Indexed OCR Text
Pages 1-20
صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ الإضَاف عناصر الموضوع مفهوم الإنصاف ٤٢٠ الألفاظ ذات الصلة ٤٢١ أنواع الإنصاف ٤٢٣ آداب الإنصاف في الحوار ٤٣٨ ٤٥٤ نماذج قرآنية في الإنصاف ٤٦٣ فوائد الإنصاف على الفرد والمجتمع المُجَلَّدَ الخَامِسْ حرف الألف مفهوم الإنصاف أولًا: المعنى اللغوي: (نصف) النون والصاد والفاء أصلان صحيحان، أحدهما: يدل على شطر الشيء، والآخر على جنس من الخدمة والاستعمال، فالأول نصف الشيء ونصيفه: شطره ... ، والإنصاف في المعاملة كأنه الرضا بالنصف، والنصف الإنصاف أيضًا(١). وأنصف الرجل أي: عدل (٢). يقال: أنصف ينصف إنصافًا فهو منصف. وأنصفت الرجل إنصافًا إذا أعطيته الحق، وتناصف القوم إذا تعاطوا الحق بينهم. والخلاصة: أن (أنصف) من الجذر (ن ص ف) الذي يدل على النصف والعدل والقسط والاستواء، يقال: أنصفت الرجل إنصافًا: عاملته بالعدل والقسط(٣). وأنصف المظلوم من الظالم: استوفى له حقه منه (٤). ويقال: أنصف فلانًا من فلان استوفى له حقه منه، و (ناصفه) الشيء قاسمه نصفه (٥). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الإنصاف بكسر الهمزة: العدل. عرفه ابن الأعرابي بأنه: أن تعطيه من الحق كالذي تستحقه لنفسك (٦). وعرفه المناوي بقوله: الإنصاف في المعاملة العدل، بأن لا يأخذ من صاحبه من المنافع إلا مثل ما يعطيه، ولا ينيله من المضار إلا كما ينيله، وقيل: هو استيفاء الحقوق لأربابها، واستخراجها بالأيدي العادلة، والسياسات الفاضلة، وهو والعدل توأمان، نتيجتهما علو (٧) الهمة، وبراءة الذمة، باكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل . ولم يرد مصطلح (الإنصاف) في القرآن الكريم، ولكن القرآن تحدث عنه بعبارات بمختلفة، کما سيأتي معنا في ثنايا هذا البحث. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣١/٥. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٩/ ٣٣٢. (٣) المصباح المنير، الفيومي ٢ / ٦٠٨. (٤) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ٣/ ٢٢٢٢. (٥) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢ / ٩٢٦. (٦) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢٤ / ٤١٣. (٧) التوقيف ص ٦٥. مَوَسُو ◌َهُ الَّهِـ القرآن الكريم ٤٢٠ الإصاف الألفاظ ذات الصلة العدل: ١ العدل لغة: العدل مصدر عدل يعدل عدلًا، وهو مأخوذ من مادة (ع د ل) التي تدل على معنيين متقابلين: أحدهما يدل على الاستواء، والآخر على الاعوجاج (١)، ويرجع لفظ العدل هنا إلى المعنى الأول. العدل اصطلاحًا: أصله ضد الجور (٢). قال في دستور العلماء: العدل: ضد الظلم، وإحقاق الحق، وإخراج الحق عن الباطل، أي: ممتازًا عنه، والأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط (٣). وعرفه الجرجاني بقوله: العدل: عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط ... ، وقيل: العدل، مصدر بمعنى: العدالة، وهو الاعتدال والاستقامة، وهو الميل إلى الحق (٤). الصلة بين العدل والإنصاف: الإنصاف إعطاء النصف، والعدل يكون في ذلك وفي غيره، ألا ترى أن السارق إذا قطع قيل: إنه عدل عليه، ولا يقال: إنه أنصفه (٥). والمقصود: أن الإنصاف بمعنی العدل -وإن کنا لا نعدم فرقًا طفيفًا بينهما- كما سبق، وكما هو مبين في كتب اللغة؛ ولهذا فسوف يكون الكلام في هذا البحث متداخلًا ومشتركًا بينهما، حيث يستدل للإنصاف بمثل ما استدل للعدل من آيات القرآن. القسط: ٢ القسط لغة: القسط بالكسر: العدل، يقال أقسط يقسط؛ فهو مقسطٌ: إذا عدل، وقسط يقسط فهو قاسطٌ: إذا جار، والقسط أيضًا: مكيال، وهو نصف صاع (٦). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٤٦/٤، مجمل اللغة، ابن فارس، ٦٥١/١. (٢) الكليات ص ٦٣٩. (٣) دستور العلماء ٢/ ٢٢٠. (٤) التعريفات ص ١٤٧. (٥) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٣٤. (٦) انظر: الصحاح، الجوهري ١١٥٢/٣، لسان العرب، ابن منظور، ٣٦٢٦/٥. www. modoee.com ٤٢١ حرف الألف القسط اصطلاحًا: ((القسط بالكسر: النصيب بالعدل))(١). الصلة بين القسط والإنصاف: لفظ (الإنصاف) - كما سبق- يفيد معنى العدل، والقسط، والاستواء، والاستقامة؛ فهو على ارتباط وثيق بهذه المعاني كلها، فيشترك معها في كثيرٍ من الدلالات اللغوية، وإن كنا لا نعدم فرقًا طفيفًا بين كل واحدٍ منها، فالقسط هو: العدل البين الظاهر، ومنه سمي المكيال قسطًا، والميزان قسطًا؛ لأنه يصور لك العدل في الوزن حتى تراه ظاهرًا، وقد يكون من العدل ما يخفى؛ ولهذا قلنا: إن القسط هو النصيب الذي بينت وجوهه، وتقسط القوم الشيء تقاسموا بالقسط (٢). الجور: ٣ الجور لغة: (جور) الجيم والواو والراء أصل واحد، وهو الميل عن الطريق (٣). الجور اصطلاحًا: قال السيوطي: الجور: الخروج عن الوسط بزيادة أو نقصان (٤)، وقال بعضهم: الجائر من الناس هو الذي يمنع من التزام ما يأمر به الشرع (٥). الصلة بين الجور والإنصاف: الجور والإنصاف لفظان متقابلان، يدل أحدهما على ضد ما يدل عليه الآخر، فالإنصاف والنصف والنصفة: العدل، والجور: الظلم والتعدي. وقيل: نقيض الظلم الإنصاف، ونقيض الجور العدل (٦). (١) التوقيف، المناوي ص٢٧١. (٢) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص٢٣٤. (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٤٩٣. (٤) مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، ص ٢٠٧. (٥) انظر: الموسوعة القرآنية، إبراهيم الأبياري ١١٦/٨. (٦) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٩٣. ٤٢٢ مَوَسُورُ الْبَقِبَة القرآن الكريم الإصاف أنواع الإنصاف الإنصاف قيمة عليا من قيم الإسلام، وخلق من أخلاقه الرئيسة السامية، والإنصاف كمفهوم شامل واجب مطلقًا مع كل أحد، والمسلم مأمورٌ بالإنصاف والعدل، وهو إعطاء كل أحد ما يستحقه دون حيف أو ظلم، ويدخل في الإنصاف خمسة أنواع: أولًا: إنصاف العبد ربه: لما كان حقيقة الإنصاف هو استيفاء الحقوق لأربابها، والاعتراف لهم بها، دون بخس ولا هضم، وكان من أعظم الحقوق على العبد على الإطلاق حق الخالق سبحانه وتعالى، كان أعظم أنواع الإنصاف وأجلها قدرًا أن ينصف العبد ربه، بأن يوفيه حقه -قدر استطاعته- دون بخس أو نقص، وإلا فكيف يستقيم أن يؤمر العبد أن ينصف عبدًا مثله، ويترك إنصاف ربه سبحانه، الخالق المنعم، فهو أولی بالإنصاف، ويكون ذلك بعبادته، والقيام بأمره، والوفاء بحقوقه. والله تعالى قد أمر بالعدل -وهو الإنصاف- أمرًا عامًا مطلقًا، دون تحديد مع من يكون هذا العدل؟ ولا تحديد بزمن معین، بل هو عدل مع كل أحد، وفي كل وقت، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠]. قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: إن الله يأمر في هذا الكتاب الذي أنزله إليك يا محمد بالعدل، وهو الإنصاف، ومن الإنصاف: الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على إفضاله، وتولي الحمد أهله، وإذا كان ذلك هو العدل ولم یکن للأوثان والأصنام عندنا يد تستحق الحمد عليها؛ کان جهلا بنا حمدها وعبادتها، وهي لا تنعم فتشكر، ولا تنفع فتعبد، فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له؛ ولذلك قال من قال: العدل في هذا الموضع: شهادة أن لا إله إلا الله(١). وتفسير العدل في هذه الآية بهذا النوع من العدل، وهو العدل مع الله، وهي شهادة التوحيد، قال به كثير من المفسرين، ولا جرم فهو أعظم أنواع العدل والإنصاف، وضده وهو الشرك أعظم أنواع الظلم، وقد بدأ به السمعاني في الكلام عن المراد بالعدل في هذه الآية، حيث قال: في الآية أقوال: أحدها: أن العدل هو: شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه التوحيد، وهو في معنى الأول (٢). و کذا بدأ به ابن الجوزي، ثم قال: قال أبو سليمان: العدل في كلام العرب: الإنصاف، وأعظم الإنصاف: الاعتراف للمنعم (١) جامع البيان، ١٤/ ٣٣٤. (٢) تفسير القرآن، السمعاني ٣/ ١٩٥. www. modoee.com ٤٢٣ حرف الألف بنعمته(١). والمقصود: أن هذه الآية من جوامع وقال الشنقيطي بعد أن ذكر الأقوال الكلم القرآنية الرائعة، فيما يجب أن يفعله المؤمن، وینتهي عنه. في هذه الآية: فإذا عرفت هذا، فاعلم أن أقوال المفسرين في الآية الكريمة راجعة في الجملة إلى ما ذكرنا؛ کقول ابن عباس رضي الله عنهما: العدل: لا إله إلا الله، والإحسان: أداء الفرائض؛ لأن عبادة الخالق دون المخلوق هي عين الإنصاف والقسط، وتجنب التفريط والإفراط، ومن أدى فرائض الله على الوجه الأكمل فقد أحسن. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي حلف لا يزيد على الواجبات: (أفلح إن صدق)(٢). وكقول علي رضي الله عنه: العدل: خالقه وموجده، والمنعم عليه بسائر النعم. الإنصاف، والإحسان: التفضل(٣). إلى غير ذلك من أقوال السلف (٤). وقال ابن العربي: العدل بين العبد وربه: إيثار حقه تعالى على حظ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر، والامتثال للأوامر(٥). (١) زاد المسير ٢/ ٥٧٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام، ١٨/١، رقم ٤٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام ١/ ٤٠، رقم ١١. (٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٩١. وانظر: الدر المنثور، السيوطي ١٦٠/٥. (٤) أضواء البيان ٢/ ٤٣٧. (٥) أحكام القرآن، ٣/ ١٥٤. فالمتبادر أن العدل في الآية في مقامه، وبخاصة والآية مکية لم يقصد به العدل في القضاء، أو لم يقصد به ذلك وحسب، بل قصد به العدل المطلق الذي يتناول معاني الإنصاف، وعدم الإجحاف، وعدم تجاوز الحق قولا وفعلا، في كل موقف ومناسبة، ومع كل أحد، ويدخل فيه إنصاف الرب سبحانه وتعالى (٦). فمن أعظم الإنصاف المطالب به العبد إنصافه صاحب الفضل الأكبر عليه، وهو إذ العدل مطلوب في أمور التكليف كلها، في الأمور العقدية التي هي عمل القلب، وكذلك مطلوب في الأمور العملية التي هي أعمال الجوارح، وفي حركة الحياة كلها (٧). ومن الأوامر الإلهية العامة بالعدل والإنصاف، والتي يدخل فيها هذا النوع من الإنصاف، وهو إنصاف الرب عز وجل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمََ رَّ بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩]. والقسط: العدل، ويقع ذلك في حق (٦) انظر: التفسير الحديث، محمد عزت دروزة ١٦٨/٥. (٧) انظر: تفسير الشعراوي ٨١٥٨/١٣. مُوسُوبَة الَّـ القرآن الكريم ٤٢٤ الإصاف الله تعالى، وفي حق الخلق، وفي حق عمل حسنة رآها من منته وصدقته علیه، فإن قبلها فمنة وصدقة ثانية، وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به، وإن عمل سيئة رآها من تخليه عنه، وخذلانه له، وإمساك عصمته عنه؛ وذلك من عدله فيه، فيرى في ذلك فقره إلى ربه، وظلمه في نفسه، فإن غفرها له فبمحض إحسانه، وجوده و کرمه(٢). النفس، فالعدل في حق الله الوقوف على حد الأمر، من غير تقصير في المأمور به، أو إقدام على المنهي عنه، ثم ألا تدخر عنه شيئًا مما خولك، ثم لا تؤثر علیه شيئًا فیما أحل لك(١). فلا إنصاف ولا نصفة أجمل وأحق من الاعتراف بمن أنعم علينا بنعمه، والشكر له علی إفضاله، وحمده، وهو أهل للحمد. فلله تبارك وتعالى على العبد حقوقٌ عظيمة، ونعمٌ جسيمة، فهو من أنشأه من العدم، وأوجده حتى صار شيئًا مذکورًا، بعد أن کان عدمًا. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرِّكَ بِرَِّكَ الْكَرِيمِ ) الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ ن) [الانفطار: فِي أَمِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكْبَكَ (٥)﴾ ٦-٨]. فمن الإنصاف أن يعترف العبد بالخالق الموجد من العدم، ويقوم بعبادته على الوجه المأمور به شرعًا. يقول ابن القيم في هذا النوع من الإنصاف، وهو إنصاف الخالق سبحانه وتعالى: فصل: طوبى لمن أنصف ربه، فأقر له بالجهل في علمه، والآفات في عمله، والعيوب في نفسه، والتفريط في حقه، والظلم في معاملته، فإن آخذه بذنوبه رأی عدله، وإن لم يؤاخذه بها رأی فضله، وإن (١) لطائف الإشارات، القشيري ٥٢٩/١. وقال: ولو أنصف العبد ربه، وأنى له بذلك! لعلم أن فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فیما آتاه من ذلك، فما منعه إلا لیعطیه؛ ولا ابتلاه إلا ليعافيه، ولا امتحنه إلا ليصافيه، ولا أماته إلا لیحییه، ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب منها للقدوم عليه؛ وليسلك الطريق الموصلة إليه(٣). ثانيًا: إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم: إن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد صلى الله عليه وسلم لهم، وبعثته، وإرساله إليهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ (٢) الفوائد ص ٣٣. (٣) المصدر السابق ص ٥٧. www. modoee.com ٤٢٥ حرف الألف سُبِينٍ ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. فإن النعمة على الأمة بإرساله أعظم من النعمة عليهم بإيجاد السماء والأرض، والشمس والقمر، والرياح، والليل والنهار، وإنزال المطر، وإخراج النبات، وغير ذلك؛ فإن هذه النعم كلها قد عمت خلقًا من بني آدم كفروا بالله، وبرسله، وبلقائه، فبدلوا نعمة الله كفرًا، وأما النعمة بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم فإن بها تمت مصالح الدنيا والآخرة، وکمل بسببها دين الله الذي رضيه لعباده، وكان قبوله سبب سعادتهم في دنياهم وآخرتهم(١). ولهذا كان من أعظم أنواع الإنصاف إنصاف المسلم رسول الله صلی الله علیه وسلم، وإنصافه يكون بالإيمان به، وتصديقه قیما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر. قال تعالى: ﴿فَقَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِّ اُلْأُمِّيّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ونظير هذه الآية آيات كثيرة، جاءت تأمر بالإيمان بالنبي صلی الله عليه وسلم، ونلحظ منها: أن الله تعالى قرن الإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم مع الإيمان به، وفي هذا دليل على أن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم واجب متعین، (١) تفسير ابن رجب الحنبلي ١/ ٢٢٢. بل لا يتم إيمان المرء إلا به، ولا يصح إسلام إلا معه. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنُ بِأَلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا [الفتح: ١٣]. ولما كان الإيمان بالله هو الأصل يتفرع عنه الإيمان بالرسول والنبي بدأ به، فقال: ﴿فَنَامِنُوا بِاللّهِ﴾ ثم أتبعه بالإيمان بالرسول، فقال: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ ثم أتبع ذلك بالإشارة إلى المعجز الدال على نبوته، وهو كونه أميًا ﴿النَِّيِّ الْأُمِّ﴾ وظهر عنه من المعجزات في ذاته ما ظهر من القرآن الجامع لعلوم الأولين والآخرين، مع نشأته في بلد عارٍ من أهل العلم لم يقرأ كتابًا، ولم يخط، ولم يصحب عالمًا، ولا غاب عن مكة غيبة تقتضي تعلمًا(٢). وفي نهاية الآية يخبر الله تعالى أن النبي الأمي- صلوات الله وسلامه عليه- يؤمن بالله وكلماته، ومع أن هذه بدیھیة، إلا أن هذه اللفتة لها مكانها، ولها قيمتها، فالدعوة لا بد أن يسبقها إيمان الداعي بحقيقة ما يدعو إليه، ووضوحه في نفسه، ويقينه منه؛ لذلك يجيء وصف النبي المرسل إلى الناس جميعًا بأنه: ﴿الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ ﴾ وهو نفس ما يدعو الناس إليه ونصه، ثم يتضمن أخيرًا لفتة إلى مقتضى (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٩٧/٥. ٤٢٦ القرآن الكريمِ الإصاف هذا الإيمان الذي يدعوهم إليه، وهو اتباعه فیما یأمر به ويشرعه، واتباعه كذلك في سنته وعمله، وهو ما يقرره قول الله سبحانه: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ فليس هناك رجاء في أن يهتدي الناس بما يدعوهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا باتباعه فيه، ولا يكفي أن يؤمنوا به في قلوبهم ما لم يتبع الإيمان الاتباع العملي، وهو الإسلام(١). ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم من الأحوال، وفي أمر من الأوامر، من وجوب طاعته. قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٠]. وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهُ لَا يُحِبُّ آلگفِرينَ ﴾﴾ [آل عمران: ٣٢]. ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ وقال: تُرْحَمُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. والآيات في هذا كثيرة. رسوله طاعته، وقرن طاعته بطاعته، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب، و أو جب امتثال أمره، واجتناب نهيه. قال القاضي عياض رحمه الله: وأما (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٣٨٠. وجوب طاعته فإذا وجب الإيمان به، وتصديقه فيما جاء به، وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتى به(٢). ولما كانت طاعة الرسول هي طاعة الله لأنه إنما يدعوه إليه، وإنما خلقه القرآن، وحد الضمير، فقال: ﴿وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ﴾ ولم يقل: عنهما، وهو كقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. والمراد: ولا تولوا عن الرسول في حال الجهاد وغیرہ، ومن الغنائم وغیرها، خف أو ثقل، سهل أو صعب(٣). وأصله: (ولا تتولوا) فحذف إحدى التاءين تخفيفًا ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ أي: وأنتم تسمعونه، أو ولا تتولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تخالفوا وأنتم تسمعون، أي: تصدقون؛ لأنكم مؤمنون لستم كالصم المكذبين من الكفرة (٤). ونلحظ في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فجعل الله تعالى في هذه الآيات طاعة [النساء: ٥٩] أنه كرر قوله: ﴿أَطِيعُواْ﴾ ولم يقل: أطيعوا الله والرسول، وإنما أعيد فعل ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ مع أن حرف العطف يغني عن إعادته؛ وذلك إظهارًا للاهتمام بتحصيل طاعة الرسول؛ لتكون أعلى مرتبة من طاعة (٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/ ١٦. (٣) نظم الدرر، البقاعي ٨/ ٢٤٧. (٤) مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٦٣٨. www. modoee.com ٤٢٧ حرف الألف أولي الأمر؛ ولينبه على وجوب طاعته فيما يأمر به، ولو كان أمره غير مقترن بقرائن تبليغ الوحي؛ لئلا يتوهم السامع أن طاعة الرسول المأمور بها ترجع إلى طاعة الله فيما يبلغه عن الله دون ما يأمر به في غير التشريع، فإن امتثال أمره کله خیر، ألا تری أن النبي صلی الله علیه وسلم دعا أبا سعید بن المعلى وأبو سعید يصلي، فلم يجبه، فلما فرغ من صلاته جاءه، فقال له: (ما منعك أن تأتيني؟) فقال: (كنت أصلي)) فقال: (ألم يقل الله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤])(١). ولذلك كان الصحابة إذا لم يعلموا مراد الرسول من أمره ربما سألوه: أهو أمر تشريع أم هو الرأي والنظر؟ کما قال له الحباب بن المنذر يوم بدر حين نزل جيش المسلمين: أهذا منزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نجتازه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: (بل الرأي والحرب والمكيدة .. )(٢) الحديث(٣). ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم: امتثال سنته، والاقتداء بهدیه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَتَِّعُونِي (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم)، ٨١/٦، رقم ٤٧٠٣. (٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ١/ ٦٢٠. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥/ ٩٧. يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [آل عمران: ٣١]. ٣١ فجعل المحبة في اتباعه، وجعل جزاء اتباعه محبته لعباده، وهي أعلى الكرامة (٤). نعم فحب الله لیس دعوى باللسان، ولا ھیامًا بالوجدان، إلا أن يصاحبه الاتباع لرسول الله، والسير على هداه، وتحقيق منهجه في الحیاة، وإن الإیمان ليس كلمات تقال، ولا مشاعر تجيش، ولا شعائر تقام، ولكنه طاعة لله والرسول، وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول (٥). ومن حقه صلى الله عليه وسلم عليهم أن یتحاكموا إليه؛ لأنه رسول الله، وهو مأمور بأن یحکم بین الناس بما أراه الله في وحیه، وما هداه إليه في اجتهاده. قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْاْ تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: ٦٥]. أي: ينقادون لحكمك، يقال: سلم واستسلم وأسلم إذا انقاد. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُوْ فِهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْأَخِرِّ وَمَن يَنَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ • [الممتحنة: ٦]. الْغَوْنُ الْحَمِيدُ فالأسوة فى الرسول الاقتداء به، والاتباع (٤) لطائف الإشارات، التستري ص ٧٩. (٥) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٣٨٧. ٤٢٨ موسوبر التشيك الوضوء القرآن الكريم الإصاف لسنته، وترك مخالفته في قول أو فعل. ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم: لزوم محبته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيَكُ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَّ يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٢٤]. ففي هذه الآية الكريمة حض وتنبيه بالغ على وجوب محبته، وعظم شأنها، واستحقاقه لها؛ إذ قرع سبحانه وتعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَصُوا حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ يِأَمْرِ﴾ ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله. قال ابن كثير فى تفسير هذه الآية: أمر تعالى رسوله أن یتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله، وجهاد في سبيله، فقال: قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجُكُمْ وَعَشِيَتُكُمْ وَأَمْوَلُّ أَقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ أي: اكتسبتموها وحصلتموها ﴿وَتْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ أي: تحبونها لطيبها وحسنها، أي: إن كانت هذه الأشياء ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ﴾ أي: فانتظروا ماذا یحل بکم من عقابه ونکاله بكم؛ ولهذا قال ﴿حَّ يَأْتِى اَللَّهُ بِأَعْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ﴾(١). ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم وجوب مناصحته، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُواْ﴾ النصح: إخلاص العمل من الغش، ومنه التوبة النصوح، قال نفطويه: نصح الشيء إذا خلص، ونصح له القول أي أخلصه له، وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة) ثلاثًا، قلنا: لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله)(٢) . قال العلماء: النصيحة لرسوله: التصديق بنبوته، والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبته، ومحبة آل بيته، وتعظيمه، وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والتفقه فيها، والذب عنها، ونشرها، والدعاء إليها، والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله علیه وسلم (٣). (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ١٢٤. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، ٧٤/١، رقم ٥٥. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٧/٨. www. modoee.com ٤٢٩ حرف الألف وقال أبو بكر الآجري: النصح له يقتضي نصحین: نصحًا في حياته، ونصحًا بعد مماته، ففي حياته نصح أصحابه له بالنصر والمحاماة عنه، ومعاداة من عاداه، والسمع والطاعة له، وبذل النفوس والأموال دونه(١). ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم توقيره، وير آله، وذريته، وأمهات المؤمنين أزواجه. قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]. وقال عن أهل بيته: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُ تَظْهِيْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَأَزْوَجُهُرَ أَمَّهَنَّهُمْ﴾﴾ [الأحزاب: ٦]. قال القاضي: ومن توقيره وبره: بر آله وذريته وأمهات المؤمنين أزواجه، كما حض عليه، وسلكه السلف الصالح رضي الله عنهم (٢). ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم: تنفيذ ما أمر به، واجتناب مخالفة أمره وتبديل سنته، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [:٦٣]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقوله: (١) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض ٢/ ٣٣. (٢) المصدر السابق ٢ / ١٠٤. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان(٣). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيِّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اُلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (١)﴾ [النساء: ١١٥]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى﴾ أي: من سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم فصار في شق، والشرع في شق؛ وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق، وتبين له، واتضح له (٤). والمقصود: أن حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته عظیم، فالواجب إنصافه، وإعطائه حقه، من التعظيم والإجلال، والطاعة والاتباع، والمحبة والنصرة، وقد دل القرآن على كل ذلك في آيات كثيرة. ثالثًا: إنصاف العبد نفسه من نفسه: ومن أنواع الإنصاف: إنصاف المرء نفسه من نفسه. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١١٩. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٢/٢. ٤٣٠ مُوسُوبَةُ اللَّية القرآن الكريم الإصاف ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿یَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]. ففي هذه الآية أمر الله تعالى بالقسط، وهو العدل الذي من معانيه الإنصاف، ثم قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ وهذا من الإنصاف للنفس، والنصح لها. قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾: أي: اشهد الحق، ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه، وإن كان مضرة عليك(١). و﴿قَوَّمِينَ ﴾ صيغة مبالغة، أي: لیتکرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وهو الإقرار بما عليكم من الحقوق (٢). وهنا يحاول المنهج الإلهي تجنيد النفس في وجه ذاتها، وفي وجه عواطفها، تجاه ذاتها أولًا، وتجاه الوالدين والأقربين ثانيًا، وهي محاولة شاقة، أشق كثيرًا من نطقها باللسان، ومن إدراك معناها ومدلولها بالعقل، إن مزاولتها عمليًا شيء آخر غير إدراكها عقليًا، ولا يعرف هذا الذي نقوله إلا من يحاول أن يزاول هذه التجربة واقعًا، ولكن المنهج يجند النفس المؤمنة لهذه التجربة الشاقة؛ لأنها لا بد أن توجد في (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٤٣٣. (٢) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٦٠٤. الأرض، ولا بد أن یقیمها ناس من البشر. ثم هو يجند النفس كذلك في وجه مشاعرها الفطرية أو الاجتماعية حین یکون المشهود له أو عليه فقيرًا، تشفق النفس من شهادة الحق ضده، و تود أن تشهد له معاونة لضعفه، أو من يكون فقره مدعاة للشهادة ضده بحكم الرواسب النفسية الاجتماعية، كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية، وحين يكون المشهود له أو عليه غنيًا، تقتضي الأوضاع الاجتماعية مجاملته، أو قد يثير غناه، وتبطره النفس ضده، فتحاول أن تشهد ضده! وهي مشاعر فطرية، أو مقتضيات اجتماعية لها ثقلها حين يواجهها الناس في عالم الواقع، والمنهج يجند النفس تجاهها کذلك كما جندها تجاه حب الذات، .(٣) وحب الوالدين والأقربين . ومما يدل على هذا النوع من الإنصاف -وهو إنصاف النفس- عموم الأمر بالعدل الذي من معانيه الإنصاف، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠]. والعلماء يقسمون العدل إلى أربعة أنواع: ١. عدل مع الخالق. ٢. عدل مع الرسول. ٣. عدل مع الخلق. ٤. عدل مع النفس. والعدل في حق النفس يكون بإدخال (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٧٧٦. www. modoee.com ٤٣١ حرف الألف العتق عليها، وسد أبواب الراحة بكل وجه وفاطرها، ويدعي لها الملكة والاستحقاق، عليها، والنهوض بخلافها على عموم ويزاحم مراد سيده، ويدفعه بمراده هو، الأحوال (١). قال ابن القيم في هذا النوع من الإنصاف، وهو إنصاف العبد نفسه: ويدخل في هذا إنصافه نفسه من نفسه، فلا یدعي لها ما ليس لها، ولا يخبثها بتدنيسه لها، وتصغيره إياها، وتحقیرها بمعاصي الله، وينميها ویکبرها، ويرفعها بطاعة الله وتوحيده، وحبه وخوفه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وإيثار مرضاته ومحابه على مراضي الخلق ومحابهم، ولا يكون بها مع الخلق ... ، ويكون بالله لا بنفسه في حبه وبغضه وعطائه ومنعه وكلامه وسكوته ومدخله ومخرجه، فینجي نفسه من البين، ولا يرى لها مكانة يعمل عليها ... ، فالعبد المحض ليس له مكانة يعمل عليها، فإنه مستحق المنافع والأعمال لسيده، ونفسه ملك لسیده، فهو عامل علی أن یؤدي إلی سیده ما هو مستحق له علیه، لیس له مكانة أصلا، بل قد کوتب على حقوق منجمة، كلما أدى نجمًا حل علیه نجم آخر، ولا يزال المكاتب عبدًا ما بقي عليه شيء من نجوم الكتابة. والمقصود: أن إنصافه من نفسه يوجب عليه معرفة ربه، وحقه عليه، ومعرفة نفسه، وما خلقت له، وأن لا يزاحم بها مالكها أو یقدمه ویؤثره علیه، أو یقسم إرادته بین مراد سيده ومراده، وهي قسمة ضيزى، مثل قسمة الذين قالوا: ﴿هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَآَيْنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآيِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَابِهِمُ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦]. فلينظر العبد لا يكون من أهل هذه القسمة بین نفسه وشر کائه، وبین الله لجهله و ظلمه، وإلا لبس عليه وهو لا يشعر، فإن الإنسان خلق ظلومًا جهولًا، فكيف يطلب الإنصاف ممن وصفه الظلم والجهل؟ وكيف ينصف الخلق من لم ينصف الخالق؟ ... ثم كيف ينصف غيره من لم ينصف نفسه، وظلمها أقبح الظلم، وسعى في ضررها أعظم السعي، ومنعها أعظم لذاتها من حيث ظن أنه يعطيها إياها، فأتعبها كل التعب، وأشقاها كل الشقاء، من حيث ظن أنه يريحها ويسعدها، وجد كل الجد في حرمانها حظها من الله، وهو يظن أنه ينيلها حظوظها، ودساها كل التدسية، وهو يظن أنه يكبرها وينميها، وحقرها كل التحقير وهو يظن أنه يعظمها، فكيف يرجى الإنصاف ممن هذا إنصافه لنفسه؟ إذا كان هذا فعل العبد بنفسه فماذا تراه بالأجانب يفعل. (١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ١/ ٥٢٩. جَوَسُولَةُ الْبَشِير القرآن الكريم ٤٣٢ الإصاف والمقصود: أن قول عمار رضي الله عنه: «ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار))(١) كلام جامع الأصول الخیر وفروعه(٢). رابعًا: إنصاف العباد: ومن أنواع الإنصاف: إنصاف الخلق، ومما يدل على ذلك قوله تعالى : . ﴿وَيَّلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ، الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو ◌َّزَنُؤُهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ [المطففين: ١- ٣]. ففي هذه الآية تهديد شديد لمن لا ينصفون الناس في الكيل، ويقاس على الكيل غيره، قال الرازي: واعلم أنه سبحانه جمع في هذه الآية أنواعًا من التهديد: فقال أولًا: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَّفِّفِينَ﴾ وهذه الكلمة تذكر عند نزول البلاء. ثم قال ثانيًا: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَيْكَ﴾ [المطففين: ٤]وهو استفهام بمعنى الإنكار. ثم قال ثالثًا: ﴿لَوَمْ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] والشيء الذي يستعظمه الله لا شك أنه في غاية العظمة. ثم قال رابعًا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ (١) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا، كتاب الإيمان، باب إفشاء السلام من الإسلام، ١/ ١٥. (٢) زاد المعاد ٢/ ٣٧٢-٣٧٤. [المطففين: ٦]وفيه نوعان من التهديد: أحدهما: كونهم قائمين مع غاية الخشوع، ونهاية الذلة والانكسار. والثاني: أنه وصف نفسه بكونه ربًا للعالمين، ثم ها هنا سؤال، وهو كأنه قال قائل: كيف يليق بك مع غاية عظمتك أي تهيئ هذا المحفل العظيم الذي هو محفل القيامة لأجل الشيء الحقير الطفيف؟ فكأنه سبحانه يجيب، فيقول: عظمة الإلهية لا تتم إلا بالعظمة في القدرة، والعظمة في الحكمة، فعظمة القدرة ظهرت بکوني ربًا للعالمين، لكن عظمة الحكمة لا تظهر إلا بأن أنتصف للمظلوم من الظالم؛ بسبب ذلك القدر الحقير الطفيف، فإن الشيء كلما كان أحقر وأصغر كان العلم الواصل إليه أعظم وأتم، فلأجل إظهار العظمة في الحكمة أحضرت خلق الأولين والآخرين في محفل القيامة، وحاسبت المطفف لأجل ذلك القدر الطفيف (٣). ولفظ المطفف يتناول: الذي ينقص الكيل والوزن، وأراد بهذا الذين يعاملون الناس، فإذا أخذوا لأنفسهم استوفوا، وإذا دفعوا إلى من يعاملهم نقصوا، ويتجلى ذلك في الوزن والکیل، وفي إظهار العيب، وفي القضاء والأداء والاقتضاء، فمن لم يرض لأخيه المسلم ما لا يرضاه لنفسه (٣) مفاتيح الغيب، ٣١/ ٨٥. www. modoee.com ٤٣٣ حرف الألف فليس بمنصف، وأما الصديقون فإنهم كما ينظرون للمسلمين، فإنهم ينظرون لكل من لهم معهم معاملة، والصدق عزيز، وكذلك أحوالهم في الصحبة والمعاشرة؛ فالذى یری عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة -جملة المطففين -... ، ومن اقتضى حق نفسه دون أن يقضي حقوق غيره مثلما يقتضيها لنفسه فهو من جملة المطففين، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يقتضي من أحد لنفسه حقًّا (١). وهذه من حكمة وضع الميزان في الأرض، أن يقوم الناس بالقسط، وينصف بعضهم بعضًا. قال تعالى: ﴿وَالسَّمَآَةَ رَفَّعَهَا وَوَضَعَ اَلْمِيزَانَ ، أَلَّا تَطْفَوْا فِ اَلْمِيزَانِ ٨ وَأَقِيمُواْ أَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ [الرحمن: ٧-٩]. قال الرازي: وذکر في منافع المیزان أن يقوم الناس بالقسط، والقسط والإقساط هو الإنصاف، وهو أن تعطي قسط غيرك كما تأخذ قسط نفسك(٢). وسمي العدل ميزانًا لأن الميزان آلة الإنصاف، والتسوية بين الخلق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله تعالى (٣) بالوفاء، ونهى عن البخس (١) لطائف الإشارات، القشيري ٣/ ٦٩٩. (٢) مفاتيح الغيب، ٢٩/ ٤٧١. (٣) الوسيط، الواحدي ٤ / ٤٨. وفي قوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ قال مجاهد: أراد بالميزان العدل والإنصاف، والمعنى: أنه أمر بالعدل، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَطْفَوْاْ فِ اَلْمِيزَانِ﴾ أي: لا تجاوزوا العدل، وقال الحسن وقتادة والضحاك: أراد به الذي يوزن به ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف، وأصل الوزن التقدير، وقوله: ﴿أَلَّاتَطَّفَوْا﴾ يعني: لئلا تميلوا وتظلموا وتجاوزوا الحق في الميزان، ﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، وقال أبو الدرداء وعطاء: معناه أقيموا لسان الميزان بالعدل، قال سفيان بن عيينة: الإقامة سِرُوا باليد، والقسط بالقلب ولا تنقصوا الميزان، ولا تطففوا في الكيل والوزن (٤). والمقصود: أن من أنواع الإنصاف إنصاف الخلق بعضهم بعضًا، إذا تعاطوا الحقوق بينهم، فلا يبخس بعضهم بعضًا، ولا يأخذ ما ليس له، ولا يحيف ولا يجور، بل ينبغي أن تؤدى الحقوق كاملة كما أمر الله تعالى. خامسًا: إنصاف المخالفين: ومن أنواع الإنصاف التي حث عليها القرآن إنصاف المخالفين، وانظر كيف أنصف القرآن أهل الكتاب مع مخالفتهم (٤) معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٣٣١. ٤٣٤ مُؤَسوبر النفسية الْقُرآن الكَرِيمِ الإصاف الشديدة لدین الله. قال تعالى: ﴿﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِقِنَطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ ◌ِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ إِلَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِ الْأُمَّيْتَنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ [آل عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ عمران: ٧٥]. فهذا من إنصاف وعدل القرآن، ودقته في الحكم بالفساد على الأمم؛ إذ يحكم على الأكثر بالفساد، ثم يستثني الصالحين منهم بعد إطلاق الحكم العام، فمن إنصافه هنا أنه أخبر عن أهل الكتاب أن منهم من يؤدي الأمانة وإن كثرت، ومنهم من لا يؤديها وإن قَلَتْ. فالآية فيها دلالة على إنصاف الرب تبارك وتعالى، وأن الله جل وعلا حکم عدل، فاليهود قوم بهت نعتوا ربهم بأقبح المعايب تعالى الله عما يقول الظالمون علوا کبیرًا. ومع ذلك يقرر الله في هذه الآية أن اليهود على ما فيهم من معايب منهم من لا يردون حقًا -وإن صغر- إلا بالمطالبة والإلحاح والملازمة. لو أمنته فوضعت عنده قنطارًا -والقنطار: الآلاف من الدنانير- ثم طلبتها منه لردها إليك، رغم أنه يهودي، وإخبار الله بهذا دلالة على إنصاف الرب جل وعلا، وأن الله لا يظلم الناس مثقال ذرة. فقول الله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ قنطارًا أمانة رده إليك تامًا، كما هو رغم أنه كتابي، يهودي وإما نصراني، فكفره لم يمنعه من تأدية الأمانة. إنها خطة الإنصاف والحق، وعدم البخس والغبن، يجري عليها القرآن الكريم في وصف حال أهل الكتاب الذين كانوا يواجهون الجماعة المسلمة حينذاك، والتي لعلها حال أهل الكتاب في جميع الأجيال؛ ذلك أن خصومة أهل الكتاب للإسلام والمسلمين، ودسهم وكيدهم وتدبيرهم الماكر اللئيم، وإرادتهم الشر بالجماعة المسلمة، وبهذا الدین. كل ذلك لا يجعل القرآن يبخس المحسنين منهم حقهم، حتى في معرض الجدل والمواجهة، فهو هنا يقرر أن من أهل الکتاب ناسًا أمناء، لا يأكلون الحقوق مهما كانت ضخمة مغرية ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنَطَارٍ يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ﴾ ولكن منهم كذلك الخونة الطامعين المماطلين، الذين ثم هم يفلسفون هذا الخلق الذميم، بالكذب على الله عن علم وقصد ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمِتْنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . وهذه بالذات صفة يهود، فهم الذين بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ أي: إن وضعت عنده يقولون هذا القول، ويجعلون للأخلاق www. modoee.com ٤٣٥ حرف الألف مقاييس متعددة، فالأمانة بين اليهودي واليهودي، أما غير اليهود ويسمونهم الأميين، وكانوا يعنون بهم العرب (وهم في الحقيقة يعنون كل من سوى اليهود) فلا حرج على اليهودي في أكل أموالهم، وغشهم وخداعهم، والتدليس عليهم، واستغلالهم بلا تحرج من وسيلة خسيسة، ولا فعل ذمیم! ومن العجب أن يزعموا أن إلههم ودينهم يأمرهم بهذا، وهم يعلمون أن هذا كذب، وأن الله لا يأمر بالفحشاء، ولا يبيح لجماعة من الناس أن يأكلوا أموال جماعة من الناس سحتًا وبهتانًا، وألا يرعوا معهم عهدًا ولا ذمة، وأن ينالوا منهم بلا تحرج ولا تذمم، ولكنها يهود! يهود التي اتخذت من عداوة البشرية والحقد عليها ديدنًا ودينًا(١). والحاصل: أن في هذا التعبير القرآني إنصافًا للنصارى فصفة الخير لهم لا ينكرها الله، بل يشيعها في قرآنه الذي يتلى إلى يوم الدين؛ وذلك ليصدق أيضًا أهل الكتاب أي أمر سيء تنزل فيه آيات من القرآن؛ لأن القرآن منصف مطلق الإنصاف، فما دام قد قال خصلة الخير فيهم فلا بد أن يكون صادقًا عندما يقول الأمور السيئة التي اتصفوا بها. شك فيه، وإن کان في قوم من هم جدیرون بالثناء ذكرهم، وكذلك كان الشأن في ذكر أهل الكتاب، وهم من أعظم الناس مخالفة لشرع الله، ففي هذه الآية يذكر بالخير طائفة من هؤلاء، فيقول الحكم العدل تعالت كلماته. ومن نماذج إنصاف المخالف في القرآن أيضًا، قوله تعالى حكاية عن فرعون :. ﴿قَالَ أَلَمْ تُرَيِّكَ فِنَا وَلِيدًا وَلَبِئْتَ فِينَا مِنْ عُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ ١٨ قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِينَ ١٩ الْكَفِرِين ﴾ [الشعراء: ١٨-٢٠]. فقول موسى عليه السلام: ﴿فَعَلْتُهَا إِذَا وَنَّأْ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ من أروع وأعظم نماذج الإنصاف في القرآن، حيث علق على الثانية، ولم يعلق ويرد على الأولى؛ لأن الأولى حق، فقد تربی وتغذی في بيت فرعون حقًا. وفي هذه الآية إرشاد للعباد: أن الحق يقبل، ولو صدر من الخصم. ومن إنصافه أنه قال: ﴿فَعَلْتُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: قال موسى في جوابه على فرعون: أنا لا أنكر أني قد فعلت هذه الفعلة التي تذكرني بها، ولكني فعلتها وأنا في ذلك الوقت من الضالين، أي: فعلت ذلك قبل أن يشرفني الله بوحيه، ويكلفني بحمل وهكذا عادة القرآن فهو لا يعمم حكمه إلا حيث يكون التعميم هو الحق الذي لا رسالته، وفضلا عن ذلك فأنا كنت أجهل أن هذه الوکزة ستؤدي إلى قتل ذلك الرجل من (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٤١٧. ٤٣٦ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الإصاف شيعتك، لأني ما قصدت قتله، وإنما قصدت لأن آباءهم كانوا يأتون تلك الفواحش، وإن تأديبه، ومنعه من الظلم لغيره (١). ثم إنه لم ینکر تربيته في بيت فرعون، بل بين له أنه وإن أسدى النعمة إليه فقد أساء إلى شعبه عامة، فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمْنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِىّ إِسْرَّهِلَ (٣)﴾ [الشعراء: ٢٢]. أي: وما أحسنت إلي وربیتني إلا وقد أسأت إلى بني إسرائيل جملة، فجعلتهم عبيدًا وخدمًا، تصرفهم في أعمالك، وأعمال رعيتك الشاقة(٢). ومن نماذج إنصاف المخالف في القرآن كذلك قوله تعالى حكاية عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَأَنَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ : [الأعراف: ٢٨]. فنلحظ هنا أن الله تعالى رد مقولتهم الثانية ونفاها، وسكت عن الأولى؛ لأنهم فعلًا وجدوا آباءهم يفعلون هذه الفاحشة، وهي كما ما ذكر أهل التفسير طوافهم بالبيت عراة(٣). قال ابن عاشور: فأعرض عن رد قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا ﴾ لأنه إن كان يراد رده من جهة التكذیب فهم غیر کاذبين في قولهم؛ (١) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٠/ ٢٣٩. (٢) تفسير المراغي ١٩/ ٥٢. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٣٧ وتفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٦١. كان يراد رده من جهة عدم صلاحيته للحجة فإن ذلك ظاهر؛ لأن الإنكار والنهي ظاهر انتقالهما إلى آبائهم؛ إذ ما جاز على المثل يجوز على المماثل(٤). وقد يكون السكوت هنا أتى من باب الذم لهذا الاحتجاج بالآباء وتحقيره، قال الرازي: أما الحجة الأولى: فما ذكر الله عنها جوابًا؛ لأنها إشارة إلى محض التقليد، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة؛ لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة، فلو كان التقليد طريقًا حقًا للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقًّا، ومعلوم أنه باطل؛ ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرًا جليًا لكل أحد لم يذكر الله تعالى الجواب عنه(٥). والمقصود: أن من الإنصاف أن ينصف المرء من يخالفه، ولا تكون المحالفة مدعاة لظلمه، أو هضم حقوقه، أو التعدي عليه، وستأتي في المطالب التالية أمثلة قرآنية كثيرة على إنصاف المخالفين. (٤) التحرير والتنوير ٨/ ٨٤. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٢٢٥. www. modoee.com ٤٣٧ حرف الألف آداب الإنصاف في الحوار من مجالات الإنصاف البارزة في القرآن مجال الحوار، والدعوة، والحكم على الناس، وقد أولى القرآن هذا الجانب أهمية كبيرة، فحث القرآن على الإنصاف في الحوار، والعدل في الحكم على الناس، والحكم على الأفكار. أولًا: تحري القصد الحسن: مما ينبغي على المحاور والداعية حتى يكون منصفًا أن يتحرى القصد الحسن من حواره ودعوته، بأن یکون هدفه إظهار الحق، والرغبة في الوصول إليه، وانظر إلى نبي الله شعيب عليه السلام بعد المحاورة الطويلة لقومه، كيف بين مقصوده من حواره، ودعوته لهم، حيث أخبر الله عنه أنه قال: ﴿يَقَوْمِ أَرَهَ يْتُمْ إِنكُنتُ عَلَى بِنَةٍ مِّن رَِّ وَرَزَقَنِ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَّاً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنُكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]. فقوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ﴾ يعني: هذا هدفي ومقصدي من دعوتي لكم، وهو قصد حسن، وهكذا ينبغي أن يكون قصد کل محاور وداعية ومتكلم، أن يكون قصده الإصلاح لا الإفساد، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل. يقول السمر قندي: في قوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ﴾ أي: ما أريد إلا العدل(١). والعدل من معاني الإنصاف. وقد فضح سوء نواياهم الداعية لهم إلى الإعراض عن دعوته عقب إظهار حسن نيته مما دعاهم إليه، بقوله: ﴿وَمَّ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]. مصادفًا محز جودة الخطابة؛ إذ رماهم بأنهم يعملون بضد ما یعاملهم به(٢). ولما بين لهم حقيقة عمله، وكان في بیانه ما یجر الثناء على نفسه، أعقبه بإرجاع الفضل في ذلك إلى الله، فقال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]. فسمى إرادته الإصلاح توفيقًا، وجعله من الله، لا يحصل في وقت إلا بالله، أي: بإرادته وهدیه(٣). والمقصود: أن من متطلبات الإنصاف في الحوار تحري القصد الحسن من المحاورة، أو من الدعوة؛ وهذا من علامة الإخلاص لله، والرغبة في طلب الحق. قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ لَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. فمن الإنصاف أن يكون الداعي مقصده صالحًا، وغرضه حسنًا، بالحرص على ظهور الحق، وهداية الخلق، فهذا له أثر (١) تفسير السمر قندي ٢/ ١٦٧. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/ ١٤٧. (٣) المصدر السابق ١٢ / ١٤٥. ٤٣٨ الْقُرآن الكَرِيْمِ