Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الأوثان عناصر الموضوع مفهوم الأوثان ٢٥٤ الأوثان في الاستعمال القرآني ٢٥٥ الألفاظ ذات الصلة ٢٥٦ ٢٥٨ تاريخ وفلسفة ٢٦٠ أشهر أصنام العرب ٢٦٤ حجج عابدي الأوثان ٢٦٩ محاورات الأنبياء عن عبادة الأوثان ٢٧٩ صفات الأوثان في ضوء القرآن ٢٨٤ مظاهر تقديس العرب للأصنام ٢٩٧ عاقبة الأوثان وعابديها المُجَلَد السّادِسْ حرف الألف مفهوم الأوثان أولًا: المعنى اللغوي: تدور مادة (وثن) في المعاجم على معنيين: الأول: الكثرة والاستزادة، والثاني: الدوام والثبوت، فمن الأول قول القائل: استوثن الرجل من المال: استكثر، واستوثن النحل: صارت فرقتين صغارًا وكبارًا، وأوثن زيدًا: أجزل عطيته(١). ومن الثاني عن صاحب الصحاح: ((والواثن مثل الواتن، وهو الثابت الدائم)) (٢). و((الوثن التمثال يعبد، سواء أكان من خشب أم نحاس أم فضة أم غير ذلك، جمع أوثان ووثن، والوثني: من يتدين بعبادة الوثن، يقال: رجل وثني، وقوم وثنيون، وامرأة وثنية، ونساء وثنيات، والوثنية مذهب عبدة الأوثان»(٣). ولعل وجه اتصال لفظ (الوثن) بأصل مادته اللغوي ظاهر في كثرة عدد وأنواع الأوثان التي عبدتها العرب، أما ((الدوام والثبوت)) فظاهر أيضًا في أن الوثن دائم في مكان ما ومستقر فیه. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: من خلال ما سبق يتضح أن الوثن واحد الأوثان، ويدور في وضعه اللغوي حول المعنيين السابقين، أما في الاصطلاح فليس في مظان التعاريف الاصطلاحية ما يروي الغليل، ويوضح المقصود، لذا لابد من استنباط تعريف من خلال ما مضى، يكون مناسبًا في هذا الصدد، فالوثن في الاصطلاح يعني: ((كل معبود اتخذه المشركون إلهًا من دون الله، حجرًا كان، أو شجرًا، أو معدنًا))، ولعل هذا التعريف يوضح المراد، والله أعلم. فالعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: وثيقة جدًا فالأوثان متعددة وكثيرة من ناحية العدد، و ثابتة - غالبًا - من ناحية المکان؛ إذ قلما تنقل من مكان لآخر. (١) انظر: القاموس، الفيروز أبادي، ٢٧٦/٦، بصائر ذوي التمييز له أيضًا، ١٥٩/٥، الصحاح، الجوهري، ٢/ ١٦١٦. (٢) الصحاح، الجوهري، ٢/ ١٦١٦. (٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ١٠٢٣/٢. مَوَسوبر النفسي القرآن الكريم ٢٥٤ الأوثان الأوثان في الاستعمال القرآني وردت الأوثان في القرآن الكريم (٣) مرات فقط (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال اسم جمع ٣ ﴿فَأَجْتَنِبُواْالرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] وقد أطلق القرآن الوثن علی: ما كان له جثة من خشب أو ذهب أو فضة أو غير ذلك، ينحت وينصب فيعبد من دون الله(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٤٢، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الواو ص ١٤٠٠. (٢) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٢٨٣/٤، المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٨٥٣، بصائر ذوي التمییز، الفيروزآبادي، ١٥٩/٥. www. modoee.com ٢٥٥ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة الأصنام: ١ الأصنام لغة: واحدها: أصنام، وهو ما وينحت من خشب، ويصاغ من فضة ونحاس، فالجمع أصنام، وهو ما اتخذ إلهًا من دون الله(١). الأصنام اصطلاحًا: هي كل ما يعبد من دون الله. الصلة بين الأوثان والأصنام: هناك من لم يفرق بينهما فاعتبرهما واحدًا (٢)، وهناك من فرق، ومنهم ابن الأثير حيث قال: ((الفرق بين الوثن والصنم: أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب أو الحجارة، كصورة الآدمي تعمل، وتنصب فتعبد، والصنم: الصورة بلا جثة))(٣). الأنصاب: ٢ الأنصاب لغة: ((النُّصُب: ما ينصب ليعبد من دون الله، أو ليذبح عنده الذبائح تقربًا إليه أو إلى الأصنام)) (٤). الأنصاب اصطلاحًا: قال الكفوي: ((الأنصاب أي: الأصنام التي نصبت للعبادة))(٥). الصلة بين الأوثان والأنصاب: الأوثان تشمل كل ما يعبد من دون الله، أما الأنصاب فهي الحجارة التي ليست لها صورة معينة، كان يعبدها الجاهليون من دون الله تعالى لذبحهم القرابين عندها، وبهذا يظهر الفرق بينها وبين الأوثان. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٣٤٩/١٢. (٢) انظر: المصباح المنير، الفيومي، ٦٤٧/٢، الصحاح، الجوهري، ٢٢١٢/٦. (٣) النهاية في غريب الحديث، ١٥١/٥. (٤) القاموس القويم، إبراهيم عبد الفتاح، ٢٦٧/٢. (٥) الكليات، الكفوي، ١/ ٢٠٣. مُوس ◌َة النفسية القرآن الكريم ٢٥٦ الأوثان الأزلام: ٣ الأزلام لغة: الأزلام: جمع زلم، والزلم: القدح لا ريش عليه، و((زلم)) بالفتح أو ((زلم)) بالضم، والزلم والقلم واحد، وقلمه إذا قطعه، يقال: زلم أذنه وأنفه زلمًا: أي: قطعهما(١). الأزلام اصطلاحًا: والأزلام هي القداح أو السهام التي جعلت للاستقسام (٢)، وإنما سميت القداح بالأزلام؛ لأنها زلمت، أي: سويت، وقيل: حصّى بيضٌ كانوا يضربون بها، وكانت العرب تستقسم بها عند الأصنام، والاستقسام طلب القسم، أي: معرفة ما يقسم للإنسان ويقدر(٣). الصلة بين الأوثان والأزلام: الفرق بينهما واضح، فالأوثان ما يعبد من دون الله، أما الأزلام فهي القداح التي تستخدم في الجاهلية لمعرفة ما يقسم للإنسان. التماثيل: ٤ التماثيل لغة: جمع تمثال، والتمثال: الصورة، ومثل له الشيء: صوره حتى كأنه ينظر إليه، يقال: مثلت، بالتثقيل والتخفيف، إذا صورت مثالًا، والتمثال: الاسم منه (٤). التماثيل اصطلاحًا: أصل التمثال الشيء المصنوع مشابهًا لشيء من مخلوقات الله سبحانه، يقال: مثلت الشيء بالشيء إذا جعلته مشابهًا له(٥). الصلة بين الأوثان والتماثيل: التماثيل هي الأجسام المصورة على هيئة إنسان أو حيوان أو طائر أو كائن ما، عبد هذا المصور أو لم يعبد، أما الأوثان فغالبًا تعبد من دون الله تعالى. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢٦٩/١٢، أساس البلاغة، الزمخشري، ص ١٩٤. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣٨/١١، جامع البيان، الطبري، ٣١١/٩. (٣) انظر: الميسر والأزلام، عبد السلام هارون، ص٥٥. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٦١٣/١١. (٥) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٤٨٦/٣. www. modoee.com ٢٥٧ حرف الألف ظهور الأصنام بعد آدم عليه السلام مباشرة تاريخ وفلسفة فيقول: ((أول ما عبدت الأصنام أن آدم عليه السلام لما مات جعله بنو شيث بن آدم في سيطوف بنا البحث في أسطره التالية بتأريخ موجز لعبادة الأوثان وبداية ظهورها، وانتقالها إلى العرب، وهذا فيما يلي: مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند، ويقال للجبل: ((نوذ))، وهو أخصب أولًا: بدء عبادة المجسمات لدى جبل في الأرض .. الأمم: یکاد يكون من المشتهر تاريخيًا أن عبادة الأصنام ظهرت أول ما ظهرت على أيدي قوم سيدنا نوح عليه السلام، وعن طريقهم انتشرت عبادتها في بقية أرجاء المعمورة، وتابعهم على ذلك من جاء بعدهم، لكن حقيقة الأمر بخلاف ذلك، فمن خلال البحث والدراسة تبين أن مبدأ ظهور الأصنام على الساحة كان بعد زمن سيدنا آدم عليه السلام. وفي ذلك يقول الإمام الفخر الرازي: ((اعلم أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأصنام، والدليل عليه أن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا تاريخهم على سبيل التفصيل هو نوح عليه السلام، وهو إنما جاء بالرد على عبدة الأصنام، کما حکی الله عنه ذلك ... وذلك ليدل على أن دين عبدة الأصنام قد كان موجودًا قبل نوح عليه السلام)»(١). وهذا كلام يؤيده ما ذكره نسابة العرب ((هشام بن محمد الكلبي)) حيث يروي قصة (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٣/ ٣٧. ثم ذكر قولًا عن ابن عباس رضي الله عنهما يقول فيه: (( وکان بنو شیٹ يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه، ویترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل! إن لبني شيث دوارًا (٢) يدورون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء، فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها ... )) . ثم يقول هشام: أخبرني أبي قال: كان ود، وسواعٌ، ویغوث، ويعوق، ونسر قومًا صالحين، ماتوا في شهر فجزع عليهم ذوو أقاربهم، فقال رجل من بني قابيل: يا قوم هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم، غير أني لا أقدر أن أجعل فيها أرواحًا؟ قالوا: نعم !! فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم، فكان الرجل يأتي أخاه وعمه، وابن عمه فيعظمه ويسعى حوله، حتى ذهب ذلك القرن الأول، ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من (٢) الدوار : - بتخفيف الواو المفتوحة -: الطواف، يقال: دار دورًا: طاف حول الشيء. المعجم الوجيز ص ٢٣٧، ولعل المقصود بالدوار هنا:الشيء نفسه الذي يدورون حوله. ٢٥٨ موسوعة البقية جوبيين القرآن الكريم الأوثان تعظيم القرن الأول، ثم جاء من بعدهم القرن حجهم البيت ليعبدوها ففعل (٤)، ومن قائل: الثالث فقالوا: ما عظم أولونا هؤلاء (١) إلا إن عمرًا مرض مرضًا شديدًا، فقيل له: إن وهم یرجون شفاعتهم عند الله، فعبدوهم وعظم أمرهم، واشتد كفرهم، فبعث الله إليهم إدريس عليه السلام نبيًا فدعاهم فكذبوه، فرفعه الله إلیه مكانًا علیًا، ولم يزل أمرهم يشتد حتى أدرك نوح عليه السلام فبعثه الله نبيًا)» (٢). يتضح لنا من خلال ما سبق مبدأ ظهور عبادة الأوثان، وأنها قدیمة من بعد زمن آدم عليه السلام. ويكاد العلماء أن يجمعوا على أن أول من أدخل الأصنام في الجزيرة العربية هو ((عمرو بن لحي الخزاعي)). لكن اختلفوا فيما بينهم في تحديد السبب الباعث لهذا الرجل على إدخال الأصنام الجزيرة، فمن قائل: إن عمرو بن لحي كان له رئيٌ (٣) من الجن، فأمره أن يذهب بالأصنام إلى العرب في وقت (١) جرت العادة في اللغة باستعمال ((هؤلاء)) و((أولئك)) للعقلاء، وهي هنا للأصنام، ولكن ورد استعمالها أيضًا فيما لا يعقل على سبيل القلة، كما ورد في أشعار العرب. أفاده محقق کتاب الأصنام، أ/ أحمد زكي باشا ص ٥٢. (٢) انظر الأصنام ابن الكلبي ص ٥١ بتصرف. (٣) كانت العرب تقول: ((فلان له رئي من الجن) إذا ألف الجني إنسانًا، وخبره ببعض الأخبار، وبما وقع ويقع من الأسرار، انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د/ جواد علي ٦/ ٧٣٧ بتصرف . بالبلقاء من الشام حمة (٥) إن أتيتها برأت، فأتاها فاستحم بها فبرا، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة (٦)، وقيل: غير ذلك(٧). وفي الصحيح: (أن عمرو بن لحي هو أول من سيب السوائب (٨)، ووصل الوصيلة (٩) .. ) إلخ. فهو أول من أدخل الأصنام شبه الجزيرة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (٤) الأصنام ص ٥٤، ٥٨ بتصرف شدید. (٥) الحمة : -بفتح المهملة وتشديد الميم المفتوحة هي العين الحارة- يستشفى بها الأعلاء والمرضى. مختار الصحاح ص ٩٠. (٦) الأصنام ص ٨. (٧) للمزيد يراجع: السيرة النبوية للإمام عبد الملك بن هشام ١ / ١٠١. (٨) السائبة هي: الدابة التي تسيب في المرعى، فلا ترد عن حوض ولا علف، وذلك إذا ولدت خمسة أبطن. مفردات الراغب الأصفهاني ص٤٣١ . (٩) الوصيلة: الناقة البكر، تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثنى بعد ذلك بأنثى، وكانوا يتركونها لآلهتهم، إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، أو الشاة إذا ولدت ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلا يذبحون أخاها من أجلها. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢٨/٣، المفردات، الراغب الأصفهاني ص٨٧٣. www. modoee.com ٢٥٩ حرف الألف (رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي پجر قصبه(١) في النار، وكان أول من سيب السوائب)(٢). والحديث رتب هذا العذاب الشديد في النار، لكون عمرو هو أول من أدخل الأصنام شبه الجزيرة، ولكونه باء بإثم العرب أجمعين لمَا تسبب في الشرك، وبذر بذوره الأولى، والله أعلم. (١) قصبه: بضم فسكون أي: أمعاءه وجمعه أقصاب، وعليه فالقصب اسم للأمعاء كلها، وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء، انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٦٧/٤ بتصرف . (٢) أخرجه البخاري، واللفظ له، في صحيحه، كتاب المناقب، باب قصة خزاعة، رقم ٣١٥١، ١٨/٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم ٢١٩/٤،٢٨٥٦. أشهر أصنام العرب عبدت العرب أصنامًا كثيرة، حتى لقد کان لکل دار من دور مكة صنم تعبده، ناهيك عن الأصنام التي يعبدونها في أسفارهم، وفي الأمكنة التي يحلون بها، فإذا ارتحلوا تركوها خلف ظهورهم ومضوا لحالهم، ومن ثم تعددت الأصنام بتعدد القبائل، بل بتعدد الدور والأسفار والأشخاص ... لكن البحث لا يتطرق لها كلها، بل يكتفي بالتعريف بأشهرها، والتي ذكرها الله تعالى، وستعرض في عجالة؛ خشية الملل والإطالة. ١. هُبَل. كبير آلهة العرب، يحج إليه الناس من كل فج عميق، ولفظ ((هبل)) مشتق من لفظ أرامي. معناه : الروح(٣). يذكر ابن الكلبي أن «أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكان يقال له: هبل خزيمة» (٤). لكن أبا الوليد الأزرقي يذكر عن ابن إسحاق: أن أول من نصبه هو عمرو بن لحي فيقول: ((البئر التي كانت في جوف الكعبة كانت على يمين من دخلها، وكان عمقها (٣) عبادة الأوثان، عكاشة عبد المنان الطيبي ص ٨١ - ٨٢. (٤) الأصنام ص ٢٨. ٢٦٠ فَضْو مُوسُو ◌َرُ النَفسِيد القرآن الكريمِ الأوثان ثلاثة أذرع، يقال: إن إبراهيم وإسماعيل حفراها ليكون فيها ما يهدى للكعبة، فلم تزل كذلك حتى كان عمرو بن لحي، فقدم بصنم یقال له: «هبل)» من «ھیت) من أرض الجزيرة، وكان هبل من أعظم أصنام قريش عندها، فنصبه على البئر في بطن الكعبة، وأمر الناس بعبادته))(١)، وكان هبل من عقيق(٢) أحمر، على صورة إنسان مكسور الید الیمنی، أدركته قریش کذلك، فجعلوا له يدًا من ذهب (٣)، وكانوا يضربون بالقداح(٤ عنده، يستقرئون بها الأمور المغيبة كما يزعمون(٥)، ومثل ذلك فعل عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يذبح ابنه وفاء لنذره الذي نذر، والقصة مشهورة (٦). ولعله اتضح لنا بعض ما كان يفعله أهل (١) تاريخ مكة للأزرقي ١ / ١٤٠ بتصرف. (٢) العقيق: حجر كريم أحمر يعمل منه الفصوص، يكون باليمن وسواحل البحر الأحمر. المعجم الوجيز ص ٤٢٨. (٣) الأصنام ص ٢٨. (٤) القداح: جمع قدح، بكسر القاف وسكون الدال، وهو قطعة من الخشب مستوية، قليلة العرض، متوسطة الطول، تجعل فيها حزوز تدل على نصيب صاحبها من الجزور وغيره وكانت تستعمل في الميسر المعجم الوجيز ص ٤٩١. (٥) للمزيد راجع: تاريخ مكة للأزرقي ١/ ١٤٠، ١٤١ بتصرف. (٦) انظر في ذلك: البداية والنهاية ابن كثير ٢٢٨/٢، والسيرة النبوية ابن هشام ١ / ١٧٦. الجاهلية من أمور تنم عن جهل وبعد عن الحق، حيث كانوا يستقرئون الغيب من حجارة صماء، لا تملك من أمر نفسها شيئًا. ٢. اللات. كان هذا الصنم من أعظم أصنام قريش أيضًا، حيث كانوا يتقربون إليه بالقرابين والذبائح، وهو أحد الأصنام المذكورة في القرآن في قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَ يْتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]. وفي أصل اشتقاق لفظ ((اللات)) يقول الإمام الطبري: ((اشتقاقه من الله، ألحقت فيه التاء فأنثت، كما قيل: عمرو للذكر، وللأنثى عمرة، وعباس وعباسة، فكذلك سمی المشركون أوثانهم بأسماء الله -تعالی ذكره-، وتقدست أسماؤه فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزى، وزعموا أنهن بنات الله، تعالى الله عما يقولون وافتروا علوًا کبیرًا)) (٧). وذکر یاقوت الحموي رأیًا آخر في أصل اشتقاق اللفظ، فيقول: ((يجوز أن يكون من لاته يليته، إذا صرفه عن الشيء، كأنهم يريدون أن يصرف عنهم الشر ... ))(٨). وأيا ما كان الأمر فالمراد أن: المشركين نسبوا إلى الله ما هو منه براء، وأوغلوا في الافتراء حين نسبوا إليه الأنثى وجعلوا لهم (٧) جامع البيان، الطبري ١١/ ٥١٩ بتصرف. (٨) معجم البلدان للحموي ٥/ ٥،٤. www. modoee.com ٢٦١ حرف الألف الذكر. هذا وإن المؤرخين وكتاب السير يكادون أن يجمعوا على أن أصل عبادة اللات تعود إلى «أن رجلا یهودیًا ممن مضی كان يقعد على صخرة لثقيف، يبيع السمن للحجيج إذا مروا فيلت سويقهم (١)، وكان ذا غنم، فسميت: صخرة اللات، فلما مات، قال لهم عمرو بن لحي: إن ربکم کان اللات، فدخل في جوف الصخرة)) (٢)، وعندئذ عبدوها واتخذوها إلهًا من دون الله تعالى . ومن تعظيم العرب لهذا الصنم أنهم كانوا دائمًا يقسمون به في أيمانهم، بالإضافة إلى صنم ((العزى)) فيقول أحدهم: ((واللات والعزى لأفعلن كذا وكذا .. إلخ)». ویروی عن بعضهم أنه كان يقسم باللات والعزى فقال (٣): وباللات والعزى ومن دان دينها وبالله، إن الله منهن أكبر أرأيت معي كيف ضلت العرب ردحًا من الزمان بتعبدهم لهذه الأصنام وتقربهم إليها، (١) لت الرجل السويق ونحوه لتّا: خالطه بسمن أو غيره، والسويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، والجمع أسوقة. انظر: المعجم الوجيز ص ٥٥١ (لت)، ص ٣٣٠ (ساق). (٢) تاريخ مكة للأزرقي١/ ١٥٠، وبلوغ الأدب في معرفة أحوال العرب، الآلوسي ٢٠٣/١، والأصنام، ابن الكلبي ص ١٦. (٣) البيت قاله الشاعر أوس بن حجر في ديوانه ص ٣٦. حتى امتن الله عليهم وعلينا بنعمة الإسلام، وأعظم بها من نعمة. ٣. العزى. ومن الأصنام التي كانت العرب تعظمها صنم ((العزى))، وهي تأنيث الأعز أو العزيز، ومن تعظيم العرب لها أنهم كانوا يسمون أبناءهم بها، فسموا عبد العزى (٤)، وهذا أمر شهير عنهم. قيل: إن أول من دعا إلى عبادتها هو عمرو بن لحي والحارث بن كعب (٥). وعلى كلٍ فالمقصود أن العرب عبدت العزى من دون الله، ولا يؤثر في ذلك تحديد أول من دعا إلى عبادتها. هذا وقد اختلف العلماء في تحديد ماهية صنم العزی ووصفه: فعن مجاهد قال: ((العزى شجيرات)) (٦). ووافقه أبو الوليد الأزرقي حیث یقول: «كان العزی ثلاث شجرات بنخلة»(٧). وقال الطبري: ((قال آخرون: كانت العزى حجرًا أبيض»(٨). ووافقهم ابن الكلبي في ذلك (٩). (٤) الأصنام ص ١٧، ١٨ بتصرف. (٥) انظر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام للإمام، ابن الضياء المكي ص ٧٤. (٦) جامع البيان، الطبري ١١/ ٥٢٠. (٧) تاريخ مكة ١/ ١٥٠. (٨) جامع البيان، الطبري ١١/ ٥٢١. (٩) في الأصنام ص ١٨. ٢٦٢ النهـ جوسى القرآن الكريم الأوثان وحكى الطبري رأيًا ثالثًا فيقول: ((قال ساحل البحر من ناحية ((المشلل)) بقدید بین مكة والمدينة)) (٣). آخرون: کان بیتًا بالطائف تعبده ثقیف»(١). ولقد جمع بين هذه الآراء أحد المعاصرين فقال: ((والرأي المعقول المقبول هو أن العزى صنم، له بيت، وأمامه غبغب، أي: خزانة - يضع فيها العباد المؤمنون بالعزی هدایاهم و نذورهم لها، أما الشجيرات الثلاث فإنها شجيرات مقدسة أيضًا ؛ لأنها في حرم العزى، وشجر الحرم شجر مقدس لا يجوز قطعه؛ ولذلك كان أهل مكة يتجنبون مس شجر الحرم بسوء، ويحذرون من أراد ذلك بسوء العاقبة))(٢). وبهذا يتم الجمع بين الآراء جميعها، ويتضح أن ((العزى)) هي مجموع ذلك كله، والله أعلم. ٤. مناة. حظي صنم ((مناة)) هو الآخر بمثل ما حظيت به اللات والعزى من عبادة قريش، وتعظيمهم وتقديسهم إياه ((وكانت العرب جمیعًا تعظمه، وتذبح حوله، و کانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة وما قاربهما من المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون، ولم يكن أحد أشد إعظامًا له من الأوس والخزرج، وكان منصوبًا على (١) جامع البيان، الطبري ١١/ ٥٢١. (٢) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي ٦/ ٢٤٥ بتصرف. هذا ولم يذكر أحد من العلماء سر جعل هذا الصنم على ساحل البحر دون بقية الأصنام، إلا ما ذكره بعض المعاصرين من ((أن العرب كانت تذبح الذبائح عند مناة، وكانوا يفعلون ذلك ليستمطروا عندها الأنواء تبركًا بها، ويتبين من ذلك أن هذا الموضع کان مقدسًا، وقد خصص بإله ينشر السحب، ويرسل الرياح فتأتي بالأمطار لتغيث الناس، وإن لهذا الإله صلة بالبحر وبالماء، ولذلك أقيم معبده على ساحل البحر)) (٤)، ولأنهم كانوا يذبحون عندها الذبائح استنزالًا للمطر، قال بعض العلماء: ((إنما سميت مناة؛ لأن دماء النسائك كانت تمني عندها، أي: تراق))(٥) ومن شدة تعظيم العرب لهذا الصنم أنهم ما كانوا يميلون، وينحرفون عن طريقهم إذا ساروا من جانبه حتى لا يستدبروه، أو يكون خلف ظهورهم إعظامًا وتقديسًا له. وهكذا ضل العرب جميعًا بعبادة هذه الأحجار وتقديسها، وأفنوا أعمارهم هباء في تعظيمها، ولقد عبدت العرب أصنامًا كثيرة غير هذه الأربعة، إلا أنها لم تحظ (٣) الأصنام ص ١٣. (٤) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٦/ ٢٤٧ بتصرف. (٥) الكشاف ٤/ ٤٢٣. www. modoee.com ٢٦٣ حرف الألف بالشهرة الواسعة مثل ما حظيت به هذه الأربعة، أمثال ((ود، وسواع، ويغوث، ويعوق ... وغيرها)) إلا أني اكتفيت بأكثرها شهرة وذيوعًا، وأضربت عن غيرها صفحًا تحاشيًا للإطالة. حجج عابدي الأوثان عبد المشركون الأوثان من دون الله تعالى، واحتجوا في عبادتهم هذه بعدة حجج وأسباب، تطرق البحث لبعضها فيما سبق، ويتطرق البحث هنا للبعض الآخر مستشهدًا عليه ببعض الآي التي ورد فيها، وهي كما يلي: أولًا: تلبيس إبليس عليهم: لا شك أن إبليس عليه اللعنة أصل كل شر، وأساس كل معصية وضلال، والمشركون نالوا من إضلاله وإغوائه أكبر حظ، وأوفر نصيب، فزين لهم الشيطان أعمالهم في عبادتهم الأوثان، وهذا السبب هو أصل لما بعده من أسباب عبادة الأصنام، من تقليد للآباء، وابتغائهم العزة في عبادتها، وجلب المحبة والخصب والرزق ... ونحو ذلك من أسباب وأوهام، ومن ثم فلن أقف معه طويلًا، بل أشير فقط إلى مجمل الآيات. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلََّّ شَيْطْنَا قَرِيدًا ® ◌َّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (٥) وَلَأَمَنِيَنَّهُمْ وَلَامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الْأَنْعَمِ وَلَمُنَّهُمْ فَلَيُغَيْنَ خَلْقَ اللَّهَّ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيَّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا قُّبِينًا ) يَعِدُهُمْ ٢٦٤ مَوَسود القرآن الكريم الأوثان وَيُمَّنِِّهِمَّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١١٧ - ١٢٠]. وقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا أْخَقُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوُ لَعَلَّكُمْ تُعْلِحُونَ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَوَةَ وَالْبَعْضَآءَ فِ اَلْخَيْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنُم ◌ُنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠-٩١]. وقوله تعالى: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ إِنَّ الشَّيْطَنَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ، فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠] ... أن الشيطان للإنسان بالمرصاد، يأمره بکل شر، من خمر وميسر وأنصاب وأزلام، ... ويصده عن كل خير وطاعة لله تعالى، من توحيد وصلاة وذكر ... وكل قربى لله رب العالمين، ولذلك فإنه يتوعد البشر ويمنيهم الأماني الفارغة، ولا شك أنها أمانٍ باطلة كاذبة، لكن لا يعلم البشر بکونها كذلك إلا في الآخرة بعد فوات وقت التنبه والإدراك. ولا أدل على ذلك من ذكر الله تعالى في الآيات السابقة بعضًا من الأفعال القبيحة، ثم وصفها بقوله ﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾، ويفسر الإمام الطبري هذه الآية فيقول: ((﴿رِجْسٌ أي: إثم ونتنٌّ سخطه الله، و کرهه لكم ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ يقول: شربكم الخمر، وقماركم على الجزر، وذبحكم للأنصاب، واستقسامكم بالأزلام، من تزيين الشيطان لكم، ودعائه إياكم إليه، وتحسينه لكم، لا من الأعمال التي ندبكم إليها ربكم، ولا مما يرضاه لكم، بل هو مما يسخطه لكم ﴿فاجتنُوهُ ﴾ یقول: فاتركوه وارفضوه ولا تعملوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾، أي: لكي تنجحوا فتدركوا الفلاح عند ربكم بترككم ذلك»(١). كما تفيد الآيات أيضًا أن: إبليس تحقق ظنه على الناس -وبخاصة المشركون- حين تأثروا بوسوسته، وبادروا إلى العمل والآيات كثيرة، وهي في مجملها تفيد بما دعاهم إليه من الإشراك والكفران، وتقديم القرابين والنذور الآلهة من دون الله تعالى. هذا والملاحظ على الآيات المباركات أمور: الأول: أن ورود التعبير عن الوسواس هنا بتعبيرين: ((الشيطان)) و(إبليس))، يلحظ فيه معنیان، معنی (البعد عن کل خیر وهدی))، وهذا مستفاد من الفعل (( شطن)) أصل كلمة ((شيطان))، أما لو كان من ((شاط أو شيط)) أي: احترق، فهو أيضًا كذلك؛ لأنه يحترق غضبًا؛ حيث إنه مخلوق من نار (٢). (١) جامع البيان، الطبري ١٠ / ٥٦٤. (٢) المفردات، الراغب ص ٤٥٤. www. modoee.com ٢٦٥ حرف الألف كما أنه يلحظ من التعبير بإبليس معنى ((الإبلاس)) وهو ((الحزن الشديد المعترض من شدة اليأس)) (١)، فأبليس -عليه اللعنة- آيس ومطرود من رحمة الله تعالى، ولو لم یکن فیه إلا هذان الوصفان لكان كافيًا في البعد عنه، والتحذير من شره ووسوسته. الثاني: ورود التعبير في التحذير من عداوة الشيطان في بعض الآيات بالفعل المضارع ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَّنِّيهِمٌ﴾ للدلالة علی تجدد هذا بالنسبة للشيطان مع أوليائه، فهو لا ييأس أبدًا، فيغير من أساليبه، وينوع من طرق إغوائه، حتى يصل إلى مقصوده من إضلال الناس، وإيقاعهم في الشرك والمعاصي، نسأل الله تعالى العفو والعافية. الثالث: التعبير بالاسم في وصف عصيان الشيطان، في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَنَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤]. يدل على دوام واستمرار عصيانه لربه سبحانه، ومن ثم فلن یرجی منه خير ألبتة، وعليه فينبغي الحذر منه غاية الحذر، حيث إنه العدو الألد لبني البشر جميعًا. ثانيًا: تقليد الآباء والأجداد: من أعظم مهام الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم محاربة العادات والتقاليد المخالفة للتوحيد، ولم يلق أحد منهم عنتًا وأذى أكثر من عنت محاربة الأعراف وتقليد الآباء والأسلاف، فهذا هود عليه السلام يجابهه قومه، ويردون دعوته بقولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، قَالَ قَدْ كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. وهذا صالح عليه السلام أيضًا يحارب موروث قومه عن آبائهم وأجدادهم، فيعترضون عليه أيضًا بمثل قولهم: ﴿أَنَّهَمْنَا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى سَئِ مِمَا تَدْعُونَّ إِلَيْهِ مُِيمٍ﴾ [هود: ٦٢]. وهذا موسى عليه السلام يحاربه قومه، وينافحونه في دعوته لهم، ويردون عليه بمثل ما قال السابقون، فيصرخون في وجه نبيهم قائلين له ولأخيه هارون: ﴿أَجِئْتَنَا ◌ِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَ نَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَُّ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [ يونس: ٧٨]. وهذا مسك ختامهم محمد صلى الله علیه وسلم یجابهه قومه بمثل ما اعترض السابقون على أنبيائهم، فهم كما قال القرآن عنهم- بعد ذكر عدد من أنواع شركهم ووثنيتهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَ نَاْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]. وكما قال أيضًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ ◌َُ أَنَّبِعُواْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا (١) المصدر نفسه ص ١٤٣. مَوَسُولَةُ النَّ القرآن الكريم ٢٦٦ الأوثان أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا ذرة من نفع لأنفسها، فضلًا عن عابديها. يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. وهذه الآيات في عمومها تشير إلى هذا الداء الخطير الذي أصاب الأمم والأجيال المتعاقبة، ومقصوده ومعناها قريب وواضح، فمثلًا يذكر تعالى في الأخيرة منها أنه «إذا قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، واتركوا ما أنتم فيه من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والأنداد ونحوها، ثم يقول الله تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ ﴾ أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ أي: ليس لهم فهم ولا هداية !! )). وهکذا یعاني الدعاة في کل عصر ومصر من محاربة المألوف والعادة لصعوبة نقل الناس وإبعادهم عن هذه. المورثات المخالفة للشرع والدين، ولكن مع توفيق الله تعالى والصبر تذلل كل الصعاب، وتتجاوز کل المحن والإحن. ثالثًا: ابتغاء العزة عندهم: من الأسباب أيضًا كون المشركين يبتغون العزة لدی معبودیھم من الأوثان، وسبحان الله! أين هذه العقول التي تتطلب العزة والرفعة من حجارة صماء، لا تملك مثقال وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لِيَكُونُوْ لَهُمْ عِزَّا ) اُلْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١-٨٢] وهنا يقول تعالى ذكره: واتخذ هؤلاء المشركون من قومك يا رسول الله آلهة يعبدونها من دون الله؛ لتكون هؤلاء الآلهة لهم عزّا، يمنعونهم من عذاب الله، ويتخذون عبادتها عند الله زلفى، ورد الله تعالى زعمهم هذا بقوله: ﴿اَلْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ﴾ أي: ليس الأمر كما ظنوا وأملوا من هذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله، في أنها تنقذهم، وتنجیهم من عذاب الله، ومن سوء ما أراده بهم ربهم، ولكن سيكفر الآلهة في الآخرة بعبادة هؤلاء المشركين يوم القيامة إياها، وكفرهم بها: قولهم لربهم: ﴿تَبرَأنا إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص ٦٣]. فجحدوا أن يكونوا عبدوهم أو أمروهم بذلك، وتبرءوا منهم، وذلك كفرهم بعبادتهم(١). رابعًا: محبتها: اعتقد المشركون في أوثانهم أنها تجلب المحبة، ومن ثم بادلوها نفس الشعور أو أكثر، فأحبوها محبة تفوق محبتهم لخالقهم (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٨٠. www. modoee.com ٢٦٧ حرف الألف ورازقهم، وفي ذلك يقول الله: ﴿أَشَدُّ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسَدُّ حُبَّا لِلَّهُّ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. والأنداد - كما يقول الربيع- هي الآلهة التي تعبد من دون الله، يقول: يحبون أوثانھم کحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله، أي: من الكفار لأوثانهم(١). خامسًا: اعتقاد جلب الرزق: من الأسباب الأکیدة لدی عباد الأوثان: اعتقادهم فيها أنها تجلب الرزق لهم، والإنسان بطبعه يحب المال والاستكثار منه، لكنه يضل حينما يعتقد في حجر أو شجر أنه یکون سببًا في جلب الرزق أو المال له. ولقد نعى القرآن الكريم بطريق التصريح على هؤلاء الذين عطلوا عقولهم واعتقدوا في آلهتهم جلب الرزق، وبين لهم أنها لا تملك مثقال ذرة من ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْثَغُواْ عِندَ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٧]. وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣]. (١) جامع البيان، الطبري ٢٤٩/١٨ بتصرف. ضوء القرآن الكريم وكذلك بطريق السؤال التقريعي أو التوبيخي الموجه لمن يعتقد في هذه الآلهة خيرًا أو رزقًا، كما في قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِنُكُمْ تُوَّيْبِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآَيَكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَى عَمَّايُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿قُلّ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللّهُ﴾ [سبأ: ٢٤]. والآيات في مجملها توضح أن الله تعالی له الأمر کله، وبیده الخیر کله، من رزق ونفع وخير وبركة ونماء وإحياء وإماتة ... ونحو ذلك، لا شريك له ولا ضد ولا ند، فعلام يضل هؤلاء ويعبدون غيره؟! سادسًا: اعتقاد الشفاعة لهم عند الله: يعتقد بعض المشركين أنها تشفع لهم عند الله تعالى، وأنها تقربهم عنده تعالى زلفى، وصرح القرآن عنهم بذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَمَّخَذُوا مِن دُونِ= أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. والمراد: ((أن الذين اتخذوا من دونه أولیاء، أي: آلهة وأصنامًا، يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، وذلك التقريب هو الشفاعة في قول المفسرين، والزلفى: القربى»(٢). (٢) التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ٥٧٠ بتصرف. ٢٦٨ الأوثان بل ذكر القرآن في موضع آخر تصريحهم بشفاعة آلهتهم لهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِمَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]. ورد القرآن عليهم هذا الادعاء الباطل بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبْتُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضِِّ سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. وهنا يأمر الله تعالى ((نبيه عليه السلام أن یقررهم ویوبخهم: أهم يعلمون الله بأنباء من السماوات والأرض لا يعلمها هو؟ وذكرت السماوات؛ لأن من العرب من كان يعبد الملائكة والشعرى))(١). وهذا في الدنيا، أما يوم القيامة تكون الحسرة الكبرى والندامة العظمى لعابدي الأوثان حين لا يجدون ما رجوه فيها من شفاعة وإنقاذ من العذاب، ويوقنون أنهم كانوا على باطل، وفي ذلك يقول الله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَدَىْ كَّمَا خَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقِ وَتَكْتُمُ مَّا خَوَّلْتَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمٌّ وَمَا نَرَىِ مَعَكُمْ شُفَعَآءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِيَكُمْ شُرَكَوْاْ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]. وهذا يوم الحسرة والندم، ولات حينئذ مندم. (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ١١١/٣ بتصرف. محاورات الأنبياء عن عبادة الأوثان حفل القرآن الكريم بكثير من محاورات الأنبياء مع أقوامهم حول عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد، ونبذ عبادة الأوثان، وسيعرض البحث لبعض من هذه المحاورات فيما يلي: أولًا: محاورات سيدنا نوح عليه السلام مع قومه: لقد حكى الله تعالى عن قوم نوح أنهم عبدوا الأصنام، واتخذوها آلهة من دونه تعالی، متابعین في ذلك أسلافهم، فأرسل الله إليهم نوحًا علیه السلام داعيًا إياهم لنبذ عبادتها لكنهم آثروها على عبادة الله تعالى، ولم يكتفوا بذلك بل وصوا أبناءهم بعدم سماع دعوة نوح عليه السلام، ورد دعوته في فیه، ودارت حورات كثيرة بین نوح عليه السلام وقومه ذكرها القرآن، ونظرًا لأن البحث موسوعي لا يستطيع أن يأتي على هذه الآيات كلها، ويقف معها آية آية، لكن یکفینا ذكرها والإشارة إليها مجملة -كما هو منهج البحث- ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهُ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) قَالَ الْعَلَأُ رَسُولٌ مِّن إِنَّا لَغَرَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿ قَالَ يَقَّوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (١) www. modoee.com ٢٦٩ حرف الألف اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ ) أَوَ عَبْتُمْ أَنْ جَءَ كُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِنَنَّقُواْ وَلَعَلَّكُو تُرْحُونَ﴾ [الأعراف: ٥٩-٦٣]. ففي هذه الآيات يبرز الحوار واضحًا جليًا، فكلما ذكر نوح عليه السلام قولًا راجعه فيه قومه، ووصفوه بالضلال هنا لدعوته إياهم لترك عبادة الأوثان. وفي ذلك يقول ابن كثير: («قوله: ﴿إِنَّا لَغَرَكَ فِي ضَلالٍ ◌ُپینٍ ﴾ أي: في دعوتك إیانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا ... فرد عليهم: ما أنا بضال، ولكن أنا رسول من رب كل شيء ومليكه، ﴿أُبَلِّمُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍِ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِمَا لَانَعْلَمُونَ﴾ وهذا شأن الرسول، أن یکون بلیغًا فصیحًا، ناصحًا بالله، لا یدرکهم أحد من خلق الله فى هذه الصفات ... ثم يذكر تعالى إخبارًا عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه: لا تعجبوا من هذا، فإن هذا ليس بعجب أن یوحي الله إلى رجل منكم، رحمة بكم ولطفًا وإحسانًا إليكم، الإنذاركم، ولتتقوا نقمة الله، ولا تشركوا به))(١). وبعد كل هذه الحوارات والمناقشات لم يستجب له قومه، بل عارضوه وجادلوه، (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٢/٣ بتصرف يسير. أُبَلِفُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ وردوا دعوته في وجهه، وتذكر آيات سورة هود طرفًا آخر من هذه المحاورات، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ إِ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿ أَنْ لَّا نَقَبُدُواْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِمٍ ، فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كُفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا نَّرَنِكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّ الَّذِيْنَ هُمْ أَرَاِلْنَا بَادِىَ الرََّبِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِمٍ بَلّ نَظُنَّكُمْ كَذِينَ ، قَالَ يَقَوْرِ أَرَءَ يْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِى وَءَانَنِىِ رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ، فَعُمَِّتْ عَلَيْكُمْ أَنْلِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَمَّا كَثِهُونَ ﴿ وَيَقَوْمٍ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنَا بِطَارِهِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَفِكُمْ قَوْمًا تَّجْهَلُونَ (٢) وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُ بِ مِنَ اللَّهِ إِن ◌َرَيْتُهُمْ أَفَلَ نَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٥ -٣٠]. وفيها يذكر الله طرفًا من محاورة نوح عليه السلام مع قومه، ويبين مدى شفقته علیهم في دعوته إياهم إلى التوحيد بعد نبذ الشرك وعبادة الأوثان، وبيان أنه يخاف علیهم عذاب يوم أليم، فردوا عليه بقولهم: ما نراك يا نوح إلا آدميًا مثلنا في الخلق والصورة والجنس، كأنهم كانوا منكرين أن الله يرسل من البشر رسولاً إلى خلقه، وأضافوا أيضًا: وما نراك اتبعك إلا الذين هم سفلتنا من الناس، دون الكبراء والأشراف، فيما نرى ويظهر لنا، وما نتبين لكم علينا ٢٧٠ مُؤَسُولَةُ الْبَضية جوبير القرآن الكريم الأوثان من فضل نلتموه بمخالفتكم إيانا في عبادة المراتب لا جرم كان المنع منه أعظم الكبائر، فلهذا وصفه الله تعالی بأنه کبار»(٢). الأوثان إلی عبادة الله وإخلاص العبودية له، فنتبعکم. وقيل: المكر الكبار هو تحريشهم ويحاورهم رسولهم بعد تكذيبهم له سفلتهم على قتل نوح عليه السلام. قائلًا: يا قوم أرأيتم إن كنت على علم ومعرفةٍ وبيان من الله لي ما يلزمني له، وما يجب علي من إخلاص العبادة له، وترك إشراك الأوثان معه فیھا ... ، ثم يتساءل منكرًا عليهم موقفهم هذا: أنأخذكم بالدخول في الإسلام، وقد عماه الله عليكم؟!(١). وأيضًا يقول الله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّ ءَ الِهَنَّكُُّ وَلَا تَذَرُنَّ وَذَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]. وهذه الآية وردت ضمن قصة نوح عليه السلام في السورة التي أفردت باسمه في القرآن، والمتأمل في الآيات وما قبلها يجد أنها تصف قوم نوح بأنهم فعلوا جرائم عظيمة، وأنهم اتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارًا، وأنهم مكروا مكرًا آخر عظيمًا، وهو قولهم: ﴿لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَنَّكُ وَلَا تَذَرُنَّ وَذَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. وهذا ما أكده الفخر الرازي بقوله: ((المكر الكبار هو: أنهم قالوا لأتباعهم: ﴿وَلا نَذَرُنَّ وَدَّا﴾ فهم منعوا القوم من التوحيد، وأمروهم بالشرك، ولما كان التوحيد أعظم (١) جامع البيان، الطبري ٢٩٩/١٥ بتصرف وتلخيص. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤٣/٣٠. (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٢٦/٥. www. modoee.com ٢٧١ وقيل: هو تغريرهم على الناس بما أوتوا من المال والولد، حتى قال الضعفة: ((لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم )» .. وقيل: غير ذلك (٣). وأيًّا ما كان الأمر فالمراد: أن قوم نوح عليه السلام عبدوا الأصنام من دون الله تعالى، وسموها بهذه الأسماء؛ لأنها كانت لقوم صالحين، ظهر فيهم الصلاح في زمن نوح عليه السلام فماتوا، ونشأ بعدهم قوم يقتدون بهم في العبادة، فأشار عليهم إبليس بأنهم إذا صوروهم على هيئة تماثيل كان ذلك أنشط لهم في العبادة، ففعلوا، ثم نشأ قوم من بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذین من قبلكم كانوا يعبدونهم فاعبدوهم .. فعبدوهم. وهذا ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ذكر أصنام قوم نوح عليه السلام فقال عنها: (« .. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، حرف الألف وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى ثانيًا: محاورات سيدنا إبراهيم عليه السلام مع قومه: إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت)»(١). ومع كون قوم نوح عليه السلام لم يستيجوا لهم، إلا أنه لم يرضخ لذلك، بل نوع لهم أساليب الدعوة وأوقاتها ووسائلها علهم يستجيبون، على نحو ما وصفه الله تعالى بقوله عن نوح عليه السلام: ﴿قَالَرَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْبِى لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَلِّىّ إلَّا فِرَارًا وَإِى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَيِعَهُمْ فِّ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ نِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا ، ثُمَّ إِنِّ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ٥ ثُمَّإِّ أَعْلَمْتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٥-٩]. حتى إنهم ضجوا وصرخوا في وجهه عليه السلام بقولهم: ﴿يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾ قَالَ إِنَّمَا يَأْنِكُمْ بِهِ اللّهُ إِن شَاءُ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِرِينَ﴾ [هود: ٣٢ -٣٣]. لکن نوحا علیہ السلام لم یرضخ لھم، بل استمر في دعوته، فآمن به من آمن فكان من الناجين، وكفر من كفر فكان من الهالكين الغاوين. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (ودًا ولا سواعًا ولا يغوث .. )، ٨/ ٦١. ذكر القرآن الكريم محاورة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه على قسمين: القسم الأول: محاورات خاصة بإبراهيم عليه السلام مع أبيه، والقسم الثاني: محاورة إبراهيم عليه السلام مع قومه أو مع قومه وأبيه معًا، وسيكون الحديث أولًا بما يتعلق بشأن محاورة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع أبيه، في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ مَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا مَالِهَةٌ إِّ أَرَنَكَ وَقَوْمَكَ فِ ضَلَالٍ مُِّينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤]. أرجح الأقوال في بيان المراد بـ(( آزر)): أنه اسم أبي إبراهيم عليه السلام؛ وذلك لأن الله تعالى سماه بهذا الاسم، ولا شيء فوق كلام الله تعالى، فضلا عن أن الرسول صلى الله عليه وسلم سماه هو الآخر آزر، فیما ورد صحیحًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قَترة وغبرة .... ) الحديث(٢)، فسماه النبي صلی الله عليه وسلم آزر أيضًا (٣). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلًا)، رقم ٣٣٥/٥،٢٩٩٥. (٣) لباب التأويل، الخازن ١٢٥/٢ بتصرف. والفترة المذكورة في الحديث معناها: ما يغشي الوجه من الكرب، والغبرة ما يعلوه مُوسُو ◌َة النَّ القرآن الكريم ٢٧٢