Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الأمُومَةُ عناصر الموضوع مفهوم الأمومة ١٦٠ الأمومة في الاستعمال القرآني ١٦١ الألفاظ ذات الصلة ١٦٢ ١٦٥ الأمومة الأولى ١٦٧ أنواع الأمومة ١٦٩ فطرة الأمومة ومشقاتها ١٧٤ الأمومة والأحكام الشرعية ١٧٩ الأمومة حقوق وواجبات ١٨٧ أمهات ذكر هن القرآن المُجَلَّدَ الخَامِسْ حرف الألف مفهوم الأمومة أولًا: المعنى اللغوي: الأمومة مشتقة من الأم، وأم كل شيء: أصله وعماده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِ أُمِ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ﴾ [الزخرف: ٤]. وأم كل شيء معظمه، يقال لكل شيء اجتمع معه غيره فضمه إليه أمه، والأم الوالدة(١)، والأم: خادم القوم، الذي يلي طعامهم وخدمتهم، والأم الوالدة، وتطلق على الجدة، يقال حواء أم البشر، وجمعها للعاقل أمهات، ولغير العاقل أمات، والأم: المسكن، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ [القارعة: ٩]. أي: مسكنه النار، وقيل: أم رأسه هاوية فيها، أي: ساقطة(٢). وقيل: تفسير الأم في كل معانيها: أمه؛ لأن تأسيسه من حرفين صحيحين، والهاء فيه أصلية، ولكن العرب حذفت تلك الهاء إذا أمنوا اللبس، لذا يقال في تصغير أم: أميمة، والصواب: أميهة، ترد إلى أصل تأسيسها، ويقال: تأمم فلان أمًا، أي: اتخذها لنفسه أمًا(٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الأمومة من أعظم الهبات التي خص الله بها المرأة، وقد عرف العلماء الأمومة بأنها: (نظام تعلو فيه مكانة الأم على مكانة الأب في الحكم، ويرجع فيه إلى الأم في النسب أو الوراثة)) (٤) وفي تعريف الأم قال العلماء: الأم هي: ((الوالدة القريبة التي ولدته، والبعيدة التي ولدت من ولدته»(٥). فالأم ((اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل في ذلك الأم دنية، وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون))(٦). (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص١٠٧٦. (٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٤٥٢/١٥، الصحاح، الجوهري، ١٨٦٣/٥، تاج العروس، الزبيدي، ٢٣٠/٣١، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢٧/١. (٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ١٥/ ٤٥٢. (٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢٧/١. (٥) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ١١١/٢، التوقيف، المناوي، ص ٦٢. (٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠٨/٥. ١٦٠ الْقُرآن الكَرِيْمِ الأمومة الأمومة في الاستعمال القرآني وردت (الأم) في القرآن (٢٨) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال المفرد ١٧ ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَ أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ [القصص: ٧] الجمع ١١ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُقَمَتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وجاءت الأم في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه (٢): الأول: الوالدة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ﴾ [طه: ٤٠]. أي: إلى والدتك. الثاني: المرضعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. يعني: وحرمت عليكم مرضعتكم في الحولين. الثالث: أمهات المؤمنين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَجُهُ. أُمَّهَدُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص١٧٧. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤٤٤، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ١٤١. www. modoee.com ١٦١ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة ١ الوالدة: الوالدة لغةً: الأم، يقال: ولدت المرأة ولادًا وولادةً، وأولدت: حان ولادها(١)، وولدته أمه ولادة وإلادةً على البدل، فهي والدة على الفعل، ووالدٌ على النسب(٢). الوالدة اصطلاحًا: هي التي تضع ولدها المولود(٣). الصلة بين الأم والوالدة: ذكرت الأم في القرآن الكريم أكثر من ذكر لفظة الوالدة، مما يدلل على أن لفظ الأم أعم من الوالدة، ففي كتب اللغة: الأم هي أصل الشيء، بينما الوالدة هي التي تلد، فكل والدة أم، وليس كل أم والدة، فالأم قد تعيل وتربي ولا يعني ذلك بالضرورة أنها هي من ولدته. المرضعة: ٢ المرضعة لغة: من رضع الصبي أمه رضاعًا، وامرأة (مرضع) أي لها ولد ترضعه، فإن وصفتها قال الفراء: المرضعة الأم، والمرضع التي معها صبي ترضعه، وقيل: المرضعة الفاعلة للإرضاع والمرضع ذات الرضيع (٤). المرضعة اصطلاحًا: وهي من معها صبي ترضعه، سواء كانت من ولدته أو استؤجرت لإرضاعه (٥). الصلة بين الأم والمرضع: قد تكون المرضعة هي الأم التي ولدته، وقد لا تكون، وإنما جيء بها واستأجرها الوالد؛ لإرضاع ابنه. (١) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٣٤٥. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤٦٧/٣. (٣) انظر: التوقيف، المناوي، ص ٣٤٠. (٤) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ١٢٣. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢٥/٨. ١٦٢ القرآن الكريم الأمومة الأنثى: ٣ الأنثى لغة: من أنث، فالألف والنون والثاء ما كان خلاف الذكر، والأنثيان أنثيا الإنسان(١). الأنثى اصطلاحًا: قال الأصفهاني في تعريف الأنثى: ((الأنثى خلاف الذكر ويقالان في الأصل اعتبارًا بالفرجين، قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصََِّّحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أَنْفَى﴾ [النساء: ١٢٤]. ولما كانت الأنثى في جميع الحيوان تضعف عن الذكر اعتبر فيها الضعف، فقيل لما يضعف عمله أنثى»(٢). الصلة بين الأم والأنثى: كل أم أنثى، وليس كل أنثى أمَّا، فإذا أنجبت الأنثى أصبحت أمّا. ٤ المرأة: المرأة لغة: يقال: مرة - بلا ألف -: تأنيث المرء (٣)؛ ((والمرأ: الرجل))(٤) فقد أنثوا فقالوا مرأةٌ، وخففوا التخفيف القياسي فقالوا مرةٌ - بترك الهمز وفتح الراء - وهذا مطرد، وقال سيبويه: وقد قالوا: مرأةٌ - وذلك قليل -... وللعرب في المرأة ثلاث لغات؛ يقال: هي امرأته، وهي مرأته، وهي مرته))(٥). المرأة اصطلاحًا: (اسم الأنثى البالغة من أولاد آدم))(٦) ولا يطلق عليها (امرأة) إلا بعد البلوغ، فـ«الصغيرة لا تسمى امرأة في عرف أهل اللسان»(٧). الصلة بين الأم والمرأة: كل أم امرأة، وليس كل امرأة أمًا. (١) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس، ١/ ١٠٤. (٢) المفردات، ص ٢٧. (٣) انظر: كتاب العين، الفراهيدي ٢٩٩/٨. (٤) بصائر ذوي التمييز، الفراهيدي ٤ / ٤٩٦. (٥) لسان العرب، ابن منظور ١٥٤/١. (٦) نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٥٧١. (٧) تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، البيضاوي ٢/ ٣٤٤. www. modoee.com ١٦٣ حرف الألف الأب: ٥ الأب لغة: الأب بالتخفيف بمعنى الوالد الذي إليه يرجع النسب (١). الأب اصطلاحًا: قال المناوي ((الأب: الوالد، والأبوان: الأب والأم، أو الأب والجد، أو الأب والعم، أو الأب والمعلم، وكذا كل من كان سببًا لإيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره)) (٢)، وقال الجرجاني الأب هو: كل من تكون من نطفته شخص آخر من نوعه (٣). الصلة بين الأمومة والأبوة: الأم والأب منهما يتكون الولد، فهما الوالدان اللذان يقومان على رعاية الأبناء، فالأمومة مضاد الأبوة، ويتكامل دورهما لتقوم الأسرة. الأمومة والأبوة: وهما الوالدان اللذان تتضافر جهودهما لإنشاء أسرة صالحة. (١) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ٦/٢. (٢) التوقيف، ص ٣٥. (٣) انظر: التعريفات، ص٧. ١٦٤ القرآن الكريم الأمومة الأمومة الأولى خلق الله عز وجل أول خلقه من البشر آدم عليه السلام، ثم خلق منه أم البشر حواء عليها السلام، فكانت أول من خلق الله عز وجل من النساء، فالأمومة الأولى تمثلت في حواء عليها السلام. قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ الَّذِى خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَبِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَلَمَ لُونَ بِهِ وَالْأَرْحَمّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ١ [النساء: ١]. وقال تعالى: ﴿﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. خلق الله عز وجل آدم عليه السلام، وأسكنه الجنة، وبعدها خلق الله حواء، واختلف المفسرون في معنى قوله: وَمِّنْ نَّفْسٍ وَجِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَازَوْجَهَا﴾ على رأيين: الأول: النفس الواحدة آدم عليه السلام، وزوجها حواء عليها السلام، فحواء خلقت من ضلع آدم عليه السلام. فإنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم عليه السلام، روي أنه عز وجل لما خلقه عليه السلام وأسكنه الجنة ألقى عليه النوم فبينما هو بین النائم والیقظان خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، فلما انتبه وجدها عنده(١). وقال ابن كثير في معنى قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ((وهي حواء، عليها السلام، خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه، وهو نائم، فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه))(٢). وقيل: إنه لم يؤذه أخذ الضلع شيئًا، ولو آذاه لما عطف رجل على امرأة أبدًا(٣)، ثم نشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها بطريق التوالد والتناسل رجالاً ونساءً. الثاني: معنى قوله: ﴿مِنِ نَّفْسِ وَبِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَازوجها﴾ معناه: وخلق من جنسها زوجها، أي من التراب، وعن ابن عباس: أن الله تعالى خلق الرجل من التراب؛ فهمه في التراب (٤)، وذهب إلى هذا الرأي أبو مسلم، قال الألوسي: ((وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع؛ لأنه سبحانه قادر على خلقها من التراب، فأي فائدة في خلقها من ذلك؟! وزعم أن معنی منها: من جنسها، والآية على حد قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَّكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ [النحل: ٧٢]. ووافقه على ذلك بعضهم مدعيًا أن القول بما ذكر يجر إلى القول بأن آدم عليه السلام کان ینکح بعضه بعضًا، وفيه من الاستهجان (١) إرشاد العقل السليم، ٢/ ١٣٨. (٢) تفسير القرآن العظيم، ٢٠٦/٢. (٣) انظر: تفسير القرآن، السمعاني، ١/ ٣٩٣. (٤) انظر: المصدر السابق. www. modoee.com ١٦٥ حرف الألف ما لا يخفى)) (١). واحتج أبو مسلم بأنه تعالی لما كان قادرًا على أن يخلق آدم ابتداءً، فما الذي حملنا على أن نقول إنه تعالى خلق حواء من جزءٍ من أجزاء آدم؟ ولم لا نقول: إنه تعالى خلق حواء أيضًا ابتداء؟ وأيضًا الذي يقدر على خلق إنسان من عظمٍ واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء؟ فأي فائدة في خلقها من ضلعه. ورد أبو حیان على هذا القول حيث قال: ((قال القاضي: الأول أقوى، إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة)) (٢). نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْيَقُ قَدْ فَضَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: ٩٨]. فالنفس الواحدة، هي آدم عليه السلام، وحواء مخلوقة من ضلع من أضلاعه، فصار كل الناس من نفس واحدة. وما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن خلقن من ضلعٍ، وإن أعوج شيءٍ في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقیمه کسرته، وإن تر کته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا)(٥). وذهب أغلب المفسرين إلى القول الأول(٣)، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤكد ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، حيث قال عليه السلام: (المرأة خلقتٍ من ضلع أعوج وإنك إن أقمتها كسرتها، وإن تركتها تعش بها وفيها عوجٌ)(٤). والراجح والله أعلم القول الأول الذي ذهب إليه أغلب المفسرين؛ وهو أن حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم عليه السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِىّ أَنشَأَكُمْ مِّن (١) روح المعاني، ٣٩٢/٢. (٢) البحر المحيط، ٤٩٥/٣. (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن، ١/ ٣٣٧. (٤) أخرجه الحاكم في مستدركه، ٢٨٩/٤، رقم ٧٤١٢. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، ١٩٨٧/٥، رقم ٤٨٩٠. جَوَسُولَهُ النَّهِ القرآن الكريم ١٦٦ الأمومة أنواع الأمومة إن الأمومة من أقوى الغرائز التي جبلت عليها المرأة، والأمومة لها أكثر من شكل ونوع، فيقال عن المرأة التي تلد أم، والمربية أو المرضعة أم، والقرآن الكريم صنف الأمومة إلى نوعين: الأم الوالدة، والأم المرضعة، وبيان ذلك كما يأتي: أولًا: الأم الوالدة: الأمومة صفة تتمتع بها الأم الوالدة، وغريزة أودعها الله عز وجل في المرأة، فالأم بفطرتها تحن على وليدها، وهذه الأم الوالدة هي كل من ولدت المرء وإن علت (١). قال الرازي: «كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، بإناث رجعت إليها أو بذکور فھي أمك»(٢). فالأم هي الوالدة، كما أفاد أسلوب الحصر في قوله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُطَهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَابِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّ أَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًاً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُؤُّ غَفُورٌ ﴾ [المجادلة: ٢]. قال ابن عباس: (( ما أمهاتهم في الحرمة (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣١/٢. (٢) مفاتيح الغيب، ٢٤/١٠. إلا اللائي ولدنهم أو أرضعنهم)»(٣). وقال القرطبي: ((الأم اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل في ذلك الأم دنية، وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون)) (٤)، فأمومة الولادة تثبت لها أحكام النسب والإرث. فأمومة الولادة هي الأمومة الكاملة في تحققها، و ثبوت أحکامها. ثانيًا: الأم المرضعة: ذكر الله عز وجل هذا النوع من الأمومة الأم المرضعة في كتابه العزيز، فقال عز حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَتُكُمْ وجل: وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَُّكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَهَنُكُمُ أَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣ وقد كان للنبي عليه السلام قرابة من الرضاعة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة: (لا تحل لي؛ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة)(٥). وأم الإنسان من الرضاع هي الأم التي أرضعته، و کذلك کل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة، إما من جهة النسب أو (٣) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، ص ٤٦٠. (٤) الجامع لأحكام القرآن، ١٠٨/٥. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع، ٢/ ٩٣٥، رقم ٢٥٠٢. www. modoee.com ١٦٧ حرف الألف من جهة الرضاع، والحال في الأب كما في الأم(١)، وإنما اعتبرت أمّا؛ ((قال المهايمي: لأن الرضاع جزء منها وقد صار جزءًا من الرضيع، فصار كأنه جزؤها، فأشبهت أصله)) (٢). فالأم الوالدة قد لا تستطيع لعذر إرضاع وليدها، لذا كان العرب قديمًا يستأجرون مرضعة لأبنائهم، فالأم المرضعة هي التي ترضع ولدًا لأي سبب من الأسباب، وتحرم الأم من الرضاعة كما تحرم الأم من النسب كما قال عليه السلام . واشترط العلماء لحرمة الأم من الرضاعة شرطين: الشرط الأول: أن تكون الرضاعة قبل استكمال المولود حولين، لقوله تعالى: وَالْوَالِدَاتٌ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. أي: أول قيام الهيكل وتشبح صورة الولد، وذلك قبل الفطام، وإلا فهو غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد قیام الھیکل، کالشاب يأكل الخبز، وروي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء)(٣). (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٦/١٠. (٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٦٣/٣. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الرضاع، ٤ /٤٥٠، رقم ١١٥٢. والشرط الثاني: يتعلق بالقدر الذي يتحقق به معنى الرضاعة، فالآية الكريمة مطلقة، وجاءت السنة النبوية بتقييد إطلاقها بخمس رضعات متفرقات (٤)، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعاتٍ معلوماتٍ يحرمن، ثم نسخن بخمسٍ معلوماتٍ، فتوفي رسول الله صلی الله علیه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن)(٥). وذهب بعض أهل العلم إلى أن قليل الرضاع و کثیرہ یحرم، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، وإليه ذهب سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي وعبد الله بن المبارك (٦). قال الرازي: ((إنه تعالى علق هذا الاسم يعني الأمومة والأخوة بفعل الرضاع، فحيث حصل هذا الفعل وجب أن يترتب عليه الحكم، ثم سأل نفسه فقال: إن قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَنُكُمُ الَّتِىَّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ بمنزلة قول القائل: وأمهاتكم اللاتي أعطينكم، وأمهاتكم اللاتي كسونكم، وهذا يقتضي وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٢٤٧/٢، رقم ٧٤٩٥. (٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ١٩٨/٢، محاسن التأويل، القاسمي ٦٣/٣. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب التحريم بخمس رضعات، ٤ / ١٦٧، رقم ٣٥٨٧. (٦) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ١٨٩/٢. ١٦٨ مُوسُوبَةُ النَّقية جوبيبو القرآن الكريم الأمومة تقدم حصول صفة الأمومة والأختية على فعل الرضاع، بل لو أنه تعالى قال: اللاتي أرضعنكم هن أمهاتكم لكان مقصودكم حاصلًا، وأجاب عنه بأن قال: الرضاع هو الذي يكسوها سمة الأمومة، فلما كان الاسم مستحقًا بوجود الرضاع كان الحكم معلقًا به، بخلاف قوله وأمهاتکم اللاتي کسونکم، لأن اسم الأمومة غير مستفاد من الكسوة، قال ويدل على أن ذلك مفهوم من هذه الآية ما روي أنه جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: قال ابن الزبير: لا بأس بالرضعة ولا بالرضعتين، فقال ابن عمر: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير، قال الله تعالى: ﴿وَأَخَوَتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ﴾ قال: فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بالرضاع القليل»(١) . (١) مفاتيح الغيب، ٢٦/١٠. فطرة الأمومة ومشقاتها خلق الله عز وجل المرأة وأودع فيها غريزة الأمومة، بل هي من أقوى الغرائز عند الأم، فمن حرمها من الأمهات فهو ابتلاء عظيم، يبتلي الله به من يشاء من عباده، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ إِنَفًا وَبَهَبُ لِمَن أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَشَّاً يَشَآءُ الذُّكُورَ ( وَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمَاْ إِنَّهُ عَلِيٌ قَدِيرٌ (٥) [الشورى: ٤٩-٥٠]. لذا نرى عاطفة الأمومة متمثلة بأمور عديدة منها: ١. تمني الولد. الأمومة فطرة جبلت عليها المرأة، فهذه سارة زوج سيدنا إبراهيم، تمنت الولد ولكنها لم تنجب في صغرها فبشرها الله عز وجل، بالولد في كبرها، قال تعالى: ﴿وَأَمَْتُهُ قَآيِمَةٌ فَضَحِكُتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ﴾ [هود: ٧١]. وهذه امرأة فرعون آسية لم تنجب، ونراها حرصت على أن تتخذ موسى ابنًالها. ٢. الحب والحنان والخوف علیه. عظیم ذلك القلب، کبیر بحنانه وعطفه، مليء بالمشاعر والأحاسيس التي أودعها الله عز وجل فيه، ولقد جاء القرآن الكريم يرسم أجمل صورة لتلك العاطفة عند الأم www. modoee.com ١٦٩ حرف الألف التي تجعلها تصبر على ولدها في بطنها تسعة أشهر، تعاني فيها من آلام الحمل والتغير العضوي ما تعاني، يمتص الجنين من جسدها الغذاء لیکبر ویکبر، فإذا ما حان وقت خروجه، عانت في وضعه أضعاف ما كانت تعاني أيام الحمل، فإذا ما رأته بعد تلك الآلام احتضنته بحبها وعطفها وحنانها. إن عاطفة الأمومة وما ينبع منها من حب وعطف وحنان، لمعجزة إلهية من عند الخالق المبدع، فلولاها لما استطاعت الأم الصبر على عناء ومشاق التربية لأبنائها، فسبحانه تجلت حکمته عز وجل . وتمثلت عاطفة الأمومة الجياشة بالحب والحنان واضحة جلية في السيدة هاجر عليها السلام عندما تركها سيدنا إبراهيم عليه السلام بواد غير ذي زرع، فدفعتها عاطفة الحنان على طفلها للبحث عن الماء، يقول سيد قطب: ((وطيف هاجر، وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة المتلهبة حول البيت، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش، وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل، ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء. وإذا هي زمزم، ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب)»(١). (١) انظر: في ظلال القرآن، ٢٤١٩/٤. ولقد اثنی الرسول صلی الله علیه وسلم على نساء قريش، وجعل صالحهن صالح النساء عامة؛ بسبب رعايتهن لأبنائهن، وعطفهن على أبنائهن، قال عليه السلام: (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولده في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده)(٢). وجاء لنا القرآن الكريم مصورًا مشهد خوف الأم على وليدها، في أم موسى عليه السلام، عندما خافت عليه من أن يلحقه الأذى من فرعون، يقول الشعراوي: ((فمن من النساء تقبل إن خافت على ولدها أن تلقيه في اليم؟ من ترضى أن تنجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟ وقد جعل الحق سبحانه عاطفة الأمومة تتلاشى أمام وارد الرحمن الذي أتاها، والذي لا يؤثر فيه وارد الشيطان))(٣). يقول المولى جل جلاله في محكم كتابه العزيز: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى الْبَرِّ وَلَا تَخَافِ وَلَا تَحْزَبِ إِنَّا رَآَدُوُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَالْتَقَطَهُو ◌َالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنَا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب إلى من ينكح وأي النساء خير وما يستحب أن يتخير لنطفه من غير إيجاب، ١٩٥٥/٥، رقم ٤. (٣) انظر: تفسير الشعراوي، ١٠٨٧٩/١٧. ١٧٠ مُؤَسُولَرُ الْبَشِد لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الأمومة وَقَالَتِ أَمْرَأَتُ ٨ كَانُواْ خَطِعِينَ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِِّ وَلَكَ لَا نَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ، وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ )) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِضًا إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ. لَوْلًا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيةٍ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن ◌ُجُنُّبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( = وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ اَلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدْكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كُنْ نَقَرَّ لَهُ نَصِحُونَ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: ٧-١٣]. وانظر كيف يصور القرآن الكريم فؤاد أم موسى ومشاعرها وأحاسيسها، بعد أن نفذت أمر ربها ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِئًا﴾، يقول البيضاوي: ((وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا صفرًا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، كقوله تعالى: (وأفئدتهم هواء) أي خلاء لا عقول فيها»(١). ﴿إِن كَادَتْ لَنْبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ((أي: إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها، لولا (١) أنوار التنزيل ٤/ ١٧٢. أن الله ثبتها وصبرها))(٢). ولقد دفعت عاطفة الرحمة والحنان وشدة الوجد في فؤاد أم موسى، أن ترسل ابنتها لتقص أثر ابنها، فبصرت به عن بعد وهم يبحثون عن مرضعة له، بعد أن رفض الرضاع من أي امرأة غير أمه، كان وعد الله عز وجل بإرجاعه إلى أمه، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ولقد بين القرآن الكريم عاطفة الأمومة المليئة بالرحمة والشفقة عندما استعطف هارون أخاه بعدم لومه وعتابه، بعد أن عبد بنو إسرائيل العجل في غياب موسى عليه السلام لمناجاة ربه، مستخدمًا تذكيره بالأم مبعث العواطف الرحيمة والحنان والحب، مبررًا ما حدث بخوفه وخشيته من تفرق بني إسرائيل تارة، وأخرى بالاستضعاف وقلة الحيلة، قال تعالى: ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُهُنِي مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَقْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِّ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أُسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ بِى اَلْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِىِ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: ١٥٠]. يقول ابن جزي: ((وإنما دعاه بأمه، لأنه أدعى إلى العطف والحنو))(٣). (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٢٣/٦. (٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ٣٠٣/١. www. modoee.com ١٧١ حرف الألف هذه هي الأم مصدر الحب وينبوع رعاية حق الوالدة خصوصًا))(٢). الحنان، فمسكين ذلك الابن الذي لا يدرك مكانة الأم وحقوقها عليه بعد كل هذا العطاء المتفاني، فإذا بنا نسمع في هذا الزمان أو يكتفوا بعدم البر والإحسان ترى أولادًا لم لهذه الأم، بل زادوا على ذلك بالإيذاء والتأفف والتذمر والعقوق، خسر الدنيا والآخرة والعياذ بالله. أما مشقات الأمومة، فالأمومة لها مشاق مختلفة ومتنوعة، أولها: ١. الحمل. وضح القرآن الكريم مشقات الحمل في مواضع عديدة، منها: قوله جل ذكره في محكم التنزيل: ﴿وَوَصَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلَوْلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ )﴾ [لقمان: ١٤]. والمقصود فيها ولدته أمه شدة بعد شدة، وخلقًا بعد خلق(١)، فالأم تعاني المشاق منذ بداية حملها، بل وتزاد المشقة يومًا بعد يوم؛ لتثاقل الحمل، قال النيسابوري: «وقوله ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنًا﴾ أي: حال كونها تهن وهنّا ﴿عَلَى وَهْنٍ﴾ أي: ضعفا على ضعف، لأن الحمل كلماً زاد وعظم ازدادت ثقلًا وضعفًا، اعتراض في اعتراض تحريضًا على ((المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة، ويقال: الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف)» (٣). وقال المولى عز وجل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنًاً حَمَلَتْهُ أُنُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُمًاً وَحَمْلُهُ، وَفِصَلُهُ تَشُونَ شَهْرًا حََّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرْ نِعْمَتَكَ أَلَِّى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ﴾ [الأحقاف: ١٥]. يقول سيد قطب: ((تركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال: ﴿حَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُّهًا﴾، لكأنها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد، ويلهث بالأنفاس! إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه، وصورة الوضع وطلقه وآلامه! ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة، إن البويضة بمجرد تلقيحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق بجدار الرحم، وهي مزودة بخاصية أكالة، تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله، فيتوارد دم الأم إلى موضعها، حيث تسبح هذه البويضة الملقحة دائمًا في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات وتمتصه (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٣٧. (٢) غرائب القرآن ورغائب الفرقان، ٤٢٥/٥. (٣) تفسير القرآن، السمعاني ٤ / ٢٣٠. ١٧٢ مَوَسُ رُ النفسيةالوضوء القرآن الكريم الأمومة لتحيا به وتنمو، وهي دائمة الأكلان لجدار تذوي وتموت! ثم الرضاع والرعاية، حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها في اللبن، وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية)) (٣) الرحم، دائمة الامتصاص لمادة الحياة، والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص، لتصب هذا كله دمًا نقيًا غنيا لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول! وفي فترة تكوين عظام الجنين يشتد امتصاصه للجير من دم الأم فتفتقر إلى الجير. ذلك أنها تعطي محلول عظامها في الدم ليقوم به هیکل هذا الصغير))(١). ٢. الولادة. وتحدث القرآن الكريم عن شدة الولادة وآلامها حينما وصف السيدة مريم بقوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ﴾ [مريم: ٢٣]. والمخاض يعني الطلق، ووجع الولادة وآلامها، وقيل: التجأت إلى النخلة تستند إليها وتستمسك بها من شدة الطلق، ووجع الولادة (٢). ويتابع سيد قطب بوصف الآلام التي تلاقيها الأم، فيقول: ((ثم الوضع، وهو عملية شاقة، ممزقة، ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه الفطرة ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة، ثمرة التلبية للفطرة، ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش، وتمتد، بينما هي (١) في ظلال القرآن، ٦/ ٣٢٦٢. (٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣/ ١٨٥. (٣) في ظلال القرآن، ٣٢٦٢/٦. www. modoee.com ١٧٣ حرف الألف الأمومة والأحكام الشرعية إن للأمومة أحكامًا خاصة بها لا بد من مراعاتها، والقيام بموجبها، والتزام ما أمر به الله عز وجل، من حرمة نكاحها، وأحكام الوصية والإرث، وما يتعلق بالقرابة ممن ترضعهم الأم، وأحكام الرضاعة والنفقة والحضانة، وستتناول هذه الأحكام بشيء من التفصيل بإذن الله فيما يلي: ١. حرمة نكاحها. وردت آيات في القرآن الکریم توضح الأمهات، حيث قال لنا حرمة نكاح سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ اُلْأُخْتِ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىِّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. فنستدل من خلال الآية الكريمة على حرمة نكاح الأمهات وترك ذكر لفظ النكاح، اكتفاءً بدلالة الكلام عليه (١)، وسمى الله عز وجل المرضعات أمهات لأجل الحرمة فيحرم عليه نكاحها، كأزواج النبي صلى الله عليه وسلم سماهن الله تعالى أمهات المؤمنين في قوله: ﴿وَأَزْوَجُهُ: أَمَّهَنُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. فكما يحرم على الرجل نكاح أمه التي (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٨/ ١٤٠. ولدته، كذلك يحرم عليه نكاح أمه التي أرضعته، ويحل له النظر إليها والخلوة بها والسفر معها (٢) يقول الطنطاوي: ((ومن الحكم التي ذكرها العلماء من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة: أن المولود يتكون جسمه من جسم المرأة التي أرضعته فيكون جزءًا منها، كما أنه جزء من أمه التي حملته، وإذا کانت هذه قد غذته بدمها وهو في بطنها، فإن تلك قد غذته بلبانها وهو في حجرها، فكان من التكريم لهذه الأم من الرضاع أن تعامل معاملة الأم الحقيقية)) (٣). ٢. الوصية والإرث. ذكر الله عز وجل الميراث في القرآن الكريم، وفصله بدقة ووضوح من غير غموض أو لبس فيه، ولم يترك الشرع موضوع تقسيم الميراث إلى مالكه حتى يعطي من يشاء ويحرم آخرين لهم الحق فيه، فالله سبحانه وتعالى هو الذي قسم الميراث والتركة من خلال الآيات الكريمة في القرآن الكريم، كل ذلك لحماية حقوق النساء والأطفال المستضعفين الذين كانوا في الجاهلية يحرمون من الميراث، فميراث الأم له ثلاث حالات، وهي على النحو (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٢٤٨، لباب التأويل، الخازن، ١/ ٣٥٩. (٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣/ ١٠٤. ١٧٤ مُوسُوبَةُ النَّفسِد القرآن الكريم الأمومة الآتي: الثالث: ترث الأم الثلث بشروط ثلاث: ١. عدم وجود الفرع الوارث للميت، ذکرًا كان أو أنثى، مثل الابن، أو البنت، وابن الابن، وبنت الابن. ٢. عدم وجود الإخوة، أو الأخوات للمیت، اثنین فأكثر، أشقاء، أو لأب، أو لأم. ٣. ألا تكون المسألة إحدى العمريتين. دليل إرث الأم الثلث بالشروط السابقة قول الله عز وجل: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَّدٌ وَوَرِثَّهُ أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلْثُ﴾ [النساء: ١١](١). السدس: ترث الأم السدس إذا كان للمیت فرع وارث ذكرا كان أو أنثى، أو اثنان فأكثر من الإخوة والأخوات مطلقًا سواء أكانا من جهة الأم والأب، أو من جهة أحدهما، وسواء أكانوا ورثة أم محجوبين، قال الله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ، إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١](٢) ثلث الباقي: في العمريتين، وتسمى الغراوين، وهما: (١) انظر: الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي، مصطفى الخن ومصطفى البغاء ٥٪ ٨٩، مختصر الفقه الإسلامي، التويجري، ص ٨٨٧. (٢) انظر: مختصر الفقه الإسلامي، التويجري، ص ٨٨٧. ١. زوجة وأم وأب: المسألة من أربعة: للزوجة الربع واحد، وللأم ثلث الباقي واحد، والباقي اثنان للأب. ٢. زوج وأم وأب: المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم ثلث الباقي واحد، والباقي اثنان للأب. وأعطيت الأم ثلث الباقي؛ لئلا تزيد على نصيب الأب وهما في درجة واحدة من الميت، وليكون للذكر مثل حظ الأنثيين(٣). «فالأم لا تحجب حرمان على أية حال فمتى وجدت ورثت إما السدس، وإما ثلث الكل، وإما ثلث الباقي)) (٤). أما حكم الأم المرضعة فإن الرضاع يؤثر في تحريم النكاح، وثبوت المحرمية المفيدة لجواز النظر والخلوة دون سائر أحكام النسب، فلا يتوارثان ولا تجب على كل واحد منهما نفقة الآخر وغير ذلك من الأحكام، وهذا متفق عليه (٥). ٣. ثبوت القرابة بين من أرضعتهم. كل أقارب الأم المرضع أقارب للرضيع، فالمرضعة تصبح أمّا للرضيع وكما بينا سابقًا فإنها تحرم عليه، وبنتها أخته، وأولادها إخوته، وزوجها أبوه، وأبواه جداه وأخته عمته وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل (٣) انظر: مختصر الفقه الإسلامي، التويجري، ص ٨٨٧. (٤) فقه النكاح والفرائض، قنديل، ص ٣٠٤. (٥) انظر: روضة الطالبين، النووي، ٣/٩. www. modoee.com ١٧٥ حرف الألف الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه وأم الرضاعة-دخل علي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم، إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة)(٤). المرضعة جدته وأختها وأخواته لأبيه وأمه ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم(١). قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَأَخَوَتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. وجاء في السنة النبوية عن علي رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، ما لك تنوق(٢) في قریشٍ وتدعنا؟ فقال: ((وعندكم شيءٌ؟)» قلت:نعم، بنت حمزة، فقال رسول الله صلی الله علیه وسلم: (إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة)(٣). وكذلك ما ورد عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها، وإنها سمعت صوت رجلٍ يستأذن في بيت حفصة، قالت عائشة:فقلت:يا رسول الله، هذا رجلٌ يستأذن في بيتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أراه فلانًا))- لعم حفصة من الرضاعة-فقالت عائشة:يا رسول الله، لو كان فلانٌ حيًا-لعمها من (١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ١/ ٣٤٦، التفسير المنير، الزحيلي، ٤ / ٣١٢. (٢) تنوق: تنتقي وتجود وتبالغ. انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص٩٢٧. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب تحريم ابنت الأخ من الرضاعة، ١٠٧١/٢، رقم ١٤٤٦. وعن عائشة، أن عمها من الرضاعة يسمى أفلح، استأذن عليها فحجبته، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: (لا تحتجبي منه، فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)(٥). يقول أبو زهرة «وذلك لأنها لما رضعت من امرأة أخیه علی ولد أخیه اعتبر آبا رضاعيًا لها، فيكون هو عمها»(٦) ٤. الرضاعة والحضانة والنفقة. الرضاعة: وردت آيات في القرآن الكريم تدل بالنص الصريح على وجوب ارضاع الأم لطفلها قوله: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فالمرأة يجب عليها إرضاع ولدها ما دامت في عصمة والده، وإن كان والده قد مات وليس للولد مال: لزمها رضاعه في المشهور، وقيل أجرة رضاعه على بيت (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب، يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، ١٠٦٨/٢، رقم ١٤٤٤. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، ٢/ ١٠٧٠، رقم ١٤٤٥ (٦) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/ ١٦٣١. ١٧٦ مُوسُوبَةُ النَّفْسِد جومبو القرآن الكريم الأمومة المال، وإن كانت مطلقة طلاقًا بائنًا: لم إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، يلزمها رضاعه، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْفَاتُهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنت أحق به ما لم تنكچي)(٥). إلا أن تشاء هي فهي أحق به بأجرة المثل، وإن لم يقبل الطفل غيرها وجب عليها إرضاعه(١). الحضانة: تعرف الحضانة أنها: «تربية الطفل، والقيام بأمره ورعايته، وحفظه عما يضره، واعتماد ما يصلحه؛ فهي حفظ من لا يستقل بنفسه وتربيته حتى يستقل بنفسه، وهي ولاية وسلطنة، لكنها بالنساء أشبه)»(٢). وتنتهي فترة الحضانة عند سن التمييز، وخص الأم بتربية ولدها لأنها أخبر وأعلم، وعليه أصبر؛ لما جبلت عليه من فضل الميل إلى الأولاد، وكثرة الحنو والإشفاق(٣). والأم أحق بحضانة ولدها الطفل من أبيه ذکرًا کان أو أنثى، ما لم تتزوج، والأب أحق بحضانته من الأم إذا تزوجت قولًا واحدًا (٤)، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، أن امرأة قالت:یا رسول الله، (١) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي، ١٢٨/١. (٢) انظر: كفاية النبيه في شرح التنبيه، ابن الرفعة، ١٥/ ٢٧٣، الإنصاف، المرداوي، ٩/ ٤١٦. (٣) انظر: كفاية النبيه في شرح التنبيه، ابن الرفعة، ١٥/ ٢٧٣. (٤) انظر: الإرشاد إلى سبيل الرشاد، الهاشمي ص ٣٢٧. واختلف في مستحق حضانة الطفل بعد الأم من القرابات على روايتين: أولًا: إن قرابات الأب أولی بحضانته من قرابات الأم. ثانيًا: قرابات الأم أولى بذلك من قرابات الأب(٦). فهناك ما يسمى بالأم الحاضنة، وهي التي تحضن الصغير غير أمه وتلي شأنه وتقوم على رعايته، ولقد كانت أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، كأم أيمن حاضنة الرسول صلی الله علیه وسلم، ولا یثبت لها حکم من أحکام الأمومة، وليس لها غير البر والإحسان. النفقة: يجب على الأب تحمل نفقة الأم طيلة مدة الرضاع بما فيه الكفاية حسب العرف والأمثال، ومنعه من أن يمنع الأم من إرضاع (٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب من أحق بالولد، ٢/ ٢٨٣، رقم ٢٢٧٦. وحسنه الألباني في الإرواء ٢٤٤/٧، رقم ٢١٨٧. (٦) انظر: الإرشاد إلى سبيل الرشاد، الهاشمي ص ٣٢٧. www. modoee.com ١٧٧ حرف الألف الولد لسببٍ من الأسباب، مع تنبيه الأم وولدك، بالمعروف) (٤). إلى عدم جواز تكليف أحد بأكثر من وسعه وطاقته (١)، ففي النفقة قال سبحانه وتعالى: ﴿وَ عَلَى الْوَلُودِ لَّهُ رِذْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. أي: على الوالد النفقة مدة الرضاع، وفي موضع آخر قال تعالى: ﴿وَإِنْتَاسَرْتُمْ فَسَتُضِعُ لَهُو أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ حسب طاقة وقدرة الأب وهي نفقة واجبة بحسب العرف(٢). قال ابن تيمية: ((والصواب المقطوع به عند جمهور العلماء أن نفقة الزوجة مرجعها إلى العرف وليست مقدرة بالشرع، بل تختلف باختلاف أحوال البلاد والأزمنة، وحال الزوجين وعاداتهما))(٣)؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. وعن عائشة: أن هند بنت عتبة، قالت: یا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحیح ولیس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: (خذي ما يكفيك (١) انظر: التفسير الحديث، محمد عزت دروزة، ٦ / ٤٣٥. (٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني، ١/ ٢٣٦. (٣) توضيح الأحكام من بلوغ المرام، عبدالله البسام، ٦/ ٤٥. ٥. شناعة تشبيه الزوجة بالأم (الظهار). كان الظهار في الجاهلية طلاقًا لا رجعة بعده، بل هو أشد الطلاق عندهم؛ لما فيه من تشبيه الزوجة بالأم التي تحرم حرمة على التأبيد، وقيل في أول الإسلام، وقيل لم یکن طلاقًا من كل وجه، وكانوا في الجاهلية إذا کره أحدهم امرأته ولم يرد أن تتزوج بغيره آلى منها أو ظاهر، فتبقى معلقة لا ذات زوج ولا خلية تنكح غيره، وجاء الإسلام فأبطل هذا الحكم، وجعل الظهار محرمًا قربان المرأة حتى يكفر زوجها، ولم يجعله طلاقًا كما كانوا يعتبرونه في الجاهلية (٥). ((وقد اتفق العلماء على حرمته فلا يجوز الإقدام عليه، لأنه كذب وزور وبهتان، وهو يختلف عن الطلاق، فالطلاق مشروع، وهذا ممنوع، ولو أقدم الإنسان علیه یکون قد ارتكب محرمًا ويجب عليه الكفارة)) (٦). ووضح القرآن الكريم الكفار بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْ نِسَآِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النفقة، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف، ٧/ ٦٥، رقم ٥٣٦٤. (٥) انظر: السراج المنير، الشربيني ٤ / ٢٢١. (٦) روائع البيان تفسير آيات الأحكام، الصابوني ٢/ ٥٢٦. مَوَسُولَر النفسي الوضوء القرآن الكريم ١٧٨