Indexed OCR Text
Pages 1-20
صَوْسُورَة النفسية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ الإنسان عناصر الموضوع مفهوم الإنسان ٣٢٢ الإنسان في الاستعمال القرآني ٣٢٣ الألفاظ ذات الصلة ٣٢٤ ٣٢٨ الغاية من خلق الإنسان ٣٣٢ خلق الإنسان ٣٤٩ الإنسان بين الإيمان والكفر ٣٥٤ صفات الإنسان ٣٦٥ الإنسان والشيطان ٣٧٠ نداءات ووصايا للإنسان المُجَلَّدَ الخَامِسْ حرف الألف مفهوم الإنسان أولًا: المعنى اللغوي: تدور مادة (أن س) في اللغة حول معنيين رئيسين هما: الظهور والنسيان. الأول: الظهور: قال ابن فارسٍ: ((الهمزة والنون والسين أصلٌ واحدٌ، وهو ظهور الشيء، وكل شيءٍ خالف طريقة التوحش. قالوا: الإنس خلاف الجن، وسموا لظهورهم. يقال: آنست الشيء، إذا رأيته، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشِّدًا﴾ [النساء: ٦]. والأنس: أنس الإنسان بالشيء إذا لم يستوحش منه))(١). فالإنسان: من الإنس خلاف الجن، أو من الأنس خلاف النفور، والإنسي منسوبٌ إلی الإنس، يقال ذلك لمن کثر أنسه، ولکل ما يؤنس به(٢). الثاني: النسيان: أورد ابن منظور في لسان العرب عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما- أنه قال: ((إنما سمي الإنسان إنسانًا؛ لأنه عهد إليه فنسي))(٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: ذكر أبو البقاء الكفوي أن بعض الناس جعل الإنسان هو: المعنى القائم بالبدن، ولا مدخل للبدن في مسماه، وهو قول الأحناف والغزالي، وجعله آخرون الهيكل المحسوس، وهو قول جمهور المتکلمین (٤). وقد أورد الأشعري في (مقالات الإسلاميين) تسعة عشر قولًا في تعريف الإنسان (٥)، أرجحها القول الثالث، وذلك أن ماهية الإنسان وحقيقته لا تكون من دون جسدٍ وروحٍ، فالإنسان مجموع الروح والجسد، ولذا يسميه بعضهم حيٌّ ناطقٌ أو حيوانٌ ناطقٌ،كما عرَفَه الجرجاني بقوله: الإنسان هو الحيوان الناطق(٦). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٤٥/١. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٨. (٣) لسان العرب، ابن منظور ١٤٧/١. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ٨/ ٢٦٨٧، رقم ١٥١١٣. (٤) الكليات، الكفوي ص١٩٨ - ١٩٩. (٥) مقالات الإسلاميين، الأشعري ٢٥/٢-٢٨. (٦) التعريفات، الجرجاني ص٣٨. ٣٢٢ مَوَسُولَةُ الَّفسيد القرآن الكريم الإنسان الإنسان في الاستعمال القرآني وردت مادة (أنس) في القرآن (٩٧) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٥ ﴿فَإِنَّ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشّدًا فَادَفَعُوا إِلَّتِهِمْ أَمْوَكُمْ﴾ [النساء: ٦] الفعل المضارع ١ يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَرَ بُوتِكُمْ حَقٌَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾[:٢٧] ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ اسم الفاعل ١ [الأحزاب: ٥٣] اسم ٩٠ ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ تَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [الإنسان: ٢] وجاء الإنسان في القرآن على ثلاثة أوجه (٢): الأول: آدم عليه السلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن سُلَلَةٍ مِن طِينٍ [المؤمنون: ١٢]. ٣٥﴾ [النازعات: ٣٥]. الثاني: جنس بني آدم، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَنُ مَا سَعَى الثالث: أحد أبناء آدم بعينه، ومنه قوله تعالى: ﴿كَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَ ١)﴾ [العلق: ٦]. أريد به: أبو جهل. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٩٣-٩٤، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص٢٦٨-٢٦٩. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ٦٨، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٣١/٢-٣٥، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص١٧٦-١٨٣، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ١٢٩/١-١٣٢. www. modoee.com ٣٢٣ ١٢ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة بنو آدم: ١ بنو آدم لغة: بنو: أصلها: بنون، حذفت النون للإضافة، وهي جمع ابن، وتجمع أيضًا على أبناء (١). وآدم: أبو البشر. وأديم كل شيء: ظاهر جلده، وأدمة الأرض: وجهها، وقيل سمي آدم عليه السلام لأنه خلق من أدمة الأرض، وقيل: بل من أدمةٍ جعلت فيه(٢). بنو آدم اصطلاحًا: هم الناس (٣)، وبنو أبي البشر (٤). الصلة بين الإنسان وبني آدم: من الألفاظ التي يستعملها القرآن مرادفةً للفظ (الإنسان) لفظ (بني آدم)، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم سبع مراتٍ، ومن خلال القراءة المتأنية لهذه المواضع تبين أن هذه المواضع فيها تذكير بأن الإنسان له أصلٌ واحدٌ، وهو آدم عليه السلام، وفيها تذكيرٌ وإحالةٌ إلى الحيثيات الملابسة لقصة آدم عليه السلام، واستدعاء لأحداث تلك القصة وللمعاني المرتبطة بها. الإنس: ٢ الإنس لغة: جماعة الناس، والجمع أناس، وهم الأنس. تقول: رأيت بمكان كذا وكذا أنسًا کثیرًا، أي: ناسًا كثيرًا. والإنس: خلاف الجن، والإنس خلاف النفور، والإنسي منسوبٌ إلى الإنس. والإنس: البشر، الواحد إنسيِّ وأنسيِّ أيضًا، والجمع أناسي(٥). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٨٩/١٤ . (٢) انظر: العين، الفراهيدي، ٨٨/٨ . (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ١/ ١٣. (٤) انظر: المفردات، الأصفهاني، ص١٤ (٥) انظر: الصحاح، الجوهري ٩٠٤/٣، مختار الصحاح، الرازي ص٢٤، لسان العرب، ابن منظور ١٤٧/١. ٣٢٤ جَوُور القرآن الكريم الإنسان الإنس اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي، وهم: بنو آدم، سموا بذلك؛ لأنهم لا يعيشون بدون إيناسٍ، فهم يأنس بعضهم ببعضٍ، ويتحرك بعضهم إلى بعض (١). وقيل: سمي بذلك؛ لظهوره، وإدراك البصر إياه، فيقال: آنست الشيء: إذا أبصرته، فهو بذلك ضد الجن. الصلة بين الإنسان والإنس: الإنسان في الاستعمال القرآني غير الإنس وإن كان بينهما ملحظٌ مشتركٌ من الأصل اللغوي لمادة (أن س) في دلالتها على نقيض التوحش، إلا أن لفظ (الإنس) يأتي دائمًا مع لفظ (الجن) على وجه التقابل، يطرد ذلك ولا يتخلف في كل الآيات التي ورد فيها ذكر (الإنس) وعددها ثماني عشرة آية (٢)، ومن خلال القراءة المتأنية لتلك الآيات تبين أن الإنسية تعني عدم التوحش، وهو المفهوم صراحةً من مقابلتها بالجن في دلالتها أصلًا على الخفاء الذي هو قرين التوحش، وبهذه الإنسية يتميز جنسنا عن أجناسٍ أخرى خفيةٍ مجهولةٍ لا تنتمي إلينا ولا تحيا حياتنا (٣). الناس: ٣ الناس لغة: اسمٌ للجمع من بني آدم، واحده: إنسانٌ من غیر لفظه، قیل: أصله أناس، فحذف فاؤه لما أدخل عليه الألف واللام، وقيل: قلب من نسي، وأصله إنسيان على إفعلان، وقيل: أصله من ناس ینوس إذا اضطرب. والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون غيرهم في تناوله اسم الناس تجوزًا، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية، وهو وجود الفضل والذكر وسائر الأخلاق الحميدة والمعاني المختصة به، فإن كل شيءٍ عدم فعله المختص به لا یکاد یستحق اسمه (٤). قال الكفوي: الناس: هو اسم جمعٍ؛ ولذلك يستعمل في مقابلة الجنة: وهي جماعة الجن (٥). (١) القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين ١/ ٢٠. (٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبدالباقي ص ١١٥. (٣) انظر: القرآن وقضايا الإنسان، عائشة بنت الشاطئ ص١٨. (٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٠٩، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص ٩٦٢. (٥) الكليات، الكفوي ص٩١٢. www. modoee.com ٣٢٥ حرف الألف الناس اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي. الصلة بين الإنسان والناس: لفظ الإنسان في الاستعمال القرآني يختلف - كذلك- عن لفظ الناس، فقد ورد لفظ الناس في القرآن الكريم نحو مائتين وأربعين مرةً بدلالةٍ واضحةٍ على اسم الجنس لهذه السلالة الآدمية، أو هذا النوع من الكائنات في عمومه المطلق. قال تعالى: ﴿يَأَيّا النَّاسُ إِنَّا خَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَمَّكُمْ إِنَّ الَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: ١٣] (١). البشر: ٤ البشر لغة: (بشر) الباء والشين والراء أصلٌ واحد: ظهور الشيء مع حسنٍ وجمال، فالبشرة ظاهر جلد الإنسان، والبشر: الإنسان. البشر اصطلاحًا: والبشر: هم الخلق، يقع على الأنثى والذكر والواحد والاثنين والجمع (٢) . وإطلاق البشر على الإنسان اعتبارًا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوان الذي عليه نحو صوف أو شعر(٣) . الصلة بين الإنسان والبشر: الإنسان في الاستعمال القرآني يختلف- كذلك- عن البشر، فاستقراء مواضع ورود (بشر) في القرآن كله، يؤذن بأن البشرية فيه هي هذه الآدمية المادية التي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، وفيها يلتقي بنو آدم جميعًا على وجه المماثلة التي هي أتم المشابهة. وبهذه الدلالة، ورد لفظ البشر، اسم جنس، في خمسةٍ وثلاثين موضعًا من القرآن الكريم، منها خمسة وعشرون موضعًا في بشرية الرسل والأنبياء، مع النص على المماثلة فيما هو من ظواهر البشرية وأعراضها المادية بينهم وبين سائر البشر. وقد تأتي الآيات في تقدير بشرية الرسل دون التصريح بلفظ المماثلة فيها لبشرية الناس جميعًا، لكن السياق فيها شاهد على (١) انظر: القرآن وقضايا الإنسان، عائشة بنت الشاطئ ص١٧. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤ / ٥٩. (٣) انظر: التعاريف، المناوي، ص١٣٢ . ٣٢٦ مَوَسُولَةُ الْبَشِعَة القرآن الكريم الإنسان هذه المماثلة وإن لم تذكر بلفظها نصًا (١). والبشر يقتضي حسن الهيئة؛ وذلك أنه مشتقٌ من البشارة وهي حسن الهيئة، ولذلك استعمل في سياقاتٍ دالة على القدرة والإعجاز، في تخليق بشر ظاهر الهيئة من الماء أو الطين (٢). الأنام: ٥ الأنام لغةً: الأنام هم ما على ظهر الأرض من جميع الخلق، ويجوز في الشعر: الأنيم(٣). الأنام اصطلاحًا: هم الجن والإنس (٤). الصلة بين الإنسان والأنام: الإنسان في الاستعمال القرآني يختلف عن الأنام، فقد ورد لفظ الأنام في القرآن الكريم في موضعٍ واحدٍ، وذلك في قول الله عز وجل: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَّعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾ [الرحمن: ١٠]. ونلحظ من خلال السياق العام للسورة الكريمة أن اللفظ يشمل الثقلين الإنس والجن على الراجح؛ لأن الخطاب في سورة الرحمن لهما (٥). (١) القرآن وقضايا الإنسان، عائشة بنت الشاطئ ص ١٥ - ١٧ . (٢) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٢٧٦، معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم، محمد داود ص ٨٤. (٣) انظر: العين، الفراهيدي، ٣٨٨/٨. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٣٧/١٢ . (٥) انظر: معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم، محمد داود ص ٨٣. www. modoee.com ٣٢٧ حرف الألف الغاية من خلق الإنسان إن الله تعالى خلق المخلوقات، وأوجد الموجودات لغاية يريدها، وحكمةٍ يعلمها، ولم یخلقهم سدی، ولم یتر کهم هملا. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ (١١٥ } [ المؤمنون: ١١٥]. إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم تلك الغاية وهي متمثلة في أمرين: أحدهما: تحقيق العبودية لله عز وجل . والثاني: تحقيق عمارة الأرض. وفي المطلبين الآتيين تفصيلٌ لهذين الأمرين. أولًا: تحقيق العبودية: لعل الغاية الأسمى التي خلق لأجلها الإنسان هي تحقيق العبودية لله تعالى بجميع أنواعها. وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]. وتلك غايةٌ عظيمةٌ ساميةٌ عليها مدار سعادة الإنسان. قال الإمام النووي رحمه الله: ((وهذا تصريحٌ بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنها دار نفادٍ لا محل إخلادٍ، ومركب عبورٍ لا منزل حبورٍ))(١). وأهل الإيمان يوقنون في قرارة أنفسهم (١) رياض الصالحين، النووي ص٩-١٠. بذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص (٢) لكن ما معنى العبودية؟ وما حقيقتها ؟ العبادة لغةً: معناها: الانقياد والذل والخضوع(٣). قال الأزهري:(( العبادة: الطاعة مع الخضوع. ويقال: طريقٌ معبدٌ إذا كان مذللا بكثرة الوطء)»(٤). وقال الراغب: ((العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى؛ ولهذا قال: ﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلََّ إِيَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]))(٥). والمعنى الاصطلاحى للعبادة، لا يخرج عن المعنى اللغوي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «العبادة هي اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة)) (٦). ويضيف أيضًا: (( وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له، التي خلق الخلق لها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١/ ٢٣. (٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٣٤/٢، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٥/٤-٢٠٧، لسان العرب، ابن منظور ٤ /٢٧٧٦. (٤) تهذيب اللغة، ٢/ ٢٣٤. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣١٩. (٦) العبودية، ابن تيمية ص١٩. ٣٢٨ القرآن الكريم الإنسان اَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾﴾ [الذاريات: ٥٦]))(١). وهذا تعريفٌ شاملٌ للعبادة بكل أنواعها وحالاتها. فالعبودية مفهومٌ شاملٌ لكل عملٍ إنساني صالح یقصد به وجه الله في هذه الحياة. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ (١٦٢) وَنُشْكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَانِى لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ [الأنعام: ١٦٢]. وتحقيق العبادة يقتضي أن يجعل الإنسان حياته وسائر أفعاله وتصرفاته وعلاقاته مع الناس وفق المناهج التي وضعتها الشريعة الإسلامية. وحقيقة العبادة: (( هي استسلام القلب والجوارح لله حبًا وخضوعًا له، وخوفًا من عقابه، لا شريك له في شيءٍ من ذلك ألبته، فهو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه))(٢). وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى خاتمهم- كانت دعوتهم أساسها تحقيق العبودية لله عز وجل. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرَهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وقال سبحانه: ﴿وَإِبْرَهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أُعْبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوَةٌ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن (١) المصدر السابق. (٢) العبادة، سليمان العثيم ص ١٣. كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٦ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوَّثَنَّا وَتَخْلُقُونَ إِنْكَاْ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْثَغُواْ عِندَ اللَّهِ الْرِزْفَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُوا لَهُهَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: ١٦-١٧]. وقال تعالى: ﴿﴿ وَإِلَى عَادٍ أَفَاهُمْ هُودَّاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ ﴾ [الأعراف: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا قَالَ يَنقَّوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأُ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ﴾ [الأعراف: ٨٥]. وكذلك قال المسيح عيسى بن مريم عليه السلام فيما أخبر الله عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَقِّ وَرَبُّكُمْ فَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطُ مُسْتَقِيمٌ )﴾ [آل عمران: ٥١]. والعبودية لرب العالمين غاية كمال المتقين، فقد جعل الله سبحانه وتعالى العبودية وصف أكمل خلقه، وأقربهم إليه، وأعلاهم منزلة لديه في أشرف مقاماته، فقال تعالى: ﴿سُبْحَنَ اُلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ ءَايَدِنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: ١]. وبها افتتح عيسى عليه الصلاة والسلام كلامه وهو في المهد فقال تعالى: ﴿قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَدِفِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ [مريم: www. modoee.com ٣٢٩ حرف الألف ٣٠]. يقول شارح الطحاوية رحمه الله: ((واعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد کماله وعلت درجته»(١). ثانيًا: عمارة الأرض: لاشك أن الغاية الأساسية من وجود الإنسان هي تحقيق العبودية لله تعالى، إذ ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ يقول سبحانه وتعالى: وَاُلْإِنسَ إِلََّّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ومع هذا فليست الغاية من الخلق محصورةً فقط على العبادة كما ظن كثيرٌ من الناس، حيث إن الآية لم يقصد منها الاقتصار على أداء الشعائر التعبدية فحسب، ولكن الله عز وجل هيأ الإنسان لأمرٍ آخر لا يتعارض مع تحقيق العبودية، ألا وهو عمارة الأرض واستخلافه. فالله سبحانه وتعالى استخلف البشر في الأرض بقصد عمارة الكون وإنمائه واستغلال کنوزه وثرواته. قال صالح عليه السلام مخاطبًا قومه: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ اْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]. لكن ما معنى الاستعمار؟ وما حقيقته؟ الاستعمار لغةً: طلب التعمير والسعي (١) شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي ص١٠٤. لتحقيق العمران (٢) يقول الراغب الأصفهاني: (( العمارة نقيض الخراب، يقال: عمر أرضه يعمرها عمارةً، قال تعالى: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ اَلْخَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩]. ويقال: عمرته فعمر فهو معمورٌ. قال: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩]. ﴿ وَأَلْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ﴾ [الطور: ٤]. وأعمرته الأرض واستعمرته: إذا فوضت إليه العمارة، قال: ﴿وَأَسْتَعْمَرَّكُ فِيهَا﴾ [هود: ٦١])) (٣). والمعنى الاصطلاحي للاستعمار لا يختلف عن معناه اللغوي، فيراد به: طلب التعمير والسعي لتحقيق العمران، ويراد به كذلك: التمكين والتسلط، كما هو واضحٌ من قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَلِسٌَّ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ [الأعراف: ١٠]. وقوله عز شأنه: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَسَخََّ لَكُمُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَميعًا مِنْهُ ﴾﴾ [الجاثية: ١٣]. وقال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ﴾ [البقرة: ٢٢]. ﴿الَّذِى (٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٣٨٣/٢، لسان العرب، ابن منظور ٤ /٣١٠١، تاج العروس ١٢٩/١٣. (٣) المفردات، ص ٣٤٧. ٣٣٠ جَوْسُورَةُ النَّقِبـ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الإنسان جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَّكَ لَّكُمْ فِيَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهَ أَزْوَجًا مِّن ◌َّبَاتِ شَقٌَّ ﴾ [طه: ٥٣]. ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَّكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِى مَنَّاكِهَا وَكُواْ مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: ١٥](١). والمقصود بعمارة الأرض: ((جعلها عامرةً غير خلاءٍ وذلك بالبناء والغرس والزرع)»(٢). ويعد إعمار الكون ضرورة من ضرورات الحياة الإنسانية، فلا بد للإنسان من أن يكتشف ويخترع من أجل تذليل العقبات التي تعترض طريقه، وتحول بينه وبين تحقیق ما يطمح إليه من سبل العيش الآمن والحياة الكريمة. قال ابن عاشور عند تفسیر قوله تعالى: ﴿وَقَرَى الْجَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَهُوُّ مَّ السَّحَابِّ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىَ أَنْقَنَّكُلَّ شَىْءٍ ﴾ [النمل: ٨٨]. والحكمة لتتوجه أنظارهم إلى ما في الكون من دقائق الحكمة، وبديع الصنعة. وهذا من العلم الذي أودع في القرآن ليكون معجزةً من الجانب العلمي يدركها أهل العلم، كما كان معجزةً البلغاء من جانبه النظمي»(٣). (١) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي ٠٦٣٨٧/٨ (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ٥٧. (٣) المصدر السابق ٤٨/٢٠-٤٩. وذكر الألوسي أن معنى قوله سبحانه: ﴿وَأَسْتَعْمَرَّكُرُ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]. أي: جعلكم عمارها وسكانها فالاستفعال بمعنى الإفعال، يقال: أعمرته الأرض واستعمرته إذا جعلته عامرها وفوضت إليه عمارتها. وذكر معنى آخر، وهو أنه أمر کم بعمارة ما تحتاجون إليه من بناء مساكن، وحفر أنهار، وغرس أشجار، وغير ذلك، فالسين للطلب. واستدل بالآية على أن عمارة الأرض واجبة لهذا الطلب)». فلا تستقيم حياة الإنسان بدونها. ولا يقصد هنا؛ أن تكون عمارة الأرض بالعلم المادي فقط، فلو كانت عمارة الأرض بالحضارة والتمدن والعلوم الدنيوية هي المقصود بحسن العمل، لما أرسل الله الرسل في التاريخ البشري أصلًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أثبت تميز الأمم أصلًا قال: ((وهذا استدعاءٌ لأهل العلم في عمارة الأرض وعمق علمها بالدنيا؛ كما قال تعالى عن الأمم السابقة: ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩]. وقال عن علمهم المدني ﴿ يَعلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيُؤَةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]. فالمقصود من عمارة الأرض تحكيم شريعة الله تعالى في أرضه؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَكَّنَّهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ www. modoee.com ٣٣١ حرف الألف وَأَمَرُواْ بِلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَّرُّ وَللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. والقرآن الكريم يربط بين عمارة الأرض والأخذ بهدي الأنبياء - عليهم السلام-، كما أن البعد عن هذا الهدي السماوي يجلب فيما يجلب التعاسة والحروب، وسقوط الحضارة. يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْهُمِ اَللَّهِ فَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَاَلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (١٢)﴾ [النحل: ١١٢]. خلق الإنسان یعد خلق الإنسان آیةً من آيات الله عز وجل العظيمة، خصوصًا إذا علمنا أن عملية الخلق هذه قد مرت بمراحل عديدةٍ وأطوار مختلفة. قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح: ١٤]. ١٤ ومن الواضح أنه قبل عملية الخلق هذه، قد أتی علی الإنسان حینٌ من الدهر لم یکن فيه الإنسان شيئًا مذکورًا، فأوجده الله بعد أن لم يكن موجودًا، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌّ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا تَذكورا١ ﴾[الإنسان: ١]. وقوله عز وجل: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًّا (﴾ [مريم: ٦٧](١) . وقد خلق الله عز وجل الإنسان على أربعة أوجهٍ: الأول: خلق آدم عليه السلام من غير ذكرٍ ولا أنثى. الثاني: خلق حواء من ذكرٍ بلا أنثى. الثالث: خلق المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام من أنثى بلا ذكر. الرابع: خلق سائر البشر من ذكر وأنثى. (١) الموسوعة القرآنية المتخصصة، مجموعة مؤلفین ص٧٧٩. ٣٣٢ جَوَسُوع القرآن الكريم الإنسان أولًا: خلق آدم عليه السلام: أخبر الحق سبحانه وتعالى عن خلق آدم عليه السلام في مواضع عديدة من القرآن الكريم، وكذلك ورد الحديث عن خلق آدم في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن خلال الآيات القرآنية الكريمة وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في خلق آدم عليه السلام يمكن أن نقول بأن ((خلق آدم عليه السلام مر في ثلاثة أطوارٍ رئيسة هي: أولا: طور التخليق. ثانيًا: طور التصوير. ثالثًا: طور نفخ الروح)) (١). الطور الأول: طور التخليق. ويتضمن أربع مراحل رئيسةٍ هي: المرحلة الأولى: التراب. يعد التراب المرحلة الأولى والبداية الحقيقية لخلق الإنسان الأول، أي: آدم عليه السلام. قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌ خَلَفَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: ٥٩]. فهذه الآية صريحة في أن آدم عليه السلام خلق من تراب، فالهاء في قوله: ﴿خَفَهُ﴾ تعود على آدم عليه السلام. (١) مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن، منى رفعت ص١٦. المرحلة الثانية: من طينٍ. وهذه هي المرحلة الثانية التي يصير فيها التراب طینًا. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَتِكَةِ إِنِّي خَلِقٌ بَشَرَا مِنِ طِينٍ ﴾ [ص: ٧١]. وقال سبحانه: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنَسَنِ مِن طِينٍ [السجدة: ٧]. والطين ناتج عن خلط التراب بالماء. ويلاحظ أن هذا الطين بالنسبة للإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام ، کان: طینًا لازمًا. يصور ذلك قوله سبحانه: ﴿ فَاسْتَفْئِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمَ مَنْ خَلَقْنَاْ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّن طِينٍ لَازِبٍ ﴾ [الصافات: ١١]. واللازب: هو الثابت شديد الثبوت (٢). المرحلة الثالثة: خلقه من حماً مسنونٍ. بعد ذلك يتغير الطين اللازب إلى أن يصير طينًا متغير الرائحة أسود، وهو ما سماه القرآن الكريم بالحما المسنون، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَ اْإِنسَانَ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَلٍ مَسْئُونٍ ٦﴾ [ الحجر: ٢٦]. المرحلة الرابعة: خلقه من صلصالٍ کالفخار. والمراحل السابقة مجتمعة أدت إلى مرحلة الصلصال هذه: قال تعالى: اَلْإِنسَنَ مِن صَلْصَلِ كَالْفَخَّارِ ١٤ [الرحمن: ١٤]. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٤٩. www. modoee.com ٣٣٣ حرف الألف والصلصال: الطين اليابس الذي تسمع سَجِدِينَ ﴾ [الحجر: ٢٨-٢٩]. له صلصلة، أي: صوتٌ إذا قرع بشيء(١). وهذا الصلصال یشبه الفخار إلا أنه ليس فخارًا؛ لأن الفخار مطبوخ بالنار بخلاف الصلصال، فهو طين يابس غير مطبوخ بالنار. هذا هو الطور الأول: طور التخليق، بمراحله الأربعة السابق ذكرها. الطور الثاني: طور التصوير. يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِّدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِنَ السَّجِدِينَ [الأعراف: ١١]. ويلاحظ من خلال هذه الآية الكريمة أن مرحلة التصوير ثانية بعد الخلق، حيث عطفت جملة صورناكم بحرف (ثم) الدالة على تراخي رتبة التصوير عن رتبة الخلق (٢). الطور الثالث: طور نفخ الروح. بعد أن سوی الله عز وجل الإنسان الأول وصوره، وهو آدم عليه السلام أراد أن ييث فيه الحياة، نفخ فيه من روحه، فصار بشرًا حيًا. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِنِ خَلِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَلٍ مَّسْنُونٍ ) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ١٩١، النكت والعيون، الماوردي ١٥٧/٣. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٦/٨. والنفخ: إجراء الريح في الشيء؛ وإنما سمى إجراء الروح فيه نفخًا؛ لأنها جرت في بدنه مثل جري الریح فیه (٣). [انظر: آدم: مراحل خلق آدم] ثانيًا: خلق حواء: لما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام خلق له زوجه حواء عليها السلام. قال تعالى: ﴿بَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِى تَسَلَّلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: ١]. ﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ وقال سبحانه: مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيَّهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. وقال جل شأنه: ﴿خَلَقَكُمِننَّفْسِ وَاحِدَةِ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ اٌلْأَنْعَرِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ﴾ [الزمر: ٦]. فدلت هذه الآيات الكريمات على أن آدم عليه السلام قد خلق أولا، وأن حواء قد خلقت بعده. حیث ذکر جمهور المفسرين أن المراد ب (النفس الواحدة): آدم عليه السلام، والمراد بقوله تعالى: (زوجها): حواء عليها السلام (٤). (٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٤٠٠. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /١٠٧، الجامع ٣٣٤ مَوَسُولَةُ الَّ القرآن الكريم الإنسان وقد اختلف العلماء في كيفية خلق حواء تفسير البيضاوي) (٤)، وابن عادل في تفسيره (اللباب في علوم الكتاب) (٥). علی قولین مشهورین، وهما: القول الأول: وهو قول جمهور المفسرين، حيث ذهبوا إلى أن الآيات الكريمات قد نصت على أن حواء خلقت من آدم كما يقتضيه ظاهر قوله: ﴾، ولهذا قالوا بأن (من) في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَازَوْجَهَا﴾ للتبعيض، ومعنى التبعيض أن حواء خلقت من جزءٍ من آدم عليه السلام(١). واختلفوا في الجزء الذي خلقت منه حواء على قولين: الأول: قالوا بأنها خلقت من ضلع آدم، وممن قال بهذا الرأي: جماعةٌ من مفسري السلف رضوان الله عليهم. واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله علیه وسلم: ((إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك علی طریقةٍ، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوجٌ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها))(٢). الثاني: قالوا بأنها خلقت من بقية الطينة التي خلق منها آدم. وقد حكى هذا القول ابن عاشور(٣)، وشهاب الدين الخفاجي في (حاشيته على لأحكام القرآن، القرطبي ٤٠٨/٩. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٥/٤. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، رقم ٦٧٣/١،١٤٦٨. (٣) التحرير والتنوير ٢١٥/٤. القول الثاني: وهو اختيار أبي مسلمٍ الأصفهاني، أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَازَوْجَهَا﴾ أي: من جنسها. وهو كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْأَزْوَجًا﴾ [النحل: ٧٢]. وكقوله: ﴿إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولَا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨](٦). والراجح - والله أعلم - أن حواء خلقت من جنس خلق آدم عليه السلام أي: من نفس العناصر التي خلق منها آدم، فالله خلق حواء من نفس نوع آدم كما خلق لنا من أنفسنا أزوجا. قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ) أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمِ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: ٢١]. وأما ما جاء في الحديث (إن المرأة خلقت من ضلع) فلا يدل على أنه ضلع آدم، إنما يحمل على جهة التمثيل لاضطراب أخلاقهن، وكونهن لا يثبتن على حالة واحدة، أي: صعبات المراس، فهي كالضلع (٤) حاشية شهاب الدين الخفاجي ٢٤٥/٣. (٥) اللباب في علوم الكتاب ١٤١/٦ (٦) تفسير أبي مسلم الأصفهاني ص٩٦. www. modoee.com ٣٣٥ حرف الألف العوجاء، كما جاء ﴿ خُلِقَ الْإِنسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. ويؤيد هذا قوله (إن المرأة) فأتى كُنْتَ تَقِيًّا ) قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ بالجنس، ولم يقل حواء (١). [انظر: آدم: كيف خلقت حواء] ثالثًا: خلق عيسى عليه السلام: یعد خلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب معجزةً دالةً على عظیم قدرة الله التي لا تحدها حدود ولا يقف أمامها مانع ليظهر للناس أنه عز وجل على كل شيءٍ قدير. وقد تحدث القرآن الكريم عن خلق عيسى عليه السلام وحكى مراحل حياته المختلفة، وسأقتصر في حديثي عن خلق عيسى عليه السلام على أمرين: الأول: البشارة بعيسى عليه السلام. والثاني: الحمل بعيسى عليه السلام. وفيما يأتي بيان لهذين الأمرین. أولا: البشارة بعيسى عليه السلام. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ اٌلْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَ وَجِيهًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٦] وقال سبحانه: ﴿وَأَذَكُرُ فِ اَلْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذ أَنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ) فَأَمَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَا سَوْنَا ؟ قَالَتْ إِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا ؟ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أٌَ يَفِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُ: ءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّأْ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا [مريم: ١٦ - ٢١ ] لما بلغت مريم عليها السلام مبلغ النساء، خرجت ذات يوم من محرابها، وسارت جهة شرقي بيت المقدس، فبينما هي تسير، وقد ابتعدت عن أهلها وقومها،إذ فاجأها شاب وضيء الوجه، حسن الصورة، مستوي الخلق، ففزعت واضطربت وخافت على نفسها منه، ثم قالت له: ﴿إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَّقِيًّا )﴾ [مريم: ١٨]. ولم يكن في خاطرها أنه ملك كريم، هو جبريل الأمين عليه السلام تمثل لها في صورة إنسان. قال سبحانه: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَّاسَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] قال أبو حيان في تفسيره: « وإنما مثل لها الملك في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه، ولا تنفر عنه، ولو بدالها في الصورة الملكية لنفرت، ولم تقدر على استماع كلامه، ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، وكان تمثيله (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٦٣/٣. مَوَسُوبَةُ النَّسَيَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٣٦ الإنسان على تلك الصفة ابتلاءً لها وسبرًا لعفتها))(١). بقضاء الله، وأيقنت أن تلك إرادة الله وحين ظهر لمريم بعد ذلك أن الذي وحكمته، نفخ فيها روح القدس، كما قال عرض لها في خلوتها ليس بشرًا إنما هو تعالى: ﴿وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْحَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٩١]. ملك کریم، أنست واستبشرت به، ولکنها تعجبت من قوله حين بشرها بالغلام: ﴿إِنَّمَآ أَنَأْرَسُولُ رَيِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَّا زَكِيًّا﴾ فهي امرأة بكر لم تتزوج ولم يقربها أحد من الرجال، ولا تزال عذراء. وهي عفيفة لم تقارف إثمًا، فكيف يمكن أن يأتيها غلام مع عدم اتصال رجل بها؟! ﴿قَالَتْ أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَلُ بَغِيًّا وقد کان جوابه لها أنها إرادة الله ومشيئته، فهو جل ثناؤه لا يعجزه شيء، وإذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُ( ءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّأَ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ [مريم: ٢١]. وقال سبحانه في آية أخرى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَّ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْفِى بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اَللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَلَّةُ إِذَا قَضَوْ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٤٧]. ٤٧ أي: كمثل هذا الخلق البديع يخلق الله ما يشاء، فإن من شأنه الاختراع والإبداع(٢). ثانيًا: الحمل بعيسى عليه السلام. بعد أن سكنت مريم لأمر الله ورضيت (١) البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ١٧٠. (٢) النبوة والأنبياء ص٢٠١-٢٠٢. وقال سبحانه: ﴿وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ اُلِّىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ اَلْقَنِينَ ﴾ [التحريم: ١٢] فالذي عليه الجمهور من العلماء: أن المراد بذلك النفخ: نفخ جبريل فيها بإذن الله فحملت، ولا ينافي ذلك إسناد الله جل وعلا النفخ المذكور لنفسه في قوله: ﴿فَنَفَخْنَا﴾؛ لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه وأمره ومشيئته، وهو تعالى الذي خلق الحمل من ذلك النفخ؛ فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ذلك النفخ، بل من أجل كونه بإذنه ومشيئته وأمره تعالى. وذكر المفسرون أن جبريل عليه السلام لما نفخ في جيب درعها، نزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها . قال تعالى: فَحَمَلَتْهُ فَأَنتَبَذَتْ بِهِ، مَكَانًا قَصِيًّا ٢٢ [مريم: ٢٢]. واختلف العلماء في مدة الحمل على أقوال مضطربة متناقضة لا حاجة إلى ذكرها، والصحيح أنها حملت به حملًا طبيعيًا كما تحمل سائر النساء، ووضعته كما تضع www. modoee.com ٣٣٧ حرف الألف النساء. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]. بينت هذه الآية الكريمة أن عيسى عليه السلام خلق بأمرين: بكلمة من الله، وروح منه. ذكر الإمام فخر الدين الرازي وجوه الأمر الأول: خلق عيسى عليه السلام اختلاف أهل العلم في تأويل قوله: ﴿وَرُوحٌ بكلمة الله (كن). جاء في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ. گُنفَيگون (٣)﴾[آل عمران: ٥٩]. وبهذا یتبین أن الله سبحانه وتعالى خلقه بكلمةٍ منه، وهي (كن)، كما خلق آدم، وكان عيسى بهذا كلمة الله ؛ لأنه خلقه بها (١). وقال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَریمَ وَجِيهًا فِی اُلُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ [آل عمران: ٤٥]. إن الكلمة من الله المذكورة في الآية مفسرة بأنها المسيح عيسى ابن مريم، بدليل أن الضمير في كلمة (اسمه) جاء مذكرًا مع أنه يعود على مؤنث (كلمة)، فلم يقل: بكلمة منه اسمها المسيح؛ لأن المراد بالكلمة مذكر، وهو عيسى عليه السلام، فذكر مراعاة للمعنى(٢). (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤ /١٩٨٠. (٢) مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن، منى رفعت ص٣٣. الأمر الثاني: خلق الله عيسى عليه السلام بروح من الله. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَبُهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]. الأول: أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئًا بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روحٌ، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل - عليه السلام- لا جرم وصف بأنه روح، والمراد من قوله (منه) التشريف والتفضيل، كما يقال: هذه نعمةٌ من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة. الثاني: أنه كان سببًا لحياة الخلق في أدیانھم، ومن کان کذلك وصف بأنه روحٌ. قال تعالى في صفة القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. الثالث: ﴿وَرُوحٌ مِنَّةٌ﴾ أي رحمة منه، قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتَّدَهُم بِرُوج مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. أي: برحمة منه، فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث إنه كان یرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم مُوسُو ◌َبُ النَفسِير القرآن الكريم ٣٣٨ الإنسان لا جرم سمي روحًا منه. الرابع: أن الروح هو النفخ في كلام العرب، فإن الروح والريح متقاربان، فالروح عبارة عن نفخة جبريل، وقوله (منه) يعني أن ذلك النفخ من جبريل كان بأمر الله وإذنه فهو منه، وهذا كقوله: ﴿فَنَفَخْنَافِيهَا مِن زُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]. والراجح - والله أعلم- هو القول الأول، حيث إن عيسى عليه السلام سمي روحًا لكونه نشأ من الروح مباشرةً، ولأنه غلبت عليه الروحانية، وإن كان بشرًا كسائر البشر، يأكل ويشرب، ويمشي في الأسواق، و(من) هنا للابتداء، أي: أن الروح مرسل من عند الله تعالی، ونفخ بإذنه(١). ویؤید ذلك أن الآية جاءت في معرض الرد على النصارى الذين غالوا في المسيح عليه السلام. رابعًا: خلق سائر بني آدم. بعد أن خلق الحق سبحانه وتعالى الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام ، وخلق منه زوجه حواء عليها السلام بين لنا في كتابه العزيز أطوار خلق ذرية آدم ؛ إظهارًا لعظمته سبحانه وتعالى وقدرته، وقد دلت نصوص القرآن الكريم على أن الإنسان يخلق على أطورٍ ومراحل متتاليةٍ. قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]. (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٩٨١/٤. ﴿يَْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ سبحانه: وقال أُمَّهَنِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِ ظُلُّمَتِ ثَلَثٍّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ فَأَنَّى تُصْرَفُّونَ ﴾ [الزمر: ٦]، أي: طورًا من بعد طورٍ. ولقد تعرض القرآن الكريم إلى أطوار خلق الإنسان بأساليب مختلفةٍ، فمرةً یذکر أطوار الخلق كلها، وأخرى يكتفي بذكر طورٍ واحدٍ أو طورين، فالقرآن تناول الخلق في كل مرةٍ من زاويةٍ؛ لتكتمل الصورة، وذلك لحكمةٍ بيانيةٍ وبلاغيةٍ، لما يحققه هذا الأسلوب من العبرة والموعظة في إثبات القدرة الإلهية في مخلوقاته، والتي يرفضها الملحدون، لقصورٍ عقليٍ أو عنادٍ أو غرورٍ (٢). ومن خلال تتبع الآيات القرآنية المتعلقة بأطوار خلق الإنسان، نجد أن القرآن الكريم حدد أطوار خلق الإنسان الأساسية في ثلاثة أطوارٍ (٣): الطور الأول: طور النطفة. النطفة- بضم النون- في لغة العرب: تعني القليل من الماء، وقيل: الماء القليل يبقى في القربة، وقيل: هي الماء الصافي (٢) الإنسان وجوده وخلافته في الأرض في ضوء القرآن الكريم، عبد الرحمن المطرودي ص٥١. (٣) الطور بالفتح: التارة، يقال: طورًا بعد طورٍ، أي تارةً بعد تارةٍ. انظر: تاج العروس، ٤٣٩/١٢. www. modoee.com ٣٣٩ حرف الألف قل أو كثر، والجمع نطفُ ونطافٌ.(١). وقد ورد التعبير بالنطفة في اثني عشر موضعًا من كتاب الله (٢). والنطفة أنواع ثلاثة: ١. نطفة الذكر: وهي الحيوانات المنوية الموجودة في المني. ٢. نطفة الأنثى: وهي البويضة. ٣. النطفة الأمشاج: وهي النطفة المختلطة من الحيوان المنوي الذي يلقح البويضة(٣). مراحل تكوين النطفة: يبدأ مصطلح النطفة من الحيوان المنوي والبويضة، وينتهي بمرحلة الحرث والانغراس، وتمر النطفة خلال تكونها بمراحل، أطلق القرآن الكريم على كل مرحلةٍ منها تسمية تتناسب مع تلك المرحلة، والمراحل التي تمر بها النطفة أربع (٤)، وهي: (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٤٠/٥، لسان العرب، ابن منظور ١٦ /٤٤٦١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٨٥٧. (٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الکریم، محمد فؤاد عبدالباقي ص٧٩٨. (٣) انظر: خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد البار ص ١٠٩، إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص٦٦. (٤) انظر: علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة، عبدالمجيد الزنداني ص١٧-٢٧، مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن الكريم، منى رفعت ص٥٧. أولًا: مرحلة الماء الدافق. ثانيًا: مرحلة السلالة. ثالثًا: مرحلة النطفة الأمشاج. رابعًا: مرحلة الحرث. المرحلة الأولى من مراحل طور النطفة: مرحلة الماء الدافق. قال تعالى: ﴿فَلْتُظْرِ اَلْإِسَنُ مَِّّ خُلِقَ ( ٥) خُلِقَ مِن مَّلَوْ دَافِقٍ ﴾ [الطارق: ٥ - ٦] الدفق في كلام العرب صب الماء، وهو متعدٍ، يقال: دفقت الكوز فاندفق، وهو مدفوق. وأهل الحجاز يطلقون صيغة فاعل على المفعول کقولهم: هذا سرٌ كاتمٌ (أي مکتوم)، وهمّ ناصبٌ (أي منصوب) (٥). و﴿دَافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق، اسم الفاعل بمعنى مفعول (٦). وقال الخليل وسيبويه: هو على النسب ك (لابن، وتامر)، أي: ذي دفق وهو صادق على الفاعل والمفعول. والراجح والله أعلم أن المراد: ماء ذي دفق؛ لأن تفسيرها على مدفوقٍ، يعد من صرف اللفظ عن ظاهره، فهم اعتبروا أن الماء الدافق مفعولًا وليس فاعلًا. ولكن الحقيقة أن للماء - بإذن الله - قوة دفق ذاتية. فهو بذلك فاعل وليس مفعولًا (٧). فالدافق (٥) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٥٢/٩، لسان العرب، ابن منظور ١٣٩٦/٢، القاموس المحيط الفيروز آبادي ص ٨٨٣. (٦) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/ ٥٨٤. (٧) انظر: مراحل تطور خلق الإنسان في القرآن، مُؤَسُولَةُ النَّقِيَّة جوبيبو القرآن الكريم ٣٤٠