدادون ضلالًا وعذابًا (٣)، وينشغلون بذلك
الإضلال عن النظر في طرق الهداية، ودلائل
الحق (٤)
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ تلمیح یستجیش في
قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء
وجزالة الفضل، فليس أعظم من نعمة النبوة
والرسالة وليس أعظم من نعمة الإيمان
والدعوة إليه، وفي التقرير الذي سبقه عما
يضمره الذین کفروا للذين آمنوا ما یستجیش
الشعور بالحذر والحرص الشديد، وهذا
الشعور وذاك ضروريان للوقوف في
وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها-
ويقودها - اليهود، لتوهين العقيدة في نفوس
المؤمنين .! (١).
وفي مضمون هذه الآية دلالة على أن
أسباب العداوة والصراع بين أهل الكتاب
والمسلمين في أصلها دينية.
هكذا يكشف القرآن الكريم عن مشاعر
أهل الكتاب الذین کفروا بنبوة محمد صلى
الله عليه وسلم، ونواياهم الخبيثة تجاه
المسلمين، إنها مشاعر الكراهية والحسد
وتمني الشر، كما تحدث القرآن الكريم عن
هذه المشاعر في آيات أخرى، قال تعالى:
﴿وَدَّتْ طَّابِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُونَكُمْوَمَا
يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾
[آل عمران: ٦٩].
قال ابن كثير: ((يخبر تعالى عن حسد
اليهود للمؤمنین وبغیھم إياهم الإضلال،
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ١٠١.
((لقد اتخذوا الضلال مركبًا، والزور
طريقًا، والجدل سلاحًا، في تلك المعركة
التي اشتبكوا فيها مع الإسلام والمسلمين،
إنهم قد خسروا أنفسهم من أول الطريق، إذ
كانوا على ضلال وفي ضلال، فإن كسبوا
المعركة واستطاعوا أن يضلوا غيرهم،
فحسبهم من الغنيمة أنهم خسروا معها
أنفسهم مرتين، مرة قبل المعركة ومرة
بعدها!))(٥)، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: ومع
کون هذا حالهم فإنهم لا یفطنون له، ولا
يشعرون أنهم يضرون أنفسهم ويهلكونها
قبل كل شيء.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٥٩.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٣٤.
(٤) انظر: تفسير المراغي ١٨٤/٣.
(٥) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٢/ ٤٩١.
www. modoee.com
١٦٥

حرف الألف
٣. تمني كثير منهم ردة المسلمين
عن دينهم:
قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ
الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَنِكُمْ
كُفَارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِنْ بَعْدِ مَا
نَبَّيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ
اَللَّهُ بِأَمْيِّهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ()
[البقرة: ١٠٩].
فأخبر تعالى أن کثیرًا من أهل الكتاب
يتمنى ردة المسلمين، وأن السبب الحامل
لهم على ذلك إنما هو الحسد، وأنهم ما
صدر منهم ذلك إلا بعد معرفتهم الحق(١).
قال ابن كثير في تفسير الآية: ((يحذر
تعالى عباده المؤمنين من سلوك طرائق
الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم
لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون
عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم
بفضلهم وفضل نبيهم. ويأمر عباده المؤمنين
بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر
الله من النصر والفتح))(٢).
٤. تولي الكافرين ومظاهرتهم على
المسلمين:
قال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ
(١) انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن،
الشنقيطي ١/ ٢٤٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٣٨٢
بتصرف يسير جدًا.
يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ
أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ
هُمْ خَلِدُونَ ﴿ وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ
بِاللّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ
أَوْلِيَاءُ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١)﴾
[المائدة: ٨٠-٨١].
قال صاحب المنار: ((أي: ترى أيها
الرسول، کثیرًا من بني إسرائيل يتولون الذين
كفروا، من مشركي قومك، ويحرضونهم
على قتالك، وأنت تؤمن بالله، وبما أنزل
على أنبيائهم، وتشهد لهم بالرسالة، وأولئك
المشركون لا يوحدون الله تعالى ولا
يؤمنون بكتبه، ولا برسله مثلك، فكيف
يتولونهم، ويحالفونهم عليك، لولا اتباع
أهوائهم، وسخط الله عليهم؟
﴿لَبِتَّسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هذا ذم مؤكد بالقسم لعمل
اليهود الذي قدمته لهم أنفسهم؛ ليلقوا الله
تعالى به في الآخرة، وما هو إلا العمل القبيح
الذي أوجب سخط الله عليهم ...
﴿وَ فِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ﴾ فهو محيط
بهم، لا يجدون عنه مصرفًا ...
وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيّ
وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
أي: ولو كان أولئك اليهود الذين يتولون
الكافرين من مشركي العرب يؤمنون بالله
والنبي محمد صلى الله عليه وسلم أو النبي
مَوَسُوبَةُ الْبَشِيـ
القرآن الكريمِ
١٦٦

أهل الكتاب
الذي يدعون اتباعه، وهو موسى صلى
الله عليه وسلم، وما أنزل إليه من الهدى
والفرقان، لما اتخذوا أولئك الكافرين من
عبدة الأصنام أولياء لهم وأنصارًا؛ ... فهذه
الولایة بین اليهود والمشرکین لم يكن لها
علة إلا اتفاق الفريقين على الكفر بالله
ورسوله وكتابه والتعاون على حرب الرسول
وإبطال دعوته، والتنکیل بمن آمن به))(١).
ثانيًا: موقف المودة من المؤمنين:
وأما الموقف الثاني من بعض أهل
الكتاب: فهو موقف المودة والمحبة، وهو
موقف بعض النصارى الذين بقوا على شيء
من الحق مما جاء به عيسى عليه السلام
لهم، فلما بعث محمد صلی الله عليه وسلم
مصدقًا لما معهم من الحق آمنوا به.
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ
قال تعالى:،
عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ مَوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا
اَلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ
مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا
وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى
يَسْتَكْبِرُونَ (١)
اُلرَّسُولِ تَرَكٌ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا
عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبََّآ ءَامَنًا فَأَكْثُبْنَا مَعَ
﴾ [المائدة: ٨٢- ٨٣].
(٨٣
الشَّهِدِينَ
عن قتادة قال: ((أناس من أهل الكتاب
(١) تفسير المنار، رضا ٦/ ٤٠٧ بتصرف يسير.
كانوا على شريعةٍ من الحق مما جاء به عيسى
علیه السلام، يؤمنون به وینتهون إليه. فلما
بعث الله نبيه محمدًا صلی الله عليه وسلم،
صدقوا به وآمنوا به، وعرفوا الذي جاء به أنه
الحق، فأثنى عليهم ما تسمعون))(٢)، وعليه
فالمراد في الآية: الطائفة المؤمنة من أهل
الكتاب، ولا شك أن المؤمنين من أهل
الكتاب من النصارى أکثر من اليهود، فإن
المؤمنين من اليهود قليل، وذلك لما في
اليهود من أدواء الحسد والكذب وكثرة
المراء والجدال في الحق، أما النصارى
ففيهم رأفة ورحمة ومنهم قسیسون ورهبان،
قال ابن كثير: ((قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا
نَصَرَى﴾، أي: الذين زعموا أنهم نصارى
من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم
مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا
لما في قلوبهم؛ إذ كانوا على دين المسيح من
الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِی
قُلُوبٍ اُلَّذِينَ آَتَبَعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةً﴾ [الحديد:
٢٧].
وفي كتابهم: (من ضربك على خدك
الأيمن فأدر له خدك الأيسر). وليس القتال
مشروعًا في ملتهم؛ ولهذا قال تعالى:
﴿ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيِسِينَ وَرُهْبَانًا
(٢) جامع البيان، الطبري ٥٠١/١٠، تفسير ابن
أبي حاتم ٤ / ١١٨٤.
www. modoee.com
١٦٧

حرف الألف
وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ ﴾ أي: يوجد فيهم
القسيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم ...
والرهبان: جمع راهب، وهو العابد. مشتق
من الرهبة، وهي الخوف))(١)، ((والعلم مع
الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب
ويرققه، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء
والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود،
وشدة المشركين)»(٢).
وخصت الآية النصارى بالذكر لكثرة
المؤمنين منهم، وقد وجد الصحابة الذين
هاجروا إلى الحبشة - رضي الله تعالى
عنهم - من النجاشي ملك الحبشة - وكان
نصرانيًا قبل أن يسلم - المعاملة الحسنة
والإيواء الحسن، ولما مات النجاشي،
قال النبي صلی الله عليه وسلم عنه -كما
في رواية جابر رضي الله عنه عنه -: (مات
اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على
أخیکم أصحمة)(٣)، وهو بخلاف ما وجد
النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه من
اليهود في المدينة من التآمر والكيد لدعوته،
ومن محاولات الاغتيال لشخصه الشريفة
صلوات الله وسلامه عليه.
وقد ذكر تعالى لهم صفة الخشوع والبكاء
عند سماع القرآن، وهذا الانفعال والتأثر
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٧/٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٤١.
(٣) صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب
موت النجاشي، ح ٣٨٧٧، ٥/ ٥١.
کثیرًا ما یذکره تعالی عنهم وعن أمثالهم من
مؤمني أهل الكتاب، كما في قوله تعالى:،
﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهَ أَوْلَا تُؤْمِنُوْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن
قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا
١٠٧
١٠٨
وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا
وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ؟
[الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
١٠٩
وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ
خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِعَابَتِ اللَّهِ ثَمَنًا
قَلِيلًاً أُوْلَبِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ
إِنَ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [آل
عمران: ١٩٩].
وهو مما يدل على ظهور هذه الصفة
منهم، وفي تخصيص هذه الصفة بالذكر مع
صفة التواضع ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ تعريض
بغيرهم من أهل الكتاب الذين لا يحرك
فیھم کلام الله ساكنًا، ولا يتأثر لهم قلب،
ولا تدمع لهم عین.
وإذا كانت الآية قد صرحت بأن أقرب
الناس مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا
نصارى، فليس المراد من الآية عموم
النصارى، وذلك لأن من النصارى من
يشاركون اليهود في عداوتهم للمؤمنين،
وإن كان اليهود أشد منهم عداوة، وقد بین
تعالی عداوة اليهود والنصارى معًا في آیات
كثيرة، كقوله تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَوَسُولَةُ النَّفِي
القرآن الكريم
١٦٨

أهل الكتاب
لَا تَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَىَّ أَوْلِيَّةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ
وَمَن يَتَوَُّ مِنَكُمْ فَإِنَُّ مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ
﴾ [المائدة: ٥١].
اُلّلمِينَ
قال ابن كثير: «ینهى تعالى عباده المؤمنين
عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم
أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله، ثم أخبر
أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من
يتعاطى ذلك فقال: ﴿وَمَن يَتَوَلَُّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ.
مِنْهُمُّ إِنَّ اللّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ اَلَِّمِينَ﴾))(١).
والواقع التاريخي شاهد على هذه
العداوة بلا ريب أو شك، وقد أرسل النبي
صلى الله عليه وسلم في غزو الروم - وهم
نصارى - في مؤتة من أرض الشام، كما
غزاهم بنفسه في تبوك، ومعارك المسلمين
مع الصليبين في مشهورة معلومة.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٢/٣.
انحرافات أهل الكتاب
لقد بات معلومًا لکل باحث ومنصف ما
وصل إليه الحال بأهل الكتاب من الانحراف
الكبير في الدين، ومن الانتكاس العظيم
للفطرة، لقد انحرف أهل الكتاب في أصول
الدين قبل فروعه، ولقد انحرف علماؤهم
قبل عامتهم، انحرف أهل الكتاب في أصل
الدين وهو التوحيد الخالص، فنسبوا لله
الولد، وقالوا: ثالث ثلاثة، وقالوا: إن الله
هو المسيح ابن مريم، وانحرف علماء أهل
الكتاب فغيروا وبدلوا في کتبهم ودینهم،
وأكلوا أموال الناس بالباطل، وداهنوا ملوك
الأرض على حساب دينهم وعقيدتهم.
ولقد بين القرآن الكريم انحراف أهل
الكتاب جملة وتفصيلاً، وبين أخطاءهم
وضلالاتهم، ورد عليها، وصححها، وذلك
ليرجع أهل الكتاب عن غيهم وضلالهم،
ويعلموا الحق في تلك الأمور، ولا يغتروا
هم بما هم عليه مما ظاهره التدین بدين أو
بالانتساب للأنبياء عليهم السلام، ولذلك
نجد من أسلوب القرآن الكريم في رده
على أهل الكتاب أنه يبين باستمرار براءة
جميع الأنبياء مما هم عليه من الباطل، ومما
ینسبونه إليهم منه.
كما أن في تبيين القرآن الكريم انحرافات
أهل الكتاب وأسبابها ونتائجها: تحذيرًا لهذه
www. modoee.com
١٦٩

حرف الألف
الأمة المحمدية من الوقوع فيها، ومن سلوك
سبيل أهل الكتاب في الانحراف والخروج
عن دين الله تعالى، نسأل الله العافية.
وسنتحدث عن بعض هذه الانحرافات:
أولًا: نسبة الولد لله سبحانه
والتطاول على الذات الإلهية.
بين القرآن الكريم انحراف أهل الكتاب
في أصل الدين وهو التوحيد، ورد عليهم
ذلك في عدة مواضع منه، كقوله تعالى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ
الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِيّ إِسْرَائِيلَ
أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ, مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ
فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا
◌َّقَدْ كَفَرَ
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ
إِلَّ إِلَهٌ وَحِدُّ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ.
٧٣
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ آ مَّا الْمَسِيحُ أَبْنُ
مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ
وَأُتُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَّ
أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْأَبَتِ ثُمَّ
[المائدة: ٧٢-
أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾
٧٥].
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ
ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأُتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ
اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ
◌ِ بِحَقّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ مَا فِى
نَفْسِ وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ
﴾ [المائدة: ١١٦].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ
عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ
أَبْنُّ اللَّهِّ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ
يُضَهِقُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ
فَانَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
أَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن
دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَّاً
أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَاحِدًّاً لَّاً
إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
﴾ [التوبة: ٣٠-٣١].
وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيُهُودُ يَدُ اللّهِ مَعْدُولَةٌ عُلَّتْ
أَيْدِهِمْ وَلُعِنُوْبِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنِفِقُ كَيْفَ
يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثيراً مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ
◌ُفِيَنًا وَكُفْرَا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَعْضَآءَ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَمَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُّ وَيَسْعَوْنَ
فِى الْأَرْضِ فَسَادًا وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
٦﴾ [المائدة: ٦٤]. وغير ذلك من الآيات
وهي كثيرة.
وبالنظرة الإجمالية في هذه الآيات نلحظ
ما يلي:
بينت الآيات الكريمة انحراف أهل
الكتاب في أصل التوحيد واختلافهم في
ذلك، فمنهم: من يعتقد أن الله هو المسيح
ابن مريم، ومنهم من يقول: هو ابن الله،
جَوَسُولَةُ الْتَّخِّ
القرآن الكريم
١٧٠

أهل الكتاب
ومنهم: من يقول: هو ثالث ثلاثة، أي: الله قد كفرتم، وأكد تعالى هذا الإعلان بلام
القسم في ﴿لَقَدْ﴾، وبـ (قد) التوكيدية،
وعيسى وأمه (١)، أو الله وعيسى وروح
القدس، وهو قول المتأخرين منهم، ومنهم:
نصارى هذا الزمان.
((أي: أقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين
قالوا كذبًا وزورًا: إن الله المستحق للعبادة
والخضوع هو المسيح ابن مريم» (٤).
قال صاحب المنار: ((وأما النصارى
المتأخرون فالذي نعرفه منهم وعنهم أنهم
یقولون بالثلاثة الأقانیم، وبأن كل واحد منها
عین الآخر، فالأب عین الابن، وعین روح
القدس، ولما كان المسيح هو الابن كان
عين الأب وروح القدس أيضًا))(٢).
ومنهم: من يتخذ المسيح وأمه إلهين
من دون الله، وكل هذه الأقوال كفر
بالله تعالى، وجهل بدينه وشرعه، وعدم
تفريق بين الخالق والمخلوق، والرب
والمربوب، وهي من جنس أقوال الوثنيين
من عبدة الأصنام والبشر والحجر، ومأخوذة
(٣)
عنهم (٣).
بدأ تعالى الآية الأولى من سورة المائدة
بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ﴾ وهو
إعلان واضح بكفر النصارى فيما قالوه من
أقوال قبيحة ضالة، وتنبيه لهم على خطورة
الأمر، وأن القائلين هذا القول يخرجون به
من الدین من أوسع أبوابه، وإن ادعوا أنهم
أهل كتاب، أي: يا من تقولون هذا القول
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨٢/١٠، تفسير
الجلالين، المحلي والسيوطي ص ١٥١.
(٢) تفسير المنار، رضا ٦/ ٤٠١.
(٣) انظر: تفسير المنار، رضا ٧٣/٦ .
بين القرآن الكريم في رده على أهل
الكتاب، أن المسيح عيسى عليه السلام
بريء من عبادتهم له، ومن أقوالهم، وما
نسبوه إليه، وأنه كغيره من الرسل إنما أمر
بعبادة الله تعالى، وبالتوحيد وبين أنه لا
يدخل أحد الجنة ابتداءً إلا به، ونهاهم عن
الشرك وبين أنه الذي يلقي بصاحبه في النار.
تخلل رد القرآن الكريم على أهل الكتاب
أمرهم بالتوبة مما هم عليه من الباطل،
وتحذيرهم من الاستمرار عليه.
قال تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ
لَيَمْسِّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيدٌ
أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَةٌ.
٧٣
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٤].
واللام في ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ للقسم(٥)،
((وعبر بالمس للإشارة إلى شدة ما يصيبهم
من آلام؛ لأن المراد أن هذا العذاب الأليم
يصيب جلدهم وهو موضع الإحساس فيهم
إصابة مستمرة.
كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّ
(٤) الوسيط، طنطاوي ٤ /٢٣٧.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/ ٢٨٣.
www. modoee.com
١٧١

حرف الألف
الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِهِمْ نَارًا كُلَّا نَّضِحَتْ
جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُ وقُواْ الْعَذَابَ﴾
[النساء: ٥٦]))(١).
والهمزة في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا
يَتُوبُونَ﴾ للاستفهام التعجبي الإنكاري(٢).
وفي الآية حث منه تعالى لهم على التوبة
من أقوالهم الباطلة، وصدر تعالى دعوتهم
إلى ذلك بالعرض الذي هو غاية في اللطف
واللين.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
أي: يغفر ذنوب التائبين، ولو بلغت عنان
السماء(٣).
قال ابن كثير: ((وهذا من كرمه تعالى
وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا
الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب
والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل
من تاب إليه تاب عليه)» (٤).
بين القرآن الكريم بعد رده على أهل
الكتاب باطلهم، حقيقة المسيح وأمه،
والحق في ذلك، وأن المسيح رسول من
عند الله، وأمه مريم من الصديقين الذين هم
أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء (٥).
(١) الوسيط، سيد طنطاوي ٤ / ٢٤٠.
(٢) انظر: إعراب القرآن وبيانه، درويش ٥٣٤/٢.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٢٣٩.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٨/٣.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٢٣٩.
بين القرآن الكريم بعض الأدلة الحسية
الواضحة في رده على أهل الكتاب، مثل
كون عيسى وأمه -اللذين يدعي النصارى
ألوهيتهما - كانا يأكلان الطعام، أي: أنهما
عبدان، يجوعان ويحتاجان إلى الطعام
والشراب، ويخضعان للضرورات التي
تصاحب عملية أكل الطعام. ولو كانا إلهين
لاستغنيا عن الطعام والشراب، ولم يحتاجا
إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد، ومن
کان هذا شأنه، فکیف یکون إلهًا مع الله؟(٦)
بين القرآن الكريم انحراف أهل الكتاب
بتطاولهم على الذات الإلهية، حيث نسبوا له
صفات النقص كالبخل والفقر وغير ذلك.
بين القرآن الكريم انحراف أهل الكتاب
في توحيد العبادة والطاعة، ﴿أَّخَذُوّا
أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ
اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ
إلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَحِدَّالَّا إِلَهَ إِلَّا
هُوَّ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
أي: اتخذ اليهود أحبارهم وهم العلماء
منهم، واتخذ النصارى رهبانهم وهم
عبادهم أربابًا غير الله، أي: بما أعطوهم
من حق التشريع فيهم، وأطاعوهم فيه،
أي: جعلوهم مشرعین من غير الله، يحللون
لهم ويحرمون عليهم ما لم يشرعه الله
(٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٢٣٩، التفسير القرآني للقرآن، الخطيب
١١٥١/٣.
مَوَسُولَةُ النَّقِيَّة
جوبيبو
القرآن الكريم
١٧٢

أهل الكتاب
تعالى(١)، «و کانوا أيضًا یغلون في مشايخهم
وعبادهم ويعظمونهم، ويتخذون قبورهم
أوثانًا تعبد من دون الله، وتقصد بالذبائح،
والدعاء والاستغاثة))(٢).
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوّا إِلَّا
لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدًا﴾.
أي: أن الله وحده هو الذي من حقه
التحليل والتحريم(٣).
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال:
أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي
صليب من ذهب. فقال: (يا عدي اطرح
عنك هذا الوثن)، وسمعته يقرأ في سورة
براءة: ﴿أَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ
أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، قال: (أما إنهم لم
يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا
لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا
حرموه) (٤).
وهكذا يبين القرآن الكريم انحراف
النصارى في هذا الباب العظيم من أبواب
الدين وأصوله، مما أدى بالنصارى إلى
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١/١٦، تفسير
الجلالين، المحلي والسيوطي ص٢٤٥،
تفسير المنار، رضا ١٠/ ٣١٧.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٣٤.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٥/٤.
(٤) سنن الترمذي، كتاب أبواب تفسير القرآن عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ومن
سورة التوبة، ح ٣٠٩٥، ٥/ ٢٧٨، وحسنه
الألباني في كتابه صحيح سنن الترمذي
٢٤٧/٣.
الخروج من دائرة الإيمان والدخول في
الكفر، کما حكم به تعالی عليهم.
ثانيًا: الكفر بآيات الله وتحريفها
وكتمانها:
من الانحرافات الدينية الخطيرة التي
وقع بها أهل الكتاب: الكفر بآيات الله،
وتحريفهم لكتبهم التي أنزلها الله لهم
وتبديلها، وترك الإيمان ببعضها، ولا شك
أن الكتب المنزلة على أهل الكتاب هي
وعاء دينهم وبيانه، وأن تضييعها وتحريفها
هو تضییح للدین نفسه، بما جاء به من حق
وعدل وعقائد وأحكام ومواعظ وقصص،
وتلك مصيبة عظمى حلت بأهل الكتاب،
ولقد رحم الله هذه الأمة، وخفف عنها،
وتكرم عليها حين قال: ﴿ إِنَّا تَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ أَفِظُونَ ﴾ [الحجر: ٩].
وقد بين القرآن الكريم انحراف أهل
الكتاب في الإيمان بكتبهم وتحريفها بصوره
المختلفة في مواضع كثيرة من آياته، منها:
قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ
الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضَِّ فَمَا جَزَآءُ مَن
يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّ خِىٌ فِى الْحَيَوةِ
الدُّنْيَاً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا
اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥].
وقال تعالى: ﴿فَيِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ
لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ يُحَرِّقُونَ
www. modoee.com
١٧٣

حرف الألف
اَلْكَلِمَ عَنْ قَوَاضِعِةٌ، وَنَسُواْ حَظًا مِّمَّا
ذُكِرُواْ بِدَّ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَيْنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا
قَلِيلًا مِنْهُمّ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: ١٣].
أَفَتَظِمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ
وقال تعالى:
وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ
يُحَرِفُونَهُ، مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[البقرة: ٧٥].
vo
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ
الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ
لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنَّا قَلِيلًاٌ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا
كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا مِمَا يَكْسِبُونَ
[البقرة: ٧٩].
ء
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا
أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنَاً
قَلِيلًاٌ أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُونَ فِ بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِيهِمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (١)﴾ [البقرة: ١٧٤].
وبالنظرة الإجمالية في هذه الآيات نلحظ
ما يلي:
بين القرآن الكريم انحراف أهل الكتاب
في ركن من أركان الإيمان، وهو الإيمان
یکتب الله تعالى التي أنزلها لعباده وتصديقها
واحترامها وإجلالها، والعمل بمقتضاها
وتحكيمها، وأهل الكتاب إنما يؤمنون
ببعض - لا بکل - ما جاءت به هذه الكتب
مما يوافق هواهم، ويكفرون بغيره مما
خالفه، وهم أيضًا لم يحترموا هذه الكتب،
بل نبذوها وراء ظهورهم، وحرفوها ومدوا
أيديهم إليها بالتحريف، وفي ذكر القرآن
الكريم هذا الانحراف من أهل الكتاب
توبيخ لهم، وتشنيع، وتسلية للنبي صلى
الله عليه وسلم في إعراضهم عن الإيمان
بما جاء به، بأن هذا هو حالهم مع کتب
الله المنزلة، حتى مع كتابهم هم أنفسهم،
كفروا به، وحرفوه، كما نلحظ هذا المعنى
﴿﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ
في قوله تعالى:
وَقَّدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اَللَّهِ ثُمَّ
يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
﴾ [البقرة: ٧٥].
قال السعدي: «هذا قطع لأطماع
المؤمنين من إيمان أهل الكتاب، أي: فلا
تطمعوا في إيمانهم وحالتهم لا تقتضي
الطمع فيهم، فإنهم كانوا يحرفون كلام
الله من بعد ما عقلوه وعلموه، فيضعون له
معاني ما أرادها الله، ليوهموا الناس أنها من
عند الله، وما هي من عند الله، فإذا كانت
هذه حالهم في كتابهم الذي يرونه شرفهم
ودينهم يصدون به الناس عن سبيل الله،
فكيف يرجى منهم إيمان لكم؟! فهذا من
أبعد الأشياء»(١).
وقال الشعراوي: ((﴿ثُمَّ مُحَرِقُونَهُ مِنْ
بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، هذه
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٦.
مُوسْو ◌َةُ النَّة
الْقُرآن الكَرِيْمِ
١٧٤

أهل الكتاب
معصية مركبة، سمعوا كلام الله وعقلوه
وعرفوا العقوبة على المعصية، ثم بعد ذلك
حرفوه))(١).
بين القرآن الكريم صور تحريف أهل
الكتاب لكتبهم، فهم أولًا نسوا بعضًا من
کتبهم، والذي لم ينسوه منها حرفوا فيه لفظًا
ومعنى، وكتموا منه صفة النبي صلى الله
عليه وسلم ونعته، وزادوا عليه.
قال الشعراوي: ((﴿فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا
ذُكِرُواْ بِهِ﴾ [المائدة: ١٤].
والذي لم ينسوه من المنهج، ماذا فعلوا
به؟: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ
وَأَلْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّشَكَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِّ
أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّعِنُونَ )
[البقرة: ١٥٩].
لقد كتموا البينات التي أنزلها الله في
الكتاب، فالکتم عملية اختيارية، أما النسيان
فقد یکون لهم العذر أنهم نسوه، لکنهم
يتحملون ذنبًا من جهة أخرى؛ إذ لو كان
المنهج على بالهم وكانوا يعيشون بالمنهج
لما نسوه، والذي لم ینسوہ کتموا بعضه،
والذي لم يكتموه لووا به ألسنتهم وحرفوه.
وهل اقتصروا على ذلك؟ لا. بل جاءوا
بشيء من عندهم وقالوا: هو من عند الله:
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِهِمْ ثُمَّ
(١) تفسير الشعراوي ١ / ٤٠٦.
يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾ [البقرة: ٧٩]))(٢).
فتحريف أهل الكتاب كتبهم على أربع
صور: النسيان، والكتم، والتحريف، ودس
أشياء على أنها من عند الله، وهي ليست من
عند الله.
بين القرآن الكريم بعض أسباب هذا
الانحراف عند أهل الكتاب، فاتباع أهل
الكتاب لأهوائهم جعلهم يؤمنون بما يوافق
هواهم مما جاء في كتبهم دون ما يخالفه،
وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم
وخوفهم على رياستهم جعلهم يكتمون
البشارة به، وضعف الوازع الديني لديهم
جعلهم ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ
هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾
[البقرة: ٧٩].
فباعوا دينهم بدنياهم، وقوله تعالى
في الآية ﴿قَلِيلًا﴾ أي: لا يعبأ به، فإن
ذلك المال وإن جل في نفسه فهو قليل في
مقابلة ما استوجبوه بسببه من العذاب الأليم
الخالد(٣)، ونقض الميثاق من أهل الكتاب
سبب لهم قسوة في القلب عقوبة لهم
على ذلك ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةً﴾،
والقلب القاسي لا تؤثر فيه موعظة، ولا
يخاف من عقوبة ما يقدم عليه من الإثم،
ولذلك أقدموا على التحريف وغيره من
(٢) المصدر السابق ٣/ ١٩٣٤.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١٢٠/١.
www. modoee.com
١٧٥

حرف الألف
الانحرافات.
ثالثًا: الصد عن سبيل الله وأكل أموال
الناس بالباطل.
العلماء هم صمام الأمان للخلق
عند غياب الأنبياء، يرجع الناس إليهم
ويستفتونهم ويستشيرونهم، وهم من
يدفعون عن الخلق شبهات المضلين،
وتشكيكات الشياطين، فإذا فسدوا كان لهم
أثر سيئ على عوام الناس.
وقد بين القرآن الكريم أن كثيرًا من علماء
أهل الكتاب يأكلون أموال الناس بالباطل،
ويصدون عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ
وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلنَّاسِ بِالْبَطِلِ
وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
فكشف تعالى حال كثير من الأحبار
والرهبان وفضحهم، وحذر المؤمنين منهم،
ووصفهم بأكل أموال الناس بالباطل، والصد
عن سبيل الله، وقد جاء هذا البيان والتحذير
في الآية في سياق الكلام على أهل الكتاب
في السورة، وأنهم حرفوا دينهم، وقالوا:
المسيح ابن الله، وأنهم يريدون أن يطفئوا
نور الله، وهو ما بعث به رسوله صلى الله
عليه وسلم من الهدى ودين الحق، وأن الله
لا یرید إطفاءه، بل یرید إتمامه، وقد فعل،
فناسب أن یبین مع هذا شيئًا من سيرة جمهور
هؤلاء الرؤساء الدينيين العملية؛ ليعرف
المسلمون حقيقة حالهم، والأسباب التي
تحملهم على محاولة إطفاء نور الله تعالى،
وأن أكثرهم يعبدون أهواءهم وشهواتهم.(١)
وقد وصفهم الله تعالى بأكلهم أموال
الناس بالباطل، وذلك لأنهم كانوا يأخذون
الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في
الشرائع. وأنهم كانوا يدعون عند العوام
منهم: أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة
الله تعالی إلا بخدمتهم وطاعتهم، وبذل
الأموال في طلب مرضاتهم.
إنه الطريق الباطل الذي كان أهل الكتاب
يأكلون به أموال الناس، وهو طريق أكثر
الجهال والمزورين، في كل زمان، إلى أخذ
أموال العوام والحمقى من الخلق. (٢)
قال ابن کثیر: «کان لأحبار اليهود على
أهل الجاهلية شرف، ولهم عندهم خرج
وهدایا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله
رسوله، صلوات الله وسلامه عليه استمروا
على ضلالهم وكفرهم وعنادهم، طمعًا منهم
أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله
بنور النبوة، وسلبهم إياها، وعوضهم بالذلة
والمسكنة، وباءوا بغضب من الله))(٣).
ثم وصفهم تعالى بأنهم يصدون عن
سبيل الله، وذلك لأنهم كانوا يبالغون في
(١) انظر: تفسير المنار، رضا ١٠/ ٣٤٣.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الفخر الرازي ٣٤/١٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٨/٤.
١٧٦
مَوَسُوبَةُ النَّيّة
القرآن الكريم

أهل الكتاب
المنع عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم
بجميع وجوه المکر والخداع، ویبالغون في
إلقاء الشبهات، وفي منع الخلق من قبول
دينه الحق والاتباع لمنهجه الصحيح.(١)
وفي هذه الآيات درس للمؤمنين ألا
يثقوا بهؤلاء وما يلبسونه من طقوس،
ومسوح، يلقون بها بين الناس المهابة
منهم والثقة، فبین الله تعالی أنهم يأكلون
أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل
الله، وفي الآيات أيضًا تحذير لهذه الأمة
وعلمائها من أن يسلكوا سبيل هؤلاء وما
هم عليه من الباطل(٢)، قال الحافظ ابن
كثير: ((والمقصود التحذير من علماء السوء
وعباد الضلال، كما قال سفيان الثوري: من
فسد من علمائنا کان فیه شبه من اليهود، ومن
فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى ....
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء
ورهبانها»(٣)
٠
وقد بين الله تعالى شدة حرص بعض
أهل الكتاب على فتنة المسلمين وصدهم
عن دينهم، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ
لِمَ تَصُدُّونَ عَنِ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا
وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
١٩
[آل عمران: ٩٩].
فأمر الله تعالی نبيه صلى الله عليه وسلم
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الفخر الرازي ٣٥/١٦.
(٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٢٨٩/٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٨/٤.
أن يصدع بالإنكار على أهل الكتاب لصدهم
عن دين الله من آمن به، وأمر الله تعالى نبيه
صلى الله عليه وسلم بمخاطبتهم بعنوان
أهلية الكتاب في الآية لتوبيخهم وتشديد
التشنيع عليهم، فإن ذلك العنوان يستدعي
منهم الإيمان بما هو مصدق لما معهم،
ويستدعي ترغيب الناس فيه، فصدهم عنه
في أقصى مراتب القباحة، ولكون صدهم
في بعض الصور بتحريف الكتاب والكفر
بالآيات الدالة على نبوته عليه الصلاة
.. (٤)
والسلام. (٤)
رابعًا: تلبيس الحق بالباطل.
من انحرافات أهل الكتاب المنهجية:
تلبيسهم الحق بالباطل، قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ
اَلْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ ◌ِالْبَطِلِ وَتَكْنُمُونَ الْحَقَّ
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: ٧١].
واللبس لغة: الخلط والإدخال(٥)، أي:
«هو إدخال شيء في شيء، فنحن عندما
ترتدي ملابسنا، إنما ندخل أجسامنا في
الملابس، وبهذا يختلف منظر اللابس
والملبوس))(٦)
.
ومعنى الآية: أن أهل الكتاب يخلطون
الحق وهو ما أنزله الله عليهم فى كتابه،
(٤) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٦٣/٢.
(٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٣٠/٥،
لسان العرب، ابن منظور ٦/ ٢٠٢.
(٦) تفسير الشعراوي ٣/ ١٥٣٧.
www. modoee.com
١٧٧

حرف الألف
ورهبانهم من الأكاذيب والتأويلات الباطلة،
حتی ارتفعت الثقة بجمیعه(١)، وصدر تعالی
الآية بالنداء بـ (يا أهل الكتاب) زيادة في
توبيخهم، والاستفهام في (لِمَ) إنكاري
لإنكار ما وقع منهم(٢)، أي: كان يجب
عليكم وأنتم أهل كتاب تعلمون منزلة ما
أنزله الله تعالى لكم، وفضله عليكم، أن
تحافظوا على هذه الكتب وتصونوها، لا أن
تخلطوا الباطل بها، فتفسدوها وتفقدوا الثقة
بجمیعھا.
إن أهل الكتاب لبسوا باطلهم ثوب
الحق، بإدراجه في کتبهم، وادعاء کونه من
عند الله، وهو انحراف واضح في دين الله
عز وجل.
خامسًا: الغلو في الدين.
((يمثل الغلو ظاهرة انحراف خطيرة في
تاريخ الأديان السماوية؛ إذ يعد من أكبر
أسباب الانحراف بالدين عن الصراط
المستقيم. ويبدأ هذا الانحراف يسيرًا ثم
يتعاظم على مر الأيام حتى يصبح كأنه
الأصل، وها هي النصرانية! كيف كانت على
عهد المسيح عليه السلام عقيدة خالصة من
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٥٠٥، تفسير
المنار، رضا ٢٧٣/٣، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ٢٧٩/٣.
(٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/ ١٢٧٠.
بالباطل وهو ما أدخله فيه أحبارهم شوائب الشرك، ودينًا قويمًا، ثم أصابها
الغلو فانحرف بها عن التوحيد الخالص
إلى الشرك المحض، ومن دين سماوي إلى
دين وضعي ممزوج بوثنيات الهند وترهات
اليونان وأباطيل اليهود)»(٣).
لقد غلا النصارى في دينهم غلوًا عظيمًا
أفسد عليهم دينهم، وخسروا بذلك آخرتهم،
فغلوا في المسيح عليه السلام وتعظيمه،
حتى عبدوه من دون الله تعالى، وغلوا
في صالحیھم وعبادهم، واتخذوهم أربابًا
من دون الله، يدعونهم ويستغيثون بهم،
ويشرعون لهم، وغلوا في العبادة وابتدعوا
الرهبانية فيها.
ولقد بين القرآن الكريم انحراف أهل
الكتاب في غلوهم في دينهم، فجاءت
مادة الغلو في القرآن الكريم في موضعين،
كلاهما في سياق الحديث عن أهل الكتاب،
وهما:
قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لاَ
تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا
اُلْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولٌ
اللّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوِعٌ مِّنْهُ
قَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَثَةٌ أَنْتَهُواْ
خَيْرًاً لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَلَهُ,
أَنْ يَكُونَ لَهُ، وَلَدٌّ لَّهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى
(٣) محبة الرسول بين الاتباع والابتداع، عثمان
ص ١٤٧.
١٧٨
مَوَبُو بَةُ اللَّقية
القرآن الكريمِ