Indexed OCR Text
Pages 21-40
الإصاف
عظيم في قبول الحق، فمتى علم الناس من ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر
الحقوق، وبطل كثير من الأخبار الصحيحة،
الداعية حسن القصد، ونبل الهدف، أثر ذلك
فیھم تأثیرًا عجيبًا.
ولا سيما من فسقه من جهة الكذب، فإن
أكثر منه وتكرر، بحيث يغلب كذبه على
ثانيًا: التثبت والتبين:
صدقه، فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته، وإن
ندر منه مرة أو مرتين ففي رد شهادته وخبره
بذلك قولان للعلماء، وهما روايتان عن
الإمام أحمد رحمهم الله (٢).
من لوازم الإنصاف التثبت والتبين، حتى
لا يخرج المسلم عن العدل والإنصاف في
قوله وحكمه، أو يتسرع في الحكم على قول
أو فعل أو شخص دون تبین وتثبت.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُ
فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا يَجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُوا
عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ ﴾ [الحجرات: ٦].
قال الشافعي رحمه الله: فأمر الله من
يمضي أمره على أحد من عباده أن يكون
مستبينًا قبل أن يمضيه(١). حتى لا يجانب
العدل والإنصاف.
وها هنا فائدة لطيفة، وهي أنه سبحانه لم
يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه، ورد شهادته
جملة، وإنما أمر بالتبين، فإن قامت قرائن
وأدلة من خارج تدل على صدقه عمل
بدليل الصدق، ولو أخبر به من أخبر، فهكذا
ينبغي الاعتماد في رواية الفاسق وشهادته،
أخبارهم
فی
وكثير من الفاسقين يصدقون
ورواياتهم وشهاداتهم، بل كثير منهم يتحرى
الصدق غاية التحري، وفسقه من جهات
أخر، فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته، ولو
(١) تفسير الإمام الشافعي ٣/ ١٢٧٠.
وخصص الفاسق بالتبين والتثبت في قوله
لأنه مظنة الكذب، وحتی لا یشیع الشك بین
الجماعة المسلمة في كل ما ينقله أفرادها
من أنباء، فيقع ما يشبه الشلل في معلوماتها،
فالأصل في الجماعة المؤمنة أن يكون
أفرادها موضع ثقتها، وأن تكون أنباؤهم
مصدقة مأخوذًا بها، فأما الفاسق فهو موضع
الشك حتی یثبت خبره؛ وبذلك يستقيم أمر
الجماعة وسطًا بين الأخذ والرفض؛ لما
يصل إليها من أنباء، ولا تعجل الجماعة في
تصرف بناء على خبر فاسق، فتصيب قومًا
بظلم عن جهالة وتسرع، فتندم على ارتكابها
ما يغضب الله، ويجانب الحق والعدل في
اندفاع(٣).
ولهذا قال: ﴿فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
نَدِمِينَ﴾ لأن المؤمن إذا وقع في هذا
المحظور المنهي عنه، وهو ظلم الناس،
(٢) التفسير القيم ص ٤٧٩.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٣٤١.
www. modoee.com
٤٣٩
حرف الألف
أو أذية الناس بسبب تناقل الأخبار يندم قبل الآخرة(١).
على ذلك، وبخاصة وأن قبول خبر الفاسق
يؤدي إلى الرغبة في الانتقام من هذا الفاعل
أو معاقبته أو أذيته، فإذا بادرت وعاقبته
وتعجلت بناءً على هذا الخبر من الفاسق،
فربما يتبين لك بعد ذلك أنه كان مظلومًا،
فيملؤك الندم على ما فعلت من ترك التثبت،
وعدم الحيطة، وقبول خبر الفاسق.
فلا یعجل من بلغه خبر، وبخاصة إن كان
عن حميم أو قريب لمجرد قوله ذلك، فكم
حدث في التاريخ القديم والحديث نتيجة
أنباء الفسقة الكاذبين من قتل بظلم، وسجن
بظلم، وأخذ مال بظلم، وحصل الندم، ولكن
بعد فوات الأوان، فإن کان الأذى موتًا فلا
حيلة في إحيائه مرة أخرى، وإن کان ضربًا
وإيذاءً فلا حيلة في زوال ذلك الضرب، وقد
أوذي المرء وأهين.
وهذه الآية ستبقى دستورًا للأخبار
والمعاملات للرواة والمحدثين ولأهل
العلم وللحكومات والقضاة وللمتتبعين
للأخبار، بحیث یستوثقون من أي خبر جاء،
خاصة إذا كان المخبر يأخذ مالًا، ويأخذ
راتبًا على هذه الأخبار، فهو عندما لا يجد
خبرًا، ولا يسمع نبأ، يذهب ويكذب ويخترع
ليحوز المال، فهو كاذب، ولا يفرح لمثل
هذا، فانتقام الله منه يكون عظيمًا في الدنيا
والمراد من التبين التعرف والتفحص،
ومن التثبت: الأناة، وعدم العجلة، والتبصر
في الأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح
ويظهر ... ، وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةِ﴾
أي: كراهة أن تصيبوا، أو لئلا تصيبوا؛ لأن
الخطأ ممن لم يتبين الأمر ولم يتثبت فيه
هو الغالب وهو جهالة؛ لأنه لم يصدر عن
علم، والمعنى: متلبسين بجهالة بحالهم،
فتصبحوا على ما فعلتم بهم من إصابتهم
بالخطأ نادمين على ذلك، مغتمين له،
مهتمین به(٢).
والمقصود: إن من الإنصاف التثبت
والتبين من خبر الفاسق قبل الحكم على
الناس، أو اتهامهم، أو عقابهم، حتى لا يقع
المسلم في الظلم والجور، ثم یندم حيث لا
ينفع الندم.
ثالثًا: إحسان الظن:
ومن لوازم الإنصاف حسن الظن
بالمسلم.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا
مِنَ الَّنِ إِنَّ بَعْضَ اَلَّنِّ إِنَّمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
فنهى الله تعالى عن كثير من الظن
السوء بالمؤمنين، فإن بعض الظن إثم؛
وذلك كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة،
(١) تفسير المنتصر الكتاني ٣٥٣/ ٧.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٥/ ٧١.
٤٤٠
◌ُ البَشِيَّة
القرآن الكريم
الإصاف
وكظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال والشكوك، والطمأنينة التي لا يعكرها القلق
والتوقع.
والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء
بالقلب لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك،
بل لا يزال به حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل
ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضًا إساءة الظن
بالمسلم، وبغضه وعداوته، المأمور بخلاف
ذلك منه(١).
قال ابن كثير: يقول تعالى ناهيًا عباده
المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة
والتخون للأهل والأقارب والناس في غير
محله؛ لأن بعض ذلك یکون إثمًا محضًا،
فليجتنب كثير منه احتياطًا(٢).
فالآية تأمر المؤمنين باجتناب كثير
من الظن، فلا يتركوا نفوسهم نهبًا لكل
ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون
وشبهات وشكوك، وتعلل هذا الأمر ﴿إن
بَعْضَ الَّنِّ إِنْرٌ﴾ وما دام النهي منصبًا على
أكثر الظن، والقاعدة أن بعض الظن إثم، فإن
إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن
السيئ أصلا؛ لأنه لا يدري أي ظنونه تكون
إثمًا؟! بهذا يطهر القرآن الضمير من داخله
أن يتلوث بالظن السيئ، فيقع في الإثم،
ويدعه نقيًا بريئًا من الهواجس والشكوك،
أبیض یکن لإخوانه المودة التي لا يخدشها
ظن السوء، والبراءة التي لا تلوثها الريب
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٠١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٧/ ٣٧٧.
وما أروع الحياة في مجتمع بريء من
الظنون! ولكن الأمر لا يقف في الإسلام عند
هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر
والقلوب، بل إن هذا النص يقيم مبدأ في
التعامل، وسیاجًا حول حقوق الناس الذين
يعيشون في مجتمعه النظيف، فلا يؤخذون
بظنة، ولا يحاكمون بريبة، ولا يصبح الظن
أساسًا لمحاكمتهم، بل لا يصح أن يكون
أساسًا للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم،
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا
ظننت فلا تحقق)(٣).
ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء، مصونة
حقوقهم وحرياتهم واعتبارهم، حتى يتبين
بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون علیه،
ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق
من هذا الظن الذي دار حولهم! فأي مدى
من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم
واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص؟! وأين
أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية
وحرية وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا
المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين
آمنوا، وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلًا،
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٢٢٨/٣،
رقم ٣٢٢٧.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ص
٣٧٢، رقم ٢٥٢٧.
www. modoee.com
٤٤١
حرف الألف
وحققه في واقع الحياة، بعد أن حققه في
واقع الضمير (١).
والمقصود: أن المسلم لكي يكون
منصفًا مع الخصم أو مع الناس عمومًا لا بد
أن يترك الظن السيئ بهم، بل لا بد من حسن
الظن بالطرف الآخر واحترامه، وهذا مما
يسهل الوصول إلى قلبه، وتملکه وإقناعه.
وسبب تحريم سوء الظن: أن أسرار
القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس
لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشف
لك بعيان لا يقبل التأويل، فعند ذلك لا
يمكنك ألا تعتقد إلا ما علمت وشاهدت
بنفسك، وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه
بأذنك ثم وقع في قلبك، فإنما يلقيه إليك
الشيطان.
وللأسف الشديد هذا شائع في مجتمعنا،
أعني: سهولة تداول الطعن في الأعراض في
المجالس، فما أن تقع خطوبة بين طرفين، أو
يفتح الكلام على ذلك -ولو لم يتحقق-
حتى تجد من يقبل هذا الكلام، وربما حققه
وقطع به، وبنى عليه أحكامه، ثم يشيعها في
الناس، هذا شائع وموجود! فهذا من الظلم،
وهذا مما يخالف هذا التوجيه القرآني.
ومن الناس من يتلقى الخبر من الجرائد،
ومن المشاهدة للإعلام، فيظل يروج بكلام
كثير جدًا، فينبغي أن يتحرى المؤمن هذا
الذي ینقله، أو یپني علیه أحيانًا، ولا بد من
تجنب الظنون السيئة ما لم يشاهد بعينه، ولم
یسمع بأذنه.
فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا
إذا انكشف بعیان لا يقبل التأويل؛ لأننا نحن
البشر، بل كل الخلق لا يستطيع أحد منهم أن
يطلع على أسرار القلوب، فأسرار القلوب لا
يعلمها إلا علام الغيوب سبحانه وتعالى، أما
البشر فليس لهم إلا الظاهر، فإذا ظهر من
شخص شيء، وبان لك عیانًا ببينة، فهنا یحق
لك أن تظن ما یلیق بهذا الذي ظهر منه، أما
إذا لم يظهر منه شيء ولا أمارة صحيحة على
ذلك، فليس من حقك أن تظن به، وإلا فقد
ظلمته واستحققت عقاب الله تبارك وتعالى.
رابعًا: القول الحسن:
ومن آداب الإنصاف في الحوار والجدال
الحرص على القول الحسن.
قال تعالى: ﴿ أَدْعُ إِلَى سَبِيلِرَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِ هِىَ
أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
والمعنى: ادع أيها النبي الناس إلى
دين الله، وشريعة ربك، وهي الإسلام،
بالحكمة، أي: بالقول المحكم، والموعظة
الحسنة، أي: بالعبرة والتوجيه والكلمة
المؤثرة في القلوب، والتلطف بالإنسان،
بإحلاله وتنشيطه؛ ليحذر الناس بأس الله
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٣٤٥.
الـ
جَوَسُولَة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٤٤٢
الإصاف
بالتي هي أحسن، أي: وحاججهم محاجة
تتصف بالحسن، والإقناع والإنصاف،
وبالرفق واللين، ولطف الخطاب، والصفح
عن المسيء، وقابل الإساءة بالإحسان،
واقصد من الجدال الوصول إلى الحق، دون
رفع الصوت أو السب، أو التعبير، أو التهكم
والاستهزاء(١).
وَلَا
ومما يبين ذلك: قوله تعالى:
◌ُّجَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا
اٌلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
فقوله: ﴿إِلَّ يِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي:
ألطف وأرفق، وهو الجميل من القول،
والدعاء إلى الله، والبينة على آيات الله
وحججه(٢). كمعاملة الخشونة باللين،
والغضب بالحلم، والمشاغبة، أي: تحريك
الشر وإثارته بالنصح، أي بتحريك الخير
وإثارته، والعجلة بالتأني والاحتياط على
وجه لا يؤدي إلى الضعف، ولا إلى إعظام
الدنيا الدنية(٣).
والجدال: هو الخصام، أي: لا
تخاصموهم، ولا تناقشوهم، ولا تحاوروهم
إلا بالكلمة الطيبة، فلا تعنيف، ولا شتيمة،
ولا صراخ، ولا تقبيح، ولا شتم وذم.
فالله جل جلاله أمرنا عند محاورة أهل
(١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ٢ / ١٣١٩.
(٢) الكشف والبيان، الثعلبي ٧/ ٢٨٤.
(٣) روح البيان، إسماعيل حقي ٦/ ٤٧٧.
تعالى، ويحققوا لأنفسهم النجاح، وجادلهم الكتاب من اليهود والنصارى أن نجادلهم،
وأن نستدل عليهم بالتي هي أحسن، أي:
بالكلمة الحسنة والطيبة، من غير أن يكون
هناك خصام ولا شتيمة.
وأن ندعوهم إلى القرآن وإلى الإسلام
وإلى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم
بالكلمة الطيبة (٤).
ومن الآيات التي تدل على ذلك قوله
تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ
الشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣].
أي: وقل لعبادي يقولوا في مخاطباتهم
ومحاوراتهم مع خصومهم من المشركين
وغيرهم: الكلام الأحسن للإقناع، مع البعد
عن الشتم والسب والأذى(٥).
وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْنَهُمْ﴾ يقول:
إن الشيطان يسوء محاورة بعضهم بعضًا،
وینزغ بينهم، أي: يفسد بينهم، ویھیج بينهم
الشر (٦).
قال ابن كثير: يأمر تبارك وتعالى عبده
ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر
عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم
ومحاوراتهم الكلام الأحسن، والكلمة
الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزع الشيطان
بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، وأوقع
الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو
(٤) انظر: تفسير المنتصر الكتاني ١٦٧ /٢.
(٥) تفسير المراغي ١٥/ ٥٩.
(٦) جامع البيان، الطبري ١٧/ ٤٦٩.
www. modoee.com
٤٤٣
حرف الألف
لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود كان من الكفار من یشذ ویعنف، ورأى بعض
المسلمين ضرورة للمقابلة، فلتكن في حدود
لآدم، وعداوته ظاهرة بينة؛ ولهذا نهى أن
يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن
الشيطان ينزع في يده، أي: فربما أصابه
المماثلة، والصبر مع ذلك هو الأفضل،
وعلى المسلمين أن يملكوا زمام أنفسهم،
فلا يخرجوا عن حد الاعتدال والإنصاف،
ولا یحزنوا، ولا یضق صدرهم بما یرونه من
ونظيره قوله: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
[البقرة: ٨٣] يعني: حقًا (٢) والحق فيه دلالة
على الإنصاف.
مكر الكفار، ومواقفهم وتعنتهم، وعليهم
بتقوى الله، والعمل الحسن الذي يرضيه،
وإنه لمع المتقين المحسنين (٤).
والحاصل: أن كلمة حسنًا واسعة
الدلالة، فهي ترمز لمعانٍ شتى، من أعظمها
الإنصاف في القول، فالإنصاف في القول
من أعظم المحاسن.
وكلمة الناس في قوله: ﴿وَقُولُواْلِلنَّاسِ
حُسْنًا﴾ عامة، أي: للناس كلهم(٣).
والمقصود: أن من آداب الإنصاف اتخاذ
هذا الأسلوب من الجدال، بالتي هي أحسن،
کي یستخفه السمع، ويقبله الطبع، فالجدال
والنقاش بالأسلوب الحسن، وبالحكمة
والموعظة الحسنة أدعى عند العقلاء إلى
توفير القناعة، والوصول إلى الإيمان،
وتحقيق الهدف المقصود.
فالآيات السابقة تأمر بالجدال بالتي هي
أحسن إذا لزم الجدال، وبالتزام الحكمة،
والموعظة الحسنة في الدعوة إلى سبيل الله.
فالخير كل الخير هو في تلك الخطة، فإذا
(١) تفسير القرآن العظيم، ٥/ ٨٠.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ١١٩.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢/ ٢٩٧.
فهؤلاء أهل الكتاب من احتاج منهم
إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن،
برفق ولين، وحسن خطاب، واصفح عمن
أساء في القول، وترفق بهم في الخطاب،
وقابل السوء بالحسنى، واقصد من الجدال
الوصول إلى الحق، دون رفع الصوت،
وسب الخصم أو الأذى، كما قال تعالى:
﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِلَّتِى هِىَ
أَحْسَنُ﴾ فهذا أمر للنبي صلى الله عليه
وسلم بلين الجانب، ولطف الخطاب، كما
أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين
بعثهما إلى فرعون في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا
لَِّنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: ٤٤].
فعلى كل داعية امتثال هذا الأمر الإلهي
في دعوته(٥).
وهكذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم
(٤) انظر: التفسير الحديث، محمد عزت دروزة
٥/ ٢٠٥.
(٥) التفسير المنير، الزحيلي ١٤/ ٢٧٠.
٤٤٤
مَوَسُولَةُ النَِّيَّ
القرآن الكريم
الإصاف
أهل الكتاب إلى كلمة سواء، ينصف فيها بالحقائق، والإذعان لها.
بعضهم بعضًا، كما حكى القرآن بقوله: ﴿قُلْ
يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْمُ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُنْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِء شَيْئًا
وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِّ فَإِن
تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )
[آل عمران: ٦٤].
وإذا كان قد دعاهم إلى هذا الإنصاف،
وإلى ترك التعصب جانبًا، وعدم الخضوع
لأسبابه، فإن حال الذین یخاطبهم إحدى
حالين: إما أن يخلصوا في طلب الحق،
ویجیبوا داعیه، وتلك خير الخصلتين، وإما
أن لا يجيبوا داعيه، وتلك هي السوأى،
فإن كانت الأولى فتلك هداية الله، وإن
كانت الثانية، فإن الله تعالى قد كتب عليهم
الشقوة، ولا سبيل لأن يدخل قلوبهم، فإن
من طلب منه الإنصاف، فأعرض عنه فلا
سبيل إلى هدايته، والجدل معه لا يجدي؛
ولذا قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ
فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ أي: فإن
أعرضوا، ونأوا بجانبهم عن إجابة داعي
الإنصاف، والدعوة بالتي هي أحسن، فلا
تجادلوهم، ولا تحاجوهم، فإن الجدل
مع من لم یجب داعي العدالة لا يزيده إلا
لجاجة وعنادًا؛ وإن الحقائق تتبعثر على
ألسنة المتجادلین، ویتبدد رونقها، ويذهب
بهاؤها، وتفقد النفس عند الجدل الإيمان
بل أمرهم الله تعالى بقوله: ﴿فَقُولُواْ
أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: يقول النبي
صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين
لأولئك الذين مردوا على الجدال، وبعثرة
الحقائق في حومة الجدل: اشهدوا بأنا
مسلمون، مذعنون لطلب الحق، فلا تحاولوا
أن تغيرونا عما اعتقدنا، وقد أنصفناكم
بالدعوة إلى كلمة الحق والإنصاف، فلم
تجيبوا، والآن ننصفكم مرة أخرى بأن
نشهدكم بأننا مخلصون في طلب الحق،
مذعنون له.
ومن جانبنا فإن أذعنتم مثلنا فنعما هي،
وإن لم تذعنوا فلنا دیننا، ولکم دینکم، والله
یحکم بيننا، وهو خیر الحاکمین، وإن إعلان
الإذعان للحق من جانب المؤمنين فيه دعوة
للحق بإعلان المثل الواضح البين السامي،
وهو يؤثر في الدعوة إلى الحق أكثر من
الجدل؛ إذ یکون فیه ذکری لمن له قلب،
أو ألقى السمع وهو شهيد، وإن الجدل یثیر
غبارًا يجعل الوصول إلى الحق عسيرًا وسط
عجاجة المتجادلین.
وإن هذه الآية الكريمة صورة سامية من
الدعوة إلى الحق؛ ولذا كان يتخذها النبي
صلی الله عليه وسلم منهاجه في دعوته،
فقد كانت في الصيغة التي اختارها في دعوة
www. modoee.com
٤٤٥
حرف الألف
الملوك والحكام الكبراء إلى الإسلام (١).
خامسًا: ترك الجدال المذموم:
ومن آداب الإنصاف ترك الجدال
المذموم، والجدل لأجل دفع الحق
ورده، بل متى استبان الحق، وظهرت
معالمه، فمن الإنصاف قبوله، والتسليم
له، وقد أمر الله بالمجادلة بالحسنى، قال
تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
[النحل: ١٢٥].
قال القاسمي: دل قوله تعالى:
﴿وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ على الحث
على الإنصاف في المناظرة، واتباع الحق،
والرفق والمداراة، على وجه يظهر منه أن
القصد إثبات الحق، وإزهاق الباطل، وأن لا
غرض سواه (٢).
فالمنصف إذا تجلت له الحجة، وبان له
الحق لم يتوقف عن قبول الحق، ولم يستمر
في العناد والجدال.
وقد ضرب لنا القرآن الكريم أمثلة كثيرة
في الإنصاف حال الجدال والمناظرة مع
الخصم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿﴿ قُلْمَن
يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِاللّهُ وَإِنَّا أَوْ
◌ِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدّى أَوْ فِ ضَلَلِ تُّبِينٍ ﴾
[سبأ: ٢٤].
وهذه ملاطفة، وتنزل في المجادلة، إلى
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/ ١٢٦٠.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٤٢٣/٦.
غاية الإنصاف، كقولك: الله يعلم أن أحدنا
على حق، وأن الآخر على باطل، ولا تعين
بالتصريح أحدهما، ولكن تنبه الخصم على
النظر، حتى يعلم من هو على الحق، ومن
هو على الباطل، والمقصود من الآية: أن
المؤمنین علی هدى، وأن الكفار على ضلال
مبين (٣).
قال السمین الحلبي بعد أن ذکر وجهين
في تفسير هذه الآية: وهذان الوجهان لا
ينبغي أن يحملا على ظاهرهما قطعًا؛ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك أنه على
هدی ویقین، وأن الكفار على ضلال، وإنما
هذا الكلام جار على ما يتخاطب به العرب،
من استعمال الإنصاف في محاوراتهم،
على سبيل الفرض والتقدير، ويسميه أهل
البيان: الاستدراج، وهو أن يذكر لمخاطبه
أمرًا يسلمه، وإن كان بخلاف ما يذكر، حتى
يصغي إلى ما يلقيه إليه؛ إذ لو بدأه بما يكره
لم یصغ، ونظيره قولهم: أخزى الله الكاذب
مني ومنك (٤).
ونظير الآية السابقة قوله تعالى: ﴿ قُل لَّا
تُسْتَلُونَ عَمَّ أَجْرَقْنَا وَلَا نُسََّلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ
(٢٥) ﴾ [سبأ: ٢٥].
قال البيضاوي: هذا أدخل في الإنصاف،
وأبلغ في الإخبات، حيث أسند الإجرام إلى
(٣) التسهيل في علوم التنزيل، ابن جزي ٢/
١٦٦.
(٤) الدر المصون ٩/ ١٨٣.
٤٤٦
القرآن الكريم
الإصاف
﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ غالطهم بعد ذلك، في أن
أنفسهم، والعمل إلى المخاطبين(١). فسمى
فعله جرمًا -كما يزعمون- مع أنه مثاب قسم أمره إلى كذب وصدق، وأدى ذلك في
مشکور، وسمی فعلهم عملا، مع أنه مزجور
عنه محظور (٢).
وفي هذا التعبير القرآني محاسنة
للمشركين، ورفق بهم، وإطفاء لحمية
الجاهلية التي تعمي عليهم السبيل إلى
الهدى، وهذا هو الأسلوب الحكيم في
مخاطبة الجاهلين، وهو أسلوب الدعوة
الإسلامية، والصميم من رسالة رسولها،
كما يقول سبحانه وتعالى لنبيه الكريم:
﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
اَلْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾
[النحل: ١٢٥](٣).
ومن الأمثلة على الإنصاف في المناظرة:
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ عَالِ
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ، أَنْقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ
يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَتِ مِن
رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَإِن
يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾
[غافر: ٢٨] فهذا أيضًا نوع من أنواع التنزل،
أو ما يسمى باستدراج الخصم في المناظرة
حتى يقر بالحق.
فلما صرح بالإنكار عليهم بقوله:
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ٢٤٧.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ٥٤٨.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٨١٠/١١.
صورة احتمال ونصيحة، وبدأ في التقسيم
بقوله: ﴿وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾
مداراة منه، وسالكا طريق الإنصاف في
القول، وخوفًا إذا أنكر عليهم قتله أنه ممن
يعاضده ويناصره، فأوهمهم بهذا التقسيم
والبداءة بحالة الكذب حتى يسلم من
شرهم، ویکون ذلك أدنی لتسلیمهم.
ومعنى: ﴿فَعَلَيْهِ گذِبُهُ﴾ أي: لا يتخطاه
ضرره ﴿وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ
الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾(٤). من العذاب، ولم يقل:
كل الذي يعدكم، مع أنه وعد من نبي
صادق القول، مداراةً لهم، وسلوكًا لطريق
الإنصاف، فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم
له، وليس فيه نفي إصابة الكل، فكأنه قال
لهم: لعل ما يكون في صدقه أن يصيبكم
بعض ما يعدكم، وهو العذاب العاجل، وفي
ذلك هلاككم(٥).
قال الشهاب الخفاجي: ففيه من الإنصاف
والأدب ما لا يخفى، فإنه نبي صادق، فلا بد
أن یصیبھم کل ما وعد به لا بعضه؛ لکنه أتی
بما هو أذعن لتسليمهم وتصديقهم؛ لما فيه
من الملاطفة في النصح، بکلام منصف، غير
مشتط مشدد، أراهم إنه لم يعطه حقه، ولم
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ٩/ ٢٥٢.
(٥) مدارك التنزيل، النسفي ٣ / ٢٠٨.
www. modoee.com
٤٤٧
حرف الألف
یتعصب له، ویحامي عنه، حتى لا ينفروا ولكنه أجري مجرى قوله: فشركما لخير كما
الفداء (٣).
عنه؛ ولذا قدم قوله: ﴿كَذِبًا﴾(١).
والمقصود: أن هذا من أعظم الإنصاف
في المجادلة والمناظرة، حيث فرض
لهم أسوأ الفروض، ووقف معهم موقف
المنصف أمام القضية، تمشيًا مع أقصى
فرض يمكن أن يتخذوه ﴿وَإِن يَكُ كَذِبًا
فَعَلَيْهِ گذِبُهُ﴾ أي: هو يحمل تبعة عمله،
ویلقی جزاءه، ویحتمل جریرته، وليس هذا
بمسوغ لهم أن يقتلوه على أية حال!
وهناك الاحتمال الآخر، وهو أن يكون
صادقًا، فيحسن الاحتياط لهذا الاحتمال،
وعدم التعرض لنتائجه ﴿وَإِنِ يَكُ صَادِقًا
يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾ وإصابتهم
ببعض الذي يعدهم هو كذلك أقل احتمال
في القضية، فهو لا يطلب إليهم أكثر
منه، وهذا منتهى الإنصاف في الجدل
والإفحام(٢).
ونظير ما سبق قوله تعالى: ﴿قُلٌ يَقَوْمِ
أَعْمَلُواْ عَلَ مَكَانَتِكُمْ إِنِّ عَامِلٌ فَسَوْفَ
تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَّهُ عَنِقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا
يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ()﴾ [الأنعام: ١٣٥].
ترديد بينه عليه السلام وبينهم، ومعلوم
أن هذا التهديد والوعيد مختص بهم، وأن
عاقبة الدار الحسنى هي له عليه السلام،
(١) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ٤/
٤٦.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٥/ ٣٠٧٩.
وقد علم ما هو شر، وما هو خير؛
ولكنه أبرز في صورة الترديد؛ إظهارًا
لصورة الإنصاف، ورميًا بالكلام على جهة
الاشتراك؛ اتكالًا على فهم المعنى (٤).
والحاصل: أن على من اضطر إلى
المناظرة والمجادلة فليكن منصفًا، عادلًا،
قابلًا للحق، ممن جاء به، ولتكن مناظرته
ومجادلته بالحسنى، فالجدال والحجاج غير
مذموم مطلقًا، بل حسب كيفيته، والقصد
منه، وقد قص لنا القرآن محاجة إبراهيم
أَلَمْ تَرَ إِلَى
عليه السلام وغيره، حيث قال:
الَّذِى حَجَّ إِبَهِمْ فِ رَبِّهِ: أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ
إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَنِّىَ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا
أُحِّىِ، وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَمِعُمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ
مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى
كَفَرَّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
(٢٥٨)
[البقرة: ٢٥٨].
قال القرطبي: وتدل الآية على إثبات
المناظرة والمجادلة، وإقامة الحجة، وفي
القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله، قال
الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن
كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [البقرة: ١١١].
﴿إِنْ عِنْدَكُم مِّن سُلْطَانٍ
وقال:
(٣) البيت لحسان بن ثابت، في ديوانه ص٩،
وصدر البيت: أتهجوه ولست له بکفو.
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ٤ / ٦٥٤.
٤٤٨
مُوسُوبَة النَ
القرآن الكريم
الإصاف
وَهَذَا﴾ [يونس: ٦٨].
أي: من حجة، وقد وصف خصومة
إبراهيم عليه السلام قومه ورده عليهم في
عبادة الأوثان، كما في سورة الأنبياء وغيرها.
وقال في قصة نوح عليه السلام: ﴿قَالُواْ
يَكُنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا﴾
[هود: ٣٢] الآيات ... إلى قوله: ﴿وَأَنَابَرِىٌّ
◌ِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥].
وكذلك مجادلة موسی مع فرعون إلى
غير ذلك من الآي، فهو کله تعلیم من الله
عز وجل السؤال والجواب والمجادلة
في الدين؛ لأنه لا يظهر الفرق بين الحق
والباطل إلا بظهور حجة الحق، ودحض
حجة الباطل.
وفي قول الله عز وجل: ﴿فَلِمَ تُحَكَّجُّونَ
فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦].
دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح
شائع لمن تدبر، قال المزني صاحب
الشافعي: ومن حق المناظرة أن يراد بها الله
عز وجل، وأن يقبل منها ما تبين، وقالوا: لا
تصح المناظرة، ويظهر الحق بين المتناظرين
حتى يكونوا متقاربين، أو مستويين في
مرتبة واحدة، من الدين والعقل والفهم
والإنصاف، وإلا فهو مراء ومكابرة(١).
وقد أخبر الله تعالى عن نبيه أنه دعى
قومه إلى كلمة سواء، يكون فيها الإنصاف
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/ ٢٨٦.
والعدل.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى
كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُنْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّ اللَّهَ
وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًّا
أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ
◌ِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ٦٤].
أي: قل لأهل الكتاب من اليهود
والنصارى ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَمْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: هلموا نجتمع عليها، وهي
الكلمة التي اتفق عليها الأنبياء والمرسلون،
ولم يخالفها إلا المعاندون والضالون،
ليست مختصة بأحدنا دون الآخر، بل
مشتركة بيننا وبينكم، وهذا من العدل في
المقال، والإنصاف في الجدال(٢).
وقد كان عليه السلام حريصًا على
إيمانهم، فكأنه تعالى قال: يا محمد اترك
ذلك المنهج من الكلام، واعدل إلى منهج
آخر، يشهد كل عقل سليم، وطبع مستقيم،
أنه كلام مبني على الإنصاف، وترك الجدال،
و﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: هلموا إلى كلمة فيها
إنصاف من بعضنا لبعض، ولا ميل فيه لأحد
على صاحبه، وهي ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا
نُشْرِكَ بِهِ﴾(٣).
وكأنه لما أورد الدلائل عليهم أولًا،
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٣٣.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٨/ ٢٥١.
www. modoee.com
٤٤٩
حرف الألف
ثم باهلهم ثانيًا، عدل في هذا المقام إلى وأنتم كنا على السواء والاستقامة (١).
الكلام المبني على رعاية الإنصاف، وترك
المجادلة، وطلب الإفحام والإلزام، ومما
يدل عليه أنه خاطبهم ها هنا بقوله تعالى:
﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ وهذا الاسم من أحسن
الأسماء، وأكمل الألقاب، حيث جعلهم
أهلًا لكتاب الله.
ونظيره ما يقال لحافظ القرآن: يا حامل
کتاب الله، وللمفسر: یا مفسر كلام الله، فإن
هذا اللقب يدل على أن قائله أراد المبالغة
في تعظيم المخاطب، وفي تطييب قلبه،
وذلك إنما يقال عند عدول الإنسان مع
خصمه عن طريقة الدجاج والنزاع إلى طريقة
طلب الإنصاف.
أما قوله تعالى: ﴿إِلَ كَلِمَةٍ سَوَلَمْ﴾ ... ،
فالسواء هو العدل والإنصاف؛ وذلك
لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف، فإن
الواجب في العقول ترك الظلم على النفس
وعلى الغير؛ وذلك لا يحصل إلا بإعطاء
النصف، فإذا أنصف وترك ظلمه أعطاه
النصف، فقد سوی بین نفسه، وبین غيره،
وحصل الاعتدال، وإذا ظلم وأخذ أكثر مما
أعطى زال الاعتدال، فلما كان من لوازم
العدل والإنصاف التسوية جعل لفظ التسوية
عبارة عن العدل، ثم قال الزجاج: ﴿سَوَآم﴾
نعت للكلمة، یرید: ذات سواء، أي: كلمة
عادلة مستقيمة مستوية، فإذا آمنا بها نحن
والحاصل: أن الأمثلة القرآنية السابقة
كلها تدل على استخدام الإنصاف أثناء
المناظرة والمجادلة، واستخدام الملاطفة
في النصح، والإتيان بكلام منصف غير
مشدد، ولا متعصب.
قال ابن باديس: لما كان أهل الباطل
لا يجدون في تأييد باطلهم إلا الكلمات
الباطلة، يموهون بها، والكلمات البذيئة
القبيحة يتخذون سلاحًا منها، ولا يسلكون
في مجادلتهم إلا الطرق الملتوية المتناقضة،
فیتعسفون فیھا، ویھربون إليها؛ لما كان هذا
شأنهم، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن
يجتنب كلماتهم الباطلة والقبيحة، وطرائقهم
المتناقضة والملتوية، وأن يلتزم في جدالهم
كلمة الحق، والكلمات الطيبة البريئة، وأن
يسلك في مدافعتهم طريق الرفق والرجاحة
والوقار والإنصاف، دون فحش ولا طيش
ولا فظاظة.
وهذه الطريقة في الجدال هي التي
هي أحسن من غيرها، في لفظها ومعناها،
ومظهرها وتأثيرها، وإفضائها للمقصود من
إفحام المبطل وجلبه، ورد شره عن الناس،
وإطلاعهم على نقصه، وسوء قصده ... ،
فالجدال يكون عند وجود ما يقتضيه؛
ولهذا كانت الدعوة بوجهيها محمودة على
(١) المصدر السابق.
٤٥٠
القرآن الكريم
الإصاف
كل حال، وكان الجدال مذمومًا في بعض الحق، والرفق والمداراة، على وجهٍ يظهر
الأحوال.
وذلك فيما إذا استعمل عند عدم الحاجة
إلیه، فيكون حينئذٍشاغلًا عن الدعوة، ومؤديًا
في الأكثر إلى الفساد والفتنة، فإذا كان جدالًا
لمجرد الغلبة والظهور فهو شر كله، وأشد
شرًا منه إذا كان لمدافعة الحق بالباطل.
وفي هذه الأقسام الممنوعة جاء مثل
قوله: ﴿وَيَُدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ
لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦].
وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلْ بَلَّ هُمْ قَوْمُ
خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
فالمدافعة والمغالبة من فطرة الإنسان،
ولهذا كان الإنسان أكثر شيء جدلًا، غير أن
التربية الدينية هي التي تضبط خلقه، وتقوم
فطرته، فتجعل جداله بالحق عن الحق.
فلنحذر من أن يطغى علينا خلق المدافعة
والمغالبة، فنذهب في الجدل شر مذاهبه،
وتصير الخصومة لنا خلقًا، ومن صارت
الخصومة له خلقًا أصبح يندفع معها في
كل شيء، ولأدنى شيء، ولا يبالي بحق ولا
باطل، وإنما يريد الغلب بأي وجه كان ... ،
فمن ضبط نفسه، وراقب ربه، لا يجادل إذا
جادل إلا عن الحق، وبالتي هي أحسن(١).
والحاصل: أن في هذه الأمثلة القرآنية
حثًا على الإنصاف في المناظرة، واتباع
(١) تفسير ابن باديس١/ ٣٢٤.
منه أن القصد إثبات الحق، وإزهاق الباطل،
لا نصرة الرأي، وهزيمة الرأي الآخر.
سادسًا: الإقرار بالحق إذا قاله
المخالف:
ومن الإنصاف أن يقر المرء بالحق، وإن
صدر من الخصم، فالحق أحق أن يتبع،
ومما يبين ذلك: ما جاء في قصة السحرة مع
موسی علیه السلام حیث حکی الله قصتهم.
قال تعالى: ﴿قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ، قَبْلَ أَنَّ مَاذَنَ
لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السَّحْرَ فَلَأَ قَطْعَنَّ
أَيَِّیَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِئَتَُّمْ فِی ◌ُذُوع
النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴾ قَالُواْ
لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا
فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَّوَةَ الدُّنْيَاً
إِنَّاَءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَيْنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا
٧٢
﴾ [طه: ٧١-
عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَ ®
٧٣].
وما ذكره جل وعلا عنهم في هذا الموضع
من ثباتهم على الإيمان، وإنصافهم للحق،
وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون ووعيده،
رغبة فيما عند الله، قد ذكره في غير هذا
الموضع، كقوله في الشعراء عنهم في القصة
بعينها: ﴿قَالُوْ لَا ضَيْرٌّ لِنَّ إِلَى رَيْنَا مُنْقَلِبُونَ
[الشعراء: ٥٠] وقوله في الأعراف: ﴿قَالُواْ إِنَّا
وَمَا تَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ
(١٢٥
إِلَى رَيْنَا مُنْقَلِبُونَ {
www. modoee.com
٤٥١
حرف الألف
ءَامَنَّا بِئَايَتِ رَيْنَا لَمَّا جَاءَتْنَأْ رَبَّنَا أَفْرِعٌ عَلَيْنَا صَبْرًا
وَتَوَفَنَا مُسْلِمِينَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٢٥ -١٢٦].
فهؤلاء كانوا في الغداة كفارًا سحرة،
وأمسوا أخيارًا بررة، لما عرفوا الحق اتبعوه
وأنصفوه، ويا له من إنصاف عظيم! تحملوا
معه التبعات العظام، هددهم فرعون بالقطع
والقتل والصلب، ومع هذا ما خافوا وما
استکانوا، بل آثروا الحق وقبلوه، مع أنه جاء
عن طريق من كان خصمًا لهم في نظرهم.
قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما حكى
تهديد فرعون لأولئك حكى جوابهم عن
ذلك بما يدل على حصول اليقين التام،
والبصيرة الكاملة لهم في أصول الدين،
فقالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات.
وذلك يدل على أن فرعون طلب منهم
الرجوع عن الإيمان وإلا فعل بهم ما
أوعدهم، فقالوا: ﴿لَن تُؤْثِرَكَ﴾ جوابًا لما
قاله، وبينوا العلة، وهي أن الذي جاءهم
بينات وأدلة، والذي یذکره فرعون محض
الدنيا، ومنافع الدنيا ومضارها لا تعارض
منافع الآخرة ومضارها (١).
والمقصود: أن هذه إجابة حاسمة
قاطعة، تقطع أمله في رجوعهم، والإيمان
إذا دخل القلب، وأشرب حبه كان أثبت من
الرواسي، وهو إيمان بحجة وبينة وبرهان
﴿لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالَّذِى
فَطَرَنَا﴾ أي: لن نتركه لأجلك أيها الطاغي
الباغي، وهذا معنى مؤكد، لأن (لن) تفيد
النفي المؤكد ... ، فلا تطمع في رجوعنا عن
الحق والإيثار والتفضيل، أي: لن نفضلك
على البينات، وهي الدلالات الواضحات
التي جاءتنا، وفي هذا إشارة إلى أن ما عنده
باطل وأوهام، وكيف نفضل الأوهام على
الدليل والبرهان؟!
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِى فَطَرَنَا﴾ والذي
فطرنا هو الله، يعني: لن نؤثرك على الحق
الواضح، ولن نؤثرك على الله تعالى جل
جلاله، فهو القادر على كل شيء، فلن نؤثر
الضعيف الظاهر على الله القادر العادل
القهار، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَالَّذِى
فَطَرَنَا﴾ أي: أنشأنا ولم نكن شيئًا، فتكون
الواو للقسم لا للعطف، والمعنى: لن نؤثرك
على ما جاءنا من البينات والله الذي أنشأنا
من عدم، فمن تكون أنت أيها المخلوق
الضعيف، ولو كنت فرعون الطاغي المتجبر
بصلفك وعتوك؟!
وقد رتبوا على عزمتهم النابعة من
قلوب مؤمنة تفويضهم الأمور إلى ربهم،
والاستهانة بفرعون وبتهديده، فقالوا:
﴿فَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ﴾ لأنه قضاء الحياة
الدنيا، وهي فانية، والآخرة هي الباقية.
وقالوا ما يدل على الاستهانة بحكمه
القاصر ﴿إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَّوَةَ الدُّنْيَّ﴾
(١) مفاتيح الغيب، ٧٧/٢٢.
مُوسُو ◌َ النَِّّ
جوسيق
القرآن الكريم
٤٥٢
الإصاف
والمعنى: إن قضاءك هو في هذه الحياة الآخر.
الدنيا فقط، فهو قضاء تنفيذه وقت قصير،
ومن بعده خير طويل، فإنما الحياة الدنيا
متاع قليل، والآخرة خير وأبقى، وإن هذا
يدل على كمال الإيمان بالله، والاستهانة
بفرعون وعذابه(١).
والمقصود: أن هؤلاء لما عرفوا الحق
أنصفوه واتبعوه وآثروه، فیا له من إیثار! وما
أعظمه من إنصاف!
هددهم وتوعدهم بالقتل والصلب،
وفنون من العذاب الصعب، وهكذا هي عادة
المنهزم، إذا عجز عن الحجة لجأ إلى القوة.
وفى قول فرعون: ﴿أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾
إشارة إلى ما تهدد به موسى السحرة، قبل
أن تبدأ المعركة، وذلك فى قوله: ﴿وَيْلَكُمْ
لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَّكُمْ بِعَذَابٌٍ وَقَدْ
خَابَ مَنِ آَفْتَرَى﴾ [طه: ٦١].
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٩/ ٤٧٥٣.
أما العذاب الذي سيأخذهم به فرعون
فهو عذاب حاضر واقع فى الحال، وهو
عذاب -على تلك الصورة- فظيع مهول!
ولهذا وازن فرعون بين عذابه، والعذاب
الذي توعد موسى السحرة به، وأراهم أن
عذابه أشد ﴿وَلَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ أعذابي
الحاضر أم العذاب الذي يهددكم به موسی؟
وأنا أم موسى (أبقى﴾ لكم، وأملك
لأمركم، وأقدر على التسلط عليكم؟
فكان جوابهم هذه العبارة: ﴿قَالُواْ لَنْ
تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَفَا
فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ﴾ وهكذا الإيمان إذا جاء
فكان ردهم له أن قالوا له: لن نختارك یا
فرعون، ولن نرضى بأن نكون من حزبك،
ولن نقدم سلامتنا من عذابك، علی ما ظهر
لنا من المعجزات التي جاءنا بها موسى،
والتي على رأسها عصاه التي ألقاها فإذا هي
تبتلع حبالنا وعصينا.
إلى الإنسان، أو جاء إليه الإنسان عن طريق
النظر والبحث والتحليل والتعلیل، إنه حينئذ
إيمان يخالط المشاعر، ويملك القلوب،
ويأسر العقول، ويجعل من الإنسان الفقير
الضعيف، قوة هائلة، تتحدى الجبابرة،
وتستخف بأعظم الأهوال، وأشد الخطوب،
وهل كان يقع في الحسبان أن جماعة من
رعایا فرعون وعابدیه الذين ولدوا -كما ولد
آباؤهم- في ظل ربوبيته، وسلطان ألوهيته،
هل كان يقع في الحسبان أن يجيء يوم يقف
فیه هؤلاء(العباد) في وجههذا (الإله) موقف
فالعذاب الذي تهددهم به موسی هو
عذاب مؤجل ليوم القيامة، وهذا العذاب
التحدي، بل والاستخفاف والسخرية؟
لا يدرك مداه إلا من يؤمنون بالله وباليوم ولكنه الإيمان، يفعل المعجزات، ويقلب
www. modoee.com
٤٥٣
حرف الألف
الأوضاع والمواضعات!(١).
ألقى الله جل وعلا في قلوبهم الإيمان
واليقين، ووجدوا حلاوته، رغم أنه ليس
لهم أيامًا، ولا شهورًا، ولا أعوامًا في
الطاعة والإيمان والعمل الصالح، لكن تلك
الحظوة الإلهية نالوها ببركة سجودهم، حتى
يعلم أثر العمل الصالح على قلب العبد، ثم
ردوا عليه بطريقته ... ، قد يكون الله أعطاك
سلطانًا على الدنيا، لكن ليس لك سلطان
على حياتنا في الآخرة والدنيا، وسواء
قضيت علينا أو لم تقض علينا فمردنا أصلاً
إلى الموت فلا نخوف بشيء، لكن العبرة
بالحياة الأخروية.
وهل نفذ فيهم تهدیده؟ الآيات لم تذکر
ذلك، لكن ذكر المفسرون أنه أنفذ فيهم
وعيده، فقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم،
فماتوا على الإيمان، فقال ابن عباس رضي
الله عنهما: كانوا فى أول النهار سحرة، وفي
آخر النهار شهداء بررة(٢).
(١) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٨/ ٨٠٧.
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ٢٤١/١٦.
نماذج قرآنية في الإنصاف
الدعوة إلى الإنصاف، والحث على
سلوكه مبدأ قرآني، فقد جاء في القرآن
الكريم صور كثيرة، ونماذج عديدة في
الإنصاف، ومن النماذج القرآنية البارزة في
الإنصاف:
أولًا: إنصاف القرآن لطائفة من قوم
موسى عليه السلام:
مع أن اليهود هم أشد الناس عداوة
للإسلام وأهله، وقد جاءت آيات كثيرة
في القرآن الكريم مبينةً كفرهم، وخبثهم،
وعنادهم، وقتلهم الأنبياء، وقولهم على الله
ما قالوا، حتى لعنهم الله بما قالوا، إلا أن
هذه العداوة، وهذه الصفات التي حملوها،
لم تمنع القرآن الكريم من إنصاف بعضٍ
منهم.
ومن مظاهر هذا الإنصاف:
١. ثناؤه عز وجل على طائفة من
قوم موسى.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىَّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ
بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩].
فكونهم أشد الناس عداوة للمسلمين
لم يمنع ذلك من إنصافهم، والإشادة بمن
أحسن منهم.
وقوم موسی هم أتباع دينه من قبل بعثة
٤٥٤
صَوَسُو ◌َرُ الْبَّفْسِد
القرآن الكريم
الإصاف
محمد صلى الله عليه وسلم، فمن بقي
متمسكًا بدين موسى عليه السلام بعد بلوغ
دعوة الإسلام إليه فليس من قوم موسى،
ولكن يقال: هو من بني إسرائيل أو من
اليهود؛ لأن الإضافة في قوم موسى تؤذن
بأنهم متبعو دينه الذي من جملة أصوله
ترقب مجيء الرسول الأمي صلى الله عليه
وسلم (١).
يدل على الكثرة، وهم في الواقع قليل.
قال في اللباب: فإن قيل: إنهم كانوا الناس إلى الإيمان الصحيح والخير، وتدل
قليلين في العدد، ولفظ (الأمة) ينبئ عن
الكثرة، فالجواب: إنهم لما أخلصوا في
الدين جاز إطلاق لفظ (الأمة) عليهم؛
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةَ﴾
[النحل: ١٢٠](٢).
فمدحهم الله بقوله: ﴿یَهْدُونَ بِاَلَقِ﴾
أي: یهدون الناس من بني إسرائيل، أو من
غيرهم، بيث فضائل الدين الإلهي، وهو
الذي سماه الله بالحق، و﴿وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾
أي: يحكمون حكمًا لا جور فيه ... ،
والمعنى: أنهم يحكمون بالعدل على بصيرة
وعلم، وليس بمجرد مصادفة الحق عن
جهل، فإن القاضي الجاهل إذا قضى بغير
علم كان أحد القاضيين اللذين في النار،
ولو صادف الحق؛ لأنه بجهله قد استخف
بحقوق الناس، ولا تنفعه مصادفة الحق؛
لأن تلك المصادفة لا عمل له فيها (٣).
والحاصل: أن الله أخبر عن صفة لقوم
موسى الذين رغبهم الله تعالى باتباع ملة
محمد صلى الله عليه وسلم، وهي أن بعضهم
أمة مؤمنة یهدون بالحق، وبه يعدلون، وهذا
فيه إنصاف لهم، وشهادة صريحة من الله
والآية تبين أنهم جماعة؛ لأن لفظ (الأمة) تعالى، تبين أن من قوم موسى جماعة تهدي
بالحق، وتؤمن بالإيمان الحق، وترشد
على منهج الاستقامة، وتحكم بمقتضى
العدل الإلهي الواجب اتباعه في القضاء،
دون جور أو ظلم، هؤلاء الجماعة اهتدوا
واتقوا وعدلوا، فأشاد القرآن بهم، وهذا من
إنصاف القرآن وعدله.
٢. ثناؤه على طائفة من أهل الكتاب.
* لَيْسُواْ سَوَلَهُ مِنْ أَهْلِ
قال تعالى:
اُلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَُّ الَّلِ
وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ
الْآَخِرٍ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِّ وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ
وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ
مِنَ الصَّلِحِينَ
يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
[آل عمران: ١١٣- ١١٥].
فقوله: ﴿لَيَسُواْ سَوَآءُ﴾ هذا أيضًا من
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ١٤٢.
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٩/ ٣٤٨. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ١٤٢.
www. modoee.com
٤٥٥
حرف الألف
إنصاف القرآن، فهو لا يعمم حكمه إلا
حيث يكون التعميم هو الحق الذي لا شك
فیه، وإن كان في قوم من هم جدیرون بالثناء
ذكرهم ... ، ففي هذه الآية يذكر بالخير
العظيم طائفة من هؤلاء، فيقول الحكم
العدل تعالت كلماته: ﴿لَيَّسُوا سَوَآءُ﴾ أي:
ليسوا متساوين في هذه الأعمال، وتلك
الأخلاق، أو ليسوا متساوين مطلقًا، فليسوا
جمیعًا أشرارًا، وإن الله سبحانه وتعالى لم
يخلق طائفة كبيرة من الناس اجتمعت على
الشر اجتماعًا مطلقًا، بحیث یرتضيه الجميع
ويقصدونه ویریدونه ويبتغونه، عامدین
مريدين معتدين، بل إن منهم الضال، ومنهم
المضل، ومنهم الناطق بالحق الذي لا يجد
داعيًا، أو يحمل على السكوت في وسط
نكران الضالين ... ، وبعد أن ذكر سبحانه
أنهم ليسوا سواء، وقد ذكر أحوال أشرارهم
أخذ يبين أحوال أخيارهم، فقال: ﴿مِّنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اُللَّهِ ءَانَآءَ الَّلِ
وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي: من أهل الكتاب الذين
ذكرنا أوصاف الكثرة منهم، طائفة قائمة ... ،
وفسر الزمخشري كلمة ﴿قَايْمَةٌ ﴾ بمعنى
مستقيمة عادلة، من قولك: أقمت العود
فقام، بمعنى استقام(١)، وقد ذكر سبحانه
وتعالى في هذا الجزء من الآية الكريمة
وصفین اثنین:
(١) الكشاف، ١/ ٤٠٢.
مَوَسُوبَةُ البشرة
القرآن الكريم
الأول: أنهم يتلون آيات الله.
والثاني: أنهم يسجدون.
ومعنى يسجدون، أي: يخضعون
ویتطامنون للحق، ولا يجحدون، ویتجهون
إلى ربهم، يرجون رضاه، ولا يستكبرون
عن نداء الحق إذا دعوا، فكنى بالسجود عن
الخضوع المطلق الذي يعد السجود مظهره.
ويصح أن يراد به السجود الذي يقع في
صلاة المسلمين.
وقد ذكر ذلك الوصف مصدرًا
بـ«هم» إذ يقول: وهم يسجدون، فلم
يقل: ويسجدون؛ للإشارة إلى أن الخضوع
والإذعان للحق شأن من شئونهم، وليس
حالًا تعرض لهم؛ إذ إن ذكر الضمير فيه
تقوية الإسناد، وتوثيق لدوامه واستمراره (٢).
وفي الآية قولان ذکرهما ابن کثیر، حیث
قال:
عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله
تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاءُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ
قَابِمَةٌ﴾ قال: لا يستوي أهل الكتاب، وأمة
محمد صلی الله عليه وسلم.
والمشهور عند كثير من المفسرين
کما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه
العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن
هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل
الکتاب، کعبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد
(٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/ ١٣٦٦.
٤٥٦
الإصاف
وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية وغيرهم، بعد البعثة المحمدية(٣).
أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من
أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا؛ ولهذا
قال تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءُ﴾ أي: ليسوا كلهم
على حد سواء، بل منهم المؤمن، ومنهم
المجرم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ
الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أي: قائمة بأمر الله،
مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، فهي قائمة،
يعني: مستقيمة(١).
وقد ذكر ابن جرير أن قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ إلى آخر الآيات
الثلاث: أنها نزلت في جماعة من اليهود
أسلموا فحسن إسلامهم(٢). ولا يمنع أن
تشمل أيضًا النصارى.
فقد قال ابن عاشور: وعدل عن أن
يقال: ((منهم أمة قائمة)) إلى قوله:
مِّنْ
أَهْلِ اَلْكِتَبِ﴾ ليكون هذا الثناء شاملاً
لصالحي اليهود وصالحي النصارى، فلا
يختص بصالحي اليهود، فإن صالحي اليهود
قبل بعثة عيسى كانوا متمسكين بدينهم،
مستقیمین علیه، ومنهم الذين آمنوا بعيسى
واتبعوه، وكذلك صالحو النصارى قبل بعثة
محمد صلی الله عليه وسلم كانوا مستقيمين
على شريعة عيسى، وكثير منهم أهل تهجد
في الأديرة والصوامع، وقد صاروا مسلمين
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢ / ٩٠.
(٢) جامع البيان، ٧/ ١٢٠.
٣. ذكر أن عند بعضهم أمانة.
قال سبحانه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن
تَأْمَنْهُ بِقِنَطَارٍ يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ
بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ إِلََّ مَادُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل
عمران: ٧٥].
قال أبو جعفر الطبري: هذا خبر من الله
عز وجل أن من أهل الكتاب، وهم اليهود
من بني إسرائيل، أهل أمانة، يؤدونها، ولا
يخونونها، ومنهم الخائن أمانته، الفاجر في
یمینه (٤).
فهذا مطلق الإنصاف الإلهي، فإذا كان
الحق قد كشف للرسول بعضًا من مكر أهل
الكتاب، فذلك لا يعني أن هناك حملة على
أهل الكتاب، وكأنهم كلهم أهل سوء، لا،
بل منهم من يتميز بالأمانة، وهذا القول إنما
يؤكد إنصاف الإله المنصف العدل(٥).
والمقصود: أن هذا من إنصاف القرآن،
وعدله في الحكم عليهم، فلم يخف بعض
صفاتهم الحسنة، بل أشاد بها، وذكرها
بكلام يتلى إلى قيام الساعة.
ثانيًا: إنصاف بعض النصارى:
ومن النماذج القرآنية في الإنصاف،
إنصافه لبعض النصارى، فقد أثنى عليهم
(٣) التحرير والتنوير ٤ / ٥٧.
(٤) جامع البيان، ٦/ ٥١٩.
(٥) تفسير الشعراوي ٣/ ١٥٤٢.
www. modoee.com
٤٥٧
حرف الألف
بقوله: ﴿﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ وأظهرها، وتلك المودة أقرب وأسهل.
ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّا نَصَدَرَىُّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ
وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُرُونَ { وَإِذَا
سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ
مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَاً
ءَامَنَا فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴿ وَمَا لَنَا
لَا تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ
يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
فَتَبَهُمُ
٨٤
اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ (٥)
[المائدة: ٨٢-٨٥].
أي: هم ألین عریکة، وأقرب ودّا، ولم
يصفهم بالود إنما جعلهم أقرب من اليهود
والمشركين ... ، واليهود ليسوا على شيء من
أخلاق النصارى، بل شأنهم الخبث واللي
بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي
يترقب ما يغتالك به، ألا ترى إلى ما حكى
تعالی عنهم ذلك بأنهم قالوا: ﴿لَیْسَ عَلَیْنَافِی
الْأُمِنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥].
وفي قوله تعالى: ﴿أَلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا
نَصَدَرَى﴾ إشارة إلى أنهم ليسوا متمسكين
بحقيقة النصرانية، بل ذلك قول منهم وزعم،
ووصف العداوة بالأشد، والمودة بالأقرب
دليل على تفاوت الجنسين بالنسبة إلى
المؤمنين، فتلك العداوة أشد العداوات
فظاهر الآية يدل على أن النصارى أصلح
حالًا من اليهود، وأقرب إلى المؤمنين مودة،
وعلى هذا الظاهر فسرت هذه الآية (١).
فالظاهر أن النصارى على الجملة أصلح
حالًا من اليهود، وقد ذكر المفسرون ما فضل
به النصاری علی الیهود من کرم الأخلاق،
والدخول في الإسلام سريعًا، وليس الكلام
واردًا بسبب العقائد، وإلا فکلهم کفار، وإنما
ورد بسبب الانفعال للمسلمين ...
وصدر الآية يقتضي العموم؛ لأنه قال:
﴿وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى﴾ .
ثم أخبر أن من هذه الطائفة علماء وزهاد
ومتواضعين، وسريعي استجابة للإسلام،
وكثيري بكاء عند سماع القرآن، واليهود
بخلاف ذلك، والوجود يصدق قرب
النصارى من المسلمين وبعد اليهود.
وذكر العلة في ذلك فقال: ﴿ذَلِكَ
بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا
يَسْتَكْبُونَ﴾
والإشارة بذلك إلى أقرب المودة عليه،
أي: منهم علماء وعباد، وأنهم قوم فيهم
تواضع واستكانة، وليسوا مستكبرين،
واليهود على خلاف ذلك، لم يكن فيهم قط
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٩٤/٨، معالم
التنزيل، البغوي ٢ / ٧٥، تفسير القرآن العظيم،
ابن كثير ٣/ ١٥٠.
٤٥٨
القرآن الكريم