Indexed OCR Text
Pages 21-40
الأمن ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: ﴿فَضُرِّبَ بَتْنَهُم بِسُورِلَّهُ. بَبُّ بَاِتُهُ، فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ آلْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه الأرض لتحرير الإنسان، وأول ما تصنعه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهیة والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. و کنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فیذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقيناً وطمأنينة))(١). إذا الإيمان ضاع فلا أمانٌ ومن رضي الحياة بغير دينٍ فقد جعل الفناء لها قرينا (٢) ومن الصالحات التي تؤدي إلى الأمن: ١. الأخذ بأسباب القوة. قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا (١) الوابل الصيب ص ٤٨. (٢) البيتان للشاعر محمد إقبال من قصيدة طويلة يشكو إلى الله حال العالم الإسلامي. انظر: ديوان محمد إقبال ص ١٠٣. نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠]. لابد للإسلام من قوة ينطلق بها في هذه القوة أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها فلا يصدوا عنها، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها، والأمر الثاني: أن ترهب أعداء هذا الدين، فلا يفكروا في الاعتداء على دار الإسلام التي تحميها تلك القوة، والأمر الثالث: أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير الإنسان كله في الأرض كلها، والأمر الرابع: أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية، ولا دنيا لمن لم يحي دينا فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها، ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده (٣). ٢. الدعاء. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَدًّا ءَِنًا وَأَزْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ آَلَّخِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وقال: ﴿وَ إِذْ قَالَ إِنْزَهِيْمُ رَبٍّ أَجْعَلْ هَذَا أَلْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ نَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ١٥٤٣. www. modoee.com ١٣٥ حرف الألف وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن النبي صلی الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: (اللهم أهلله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله)(١). وفي رواية: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان)(٢). وعن ابن عمر رضي الله عنه: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: (اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عورتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)(٣). (١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٧٨/٢، رقم ١٣٩٧، والترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب ما يقول عند رؤية الهلال، ٥٠٤/٥، رقم ٣٤٥١. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٨٦١، رقم ٤٧٢٦. (٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ٣/ ١٧١ رقم ٨٨٨، والحاكم في المستدرك، ٤ /٣١٧، رقم ٧٧٦٧. وصححه الألباني في تخريج الكلم الطيب ص ١٣٨. (٣) أخرجه أحمد ٤٠٣/٨، رقم ٤٧٨٥، والبخاري في الأدب المفرد، باب ما يقول إذا أصبح ص ١٢٠٠، رقم ٦٨١، وأبو داود في سننه، أبواب النوم، باب ما يقول إذا أصبح الوسيلة الثانية: أداء الشكر لله وحده على نعمه: فالنعم تثبت بالشكر، و تذهب بالجحود، وَإِذْ تَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِن قال تعالى: شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِذَ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. وقال في خصوص نعمة الأمن: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنِ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُواْ مِن رِّزْقِ رَيْكُمْ وَاشْكُرُواْ لَّهُ, بَلْدَةٌ طَيِّبَةُ وَرَبُّ غَفُورٌ ﴿ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُمْ بِحَنََّيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَزِىّ إِلَّ اَلْكَفُورَ ٣٠ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اَلْقُرَى الَّتِ بَرَكْنَا فِيَهَا قُرَى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيَهَا السَّيْرِّ سِيُرُواْ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ (٥) فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَنْتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ، فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَمَا كَانَ لَّهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ ◌ِْأَخِرَةِ مِمَنْ هُوَ مِنْهَا فِ شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ١٥ - ٢١]. وقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ ٣١٨/٤، رقم ٥٠٧٤. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص ٤٦٥. ١٣٦ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الأمن مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِيَاسَ أصحاب محمدٍ صلی الله عليه وسلم، اٌلْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه [النحل: ١١٢]. وهكذا نجد في هذه الآيات أن استقرار الأمن مربوط بشكر النعمة، وأن زواله مقرون بكفرها، كما نجد أن توفر الأمن لابد أن يسبق توفر الغذاء، مما يدل على أن الضرورة إليه أشد من الضرورة إلى الغذاء؛ لأنه لا يمكن التلذذ بالغذاء لو توفر مع عدم الأمن والاستقرار؛ ولهذا كان في دعاء الخليل عليه السلام تقديم طلب الأمن على طلب الرزق، كما ذكر الله عنه في قوله: ﴿وَ إِذْقَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَيَنِىَّ أَنْ تَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وقد امتن الله على قريش بتوفير هاتين النعمتين، وأمرهم أن يفردوه بالعبادة شكرًا يُلَفِ قَريش له على ذلك، فقال: إِ لَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ؟ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا أَلْبَيْتِ } الَّذِىّ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤]. الوسيلة الثالثة: الاستقامة، وحسن التعامل، والتكافل الاجتماعي: إن حسن التعامل من شأنه أن یشیع الأمن بین أفراد المجتمع؛ ولذلك نھی النبي صلى الله عليه وسلم عن ترويع المسلم، وسلب حالة الأمن التي يتمتع بها، فعن عبد الرحمن بن أبي لیلی رضي الله عنه قال: حدثنا وسلم، فنام رجلٌ منهم، فانطلق بعضهم إلى حبلٍ معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلمٍ أن يروع مسلمًا)(١). وقد ذكر بعض العلماء أن من أيسر الأمور أن تروع أخاك فتخفي عصاه أو تخفي حذاءه فإنه يروع بذلك، فما بالكم إذا كان الترويع بسیفٍ، أو بأداة قتل، أو بتهديد وسلبٍ للأمن، فذلك مما يحذر منه الإسلام. الوسيلة الرابعة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنکر: وهو من أسباب النصر على الأعداء، والتمكين في الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ الَّذِينَ إِن مَكُنَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. وفيه الأمن من الهلاك، والمحافظة على صلاح المجتمعات، فعن النعمان بن (١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٦٣/٣٨، رقم ٢٣٠٦٤، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب من يأخذ الشيء على المزاح، ٣٠١/٤، رقم ٥٠٠٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع ١٢٦٨/٢، رقم ٧٦٥٨. www. modoee.com ١٣٧ حرف الألف بشيرٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله وأخلاقًا وسلوكًا؛ لأن الأمن لا يتوفر بمجرد عليه وسلم قال: (مثل القائم على حدود البطش والإرهاب وقوة الحديد والنار، وإنما يتوفر بتهذيب النفوس، وتطهیر الأخلاق، وتصحيح المفاهيم حتى تترك النفوس الشر رغبة عنه و کراهية له. الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)(١). وفیه دفع العذاب عن العباد، قال تعالی: ﴿لُمِنَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِى إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيٌَ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ (٥) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. وهو مطلب مهم لمن أراد النجاة لنفسه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُوا بِهِأَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوَّهِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. الوسيلة الخامسة: إقامة شرع الله: ولما كان توفر الأمن ضرورة من ضروريات المجتمع التي تفوق ضرورة الغذاء، اهتم الإسلام بتوفير الأسباب الجالبة للأمن، وذلك ببناء الإنسان عقيدة (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، بابٌ هل يقرع في القسمة والاستهام فيه وغيرهما، ١٣٩/٣، رقم ٢٤٩٣. كما يقول الشاعر(٢): ولا تنتهِ الأنفس عن غَیھا ما لم يكن لها من نفسها زاجر فإذا فقد المجتمع هذه المقومات التي جاء الإسلام بها فإنه يفقد أمنه واستقراره. قال الشاعر(٣): وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ولهذا نجد الأمم التي تفقد هذه المقومات من أفلس الناس من الناحية الأمنية، وإن كانت تملك الأسلحة الفتاكة والأجهزة الدقيقة؛ لأن الإنسان لا يحكم بالآلة فقط، وإنما يحكم بالشرع العادل والسلطان القوي، كما قال تعالى ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيْنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنَزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ (٢) البيت في مجاني الأدب في حدائق العرب، بن يعقوب شيخو، ١ / ٥٥ دون نسبة. وانظر: السحر الحلال في الحكم والأمثال، الهاشمي ص٥٤. (٣) البيت لأحمد شوقي كما في الموسوعة الشوقية الأعمال الكاملة ٢/ ٤٨٧. مُوسْو ◌َة النفسية القرآن الكريم ١٣٨ الأمن وَلِيَعْلَمَ اَللّهُ مَن يَنصُرُهُ، وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ لم يتمكن الإسلام والإيمان من قلوبهم عَزِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. ويفهم الأمن من مفهوم الإسلام؛ لأن وضع الله سبحانه زواجر وروادع لهؤلاء الإسلام هو الاستسلام لله بالخضوع له وامتثال أوامره واجتناب منهياته، وقد نهى الله عن التعدي على الناس في أعراضهم وأموالهم وأبدانهم. وفي الحديث: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)(١). ومن دخل في الإسلام دخل في نطاق الأمن؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله، ونفسه، إلا بحقه وحسابه على الله)(٢). فإذا تحقق الإسلام والإيمان توفرت أسباب الآمن، لكن قد يكون هناك شذوذ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ١١/١، رقم ١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، ١/ ٦٥، رقم ٤١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ١٠٥/٢، رقم ١٣٩٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتالّ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ٥١/١، رقم ٢٠. فتحصل منهم نزوات تخل بالأمن، وهنا تكف عدوانهم، وتصون الأمن من عبثهم، فشرع سبحانه الحدود الكفيلة لردعهم وتحذير غيرهم من أن يفعلوا مثل فعلهم، ومن الحدود التي شرعها الله لحفظ الأمن للأفراد والجماعات؛ القصاص لحفظ النفوس، وشرع حد الزنا، وحد القذف لحفظ العرض والنسب، وشرع حد السرقة لحفظ الأموال، وشرع حد قطاع الطريق لحفظ السبل، وتأمين المواصلات، وشرع قتال البغاة لحفظ السلطة الإسلامية، ومنعًا لتفريق الكلمة، واختلاف الأئمة. ١. فالقصاص من القاتل فيه حماية للنفوس البريئة، وضمانٌ للأمن بين الناس، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَتَأُوْلِى الْأَلْبَبٍ لَعَلَّكُمْ تَثَّقُونَ ﴾ [البقرة: ١٧٩]. فإذا عرف من يريد قتل إنسان أنه سيقتل به امتنع عن القتل، فكان في هذا حفظ لحياته وحياة غيره، وإذا أقدم على القتل فاقتص منه کان في هذا ردع للآخرين، فلا يقدمون على مثل جريمته لئلا يكون مصيرهم كمصيره، فقتل نفس واحدة بالقصاص حصل به نجاة أنفس كثيرة، كالعضو الفاسد يقطع لحفظ بقية الجسم؛ وبذلك يأمن الناس على www. modoee.com ١٣٩ حرف الألف حیاتهم. ٢. ورجم الزاني المحصن (وهو الذي سبق أن جامع زوجته بنكاح صحيح) بمحضر عام من المؤمنين، فيرجم بالحجارة حتى يموت. وذلك ليأمن الناس على أعراضهم من الاعتداء عليها؛ وليأمنوا على أنسابهم من الاختلاط، ولردع المضيعين لأعراضهم التي أمرهم الله بحفظها في قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمَّ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [:٣٠ - ٣١]. وبذلك يقضى على جريمة الزنا التي تدمر المجتمعات البشرية، وبتطبيق هذا الحد يأمن الناس من هذا الخطر المدمر الذي يلوث المجتمع، ويهدد الإنسانية، وينشر الأمراض الخطيرة. ساقط العدالة ما لم يتب من هذه الجريمة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّلَوْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَةَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَّدَةً وَلَا نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَهِدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [: ٤ - ٥]. وبهذا الحد الرادع وسحب الثقة من القاذف تصان الأعراض البريئة، وتسكت الأفواه البذيئة، وتتوارى آثار هذه الجريمة، ويصبح الناس في مأمن منها ومن ذكرها حتى تتواری من المجتمع نهائيًا. ٤. ولما كان المال قوام الحياة والحفاظ عليه من الضروريات. قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ اَلَّتِى جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَّمًا وَأَزْزُقُّوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُواْلَهُرْ قَوْلًّا مَّتُوفًا ﴾ [النساء: ٥]. وقد حرم الله أخذ أموال الناس بغير حق والاستيلاء عليها بغير مبرر، فالاعتداء على مال الغير كالاعتداء على دمه وعرضه في ٣. ولشناعة جريمة الزنا وحرمة عرض المسلم صان الله أعراض الأبرياء أن تدنس بنسبة هذه الجريمة إليها، وكف الألسنة البذيئة أن تتطاول على عرض المسلم فتقذفه بارتكاب فاحشة الزنا زورًا وبهتانًا. الحرمة، كما تدل عليه الآيات والأحاديث، ومن أشد أنواع الاعتداء على أموال الناس أخذها بالسرقة، وهي أخذ المال خفية من حرز مثله، وجزاء من فعل ذلك قطع يده، هذه اليد الخائنة التي امتدت إلى ما لا يحل لها، وعبثت بالأمن، وروعت المجتمع فأمر بجلد القاذف الذي لا يستطيع إقامة البينة علی ما یقول بأن یجلد ثمانين جلدة، جزاؤها البتر، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ ولا تقبل له شهادة أبدًا، وأنه يعتبر فاسقًا وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاءُ بِمَا كَسَبًا ١٤٠ القرآن الكريم الآمن نَكَلاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. والسرقة أشد خطورة من اغتصاب المال مجاهرة؛ لأن المجاهرة تمكن مدافعتها وعمل الاحتياطات المانعة من شرها، أما السرقة فإنها مکر خفي، وغدر سيئ، يؤخذ بها الإنسان من مأمنه، وتدل على جرأة المجرم حيث لم تمنع منه الحروز والحصون، فكان جزاؤه بتر يده وتعطيلها علیه ردعًا له وعظة لغيره، وبهذا يتوفر الأمن للمجتمع، ويطمئن الناس على أموالهم في بيوتهم ومستودعاتهم، ويقضى على الجريمة. ٥. ولما كان ربط البلدان والأقاليم بعضها ببعض عن طريق المواصلات البرية والبحرية والجوية لنقل البضائع وتنقلات المسافرين للتجارة وغيرها من الأغراض التي تتم بها مصالحهم؛ لذلك احتاج المجتمع إلى تأمين السبل بردع المجرمين الذين يحاولون قطعها، ويروعون المارة. ولأجل ذلك شرع سبحانه حد قطاع الطريق، وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح فيغصبونهم المال مجاهرة، وهذا الحد هو ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَّاؤُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ ٣٣ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. وبتطبيق هذه العقوبة على قطاع الطريق تأمن السبل، وتنتظم المصالح، ويتوفر الأمن في البر والبحر والحاضرة والبادية، وتنتظم المواصلات بين البلدان والأقاليم، ويسهل نقل البضائع والتبادل التجاري مما فيه صلاح العمران البشري، وتوفر الإنتاج؛ ولهذا وصف الله من يحاول تعطيل هذه المصالح بأنه محارب لله ورسوله، وساع في الأرض بالفساد. ٦. ولما كان لابد للمسلمين من قيادة تجتمع كلمتهم بها، وتحل مشاكلهم، وتكف الظالم منهم عن ظلمه، وتدفع العدو الخارجي عنهم، وترعى شؤونهم، وتنفذ أحکام الله فيهم. لما كان الأمر كذلك وأكثر، شرع الله تنصيب الإمام وطاعته بالمعروف وإعانته على الخير، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ مَا مَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَوْلِ الْأَمْيِ مِنْكٌُ فَإِن ◌َنَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: ٥٩]. وهكذا نتبين من هذا العرض الموجز ما www. modoee.com ١٤١ حرف الألف حين عجزت كل نظم البشر وأسلحتهم الفتاكة وأجهزتهم الدقيقة أن تحقق أقل القليل من هذا الأمن الذي حققه الإسلام، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. حققه الإسلام من أمن الأفراد والمجتمعات والحساب، لا شك أنه مجتمع تسوده المحبة، ويعمه السلام؛ لأن تعظيم الله سبحانه سيجعل هذه النفوس لا ترضى بغير شرع الله عز وجل بديلًا، ولا تقبل الاستسلام إلا لحكمه، وهذا بدوره سيضفي الأمن والأمان على مثل هذه المجتمعات؛ لأن أهلها يخافون الله ويخافون يوم الفصل والجزاء، فلا تحاكم إلا لشرع الله، ولا تعامل إلا بأخلاق الإسلام الفاضلة، فلا خيانة ولا غش ولا ظلم، ولا يعني هذا أنه لا يوجد في المجتمعات المسلمة من يظلم أو يخون أو يغش، فهذا لم يسلم منه عصر النبوة ولا الخلافة الراشدة، لكن هذه المعاصي تبقى فردية، يؤدب أفرادها بحكم الله عز وجل وحدوده، إذا لم يردعهم وازع الدين والخوف من الله، والحالات الفردية تلك ليست عامة، أما عندما يقل الوازع الديني والخوف من الآخرة، ويكون التحاكم إلى أهواء البشر وحکمهم فهذا هو البلاء العظيم والفساد الكبير، حيث تداس القيم والحرمات، ويأكل القوي الضعيف، وبالتالي لا يأمن الناس على أديانهم ولا ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر کوضع السيف في موضع الندى أنفسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم، وکفی إن مجتمعًا يسود بين أهله الإيمان بذلك سببًا في عدم الأمن والاستقرار، وانتشار الخوف، واختلال حياة الناس. ثم إن هذا الأمن الذي حققه الإسلام لا يعتمد على العقوبة وشدة البطش بأصحاب الجرائم، وإنما يعتمد على غرس الإيمان في القلوب، وزرع الخشية الإلهية في النفوس حتى تترك الإجرام رغبة عنه، وكراهية له، بل تقوم بمقاومته والنهي عنه، ثم يتبع ذلك الوعظ والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأجل تعلیم الجاهل، وتذکیر الغافل، والأخذ على يد السفيه عن الوقوع في الجرائم، ثم يتبع ذلك تطبيق العقوبات الشرعية على من لم تُجْدٍ فيه الموعظة، ولم تؤثر فيه النصیحة، ولم يأتمر بالمعروف، وينته عن المنكر، فالعقوبة آخر مرحلة كما يقال (١)(٢): بالله عز وجل، واليقين بالآخرة، والجزاء (١) البيت للمتنبي في ديوانه ص ٢٦٦. (٢) انظر: تحقيق الإسلام لأمن المجتمع، صالح الفوزان، مجلة البحوث الإسلامية ٢١/ ٩٦. وإذا انحرف الناس عن هذا المنهج ضاع الأمن، وهلك العباد، وسقطت البلاد، قال ١٤٢ مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم الآمن ابن تيمية: ((وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم)»(١). وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بکتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)(٢). ومن إقامة الشرع: إقامة العدل، قال تعالى مخاطبًا جميع عباده: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَا يَعِظُكُمْ بِيُّهِ إِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. قال ابن تيمية: ((إن الناس لم يتنازعوا في (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/ ٢٥٤. (٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب العقوبات، ١٣٣٢/٢، رقم ٤٠١٩. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٢١٦/١. أن عاقبة الظلم وخيمةٌ، وعاقبة العدل کریمةٌ؛ ولهذا يروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرةً، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنةً»(٣). والعدل هو الذي يؤمن الأمم من عدوان أعدائها، وتحل وفرته وشموله محل ما نقص من السلاح والعتاد المادي، وقد کتب بعض عمال عمر بن عبد العزیز إلیه: إن مدینتنا قد خربت، فإن رأی أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالًا نرمها به فعل، فكتب إليه عمر: إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم؛ فإنه مرمتها، والسلام(٤). ثانيًا: الأمن المذموم ومظاهره: الأمن منهمحمود ومذموم، و قد سبق بيان الأمن المحمود، وطرق تحصيله، والأمن المذموم هو ما يضاد الأمن المحمود، كالأمن من مكر الله تعالى، والأمن من بطش الأعداء، والتفريط في تحصيل أسباب الأمن المحمود، يوقع ولا شك في الأمن المذموم، وقد ذكر القرآن الكريم مظاهر ذلك الأمن المذموم، ومن ذلك: ١. الأمن من عقوبة الله وعذابه في الدنیا. ذكر الله تعالى توبيخ الذين أمنوا، (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦٣/٢٨. (٤) انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر ٢٠٢/٤٥، تاريخ الخلفاء، السيوطي ص١٧٤ . www. modoee.com ١٤٣ حرف الألف واستغرقوا في أمنهم الباطل، فقال تعالی: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَّ أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَتَّا وَهُمْ تَآَيِمُونَ (٣) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحِى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿ أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهَّ فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلََّّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]. قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: أفأمن یا محمد هؤلاء الذین یکذبون الله ورسوله ويجحدون آياته، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن یکون استدراجًا مع مقامهم علی کفرهم، وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم الخاسرون وهم الهالكون»(١). إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في البر، كما هم في قبضته في البحر، فكيف يأمنون؟ ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة، ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله!(٢). ٢. الأمن من بطش الأعداء (١) جامع البيان، ١٠/ ٣٣٤. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٢٤٠. وتسلطهم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَقْيِّنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَفِينَ كَانُوْ لَكُمْ عَدُوًّا مُِّينًا (١) وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلَتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُ واْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةُ وَحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّنِ مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُمِ مَّرْضَى أَن تَضَعُوْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ ◌ِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ [النساء: ١٠١ - ١٠٢]. أمرهم الله تعالى بالصلاة، ثم بالتعبئة الروحية الكاملة تجاه العدو، وهذا الحذر الذي یوصی المؤمنون به تجاه عدوهم الذي يتربص بهم لحظة غفلة واحدة عن أسلحتهم وأمتعتهم ليميل عليهم ميلة واحدة! ومع هذا التحذير والتخويف، التطمين والتثبيت، إذ يخبرهم أنهم إنما يواجهون قومًا كتب الله عليهم الهوان: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]. وهذا التقابل بين التحذير والتطمين، وهذا التوازن بين استثارة حاسة الحذر، وسكب فيض الثقة هو طابع هذا المنهج في تربية النفس المؤمنة، والصف المسلم في ١٤٤ مُؤَسُولَةُ الَّ القرآن الكريم الآمن مواجهة العدو الماكر العنيد اللثيم! الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَمَا كَانَ لَهُعَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ وقال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَمِنْهَا فِى شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ١٥ - ٢١]. حِذْرَكُمْ فَانِفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ آَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]. يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله (١). ٣. الأمن من زوال النعمة. ومن القصص التي ذكر الله فيها زوال نعمة الأمن عن أصحابها: قصة سبأ. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبٍَ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَّةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينِ وَشِمَالِ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَلْعَرِمِ وَبَدَّلْتَهُم ١٥ يِحَنََّيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَقْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجْزِئٌ إِلَّا الْكَفُورَ ، وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا قُرَى ظَهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيَهَا السَّيْرِّ سِيْرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ ١٨ أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ، فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ (١) انظر: المصدر السابق ٧٤٨/٢. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٧/٢. (١) عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: فإنهم بطروا عیشھم، وقالوا: لو کان جنی جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، فمزقوا بين الشام وسبأٍ، وبدلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أكلٍ خمطٍ وأثلٍ، وشيءٍ من سدرٍ (٣) قليل(٣). فهم كفروا بما كانوا فيه من أمن فأبدلهم الله به خوفًا وتشتًا وتمزيقًا، وقال ابن كثير: ((يذكر تعالى ما كانوا فيه من الغبطة والنعمة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعضٍ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زادٍ ولا ماءٍ، بل حيث نزل وجد ماءً وثمرًا، ويقيل في قريةٍ ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم ... ، فبطروا هذه النعمة، وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، فجعلهم الله حديثًا للناس، وسمرًا يتحدثون به من خبرهم، و کیف مکر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش (٣) جامع البيان، الطبري ٢٦٥/١٩. www. modoee.com ١٤٥ حرف الألف الهنيء؟ تفرقوا في البلادها هنا وها هنا»(١). * القرية الظالمة المضروب بها المثل. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. فکونها آمنةً أي ذات أمنٍ لا یغار علیھم، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَّا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. والأمر في مكة كان كذلك؛ لأن العرب كان يغير بعضهم على بعضٍ، أما أهل مكة فإنهم كانوا أهل حرم الله، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم(٢). والمثل الذي يضربه الله لهم منطبق على حالهم، وعاقبة المثل أمامهم، مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من کل مکان فكفرت بأنعم الله، وكذبت رسوله ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ وأخذ قومها العذاب وهم ظالمون. ويحسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسًا، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقًا؛ لأن الذوق أعمق أثرًا في الحس من (١) انظر: تفسير القرآن الكريم، ٥٠٨/٦. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧٩/٢٠. مساس اللباس للجلد، وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس، لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون (٣). وقال الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفَبِاَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَيِنِعْمَةٍ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. يقول تعالى ممتنًا على قريشٍ فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواءً العاكف فيه والبادي، ومن دخله كان آمنًا، فهم في أمنٍ عظيمٍ، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿لِ يلَفِ قُرَيْشِ ﴿ إِلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ ﴿ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا اُلْبَيْتِ اُلَّذِىّ أَطْعَمَهُم ◌ِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤]. وقوله: ﴿أَفَبِّالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. أي: أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به، وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد، و﴿بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَاً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ اَلْبَوَارِ ﴾ [إبراهيم: ٢٨]. و کفروا بني الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله، وألا یشرکوا (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢١٩٩. مَوَسُولَةُ الَ القرآن الكريم ١٤٦ الآمن به، وتصدیق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين ظهرهم؛ ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم بيدٍ، وصارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم أنوفهم، وأذل رقابهم(١). إن سنة الله ماضية، من أعرض عن شكر الله تعالى، وعن العمل الصالح وعن التصرف الحمید في نعم ربه علیه، فهو حري بسلب هذا الرخاء وإبداله جوعًا، وسلب نعمة الأمن وإبدالها خوفًا. أصحاب الجنة. قال تعالى: ﴿إِنَّابَوْنَهُمْ كُمَا بَوْنَا أَصْحَبَ اَلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(١) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (٧) فَطَافَ عَلَيْهَا طَيِفٌ مِّن رَِّكَ وَهُمْ نَّبِمُونَ (١ ) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِمِ﴾ [القلم: ١٧ - ٢٠]. صاحب الجنتين. قال تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ نَّمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ. وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَّا أَعُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا ﴿ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَيِن رُّدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ, صَاحِبُهُ, وَهُوَ تُحَاوِرُأَ كَفَرْتَ ◌ِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّلَكَ رَجُلًا ٣٧ لَكِنَّا هُوَ اَللّهُ رَبِ وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّ أَحَدًا ٣٨ وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةً (١) تفسير القرآن العظيم ٢٩٥/٦. إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٦) فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِن جَنَّئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَّقًا ٥) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُطَلَبًا ﴿﴿ وَأُحِيطَ بِشَرِهِ فَأَصْبَحَ يُغَلِّبُ كُفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَنِى لَوْ أُشْرِ بِرَبِّ أَحَدًّا (٢) وَلَمْ تَكُنْ لَّهُّ فِئَةٌ يَنَصُرُونَهُ. مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ) هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ لِلَّهِ اَلْقَّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٣٤ - ٤٤]. فقول الظالم: ﴿قَالَ مَا أَعُنُّ أَنْ تَبِيَدَ هَذِهِهِ أَبَدًا﴾ اغترارٌ منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف وذلك لقلة عقله، وضعف یقینه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة(٢). تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلًا للقيم الزائلة، والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله. وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى الله ونعماءه، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه، وصاحبه (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٧/٥. www. modoee.com ١٤٧ حرف الألف نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل لربه، يرى النعمة دليلًا على المنعم، موجبة هذه الأرض فلابد أن يكون لهم عند السماء لحمده وذکره، لا لجحوده و کفره. جنتان مثمرتان من الكروم، محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر بينهما نهر، إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال، وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما، ویزدهیه النظر إليهما، فيحس بالزهو، وينتفش كالدیك، ويختال کالطاووس، ویتعالی علی صاحبه الفقير: ﴿فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾. ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور، وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه، وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبید أبدًا، أنکر قيام الساعة أصلا، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا؟! فلابد أن یکون جنابه ملحوظًا في الآخرة! ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًّا) وَمَآ أَظُنُ السَّاعَةَ قَآيِمَةٌ وَلَيْنِ زُدِدْتُ إِلَى رَِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٥- ٣٦]. إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في مكان ملحوظ! فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه، معتز بالله الذي تعنو له الجباه فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكرًا عليه بطره وكبره، يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين، ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم، وينذره عاقبة البطر والكبر، ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار ﴿ قَالَ لَهُ، صَاحِبُهُ, وَهُوَ تُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَفَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّلِكَ رَجُلًا ، لَكِنَّا هُوَ اَللَّهُ رَبِّ وَلَا أَشْرِكُ بِرَبِ أَحَدًا ﴾ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا () فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرً مِّن جَنَئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقَالَ ٤٠ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾. [الكهف: ٣٧ - ٤١]. وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالى المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب، وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحیاة، وأن فضل الله عظیم، وهو يطمع في فضل الله، وأن ١٤٨ القرآن الكريم الآمن نقمة الله جبارة، وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرین. وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار، ومن هيئة البطر، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار، فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن ﴿وَأُحِيطَ بِشَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّمُ كَفَّيْهِ عَى مَا أَنْفَقَ فِيَهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَنِ لَوْ أُشْرِكْ بِرَبٍ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٢]. وهو مشهد شاخص كامل، الثمر كله مدمر، كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء، والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة، وصاحبها يقلب كفيه أسفًا وحزنًا على ماله الضائع وجهده الذاهب، وهو نادم على إشراكه بالله، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته، ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركًا ينكره الآن، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان (١). (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٢٧٠. آثار الأمن على الفرد والمجتمع لاستقرار الأمن آثار على الفرد وعلى المجتمع منها: الهداية، وسعة الرزق ورغد العيش، ومنها: النجاة من العذاب الأليم في الآخرة، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي: أولًا: الهداية إلى أقوم السبل، وتوفر السكينة والاطمئنان: إن تتبعنا لمفهوم الأمن يوصلنا إلى حقيقة مفادها أنه مستقر في القلب، ومدار مادة (أمن) في اللسان العربي على سكينة يطمئن إليها القلب بعد اضطراب، وقول الراغب الأصفهاني یکاد یکون جامعًا لما في غيره مع تدقيق، يقول: ((أصل الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، وآمن: إنما يقال على وجهين: أحدهما: متعديًا بنفسه، يقال: آمنته، أي: جعلت له الأمن، ومنه قیل لله: مؤمن. والثاني: غیر متعد، ومعناه: صار ذا أمن، والإيمان هو التصديق الذي معه أمن)) (٢). كأن الإمام الراغب لا يتصور أن يكون هناك مؤمن وليس عنده أمن، أي سكينة واطمئنان، أي استقرار لا اهتزاز ولا اضطراب ولا قلق ولا حيرة؛ لأنه مطمئن (٢) المفردات ص ٩٠. www. modoee.com ١٤٩ حرف الألف إلى ربه ﴿أَلَا بِذِكْرِ اُللَّهِ تَطْمَبِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: ٢٨]. ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِيْنَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَّا مَعَ إِيَمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. فالمدار إذن على وجود سكينة في القلب في جميع ما دارت فيه المادة سواء في صورة (أمن) أو (آمن) المتعدي واللازم، المدار على هذه السكينة وعلى هذه الطمأنينة التي تأتي في حقيقتها بعد نوع من القلق والاضطراب، وتأتي بعد قدر من الخوف، وهذا الخوف عبر عنه بالخوف نفسه، وعبر عنه بالبأس، وعبر عنه بالفزع ﴿وَهُم مِّن فَرَعَ يَوْمَيِدٍ مَامِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]. وعبر عنه بألفاظ أخرى غير هذه الألفاظ، ولکن مؤداها جميعًا هي أنها تحدث لدی الإنسان ضربًا من الخوف، فإذا جاء الآمن أزال ذلك الخوف، هذا الأصل وهذا المدار الذي تدور عليه المادة يجعلنا نتجه إلى أن المعنى الذي للأمن هو أنه حال قلبية تجعل المتصف بها في الدنيا يرتاح ويطمئن، والموصوف بها في الآخرة يسعد وتحصل له السعادة الأبدية. إن أثر الإيمان حسب النصوص الشرعية يطمئن النفوس، ويهدئ المجتمعات من القلاقل، والفتن والأزمات، في أمور كثيرة، اضطربت فيها أنظمة الأمم، وتباينت فيها الآراء رغبة في وجود حل، والقضاء على مشكلة، أجد أن هذا الحيز لا يفيها كلها، ولكن حسبنا الإشارة إلى نماذج منها مثل: ● الأمن الزراعي وتوفير الغذاء. ونجد هذا في آيات كثيرة في كتاب الله الكريم، مثل سورة يوسف والنحل وغيرهما. ● الأمن الأسري ورباط الزوجية. كما في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةً أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمِ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. ● الأمن العائلي والاهتمام بالأولاد. كما جاء في سورة النساء في تقسيم التركات. الأمن في الأوطان وحمايتها، والأمن الأخلاقي وتهذيب النفوس. كما جاء في آيات سورة في تحريم الزنا، ومنع الخوض في أعراض الناس، وفي آداب الاستئذان، وفي فرضية الحجاب وآياته في سورة الأحزاب. أمن العقيدة وسلامة القلوب لارتباطها بالله وحده، ونبذ كل ما سواه. يقول تعالى في هذا: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا ١٥٠ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الأمن وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا(٥) تَطْمَيْنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. وآيات سورة الروم وسورة الواقعة التي تربط الإنسان بخالقه المتصرف سبحانه في جميع الأمور. أمن المسكن وتوفير المعيشة. وتوضح ذلك آيات متعددة من كتاب الله المستضعفين غير القادرين على الهجرة الكريم كما في سورة النحل. ● الأمن الاقتصادي وحرية الحركة في الأموال بيعًا وشراء، بعد أداء حق الله فيها بالزكاة والصدقة. وقد حظيت الزكاة والصدقة بتوجيهات كبيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ لتهذيب النفوس وتعويدها على البذل والعطاء براحة نفس واطمئنان خاطر، وفي السر أكد؛ لأنها أبعد عن المراءاة. الأمن بالهجرة لمكان آخر إذا كان المرء لا يستطيع أداء شعائر دينه، أو يجد مضايقات من أعداء دينه، وهذا هو الأمن على العبادة. وقد حكى الله عمن لم ينج بدينه وهو قادر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَتَبِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنَّ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُوا ٩٧ فِيهَاً فَأُوْلَكَ مَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَاَلْنِسَآءِ وَاَلْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٥) فَأُوْلَكَ وَمَنِ يُّهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَغَمَا كِرًّا ج وَسَعَّةٌ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكِهُ الْوَتُّ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ، عَلَى اللّهُّ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٧ - ١٠٠]. ولكي يجعل الله مأمنًا ومخرجًا لهؤلاء والنجاة بأنفسهم فإن مما يطمئنهم أن الفئة المؤمنة مأمورة بالجهاد لتخليصهم ونصرتهم. قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْلَا تُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُّنْكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]. الأمن بالتوبة. وهذا هو أمن المصير، وراحة النفس في الدنيا بالابتعاد عن أمر يؤرق النفس، ویخیفها التلبس به، وآیات التوبة في کتاب الله الكريم كثيرة ومتعددة. أمن النفوس بمجاهدة الكفار؛ لإظهار دين الله، ولإسعاد البشرية بتبليغه. كما توضح ذلك سورة الأنفال وسورة التوبة وسورة البقرة، وغيرها في مواطن كثيرة من كتاب الله؛ لأن قمع أعداء الله وأعداء رسالاته لا يكون إلا بقوة السلاح، ودفاع المجاهدين المتحمسین لإظهار دينه. www. modoee.com ١٥١ حرف الألف وتأمين النفوس من التأثيرات الخفية، وحفظها من أثر ذلك كالسحر ونفئات الشيطان، كما جاء في المعوذتين، وقل هو الله أحد، وآية الكرسي، ففي هذا حرز للنفس وأمان لها من المؤثرات النفسية، ووساوس الشيطان وأتباعه. ● الأمن بالمشورة في كل أمر حتى يخف ما على كاهل الإنسان بإعطائه للآخرين، فیشاركون في الرأي. كما في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّيِّ فَإِذَا عَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الَّهِ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وغير هذا من الأمور التي جعلت الشريعة الإسلامية فيها حلولًا لكل ما يعترض الإنسان في هذه الحياة، حيث يجد المرء في المخارج ما يريح نفسه، ويعينه على التغلب على المشكلة التي اعترضته؛ لأن في کتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ما ينير الطریق، ویوضح المعالم، ويهدئ النفوس. وقد وصف الله الفئة المؤمنة بآيات کریمات في مطلع سورة سميت باسمهم، أعطتهم صفات مطمئنة ومريحة؛ لأنهم في یقین ورضًا. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِمْ خَشِعُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اَللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلْزَّكَوَةِ فَعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿ فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُرْ لِأَ مَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ ◌َّعُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِقُونَ ٥ أَوْلَبَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ ) الَّذِينَ يَرِقُونَ اٌلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١- ١١] (١) . وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيْنُّ اُلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. فلا سعادة الإنسان بلا سكينة نفس، ولا سکینة نفس بلا اطمئنان القلب، ومما لا شك فيه أن كلًا منا يبحث عن السعادة ويسعى إليها، فهي أمل كل إنسان، ومنشود كل بشر، والتي بها يتحقق له الأمن النفسي. وليس الأمن النفسي بالمطلب الهين، فبواعث القلق والخوف والضيق ودواعي التردد والارتياب والشك تصاحب الإنسان منذ أن يولد وحتى يواريه التراب. وإن الإسلام ليقيم صرحه الشامخ على عقيدة أن الإيمان مصدر الأمان، فالإقبال على طريق الله هو الموصل إلى السكينة والطمأنينة والأمن؛ ولذلك فإن الإيمان الحق هو السير في طريق الله للوصول إلى حب الله، والفوز بالقرب منه تعالى. (١) انظر: أثر الإيمان في إشاعة الاطمئنان، محمد الشويعر، مجلة البحوث الإسلامية ١٨٩/١٧. مَوَسُو ◌َرُ النَّيِ الوَصْوِيـ القرآن الكريم ١٥٢ الآمن قال ابن القيم: ((إن ذكر الله عز وجل یذهب عن القلب مخاوفه کلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله عز وجل ؛ إذ بحسب ذكره يجد الأمن ویزول خوفه، حتى كأن المخاوف التي يجدها أمان له، والغافل خائف مع أمنه حتی کان ما هو فیه من الأمن کلهمخاوف، ومن له أدنى حس قد جرب هذا وهذا، والله المستعان))(١). و کذلك شرع الإسلام ما یحمي الإنسان، ويجعله آمنًا على نفسه، فحرم الله تعالى قتل النفس بغير الحق، كما قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَيَّ ذَلِكُـ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَّمْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ وقال: اللّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومَا فَقَدْ جَعَلْنَا ◌ِوَلِهِ، سُلْطَنًا فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. وفي حماية الأموال قال سبحانه: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَقْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ يَجَرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدِّوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠]. ومن الحدود التي تحافظ على أمن المجتمع كله حد الحرابة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّوْاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِ الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. وهكذا كل الشريعة تحفظ على الناس أمنهم بطرق كثيرة، فيترتب عليه شيوع الأمن في المجتمع المسلم، ومن ثم يتوفر الناس لأمور دينهم ودنياهم. ثانيًا: سعة الرزق والرغد: باستقراء جزئي لبعض نصوص القرآن الکریم نجد اقترانًا وجیھًا بین الأمن والرزق، ومن ذلك: قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْهُمِ اَللَّهِ فَذَاقَهَا اَللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. وهنا عقوبة بعد امتنان، وهدم بعد تشیید، فيظهر الله منته على عبادة بقوله: ﴿مَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ فقرن بين الأمن والكفاية في الرزق؛ بل (١) الفوائد ص ٧٧. www. modoee.com ١٥٣ حرف الألف من كمال فضله على أهل هذه القرية زيادة نُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَمِنًا يُحْوَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧]. على الأمن تفضل عليهم بالطمأنينة، وهي الاستقرار النفسي من الداخل، فكانوا في آمن من عدو خارجي، واستقرار نفسي داخلي، ثم بين أن رزقها يأتيها ليس كفافًا أو كفاية؛ بل يأتيها رغدًا كثيرًا هنيئًا متنوعًا من كل مكان، فقد بلغ أهل القرية غاية الأرب، ومنتهى الطلب في مقصدي الأمن والكفاية، فلما کفرت بتلك النعم حرمت من الكأس الذي به كان الامتنان، فتبدل الأمن خوفًا والرزق جوعًا. وهنا عندما طلب إبراهيم عليه السلام من وفي هذه الآية دلالة صريحة على أن ربه الحياة الكريمة لمن سيؤول إليه سكن أعظم المنة على النفس توفير الآمن وكفاية مكة، طلب أعز موجود، وأعظم مفقود، وهما الأمن والرزق، وهذا دلالة على أنهما العیش. ركيزتان للحياة الإنسانية الكريمة. وقال تعالى: ﴿الَّذِى أَطْعَمَهُممِّن ◌ُوع وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]. ووردت هذه الآية في معرض المنة على كفار قريش في جاهليتهم، فكانوا أعز العرب منعة وأکثر هم مهابة، وتجلب لها الأرزاق والأنعام من حيث شاءوا. وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمْرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]. فقون في عقوبة الابتلاء بين الخوف والجوع، فبفقدهما تكون أعظم المصائب وأجل الخطوب. وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِن تََِّّعِ الْهُدَى مَعَكَ فقرن فى الامتنان على كفار قريش بين الأمن والرزق، وهذا التلازم بين هذين المقصدین یقتضی الوقوف عنده کثیرًا. وقال تعالى عن دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًّا ءَإِنَّا وَأَرْزُقُّ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيءٍ آخر من أمور الدين والدنيا(١)، وهكذا في آيات كثيرة. وقال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِى الْأَرْضِ تَّخَافُونَ أَنْ يَنَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ الطَّيْبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وفي هذه الآية الكريمة يذكر الله أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بأعظم منتين امتن الله بهما عليهم، وهما الأمن بعد (١) فتح القدير، الشوكاني ٣/ ١٣٤. ١٥٤ لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ