Indexed OCR Text

Pages 41-60

الإنسان
فهو فاخرٌ وفخورٌ: تباهی وتکېر (١).
معتقدًا أنه مجهوده وعمله ولیس بعطاءٍ من
قال الراغب: الفخر: المباهاة في الأشياء الله، وإن التفاخر يوهم صاحبه أنه في حالٍ
الخارجة عن الإنسان کالمال والجاه، ویقال
له: الفخر، ورجلٌ فاخرٌ وفخورٌ وفخیرٌ علی
التكثير(٢).
وقد وصف الإنسان فى القرآن الكريم
بالفخر والمباهاة، وذلك بصيغة المبالغة
(فخور) على وزن (فعول) ؛ للدلالة على
شدة التكبر والتعاظم عند الإنسان الجاحد
في قوله تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ
ضَرَّآءَ مَسَّتَّهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُه
لَفَرِعٌ فَخُورُ ﴾ [هود: ١٠].
وفي هذه الآية بيان لحال ذلك الإنسان
إذا منحه الله الصحة والسلامة والغنى بعد
أن کان في ضرٍ من فقرٍ أو مرضٍ أو خوفٍ،
لم يقابل ذلك بما يليق به من الشكر لله
سبحانه، بل يقول مباهيًا بجحوده: ذهب
السيئات، أي المصائب التي ساءته، وأصبح
بطرًا أشرًا، متعاظمًا على الناس بما أوتي من
النعم مشغولًا بذلك عن القيام بحقها (٣).
والفخر فيه أمران مفسدان للنفس: الأمر
الأول: المطاولة على الغير وغمط الناس
حقوقهم. الأمر الثاني: إنكار نعمة المنعم
(١) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي
ص٤٥٥ .
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٧٤.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٦٧٧/٢، روح
المعاني، الألوسي ٢١٦/٦.
لم يصل إليها غيره فيتخيل ما ليس عنده،
وقد نھی النبي صلی الله عليه وسلم عن هذا
حين قال: (كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا
في غير سرفٍ ولا مخيلةٍ)، وقال تعالى:
اُللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالً فَخُورًا ()﴾
[النساء: ٣٦](٤).
ثانيًا: صفاتٌ مكتسبةٌ.
١ . الكفر.
من أبرز وأكثر صفات الإنسان المكتسبة
التي وردت في القرآن الكريم، صفة الكفر،
وقد وردت خبرًا عن الإنسان في ستة
مواضع، وهي صفةٌ قبيحةٌ ذمها الله تعالى
حتى قال سبحانه:
١٧
ـَ الْإِنسَانُّ مَآ أَكَفَرَهُو
[عبس: ١٧].
والكفر في اللغة: ستر الشيء، ووصف
الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزراع
لستره البذر في الأرض، والكفر: نقيض
الإيمان، وقيل: الكفر: كفر النعمة، وهو
نقيض الشكر. ويقال: رجل كفار وكفورٌ:
أي كافر، والكافر الجاحد لأنعم الله،
ويطلق الكافر أيضًا على: البحر، والوادي
العظيم، والنهر الكبير، والسحاب المظلم،
(٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٧ / ٣٦٧٤.
www. modoee.com
٣٦١

حرف الألف
والدرع(١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الشُّرُّ فِي الْبَحْرِ
وقال بعض أهل العلم: الكفر على ضَلَّ مَن تَّدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَّا فَجَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ
أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر
معاندة، و کفر نفاق(٢).
وقد عبر القرآن الكريم عن كفر الإنسان
بصيغة المبالغة (كفار) على وزن (فعال)
وهي تفيد كثرة المزاولة للفعل وتكراره،
و(كفور) على وزن (فعول) وهي تفيد الدلالة
على المبالغة مع التجدد والاستمرار(٣)؛
وذلك للتشنيع على هذا الكفر الذي يقابل به
الإنسان نعم ربه علیه.
ومن خلال استقراء أقوال المفسرين
للمواضع الستة التي وردت فيها صفة الكفر
خبرًا عن الإنسان، تبين أن كفر الإنسان في
القرآن الكريم نوعان:
النوع الأول: الكفر المقابل للشكر، أو
كفران النعمة، كما يدل عليه قوله عز وجل:
﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةٌ فَرِحَ بِهَاْ
وَإِن تُصِبْهُمْ سَِتَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيَدِيهِمْ فَإِنَّ
اَلْإِنسَنَ كَفُورٌ ﴾ [الشورى: ٤٨].
﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ
وقوله سبحانه:
مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ، لَيَّئُوسُُّ
كَفُورُ ﴾﴾ [هود: ٩].
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٩٣/١٠-
٢٠٢.
(٢) انظر: الوسيط، الواحدي ٨٣/١، معالم
التنزيل، البغوي ١/ ٦٤.
(٣) انظر: معاني الأبنية في العربية ص ٩٤ - ١٠٠.
وَكَانَ الْإِنْسَنُ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقد قرن القرآن بين الظلم وهذا النوع
من الكفر لأنهما يتقاربان في هذا السياق:
﴿وَءَاتَنْكُمْ مِن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن
تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخُصُوهَا إِنَ الإِنسَنَ
لَظَلُومُ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والنوع الثاني: الكفر المقابل للإيمان،
كما في قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ
فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا
كُفُورًا(٥) [الإسراء: ٨٩].
ومن تجليات هذا الكفر عدم إخلاص
العبادة لله وحده وإشراك غيره معه:
وَجَعَلُواْ لَهُ، مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًاْ إِنَّ الْإِنْسَنَ
تَكَفُورٌ مُّبِينٌ ﴾ [الزخرف: ١٥].
وقد بالغ هنا في إظهار فظاعة هذا الكفر
حين وصفه بالمبين؛ أي بين الكفر.
٢. الفجور.
وصف الإنسان في القرآن الكريم بصفة
الفجور، وذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ يُدُ
الْإِنْسَنُ لِيَفْجُرَأَمَمَهُ ﴾ [القيامة: ٥].
والفجور في اللغة: الانبعاث في
المعاصي، يقال: فجر الإنسان يفجر فجرًا
وفجورًا: انبعث في المعاصي، وقيل: فجر:
إذا ركب رأسه غير مكترث.(٤). والفجور:
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٣٥٢/٥.
مُوسُو ◌َ النَّسيّة
جوبيبو
القرآن الكريم
٣٦٢

الإنسان
فعل السوء الشديد ويطلق على الكذب،
ومنه وصفت اليمين الكاذبة بالفاجرة (١).
وأصل الفجور: الميل، وسمي الفاسق
والكافر: فاجرًا، لميله عن الحق (٢).
والآية الكريمة التي عبرت عن فجور
الإنسان تقفنا على حقيقة ذلك الإنسان
الكافر الذي يرغب ألا یقید أهواءه قیدٌ، بل
يريد أن يمضي قدمًا على معاصي الله ما
عاش راكبًا رأسه لا ينزع عنها ولا يتوب،
ومن ثم فهو ينكر اليوم الآخر لما يترتب
على إيمانه به من قيود وضوابط (٣).
٣. المخاصمة.
صفة الخصام من صفات الإنسان
المكتسبة، وقد عبر عنها القرآن بصيغة
المبالغة ﴿خَصِيمٌ﴾ في موضعين؛ في
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا
هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ [النحل: ٤].
وفي قوله جل وعلا: ﴿أَوَلَوْيَرَ الْإِنسَنُ
أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ مُّبِينٌ
﴾ [يس: ٧٧].
٧٧
خصيمٌ: صيغة مبالغةٍ على وزن (فعيلٌ)
بمعنى: شديد الخصومة، أو كثير الخصام،
ويجوز أن تكون بمعنى مخاصم، وإتيان
الفعيل بمعنى المفاعل كثيرٌ في كلام
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤١/٢٩.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٨/ ٢٨١.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب ٢١٨/٣٠، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٣/ ٤٧٢.
العرب، كالخليط بمعنى المخالط، والقعيد
بمعنى المقاعد، والجليس بمعنى المجالس،
ونحو ذلك، ومعنى (خصيمٌ) جدول
بالباطل(٤). ومبينٌ: اسم فاعل أبان اللازمة،
بمعنى بان وظهر (٥). ومعنى المبين: المظهر
لما يقوله، الموضح له بقوة عارضته وطلاقة
لسانه (٦).
وجاء التعقيب في الموضعين بذكر هذه
الصفة بعد الحديث عن خلق الإنسان،
والتنبيه على أن الله عز وجل خلقه من نطفة،
أي من ماءٍ مھینٍ، وصوره ونقله من حالٍ إلی
حالٍ، وأخرجه إلى ضياء الدنيا وغذاه ورزقه
وقواه، حتى إذا استوى، كفر بخالقه وجحد
نعمته، بل خاصمه في أمر عظیم کأمر البعث،
فأنكره وساق حججه على ذلك فقال: ﴿مَن
يُحِي الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ا
(٢٧٨ ﴾ [يس: ٧٨].
وعبدما لا يضره وما لا ينفعه: ﴿وَيَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّ هُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ
عَلَى رَبِّهِ، ظَهِبرًا ﴾ [الفرقان: ٥٥].ونسي
خلقه، وانتقاله من ماء، إلى علقة، إلى
مضغة، إلى عظم، إلى تصوير، إلى خروج
إلى الدنيا، وضعف إلى قوة، وضعف بعد
قوة(٧).
(٤) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٦١/٣،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤/ ١٠٢.
(٥) أضواء البيان، الشنقيطي ٣/ ٢٦١.
(٦) فتح البيان، القنوجي ٣٢٥/١١.
(٧) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
www. modoee.com
٣٦٣

حرف الألف
٨٣
وجاءت صفة الخصام في هذين
ـَّبِينَ
الموضعين مقترنة بصفة الإبانة:
التي كانت من أعظم منن الله على الإنسان
منة الخلق: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ))
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤].
٤ . اليأس.
اليأس في اللغة: القنوط، ضد الرجاء أو
قطع الأمل، يقال: يئس من الشيء ييأس:
أي انقطع أمله. ويئست المرأة: أي عقمت
فھي يائسة. ويقال: رجلٌ يائس وينوس: أي
شديد اليأس (١). ويئوس: فعولٌ من قول
القائل یئس فلانٌ من کذا فھو یٹوس إذا كان
صفة له(٢).
وقد ورد لفظ (یئوس) في القرآن الکریم
في أكثر من موضع بصيغة المبالغة دالّاً على
وصف الإنسان بالیاس الشدید إذا أصابه شرٌ
أو ضررٌ أو سلبت منه نعمة، كما في قوله
تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ
نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيْتُوسُ كَفُورُ ))
[هود: ٩].
وقوله سبحانه: ﴿لَا يَسْتَمُ الْإِنسَنُ مِن دُعَاءِ
٤٩
اٌلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسُُّ قَنُوطٌ
[فصلت: ٤٩].
وقوله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ
طالب ٦/ ٣٩٥٠.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦/ ٤٩٤٥،
القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص٥٨٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٣٩/١٢.
أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ كَانَ يَتُوسًا
[الإسراء: ٨٣]
ففي هذه الآيات الكريمة بيانٌ لحال
الإنسان الكافر في اختبار الله له بزوال النعمة
أو إصابته بالشدة والضر، فإنه يصير يئوسًا؛
وذلك لأنه يعتقد أن السبب في حصول تلك
النعمة سبب اتفاقي، ثم إنه يستبعد حدوث
ذلك الاتفاق مرة أخرى، فلا جرم يستبعد
عود تلك النعمة فیقع في الیاس. و کل ذلك
لأنه مادي لا يؤمن إلا بالمادة، ولا يرجو ما
عند الله الذي يعطي ويمنع ويعز ويذل (٣).
٥. القنوط.
القنوط في اللغة: مصدر قنط، يقال: قنط
يقنط ويقنط قنوطًا، وقنط قنطًا وهو قانطٌ:
يئس. فالقنوط: اليأس، وقيل: اليأس من
الخير، وقيل: أشد اليأس من الشيء(٤).
وقد ورد لفظ (قنوط) بصيغة المبالغة في
القرآن الكريم في موضعٍ واحدٍ فقط، دالًا
على شدة يأس الإنسان، في قوله جل وعلا:
﴿لَّا يَسْتَمُ الْإِنْسَنُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ
الشَُّّ فَيَئُوسُ قَنُوطٌ ﴾ [فصلت: ٤٩].
أي: يئوس من الخير، قنوطٌ من الرحمة.
وقيل: قنوطُ أي: سيء الظن بربه، كأنه
يقول: لا يكشف الله تعالى ما بى من البلاء
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩٩/١٧، زهرة
التفاسير، أبو زهرة ٧/ ٣٦٧٣.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٧٥٢/٥،
تاج العروس، الزبيدي ٢٠/ ٥٦.
٣٦٤
القرآن الكريم

الإنسان
والشدة (١).
وقد فرق بعض المفسرين بين اليأس
والقنوط؛ إذ لو كانت الكلمتان متطابقتين
لاستغنى السياق القرآني عن واحدة منها،
فقالوا: اليأس من صفة القلب، وهو قطع
الرجاء من رحمة الله تعالى، والقنوط من
صفة البدن، بأن يظهر أثر اليأس في بدنه،
فيتضاءل ويحزن وينكسر ويتذلل (٢).
وقال بعضهم: هما مترادفان؛ وذكرهما
معًا للتأكيد(٣).
وقد جاءت تربية الشريعة للأمة على ذم
القنوط.
قال تعالى حكايةً عن إبراهيم: ﴿قَالَ
وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ: إِلَّا الضَّالُونَ
[الحجر: ٥٦](٤).
(١) تفسير القرآن، السمعاني ٥٩/٥.
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤٨٢/٧،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ١٠.
(٣) حدائق الروح والريحان، الهرري ٢٦/ ١٣.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ١١.
الإنسان والشيطان
بين لنا القرآن الكريم- في آياتٍ كثيرةٍ -
أن علاقة الشيطان بالإنسان علاقة عداوة،
وهي من سنن الله الكونية التي قررها الله عز
وجل في قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ
عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦].
والهدف منها واضحٌ جليٌ ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ
حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر:
٦].
ويرجع تاريخ تلك العداوة إلى اليوم الذي
شکل الله عز وجل فیه آدم عليه السلام قبل
أن ينفخ فيه الروح، فأخذ الشيطان یطیف به،
ويقول: لئن سلطت علي لأعصينك، ولئن
سلطت عليك لأهلكنك. فعن أنسٍ رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: « لما صور الله آدم في الجنة، تركه ما
شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به،
ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق
خلقًا لا يتمالك))(٥). فلما نفخ الله في آدم
الروح، وأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكان
إبليس يتعبد الله مع ملائكة السماء فشمله
الأمر، فسجدوا جميعًا إلا إبليس أبى أن
یسجد لآدم عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَّكَةِ أَسْجُدُواْ
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتابٍ البر والصلة
والآداب، باب خلق الإنسان خلقًا لا يتمالك،
رقم ٢،٢٦١١ / ١٢١٠.
www. modoee.com
٣٦٥

حرف الألف
مِنَ الْكَفِينَ لـ
لَِّدَمَ فَسَجَدُوْاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ
﴾ [البقرة: ٣٤]. فكان
٣٤
الاستعلاء والاستكبار من قبل إبليس ردًا
على الأمر الإلهي بالسجود، إذ يعتقد
بأفضليته وخيريته على آدم فقال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌمِنْهُ
خَلَقْتَنِى مِن ◌َّارٍ وَخَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ ﴾ [الأعراف:
١٢ ].
٦١
وقال: ﴿وَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا
[الإسراء: ٦١]. والحسد على تكريم الله
إياه، قال: ﴿أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَّ﴾
[الإسراء: ٦٢].
فكان جزاؤه أن عامله الحق سبحانه
وتعالى بنقيض قصده، حيث كان قصده
التعاظم والتكبر، فأخرجه الله صاغرًا حقیرًا
ذليلًا، ﴿ قَالَ فَأَهْيِطَ مِنَّهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ
فِيهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ ﴾ [الأعراف:
١٣].
لكن إبليس لم يرد أن يترك جهلًا محادته
لله سبحانه وتعالى ﴿قَالَ أَنْظِرْنِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ
﴾ [الأعراف: ١٤].
١٤
أي: أمهلني فلا تعجل بموتي إلى يوم
يبعثون، وقد ذكر ما يريد عمله من ذلك
الإمهال وهو إضلال الناس، فأجابه الله إلى
طلبه ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴾ [الأعراف:
١٥].
آدم وذريته والكيد لهم: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى
(٦ ◌ُمَّلَا تَنَهُ مِنْ بَّنِ
لَأَقْعُدَنَّلَهُمْ صِرَّطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَتِهِمْ وَعَن شَمَايَلِهِمٌّ وَلَا يَجِدُ
﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
١٧
أكْثَرَهُمْ شَكِرِينَ
وابتدأ اللعين يعد عدته ويدبر للفتك
بآدم وذريته، فبعد أن أكرم الله عز وجل آدم
بأنواع التکریم، وأسجد له ملائکته، وبعد ما
تحقق من إبليس ما تسبب في طرده- لعنه
الله- من الجنة، زاد حقده على آدم أن یسکن
الجنة التي طرد منها بسببه.
فعقد العزم على إغواء أبينا آدم، فجاءه
وزوجه بطريق الوسوسة: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا
الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا
وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا
مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَ مِنَ الْخَلِينَ ﴾ [الأعراف: ٢٠].
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَكَادَمُ
هَلْ أَدُلَّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى
١٢٠
فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطِفِقًا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى ءَدَمُ رَبَّهُ
فَغَوَىَ ) ثُمَّ لَجْتَبَهُ رَبُّهُ، فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى
١٢٢
قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ
فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِّنِى هُدَى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ
فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (٣)﴾ [طه: ١٢٠ - ١٢٣]
بل أقسم علی إضلال آدم وذريته، كما
أخبر القرآن الكريم على لسانه: ﴿قَالَ
أَرَهَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ
وقطع اللعين على نفسه عهدًا بإضلال إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنْكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَّبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ
٣٦٦
القرآن الكريم

الإنسان
جَزَاؤُ كُمْ جَزَّآءٍ قَوْفُورًا (٢) وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ
مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَچِلِكَ
وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا
يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ غُرُورًا ( إِنَّ عِبَادِى
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَى بِرَبِّكَ
وَكِيلًا ﴾ [الإسراء: ٦٢ - ٦٥].
وقد أطال القرآن في تحذيرنا من الشيطان
وبيان عداوته للإنسان، فقد ورد ذكره بصفة
المفرد في سبعين آية، وبصفة الجمع في
ثماني عشرة آية، وذلك لشدة عداوته وفتنته،
ومهارته في الإظلال، ودأبه وحرصه على
ذلك.
ومن خلال تتبع آيات القرآن الكريم في
ذكره لكلمة (عدو) نجد أنها وردت مقرونةً
بوصف (مبين) تسع مراتٍ، ثمانية منها في
شأن العداوة مع الشيطان.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِىِ
الْأَرْضِ حَلًا طَيْبًا وَلَا تَتَّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ
[البقرة: ١٦٨].
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينُ
وقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ
خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
(٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وقال جل وعلا: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ
حَمُولَةٌ وَفَرْشَأْ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا
تَفَّيِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
[الأنعام: ١٤٢].
١٤٢ ٥٠
وقال تعالى: ﴿فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَا ذَاقًا
الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَ اتُهُمَا وَطَفِقًا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا
مِن وَرَقِ اَلْجَنَّةِّ وَنَادَتُهُمَا رَبُّهُمَا أَلَوْ أَنْهَكُمَا عَن
تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَّ إِنَّ الشَّيْطِنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ
٣)﴾ [الأعراف: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿قَالَ يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُهْ يَاكَ
عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ
لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾﴾[يوسف: ٥].
﴿﴿ أَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنْبَنِيّ
وقال تعالى:
ءَدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ
مُّبِينٌ ﴾ [يس: ٦٠].
قال تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطِنِّ إِنَّهُ.
لَكُوْعَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [الزخرف: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿ وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى
هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنَزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ
كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُّبِينًا ﴾ [الإسراء: ٥٣].
ومعنى قوله: ﴿إِنَّهُلَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ بين
العداوة لا يخفيها ولا يطويها، عداوته جلية
واضحة (١)
والموضع الوحيد الذي وصفت فيه
عداوة غير الشيطان بهذا الوصف هو قوله
تعالى: ﴿إِنَّالْكَفِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًّا (
[النساء: ١٠١].
وزد على ذلك أن (الخسران) لم يوصف
بأنه مبيِّن إلا في سياق العلاقة مع الشيطان!
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ٤٩٩.
www. modoee.com
٣٦٧

حرف الألف
١٠٠
الشَّيْطَنَ وَلِيَا مِّن دُونْ اَللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ
[النحل: ٩٨ - ١٠٠].
[النساء: ١١٩].
خُسْرَانًا مُبِينًا
وعداوة الشيطان للإنسان مستمرةٌ
لانهاية لها بل هي باقیةٌ أبد الدهر، بيد أنه لا
يعدو الشيطان في حياة الإنسان أنه مخلوقٌ
باستطاعته أن يوسوس في صدر الإنسان
بالشر، ويزين له ارتكاب الخطيئة بإرادته،
ويعد مسئولا عنها مسئولية تامة. ففي
المفاهيم الإسلامية عدة حقائق عن الشيطان
تبين موقعه في حياة الإنسان، وأثره على
إرادته، والحكمة الربانية من وجوده.
الحقيقة الأولى: تتلخص في أن الشيطان
ليس له سلطانٌ على إرادة الإنسان، إلا من
سلم قیادة نفسه له وتبعه مختارًا لنفسه طریق
الغواية، ونجد الدليل على هذه الحقيقة في
عدة نصوصٍ قرآنيةٍ، منها قول الله تعالى
يخاطب إبليس رأس الشياطين:
ومنها قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَئِّسَ
لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ
(٣) ﴾ [الحجر: ٤٢].
ومنها قول الله تعالى:﴿إِنَّعِبَادِی لَيْسَ
لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا
﴾ [الإسراء: ٦٥].
٦٥
ومنها قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ
فَأَسْتَجِدْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ) إِنَّهُ
لَيْسَ لَهُ، سُلْطَنُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَكَّلُونَ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُّهُ عَلَى الَّذِينَ
فمن الظاهر في هذه النصوص أن الله
تبارك وتعالى لم يجعل للشيطان سلطانًا
على الإنسان، وأن سلطانه لا يكون إلا على
الذين يتولونه، ويجعلونه قائدًا لهم، ويتبعونه
مختارين لأنفسهم طريق الغواية.
ومن أجل ذلك فإن الشيطان سيعلن
هذه الحقيقة يوم القيامة للذين استجابوا
لوساوسه في الدنيا.
ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَقَالَ
الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ
وَعْدَ اَلْبِّ وَوَعَدَّتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمٌْ وَمَا كَانَ لِيَ
عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ
لِيِّ فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ مَّا أَنَا
بِمُصْرِحِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِخِىٌَ إِ
كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ
اَلَّيْلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [إبراهيم:
٢٢].
﴿َّآ أَنَا بِمُصْرِحِكُمْ وَمَا أَنْتُم
بِمُصْرِخَ﴾ أي: ما أنا بقادرٍ على إغاثتكم
وما أنتم بقادرين على إغاثتي، حينما يصرخ
كلِّ منا طالبا من صاحبه أن يغيثه فيرفع عنه
عذاب الله.
الحقيقة الثانية: تتلخص في أن وظيفة
الشيطان في حياة الإنسان إنما هي الوسوسة
في صدره ولیس له قدرة علی أکثر من ذلك،
٣٦٨
مُؤَسُولَةُ النَّفِيَة
القرآن الكريم

الإنسان
ويشعر الإنسان بهذه الوسوسة في صورة يشعر بأن القبح في العمل ليس من شأنه.
وهذا الشعور الذي يشعر به المخطئ، قد
خواطر تزین له الإئم والمعصية، وتزين له
الانحراف عن سواء السبيل، وقد تصوغ له
ذلك بحجج مغرية.
یساعده على تقویم نفسه، مستعیذا بالله من
الشيطان، ساعيًا في التخلص مما علق به من
أدناس المعاصي، كما يساعده على نسيان
خطيئته إذا هو استغفر الله وتاب إليه؛ إذ من
وسائل الإصلاح التربوي فتح باب العذر
لمن نربيه إذا ارتكب الخطيئة، ولو عاقبناه
عليها نظرًا إلى مسئوليته، وذلك لنبقى له
مجالا يحتفظ فيه بصورة الكمال التي يجب
أن يتصورها الناس فيه، ولنبق له مجالًا
للارتقاء في مراتب الكمال الإنساني(١).
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
٥
١ مَلِكِ النَّاسِ ﴿ إِلَهِ النَّاسِ
مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ نَ الَّذِى
يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ن مِنَ
اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾ [الناس: ١ - ٦]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَى
أَدْبَرِهِم مِّنْ بَعْدٍ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ الشَّيْطَنُ
سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَ لَهُمْ ﴾﴾[ محمد: ٢٥].
أي: غرهم بالأماني والآمال في وساوسه
وتسويفاته، وهذا ما فعله مع آدم وحواء،
إذا كانا في الجنة فوسوس لهما فأخرجهما
من الجنة. فكيد الشيطان في الإضلال كيدٌ
ضعيفٌ، وبذلك وصفه الله بقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ
الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: ٧٦].
الحقيقة الثالثة: تتلخص في أن الله تبارك
وتعالى جعل الشيطان في حياة الإنسان
لإقامة التوازن بین دوافع الخير ودوافع الشر
والمحرضات عليهما، وليطرح الإنسان
عليه قسمًا من مسئولية الخطيئة التي يقع
بها، فيجد لنفسه عذرًا بأن فعل الشر ليس
من فطرته، وإنما كان بتأثير وساوس قرينه
الشيطان الملازم له. وبهذا لا تظل صورة
الخطيئة القبيحة ماثلةً في نفس الإنسان، إذ
[انظر: آدم: آدم وإبليس]
(١) الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني
١/ ١٧٣.
www. modoee.com
٣٦٩

حرف الألف
نداءات ووصايا للإنسان
جاءت النداءات والوصايا من الله
عز وجل للإنسان في القرآن الكريم كي
ترشد الإنسان إلى الطريق القويم ليفوز
بالسعادة في الدنيا والآخرة، فالله عز وجل
إذا كان قد جعل الإنسان مختارًا فإنه لم
یترکه سدی، بل أرسل له الرسل، وأنزل له
الكتب، وأرشده إلى الطريق الصحيح، ولذا
كان حريٌ بالإنسان أن يعنى بتلك النداءات
والوصايا، وقد ورد نداء الإنسان في القرآن
في موضعين، وفي استخدام أسلوب
النداء تلطفٌ بالمخاطب، بخلاف مواجهة
المخاطب بالأمر والنهي مباشرة فإن فيها
جفوة وقسوة، كما جاءت وصية الله للإنسان
في ثلاثة مواضع جميعها توصية بالإحسان
إلى الوالدين، وفي استخدام أسلوب الوصية
أثرٌ بالغٌّ في النفس وأقوى في الامتثال من
أسلوب الأمر والتكليف، وفي المطلبين
الآتيين بيان لتلك النداءات والوصايا.
أولًا: نداءات الله للإنسان:
وردنداء الله عز وجل للإنسان في القرآن
الكريم في موضعين:
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
اَلْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَّكَ الْكَرِيِ الَّذِى خَلَقَكَ
فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ ا فِىَ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَّكْبَكَ
[الانفطار: ٦ - ٨].
٨
النداء هنا للتنبيه، تنبيهًا يشعر بالاهتمام
بالكلام والاستدعاء لسماعه، فليس النداء
مستعملا في حقيقته، إذ لیس مرادًا به طلب
إقبال، ولا هو موجه لشخصٍ معينٍ أو جماعةٍ
معينةٍ، بل مثله يجعله المتكلم موجهًا لكل
من يسمعه بقصدٍ أو بغير قصد(١).
والتعريف في (الإنسان) تعریف للجنس،
وعلى ذلك حمله جمهور المفسرين، أي:
ليس مرادًا إنسانًا معينًا، وقرينة ذلك سياق
الكلام عقبه: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ) وَإِنَّ
عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ ﴾ [الانفطار: ٩ - ١٠](٢).
وهذا العموم مراد به الذين أنكروا
البعث(٣).
وقد خاطب الله عز وجل الإنسان بصفة
الإنسانية التي تميزه على المخلوقات؛
لیرعوي ویتذکر أنه إنسان مکرمٌ حريٌّ به
أن یستجيب لمن أكرمه بالنعم التي لا تعد
ولا تحصى. ففي هذا الخطاب: استدعاء
لمعاني الإنسانية التي أودعها الله سبحانه
وتعالى في الإنسان، من قوى عاقلة مدركة،
من شأنها أن تميز بين الخير والشر، وتفرق
بين الإحسان والإساءة (٤)
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٣/٣٠.
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
٥٤٤/٢، روح المعاني، الألوسي ٢٦٩/١٥.
(٤) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٠١٨٤٠/١٦
٣٧٠
مُوسُو ◌َةُ التخيـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الإنسان
فتصدير الآية القرآنية بقوله سبحانه
وتعالى: ﴿یَأَيُّهَا الإِنسَنُ﴾، أي: تنبه !!
إن الصفة التي أعطيتك إياها ما كان الإنسان، إلا أن بعضها يغر قومًا، وبعضها
ينبغي أن يوجد معها الغرور، ومع ذلك وجد
منك الغرور، واغتررت بربك الکریم، فلو
أنك اغتررت بالذي وهب لو كان غير كريم
لكان من الممكن أن تكون حفيظة نفسك
قد أثرت فيك، ولكنه سبحانه وتعالی رب
کریم، فما داعي الغرور إذًا؟ !.
ويلاحظ أن جملة النداء وليها الجملة
الاستفهامية ﴿مَا غَرَّكَ بِرَيْكَ اَلْكَرِيمِ﴾ وهي
تقرر وتوضح کرم الربوبية، وفي ذلك لفت
وإثارة، والمعنى: أي شيءٍ خدعك وجرأك
على عصيان ربك الكريم الذي أنعم عليك
بنعمة الوجود والعقل والتدبر، ولا تزال
أياديه تتوالى عليك، ونعمه تترى لديك؟(١).
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ:
﴿مَا غَرَّكَ بِرَّكَ اَلْكَرِيمِ﴾ فقال: جهله، وقاله
عمر رضي الله عنه وقرأ: ﴿إِنَّهُ، كَانَ ظَلُومًا
جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢](٢).
وقيل: غره عدوه المسلط عليه. وقيل:
غره ستر الله تعالى عليه. وقيل: غره كرم الله
تعالی. وقيل: غره طمعه في عفو الله عنه(٣).
(١) تفسير المراغي ٦٦/٣٠.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٥٤/٨،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢٢/٢٢.
(٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
٢/ ٥٤٤، مدارك التنزيل، النسفي ٦١٠/٣.
قال ابن جزي: ((ولا تعارض بين
هذه الأقوال؛ لأن كل واحدٍ منها مما يغر
يغر قومًا آخرین» (٤).
ثم يفصل الله عز وجل شيئًا من هذا
الكرم الإلهي، الذي أجمله في النداء
الموحي العميق الدلالة، المشتمل على
الكثير من الإشارات المضمرة في التعبير.
يفصل شيئًا من هذا الكرم الإلهي المغدق
على الإنسان المتمثل في إنسانيته التي ناداه
بها في صدر الآية، فيشير في هذا التفصيل
إلى خلقه وتسويته وتعديله (٥)
.
قال تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ﴾
وهذه صفاتٌ مقررةٌ للربوبية مبينةٌ وموضحةٌ
لكرم الله على الإنسان. حيث إنه تعالى لما
وصف نفسه بالكرم، ذكر هذه الأمور الثلاثة
(الخلق والتسوية والتعديل)، كالدلالة على
تحقق ذلك الكرم، فقوله تعالى: ﴿الَّذِى
خَلَقَكَ﴾ لا شك أنه كرمٌ؛ لأنه وجود،
والوجود خير من العدم، والحياة خير من
الموت، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ
◌َِللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَمْيَكُمْ﴾
[البقرة :
٢٨].
وقوله تعالى: ﴿فَسَوَّنِكَ﴾ أي: جعلك
سويًا سالم الأعضاء، ونظيره قوله تعالى:
(٤) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٥٤٤/٢.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٨٤٧/٦.
www. modoee.com
٣٧١

حرف الألف
﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ بعد هذه النشأة، فإن الکریم یوفي كل مرتبة
ثُمَّ سَوَّلَكَ رَجُلًا )﴾ [الكهف: ٣٧].
أي: معتدل الخلق والأعضاء(١).
وقوله: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: عدل أعضاءك
بعضها ببعض، أي وازن بينها، فلم يجعل
إحدی الیدین أطول من الأخری ولا إحدی
العينين أكبر من الأخرى، ولا إحداهما
كحلى والأخرى زرقاء، ولا بعض الأعضاء
أبيض وبعضها أسود، وشبه ذلك من
الموازنة (٢).
ويلاحظ في هذه الآية الكريمة تعدد
الصلات وإن كان بعضها قد يغني عن
البعض، فإن التسوية حالة من حالات
الخلق، وقد يغني ذكرها عن ذكر الخلق
كقوله: ﴿فَسَوَّنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَتٍ﴾ [البقرة:
٢٩].
ولكن قصد إظهار مراتب النعمة، وهذا
من الإطناب المقصود به التذکیر بکل صلة
والتوقيف عليها بخصوصها، ومن مقتضيات
الإطناب مقام التوبيخ(٣).
ثم أجمل ما فصله أولًا بقوله: ﴿فَآَمِّ
صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكْبَكَ ﴾: أي ركبك في
صورةٍ هي من أبهى الصور وأجملها،
وأدلها على بقائك الأبدي في نشأة أخرى
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٩٨/٢٠.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٥٤/٨،
التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/ ٥٤٥.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٥/٣٠.
من الوجود حقها، فمن خص بهذه المنزلة
الرفيعة لا ينبغي أن یعیش کما یعیش سائر
الحيوان، ويموت كما يموت الوحش
وصغار الذر، وإنما الذي يليق بعقله وقوة
نفسه أن تكون له حياة أبدیة لا حد لها، ولا
فناء بعدها، یوفی كل ذي حق حقه، وكل
عامل جزاء عمله (٤).
نخلص من ذلك: إلى أن هذا النداء
للإنسان فيه توبيخٌ له على جحود النعم
وتحذيرٌ له من الانهماك في الدنيا، فالله
عز وجل خلقه في أحسن تقويم، كما قال
تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ◌َلْإِسَنَ فِي ◌َحْسَنِ تَقْوِيِمٍ
[التين: ٤].
ومنحه من النعم ما لا يعد ولا يحصى
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْضُوهَاْ إِنَّ
[إبراهيم:
الإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾
٣٤].
وأهم هذه النعم ما يتعلق بنفسه، حيث
خلقه الله من نطفة ولم يك شيئًا، وجعله
سليم الأعضاء منتصب القامة، متناسب
الأعضاء، وصوره في أحسن الصور
وأعجبها، ومنحه عقلًا امتاز به على كثير
من المخلوقات: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َدَمَ
وَحَلْنَهُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اْلَِّبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
(٤) تفسير المراغي ٦٦/٣٠.
مَوَسُ لَهُ النَّفِي
القرآن الكريم
٣٧٢

الإنسان
﴾ [الإسراء: ٧٠]؛ كي يحقق العبودية لله فالخطاب بالنسبة إليهم زيادة للإنذار، وهو
بالنسبة إلى المؤمنين تذكير وتبشير (٣).
٧٠
تعالى، كما قال جل شأنه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلِنَّ
وَاْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦].
فهل يليق بالإنسان بعد هذا الإكرام
أن يكفر بنعمة المنعم أو يجحد إحسان
المحسن؟.
والموضع الثاني: قوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا
الإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَفِيهِ (
فَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَبَهُ, بِيَمِينِ ) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ
حِسَابًا يَسِيرًا ، وَيَنْقَلِّبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّاً
مَنْ أُوِيَ كِلَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورً )
وَيَصْلَى سَعِيْرًا (٢ ) إِنَّهُ كَانَ فِيَ أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ
ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ بَ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِه بَصِيرًا (
١٥)
[الانشقاق: ٦ - ١٥ ]
والخطاب عام لكل إنسانٍ، فاللام
في قوله (الإنسان) لتعريف الجنس وهو
للاستغراق، كما دل عليه التفصيل في قوله:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِّيَ كِنَبَهُ بِمِينِهِ.) إلى قوله:
﴿كَانَ بِ بَصِيرًا )﴾(١). فهو يشمل كل فردٍ
من أفراد الناس الموضوعين في الحياة
الدنيا موضع الامتحان، بأسلوب الخطاب
الإفرادي، لإعلام كل فرد فأنه محل عناية
الرب في خطابه (٢).
والمقصود الأول من هذا وعيد
المشركين؛ لأنهم الذين كذبوا بالبعث.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢١/٣٠.
(٢) معارج التفكر ودقائق التدبر، الميداني
٠٩٣/١٥
وفي هذا الخطاب كذلك يستدعي الحق
سبحانه وتعالى في الإنسان صفة الإنسانية
التي تفرده في هذا الكون بخصائص من
شأنها أن يكون أعرف بربه، وأطوع لأمره،
ولعل في طبيعة هذا النداء ما يلفت الانتباه
إلى هذه الربوبية، والدعوة للعودة إليها، بما
يوحيه هذا النداء من بلاغةٍ في الخطاب،
وذلك بما فيه من التخصيص لكل فردٍ فيه.
فهي دعوة تمتلئ شفقة ورحمة بالإنسان
ليعود إلى ربه بما تحمله كلمة الرب من
معاني العناية والرعاية، وكذلك بما توحيه
أداة النداء التي للبعيد تنبيهًا على أن معاصيه
أبعدته عن القرب من الله، فقال تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُّ إِلَى رَبِّكَ كَدّحًا فَمُلَقِيهِ
٢) [الانشقاق: ٦]
و(الكادح): العامل بشدةٍ وسرعة
واجتهاد مؤثر، ومنه قول النبي صلى الله
علیه وسلم: (من سأل وله ما يغنيه، جاءت
مسألته حدوثًا أو كدوحًا في وجهه يوم
القيامة) (٤)
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢١/٣٠.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٢٥٩/٧، رقم
٤٢٠٧، وأبو داود في سننه، كتاب الزكاة،
باب من يعطى من الصدقة، ١١٦/٢، رقم
١٦٢٦، والنسائي في سننه، باب حد الغنى،
٩٧/٥، رقم ٢٥٩٢، وابن ماجه في سننه،
كتاب الزكاة، باب من سأل عن ظهر غنى،
www. modoee.com
٣٧٣

حرف الألف
والمعنى: يا أيها الإنسان المجد في من خير أو شرٍ إلى الكدح، أي: إلى السعي
والعمل بنصب ومشقةٍ.
سعيه، النشيط في عمله السريع في تحصيل
معاشه و کسبه: إنك تکدح في طلب الدنيا،
حتى استبطأت حركة الزمن، وكم تمنيت
نهاية اليوم أو الشهر أو العام لتحصل على
طلبك، أيها الإنسان ما أجهلك !!
ألم تعلم بأن هذا كله من عمرك، وأنت
تكدح صائرًا إلى ربك، وتجدك واصلًا إلى
نهايتك وموتك.
قال الشاعر:
يسر المرء ما ذهب الليالي
و کان ذهابهن له ذهابا
فأنت تجد في السير إلى ربك، فتلاقي
عملك هناك أوضح من الشمس، فاعمل في
دنياك على هذا الأساس. ستلاقي ربك يوم
القيامة، وستلاقي عملك يوم يقوم الناس
للعرض على الملك الجبار ﴿يَوْمَذٍ تُعْرَضُونَ
لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَّةٌ (
١٨ ﴾ [الحاقة: ١٨](١).
وقد خلق الله الإنسان ضمن ظروف
هذه الحياة الدنيا في محيط الكبد، كما قال
تعالی: ﴿لقد خلقنا الإِنسَنَفیکبین﴾﴾ [البلد:
٤].
أي: في محيطٍ من الشدة والمشقة
والضيق، لذلك فهو بحاجة لتحقيق مطالبه
٥٨٩/١، رقم ١٨٤٠.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٨٩٩/١، رقم ٤٩٩.
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/ ٥٦٨.
فالإنسان حريصٌ على البقاء، ومن
أجل ذلك فهو يتحمل أنواعًا من الكدح
والمكابدة، فلا نكاد نجد في الناس إنسانًا
غير كادحِ، وهذه حقيقةٌ مشاهدة في السلوك
الدائم للإنسان.
وهي التي جعلت المعري يقول(٢):
تعبٌّ كلها الحياة فما أع
جب إلا من راغب في ازدياد
ولا يشترط أن يكون الكدح في عملٍ
جسدي، بل قد يكون في حركاتٍ نفسيةٍ
ذات مشقةٍ على النفس أكثر من حركات الكد
الجسدي، فمن الكدح ما يعانيه الإنسان من
أمراضٍ، وأوجاع، وآلام، جسدية ونفسيةٍ.
ومن الكدح ما يعانيه الإنسان من آلام
المصائب في الأموال والأنفس، وفقد
الأحبة.
ويستمر كدح الإنسانٍ حتى اللحظات
الأخيرة من حياته، وملاقاة ربه بالموت،
وبعد ملاقاته ربه بالموت تبدأ مرحلة ملاقاة
حسابه، وفصل القضاء بشأنه، ومجازاته
على ما كسبه بإرادته في رحلة امتحانه،
وأكبر ذلك ما یکون یوم الدین(٣).
وما دام الإنسان في ظروف الحياة التي
(٢) معارج التفكر ودقائق التدبر، الميداني
٩٨/١٥.
(٣) المصدر السابق.
٣٧٤
مَوَسُولَهُ النَِّنَّة
القرآن الكريم

الإنسان
تتطلب منه أن يكون كادحًا في الخير أو في الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِّيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ
يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨].
فقال: (ليس ذلك الحساب، إنما ذلك
العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة
عذب)(٢).
الشر، فإن العقل السديد والرأي الرشيد
یوجبان علیه أن يكدح كدحًا يحقق له النجاح
في الدنیا، وأکبر حظ من سعادة النفس فيها،
ثم يحقق له مرضاة الله والسعادة الخالدة
عنده يوم الجزاء الأكبر(١).
وقد فصّل الحق سبحانه وتعالى الإجمال
الذي في قوله: ﴿إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِكَ كَدْحًا فَمُلَقِیهِ
٦
، مبينًا أحوال الإنسان عندما يلاقي
ربه، ﴿فَمَّا مَنْ أُوِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، ( فَسَوْفَ
يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا
﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩].
٠
أي: وهناك في موقف الحساب، يؤتى
كل إنسانٍ كتابه: ﴿وَكُلَّ إِنسَنِ أَلْزَمْنَهُ طََّبِرَهُ.
فِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبَا يَلْقَنُ
مَنْشُورًا (٣ آقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ
حَسِيبًا ﴾ [١٣ - ١٤: الإسراء].
فأما من أوتی کتابه بیمینه، فهو من أهل
السلامة والنجاة. إنه يحاسب حسابًا يسيرًا،
لا رهق فیه، لا عسر. فما هو إلا أن یعرض
في موقف الحساب، حتی یخلی سبیله.
ففترة العرض والانتظار، هي هذا الحساب
اليسير. ففي الحديث عن عائشة رضي الله
عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (من حوسب يوم القيامة عذب).
قالت: فقلت: يا رسول الله: أليس قد قال
(١) الأخلاق الإسلامية، الميداني ٣٤٦/١.
ثم ينقلب من هذا الحساب- وقد برئت
ساحته- يزف إلى أهله من إخوانه المؤمنين
بشری نجاته وسلامته، وقد غمره السرور،
وفاض عليه البشر فلا يملك إلا أن يهتف
بكل من يلقاه من أهل المحشر: ﴿هَاؤُمُ أَقْرَهُ وأ
كِتَبِيَةُ (٥)﴾[١٩: الحاقة](٣).
يلحظ مما سبق أن النداء بـ﴿يَأَيُّها
الْإِنْسَنُ﴾ لم يأت إلا في موضعين؛ الموضع
الأول: في سورة الانفطار، والموضع
الثاني: في سورة الانشقاق، وقد جاء النداء
فيهما بعد الحديث عن أهوال القيامة وبداية
اللقاء الأخروي، وتذكيره بأمره وبمصيره
الذي هو صائر إليه، وهذا يدل على الرعاية
الحانية للإنسان کي يتنبه قبل فوات الأوان،
وهذا واضحٌ جدًا من أسلوب الخطاب في
الموضعین.کما يلحظ أن (الإنسان) عندما
ينادى في القرآن فهو وإن كان عامًا إلا أن
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب من سمع شيئًا فلم يفهمه، ٣٢/١،
رقم ١٠٣، ومسلم في صحيحه، كتاب
الجنة وصفة نعيمها، باب إثبات الحساب،
٤/ ٢٢٠٤، رقم ٢٨٧٦.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
١٥٠٣/١٦.
www. modoee.com
٣٧٥

حرف الألف
ملاحظة معنى الإنسانية مراد ومطلوب،
بخلاف (الناس) فإن ملاحظة الجنس هي
المطلوبة أولًا. وكلا النداءين يقتربان في
أن المطلوب من الإنسان فيهما أن يعلم أنه
ملاقٍ ربه فعلیه أن لا يغتر بکرمه فیعمل ليوم
الدين، كما ترشد إلى ذلك آية الانفطار،
كذلك آية الانشقاق تلتقي مع أختها في
ضرورة أن يعمل الإنسان في سعیه خیرًا فهو
لا محالة ملاقٍ ربه.
ثانيًا: وصايا الله للإنسان:
الوصية كما عرفها الراغب الأصفهاني:
((التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظٍ،
من قولهم: أرضٌ واصيةٌ: متصلة النبات،
ويقال: أوصاه ووصاه، قال: ﴿وَوَصَّى بِهَآ
إِنْزِئُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢].
وقرئ: (وأوصى) قال الله عز وجل:
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ﴾ [النسـ
١٣١].
﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ﴾ [العنكبوت: ٨].
[ النساء:
﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيٍَّ يُوصَى بِهَآ﴾
١٢ ].
﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
ووصى: أنشأ فضله، وتواصى القوم: إذا
أوصى بعضهم إلى بعضٍ، قال: ﴿وَتَوَاصَوْاْ
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: ٣].
﴿أَتَوَاصَوْاْ بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ
٥٣
(١)
[الذاريات: ٥٣])
والوصية شأنها في نفس من تربى على
الإيمان أعمق وأبعد أثرًا، لاسيما حينما
تكون من صاحب نعمة، ومن صاحب
الأمر والتدبير وموجد الخلق أجمعين، فهي
تحمل معنى الأمر وتحمل معنى الالتزام.
والفرق بين الأمر الصريح والوصية، أن
آخر ما استقر الأمر عليه الوصية، وبهذا تكون
الوصية خالدة مخلدة، وهي أيضًا في قوتها
أقوی من الأمر وفي أثرها أبلغ منه .ومن هنا
كان أسلوب الإيصاء أقوى في البعث على
الامتثال من أسلوب الأمر والتكليف.
وإذا كان هذا هو شأن الوصية، فقد وصى
الله عز وجل الإنسان بالإحسان إلى والديه؟
لأنهما سبب وجوده، ولهما عليه غاية
الفضل والإحسان، وذلك في ثلاثة مواضع
من الکتاب العزيز:
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿وَوَضَيْنَا
الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنَّاً وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ
لَّكَ بِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَاْ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُبِّئُكُم
بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [العنكبوت: ٨]
الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا
اَلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ
وَفِصَلُهُ، فِ عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِيِ وَلَوْ لِدَيْكَ إِلَىَّ
الْمَصِيرُ ﴿ وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنتُشْرِكَ بِى
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً وَصَاحِبْهُمَا فِى
(١) المفردات ص٥٢٥.
مُوسُوالَةُ الْبَقِيَّة
القرآن الكريم
٣٧٦

الإنسان
الدُّنْيَا مَعْرُوِفًاً وَأَتَبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ
مَرْجِعُكُمْ فَأَنِيِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[لقمان: ١٤-١٥ ]
الموضع الثالث: قوله جل شأنه:
﴿وَوَصَّيْنَا اَلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنَّاً حَمَتْهُ أُنُّهُ
كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرُمَّاً وَحَمْلُهُ، وَفِصَلُهُ تَلَثُونَ
شَهْرَاً حَّقٍ إِذَا بَلَغَ أَشُنَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ
رَبِّ أَوْزِعْنِيّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَّ
وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنُهُ وَأَصْلِحٌ
لِ فِى ذُرِّيٌَّّ إِنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
أُوْلَكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ
١٥
وَنَشَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِ أَصْحَبِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ
الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ [الأحقاف: ١٥-١٦]
وجاءت وصية الله عز وجل للإنسان
بالفعل (وصى) المشدد فقال تعالى:
﴿وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ﴾ للدلالة على المبالغة
والتكثير، ووصية الله عز وجل للإنسان-
في هذه المواضع الثلاثة- هي أمرٌ وعزيمةٌ
وتكليفٌ.
ذكر بعض المفسرين: أن هذه المواضع
الثلاثة التي ورد فيها توصية الله عز وجل
الإنسان بوالديه نزلت في شأن سعد بن
أبي وقاص (١). والراجح - والله أعلم- أن
الآيات عامة في جميع الناس، وإن كانت
نزلت في شأن شخص عين، فالعبرة بعموم
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢٥٧/٦،
روح المعاني، الألوسي ٣٤٤/١٠.
اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت الآية
من أجله. ويكون المراد بالإنسان في قوله
تعالى: ﴿ وَوَضَيْنَا الإِنسَنَ﴾ جنس الإنسان.
فهي وصيةٌ صادرةٌ من خالق الإنسان
الجنس الإنسان كله، قائمةٌ على أساس
إنسانيته، وهي وصية بالإحسان إلى الوالدين
مطلقة من كل شرطٍ ومن كل قيدٍ، فصفة
الوالدية تقتضي هذا الإحسان بذاتها، دون
الحاجة إلى أية صفة أخرى.
ولا ترد وصية الوالدين بالأولاد إلا
نادرة، ولمناسبة حالات معينة؛ ذلك أن
الفطرة وحدها تتكفل برعاية الوالدين
للأولاد، رعاية تلقائية مندفعة بذاتها لا
تحتاج إلى مثير (٢).
ونلحظ أن الآيات في الموضعين الأول
والثالث جاءت منوهة بالحسن في وصيتها
بلفظ ﴿حُسْنًا﴾ في الموضع الأول، وبلفظ
﴿إِحْسَنَا﴾ في الموضع الثالث، أما الموضع
الثاني فقد تركت الوصية مفتوحة.
فما المراد بالإحسان؟ وهل هناك فرق
بين لفظي ﴿حُسْنَا﴾ و﴿إِحْسَنَا﴾؟
قال الراغب الأصفهاني: «الإحسان يقال
على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير،
يقال: أحسن إلى فلانٍ، والثاني: إحسانٌ في
فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا، أو عمل
عملًا حسنًا، وعلى هذا قول أمير المؤمنين
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٦١/٦.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف الألف
دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا
رضي الله عنه: (الناس أبناء ما يحسنون)
أي: منسوبون إلى ما يعلمون وما يعملونه
من الأفعال الحسنة)) (١).
تطعهما في ذلك، ﴿إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِّئُكُم بِمَا
كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فإن مرجعکم إلي یوم
ومعنى ﴿حُسْنًا﴾ أي: وصيناه فعلًا ذا القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك
حسن، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه، على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في
زمرة والدیك، وإن کنت أقرب الناس إليهما
في الدنيا (٣).
والحسن خلاف القبح، ثم أقام الصفة مقام
الموصوف؛ وهو الأمر، ثم حذف المضاف
وهو (ذا) وأقام المضاف إليه مقامه، وهو
(حسن)؛ من: حسن یحسن حسنًا، ومعنى
﴿إحسنًا﴾ أي تحسن إليهما إحسانًا، من:
أحسن يحسن إحسانًا، والإحسان خلاف
الإساءة(٢).
وقد جاءت الوصية من الله عز وجل
مباشرة بالوالدين بالإحسان إليهما، فقال
تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنَاً﴾
[العنكبوت: ٨].
وفي الموضع الثاني تأتي الوصية مفتوحة
أو مطلقة ففي قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ
بِوَالِدَيْهِ حَلَتْهُ أُمُّهُ, وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ﴾ ذكر عز
وجل ضعف الأم بصفة الوهن، والوهن:
الضعف وقلة الطاقة على تحمل شيءٍ (٤).
كأنه عز وجل لما ذكر ضعف الأم بوصفه
﴿وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ﴾ ترك الوصية مطلقةً فلم
يحددها بالقول إحسانًا أو حسنًا، فإن مراتب
هذه المفردات على سموها لا تفي حق
الوالدين، وإن كان ذكر الأم على التخصيص
دون الأب مع أن الوصية بكلیهما؛ لأنه ادعى
للشفقة، فهو لمما يدر هذه الشفقة تجاه
الوالدين. كما أن هذا الحمل أظهر وأوضح
في وقوعه، وهو أيضًا من الأشياء التي تنسى
بسهولةٍ بعد حصولها، كما أنها هي الأصل
الظاهر في وجود هذا الإنسان، وإن كان
للأب لا شك دورٌ جوهري، أضف إلى ذلك
عملية تعميق دور الأم ورسالتها بذكر الحمل
يأمر الحق سبحانه وتعالى الإنسان
بالإحسان إلى الوالدين؛ لأنهما سبب وجود
الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد
بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق.
ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة
والإحسان إليهما، في مقابلة إحسانهما
المتقدم، قال: ﴿وَإِن جَهَدَاَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨].
أي: وإن حرصا عليك أن تتابعهما على
(١) المفردات ص١١٩.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ /٥٣٧، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤٠/١٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٥/٦.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ١٥٧.
٣٧٨
مَوَسُولَةُ النَّهِ
القرآن الكريم

الإنسان
ووهنه على وجه الخصوص، ولذلك كان
الوصف لصورة هذه الأم الواهنة الكارهة
للحمل، ولکن الوصية للاثنين والشکر لهما
معا، كما أن رفض الطاعة في الإشراك بالله
لکلیهما إن صدر من كليهما.
ونرى هذا التنديد بالشرك واضحًا عندما
نبه على أن شکر الوالدين جاء مقرونًا بشکر
الله، ثم نوه على المرجعية إليه في قوله:
﴿أَنِ اشْكُرْ لِيِ وَلِوَ لِدَّكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ (
١٤
[لقمان: ١٤].
وفي الآية اللاحقة أكد صراحةً رفض
الشرك حينما قال: ﴿وَإِنِ جَهَدَاكَ عَلَى
أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيَّسَ لَكَ بِهِ عِلِمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّاً
وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًاً وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ
أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَيِّئُكُم بِمَا
كُتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: ١٥]
فالوصية بهم والإحسان إليهم لا يجب
أن يؤدي بحالٍ من الأحوال إلى الشرك حتى
في أقصى الظروف من مجاهدتهم إياكم،
والسبيل إلى ذلك باتباع سبيل من أناب
إلى الله وأدرك مرجعيته الحقة، وإن كان
ولابد في كل هذه الظروف من الإبقاء على
مصاحبة الوالدين بالمعروف.
وهنا تبرز قدرة المؤمنين على هذا التوازن
الدقيق بين قوة الإيمان الرافضة للإشراك
وهي قوة النفس المصاحبة بالحسن للأبوين
المشركين بالمعروف المألوف (١).
وفي الموضع الثالث نجد أن الإحسان
جاء في مقابلة الكره الذي تعانيه الأم، حيث
يصور القرآن تلك التضحية النبيلة الكريمة
الواهبة التي تتقدم بها الأمومة، والتي لا
يجزيها أبدًا إحسان من الأولاد مهما أحسنوا
القيام بوصية الله في الوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا
اَلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنَا حَمَلَتْهُ أُتُّهُ كُرْهًا
وَوَضَعَتْهُ كُرُّهَا وَحَمْلُهُ، وَفِصَلُهُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾
[الأحقاف: ١٥].
وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم
العناء والجهد والضنى والكلال: ﴿حَمَلَتْهُ
أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَنْهُ كُرُمَّاً﴾ لكأنها آهة مجهد
مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد، ويلهث
بالأنفاس!
إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر
أيامه، وصورة الوضع وطلقه وآلامه!
ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في
عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها
في صورة حسية مؤثرة(٢).
كما توضح الآيات أن الإنسان تدرج في
أطواره من وقت فصاله إلی أن بلغ أشده، فهو
موصى بوالديه حسنًا في الأطوار الموالية
لفصاله، فیوصیه ولیه في أطوار طفولته، ثم
(١) ملامح الطبيعة الإنسانية في القرآن، أروى
التل، ص٢٨٥.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٢٦٢.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف الألف
علیه مراعاة وصية الله في وقت تكليفه(١).
فقال سبحانه: ﴿حََّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ
أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىَ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِىّ
أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنُ
وَأَصْلِحْ لِى فِ ذُرِيَّقِيٌّ إنّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: ١٥].
والأشد: حالة اشتداد القوى العقلية
والجسدية(٢).
ويلحظ في الموضعين الثاني والثالث
أن الله تعالى جعل لكلٍ من الأم والوالد
نصيبًا من الوصية، ثم خصص الأم بدرجة
ذكر الحمل، وبدرجة الرضاع، فتحصل للأم
ثلاث مراتب، وللأب واحدة، وأشبه ذلك
قول الرسول صلی الله عليه وسلم - حین
قال له رجلٌ -: من أبر؟ قال: (أمك، قال: ثم
من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك،
قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك) (٣)، فجعل له
الربع من المبرة كالآية (٤).
یتبین من خلال ما سبق: أن تلك الوصايا
الصادرة من خالق الإنسان إنما هي لجنس
الإنسان کله، حیث إنها قائمةٌ على أساس
إنسانيته، توصيه بالإحسان لوالديه، مبينة
على وجه الخصوص مبلغ متاعب الأم
بولدها، فقد ﴿حَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ﴾
[لقمان: ١٤]، كما ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ
﴾ [الأحقاف: ١٥].
إشعارًا بمبلغ استحقاقها للإحسان
والرعاية، شكرًا لها على ما قدمت من عطاء
دفعت إليه دوافع الرحمة.
ولما كانت العناية الربانية هي المهيمنة
على الإنسان منذ نشأته، والمسايرة له مدى
وجوده، كان من حقه على عباده أن يشكروه.
﴿أَنِ أَشْكُرْ لِىِ وَلِوَ لِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ﴾
[لقمان: ١٤].
فشكر الوالدين حق وواجب لكنه مسبوق
وهو تابع. فإن اختلفت العقيدة سقط حق
الطاعة لهما ﴿وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً إِلَىَّ مَرْحِمُكُمْ فَأُنْتُكُم
بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [العنكبوت: ٨].
﴿ وَإِنِ جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلَّمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا
مَعْرُوفًا وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ
مَرْجِعُكُمْ فَأَنِيِّئُكُمْ بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ
١٥
[لقمان: ١٥].
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١/٢٦.
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب من أحق الناس بحسن الصحبة، رقم
٥٩٧١.
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٧/ ٤٧.
مَوَسُو ◌َر النفسية العضو
القرآن الكريم
موضوعات ذات صلة:
آدم، الأجل، الناس، النفس
٣٨٠