Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الأمن
عناصر الموضوع
مفهوم الأمن
١١٦
الأمن في الاستعمال القرآني
١١٧
الألفاظ ذات الصلة
١١٨
الأساليب القرآنية في عرض الأمن
١٢٠
١٢٨
أنواع الأمن
١٤٩
آثار الأمن على الفرد والمجتمع
المُجَلَّدَ الخَامِسْ

حرف الألف
مفهوم الأمن
أولًا: المعنى اللغوي:
الأمن ضد الخوف، والمأمن: موضع الأمن، والآمن: المستجير ليأمن على نفسه (١)،
والأمان والأمانة بمعنىّ، وقد أمنت فأنا آمن، وآمنت غيري من الأمن والأمان(٢)، وأمن
كفرح أمنًا وأمانًا بفتحهما، وأمناً وأمنةً محركتين، وإمنّا بالكسر، فهو أمن وأمين كفرح وأمير،
ورجل أمنةٌ كهمزة ويحرك: يأمنه كل أحد في كل شيء (٣)، والأمن والأمانة والأمان في
الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسمًا للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة
اسمًا لما يؤمن عليه الإنسان (٤).
ومن خلال ما تقدم من معانٍ لغوية يتضح لنا أن كلمة الأمن لها عدة إطلاقات: فهي تعنى
الطمأنينة وعدم الخوف، أو الثقة والهدوء النفسي، إضافة إلى راحة القلب، وعدم وقوع
الغدر أو الخيانة من الغير.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه المناوي بقوله: ((عدم توقع مكروهٍ في الزمن الآتي، وأصله طمأنينة النفس، وزوال
الخوف))(٥).
وقال الراغب الأصفهاني: ((أصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف))(٦).
ومن خلال هذه المعاني اللغوية والاصطلاحية تبين أن هناك ارتباطًا بينها، فالأمن ضد
الخوف، وهو يعني: الأمان والطمأنينة والسكون والثقة.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١ /١٠٧.
(٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ٢٠٧١/٥.
(٣) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ٤/ ١٩٧.
(٤) انظر: المفردات، ص ٩٠.
(٥) التوقيف، المناوي، ص ٦٣.
(٦) المفردات، ص٩٠.
مُوسُوبَةُ اللَّهـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١١٦

الآمن
الأمن في الاستعمال القرآني
وردت مادة (أمن) في القرآن (٨٥٣) مرة، ويخص موضوع البحث منها (٤٥) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَنتَا وَهُمْ نَآَيِمُونَ
١٤
(٧)﴾ [الأعراف: ٩٧]
قَالُواْ يَتَأَبَنَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ الَصِحُونَ
الفعل المضارع
٧
[يوسف: ١١]
وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ اُلْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ،!
المصدر
٧
[النساء: ٨٣]
٩٩
اسم الفاعل
١٧
[يوسف: ٩٩]
وجاء الأمن في القرآن بمعناه في اللغة وهو: طمأنينة النفس وزوال الخوف (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٨١،٨٩.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٩٠.
www. modoee.com
١١٧
المثال
الفعل الماضي
﴿وَقَالَ أَدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
١
الخوف:
الخوف لغة:
الخاء والواو والفاء أصلٌ واحدٌ يدل على الذعر والفزع(١).
الخوف اصطلاحًا:
((خلاف الأمن، والأمن سكون النفس، والخوف من انزعاجها وقلقها))(٢).
وقال التفتازاني: ((غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء)) (٣).
الصلة بين الأمن والخوف:
يلاحظ أن الخوف جاء على خلاف الأمن، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد.
القلق :
٢
القلق لغة:
القاف واللام والقاف كلمةٌ تدل على الانزعاج (٤).
القلق اصطلاحًا:
((حالة انفعالية، تتميز بالخوف مما قد يحدث))(٥).
الصلة بين الأمن والقلق:
القلق يدل على الانزعاج نتيجة الخوف، بخلاف الأمن الذي يدل على الطمأنينة
والسكون، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد.
الطمأنينة:
٣
الطمأنينة لغة:
السكون بعد الانزعاج(٦).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٢٣٠.
(٢) الوجوه والنظائر، العسكري، ص ٢٠٣.
(٣) التوقيف، المناوي ص ١٦١
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٥/ ٢٣.
(٥) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢/ ٧٥٦.
(٦) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٥٢٤.
١١٨
مَوَسُولَة النَِّيـ
القرآن الكريمِ

الأمن
الطمأنينة اصطلاحًا:
الاطمئنان والثقة، وعدم القلق والقرار (١).
الصلة بين الأمن والطمأنينة:
إن الأمن معناه طمأنينة النفس وزوال الخوف، فالعلاقة بينهما علاقة ترادف.
السكينة:
٤
السكينة لغة:
السکون ضد الحر کة، سكن الشيء یسکن سکونًا: إذا ذهبت حرکته، وأسکنه هو وسکنه
غيره تسكينًا، وكل ما هدأ فقد سكن، كالريح والحر والبرد ونحو ذلك (٢).
السكينة اصطلاحًا:
هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه(٣).
الصلة بين الأمن والسكينة:
الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والسكينة: الطمأنينة في القلب والاستقرار
والرزانة والوقار.
السلام:
٥
السلام لغة :
أصل مادة (سلم) تفيد معنى السلامة من كل شر، والسلامة: أن يسلم الإنسان من العاهة
والأذى (٤).
السلام اصطلاحًا:
((تجرد النفس عن المحنة في الدارين))(٥).
الصلة بين الأمن والسلام:
الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، أما السلام: أن يسلم كل واحد منهما أن يناله ألم
من صاحبه، مع وزوال المحنة (٦).
(١) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢ / ٥٦٧.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٢١١/١٣.
(٣) مدارج السالكين، ابن القيم ٢/ ٤٧١.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣/ ٩٠، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٣/ ٢٥٤.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٤٢٣.
(٦) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/ ٢٥٤.
www. modoee.com
١١٩

حرف الألف
الأساليب القرآنية في عرض الأمن
تنوعت أساليب القرآن في الحديث عن
الأمن، وبيانها فيما يأتي:
أولًا: الامتنان بالأمن:
إن نعمة الأمن من الخوف من أجل النعم
التي من الله بها على العباد، والله سبحانه
وتعالى ذكر عن إبراهيم عليه السلام دعاءه
في سورة إبراهيم (٣٧ -٤١) وذكر أنه طلب
في دعائه أمورًا سبعةً.
وكان المطلوب الأول: أنه طلب من الله
نعمة الأمان، وهو قوله: ﴿رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًّا
ءَامِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦].
الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم
والخيرات، وأنه لا يتم شيءٌ من مصالح
الدين والدنيا إلا به، وسئل بعض العلماء:
الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال: الأمن
أفضل(١).
وإن الله تعالى ذكر امتنانه على عباده
بتلك النعمة الجليلة في غير ما آية من كتاب
الله تعالى، ومن صور الامتنان بنعمة الأمن
في القرآن الكريم ما يلي:
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ١٠٣.
١. الامتنان على أهل مكة.
وتكرر ذلك في أكثر من موضع في
القرآن، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا
ءَامِنَّا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفِاَلْبَطِلِ
يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اَللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِنََّّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ
تُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاْ أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا
ءَمِنًا يُحْبَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَاً
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:
٥٧](٢).
عن قتادة قال: كان أهل الحرم آمنين
يذهبون حيث شاءوا، إذا خرج أحدهم
والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا فقال: إني من أهل الحرم لم يتعرض له،
وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم
قتل(٣).
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ
بِأَصْحَبِ أَلْفِيلِ لْ أَلَمْ بَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ
ن وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ا تَرْمِيهِم
◌َعَلَهُمْ كَعَصْفٍ
بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِيلٍ )
مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١ - ٥].
وقال: ﴿لَا يَلْفِ قُرَيْشِ إِلَفِهِمْ
رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ) فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ
هَذَا أَلْبَيْتِ * الَّذِى أَطْعَمَهُم ◌ِّن جُوعٍ
وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤].
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٥/٦.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٨/١٨.
١٢٠
مُؤَنُوالَةُ الْبَشِيَة
جوسى عبر
القرآن الكريم

الأمن
أهل مكة، فسورة الفيل تشتمل على إهلاك
عدوهم (وهو نوع من تأمينهم) الذي جاء
لهدم البيت الحرام أساس مجدهم وعزهم،
وسورة قريش تذكر نعمة أخرى اجتماعية
واقتصادية، حيث حقق الله بينهم الألفة
واجتماع الكلمة، وأكرمهم بنعمة الأمن
والاستقرار، ونعمة الغنى واليسار(١).
إنها منطقة الأمان يقيمها الله للبشر في
زحمة الصراع، إنها الكعبة الحرام، تقدم في
وسط المعركة المستعرة بين المتخاصمين
والمتحاربين والمتصارعين والمتزاحمين
على الحياة بين الأحياء من جميع الأنواع
والأجناس، بين الرغائب والمطامع
والشهوات والضرورات، فتحل الطمأنينة
محل الخوف، ويحل السلام محل الخصام،
وترف أجنحة من الحب والإخاء والأمن
والسلام، وتدرب النفس البشرية في واقعها
العملي-لا في عالم المثل والنظريات-
على هذه المشاعر وهذه المعاني، فلا تبقى
مجرد كلمات مجنحة ورؤى حالمة، تعز
على التحقيق في واقع الحياة.
لقد جعل الله هذه الحرمات تشمل
الإنسان، والطير، والحيوان، والحشرات
بالأمن في البيت الحرام.
ولقد ألقى الله في قلوب العرب -حتى
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٤١٢/٣٠.
فكلتا السورتين تذكير بنعم الله على في جاهليتهم- حرمة هذه الأشهر، فكانوا
لا يروعون فيها نفسًا، ولا يطلبون فيها دمًا،
ولا يتوقعون فیھا ثارًا، حتى كان الرجل
يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه، فكانت
مجالًا آمنًا للسياحة، والضرب في الأرض،
وابتغاء الرزق.
جعلها الله كذلك لأنه أراد للكعبة -بيت
الله الحرام- أن تكون مثابة أمن وسلام،
تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع.
لقد جعل الله هذه الحرمات منذ بناء هذا
البيت على أيدي إبراهيم وإسماعيل عليهما
السلام، وجعله مثابة للناس وأمناً، حتى لقد
امتن الله به على المشركين أنفسهم إذ كان
بيت الله بينهم مثابة لهم وأمنًا، والناس من
حولهم یتخطفون، وهم فيه وبه آمنون، ثم
هم-بعد ذلك- لا يشكرون الله ولا يفردونه
بالعبادة في بيت التوحيد، ويقولون للرسول
صلى الله عليه وسلم إذا يدعوهم إلى
التوحيد: ﴿إِن تَّنَّبِعِ الْمُدَى مَعَكَ نُنَخَطَّفْ مِنْ
أَرْضِنَاً﴾، فحكى الله قولهم هذا وبين حقيقة
الأمن والمخافة، فقال: ﴿وَقَالُوَ إِنََّّعِ اَلْهُدَى
مَعَكَ تُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاْ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ
حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبَىَ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّن ◌َّدُنَا
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:
٥٧](٢) .
وقال تعالى ممتنًا على قريش:
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٥/٦.
www. modoee.com
١٢١

حرف الألف
﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِىِ
اُلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَاوَنَكُمْ
وَأَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَّقَّكُمْ مِنَ الطَّيِّبَتِ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦].
قال قتادة: ((كان هذا الحي من العرب
أذل الناس ذلًا، وأشقاه عيشًا، وأبينه ضلالةٌ،
وأعراه جلودًا، وأجوعه بطونًا، مكعومين
على رأس حجرٍ بين الأسدين: فارس
والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذٍ من
شيءٍ يحسدون عليه، من عاش منهم عاش
شقیًا، ومن مات ردي في النار، يؤكلون ولا
يأكلون، والله ما نعلم قبيلا يومئذٍ من حاضر
الأرض، كانوا فيها أصغر حظًا وأدق فيها
شأنًا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام،
فورثکم به الکتاب، وأحل لكم به دار الجهاد،
ووضع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوگا
علی رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما
رأیتم، فاشکروا نعمه، فإن ریکم منعمٌ یحب
الشاکرین، وإن أهل الشکر في مزید الله،
فتعالى ربنا وتبارك)»(١).
٢. الامتنان على النبي صلى الله
عليه وسلم، وعلى أصحابه رضوان
الله علیھم.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ
الْغَمِّ أَمَنَةُ نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وقال: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النَّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٥٩/٥.
وَيُزِلُ عَلَيْكُمْ مِنَ الشَّمَدِ مَآءَ لِيُطَهِرَّكُمْ بِهِ
وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى
قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقَدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].
قال ابن كثير: ((يذكرهم الله بما أنعم به
عليهم من إلقائه النعاس عليهم، أمانًا من
خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم،
وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالی بهم يوم
أحد، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ
بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةُ نُّمَاسًا يَغْشَىْ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ
وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [آل عمران:
١٥٤].
أما النعاس فقد أصابهم يوم أحدٍ، وأمر
ذلك مشهورٌ جدًا، وأما يوم بدرٍ في هذه الآية
الشريفة إنما هي في سياق قصة بدرٍ، وهي
دالةٌ على وقوع ذلك أيضًا، وكأن ذلك كان
سجية للمؤمنين عند شدة البأس لتكون
قلوبهم آمنةً مطمئنةً بنصر الله، وهذا من
فضل الله ورحمته بهم، ونعمه علیھم، وكما
قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِبُسْرًا ) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] (٢).
وعن أنسٍ، عن أبي طلحة رضي الله
عنهما قال: «كنت فيمن تغشاه النعاس يوم
أحدٍ حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط
وآخذه، ويسقط فآخذه))(٣).
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢/٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب قوله: (ثم أنزل عليكم من بعد
الغم)، رقم ٤٠٦٨.
١٢٢
الوضوء
مَوَسُولَةُ التَّخِيَّة
القرآن الكريم

الأمن
قال ابن القيم: ((وأنزل الله عليهم النعاس العدو لعرفوا وصوله، ولقدروا على دفعه.
أمنةً منه في غزاة بدرٍ وأحدٍ، والنعاس في
الحرب وعند الخوف دلیلٌ علی الأمن، وهو
من الله))(١).
وقال الرازي: «واعلم أن کل نوم ونعاس
فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى،
فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى
لا بد فيه من مزید فائدةٍ، و ذکروا فیه وجوهًا:
أحدها: أن الخائف إذا خاف من عدوه
الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا
يأخذه النوم، وإذا نام الخائفون أمنوا، فصار
حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد
يدل على إزالة الخوف، وحصول الأمن.
وثانيها: أنهم خافوا من جهاتٍ كثيرةٍ.
أحدها: قلة المسلمين وكثرة الكفار.
وثانيها: الأهبة والآلة والعدة للكافرين
وقلتها للمؤمنين.
وثالثها: العطش الشديد، فلولا حصول
هذا النعاس، وحصول الاستراحة حتى
تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم
الظفر.
والوجه الثالث: في بيان كون ذلك
النعاس نعمةً في حقهم، أنهم ما ناموا نومًا
غرقًا يتمكن العدو من معاقصتهم، بل
کان ذلك نعاسًا يحصل لهم زوال الأعيان
والکلال، مع أنھم کانوا بحیث لو قصدهم
(١) زاد المعاد ٢/ ١٨٢.
والوجه الرابع: أنه غشيهم هذا النعاس
دفعةً واحدةً مع کثرتھم، وحصول النعاس
للجمع العظيم في الخوف الشديد أمرٌ
خارقٌ للعادة، فلهذا السبب قيل: إن ذلك
النعاس كان في حكم المعجز))(٢).
٣. الامتنان على أهل الجنة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ جَنَّتٍ
وَعُيُونٍ { أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ ءَامِنِينَ﴾ [الحجر:
٤٥ - ٤٦].
﴿وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُّكُمْ بِلَّتِى
وقال:
تُقَرِّبَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا
فَأُوْلَكَ لَهُمْ جَةُ الصِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُفَتِ
ءَمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
قال ابن القيم: ((قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ
فِى مَقَامٍ أَمِينِ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ﴾
[الدخان: ٥١ - ٥٢].
والمقام الأمين: موضع الإقامة، والأمين:
الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي
قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من
الزوال والخراب وأنواع النقص، وأهله
آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد،
وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ﴾[الدخان:
٥١]. وفي قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ
فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ ﴾ [الدخان: ٥٥].
(٢) مفاتيح الغيب، ١٥/ ٤٦١.
www. modoee.com
١٢٣

حرف الألف
فجمع لهم بین أمن المكان وأمن الطعام،
فلا يخافون انقطاع الفاكهة ولا سوء عاقبتها
ومضرتها، وأمن الخروج منها فلا يخافون
ذلك، وأمن من الموت فلا يخافون فيها
موتًا)»(١).
٤. الامتنان على أهل سبأ:
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى
أَِّ بَرَكْنَا فِيهَا قُرَُّ ظَهِرَةٌ وَقَذَّرْنَا فَِهَا
السَّيْرِّ سِيرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًاَ ءَامِنِينَ﴾ [سبأ:
١٨].
قال ابن كثير: «يذكر تعالى ما كانوا فيه
من النعمة والغبطة، والعيش الهني الرغيد،
والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى
المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعضٍ، مع
کثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن
مسافرهم لا یحتاج إلی حمل زادٍ ولا ماءٍ،
بل حيث نزل وجد ماءً وثمرًا، ويقيل في
قريةٍ، ویبیت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون
إليه في سيرهم»(٢).
وقال ابن عاشور: ((وتقديم الليالي على
الأيام للاهتمام بها في مقام الامتنان؛ لأن
المسافرين أحوج إلى الأمن في الليل منهم
إليه في النهار؛ لأن الليل تعترضهم فيه
القطاع والسباع))(٣).
(١) حادي الأرواح ص ١٠٠.
(٢) تفسير القرآن الكريم، ٥٠٩/٦.
(٣) التحرير والتنوير ١٧٦/٢٢.
فالواجب علينا أن نشكر الله تعالى على
هذه النعمة، وأن نعلم أننا سنسأل عنها، كما
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْتَلُنَّ يَوْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾
[التكاثر: ٨].
ذکر ابن مسعودٍ رضي الله عنه وجماعة
أن النعيم: الأمن والصحة (٤).
ثانيًا: التحذير من الركون إلى الأمن:
قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَّهُم
بِأَسُنَا بَيَتَّاوَهُمْ نَآَيِمُونَ ) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىّ
أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهَ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلَّا
اٌلْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: أفأمن
یا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله
ویجحدون آياته، استدراج الله إياهم بما
أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان
ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص
عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن
مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن
يكون استدراجًا مع مقامهم على كفرهم
وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم
الخاسرون، وهم الهالكون»(٥).
وقال الطاهر ابن عاشور: ((واعلم أن
المراد بأمن مكر الله في هذه الآية هو الأمن
الذي من نوع أمن أهل القرى المكذبين،
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٦٠٣.
(٥) المصدر السابق ٣٣٤/١٠.
مَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
القرآن الكريم
١٢٤

الآمن
الذي ابتدئ الحديث عنه من قوله: ﴿ وَمَآ بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو
يلاحقهم في البر، أو وهم يعودون إليه في
أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَدٍ مِنِ ثَّبِيّ إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا
بَلْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:
٩٤].
البحر؛ ليشعروا أن الأمن والقرار لا يكونان
إلا في جوار الله وحماه، لا في البحر ولا في
البر، لا في الموجة الرخية والريح المواتية،
ثم قوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرِ أَنْ يَأْتِيُّهُم
بَأْسُنَابَيْتًا﴾ الآيات، وهو الأمن الناشئ عن
تکذیب خبر الرسول صلی الله علیه وسلم،
وعن الغرور بأن دين الشرك هو الحق
فهو أمنٌ ناشئ عن کفرٍ، والمأمون منه هو
وعيد الرسل إياهم، وما أطلق عليه أنه مكر
الله))(١).
ولا في الملجأ الحصين والمنزل المريح:
﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ
عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلًا
أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ
عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الْرِّيجِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ
لَا تَجِدُ واْلَكُمْ عَلَيْنَا بِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٨ -
٦٩].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِ الْبَحْرِ
ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا ◌َجَنَكُمْ إلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ
وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا ﴿ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ
جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا
◌َجِدُواْ لَكُمْوَكِيلًا (٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ
فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُبِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ
فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِه
يَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٧ - ٦٩].
الإنسان، فما إن تنجلي الغمرة، وتحس
قدماه ثبات الأرض من تحته حتی ینسی
لحظة الشدة، فينسى الله، وتتقاذفه الأهواء،
وتجرفه الشهوات، وتغطي على فطرته التي
جلاها الخطر)».
وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين
(١) التحرير والتنوير، ٢٤/٩.
إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي
كل بقعة، إنهم في قبضته في البر كما هم
في قبضته في البحر، فکیف یأمنون؟ کیف
یأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو
بركان، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة
لقدرة الله؟!
أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم
قال في الظلال: ((ولكن الإنسان هو بالحمم والماء والطين والأحجار، فتهلكهم
دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلًا
یحمیھم ویدفع عنهم؟
أم كيف يأمنون أن يردهم الله إلى
البحر فيرسل عليهم ريحًا قاصفة، تقصف
الصواري وتحطم السفن، فيغرقهم بسبب
کفرهم وإعراضهم، فلا يجدون من يطالب
بعدهم بتبعة إغراقهم؟
www. modoee.com
١٢٥

حرف الألف
ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن على القول عليه بلا علم، فكما ضحكوا
ربهم ویکفروا، ثم يأمنوا أخذه و کیده، وهم في الدنيا من المؤمنین ورموهم بالضلال،
یتو جهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد
النجاة، کأنها آخر شدة یمکن أن یأخذهم بها
الله!(١).
وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ
السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اَللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ
الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ( أَوْ بَأْخُذَهُمْ
فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ آ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَى
تَّخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥ -
٤٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ
مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ (٢) وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ
يَغَامَزُونَ ﴿ وَإِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ
فَكِهِينَ ﴿ وَإِذَا رَأَوَهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَضَاَلُونَ
وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ ﴿ فَلْيَوْمَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ) عَلَى الْأَرَآيِكِ
يَنظُرُونَ ﴿ هَلْ تُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾
[المطففين: ٢٩ - ٣٦].
مسرورين مغتبطين، وهذا من أعظم ما يكون
من الاغترار، أنهم جمعوا بين غاية الإساءة
والأمن في الدنيا، حتى كأنهم قد جاءهم
كتاب من الله وعهد، أنهم من أهل السعادة،
وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى، وأن
المؤمنین ضالون، افتراء على الله، وتجرؤوا
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٢٤٠.
جَوَسُوء
القرآن الكريم
ضحك المؤمنون منهم في الآخرة، ورأوهم
في العذاب والنكال، الذي هو عقوبة الغي
والضلال، نعم ثوبوا ما كانوا يفعلون، عدلًا
من الله وحكمة، والله عليم حكيم))(٢).
فالواجب على الناس أن يتقوا ويحذروا
وأن يطرحوا عنهم الأمن الكاذب،
والاستهتار السادر، والغفلة المردية، وأن
يعتبروا بما كان في الذين خلوا من قبلهم،
عسی ألا یکون فیھم، لو كانوا يسمعون!
وما يريد الله للناس بهذا التحذير في
القرآن أن يعيشوا مفزعين قلقين يرتجفون
من الهلاك والدمار أن يأخذهم في لحظة
من ليل أو نهار، فالفزع الدائم من المجهول،
والقلق الدائم من المستقبل، وتوقع الدمار
في كل لحظة، قد تشل طاقة البشر وتشتتها،
وقد تنتهي بهم إلى اليأس من العمل والنتاج،
وتنمية الحياة، وعمارة الأرض، إنما يريد
قال السعدي: ((﴿أَنْقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾ أي: الله منهم اليقظة والحساسية والتقوى،
ومراقبة النفس، والعظة بتجارب البشر،
ورؤية محركات التاريخ الإنساني، وإدامة
الاتصال بالله، وعدم الاغترار بطراءة العيش
ورخاء الحياة.
والله يعد الناس الأمن والطمأنينة
والرضوان والفلاح في الدنيا والآخرة، إذا
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩١٦.
١٢٦

الأمن
هم أرهفوا حساسيتهم به، وإذا هم أخلصوا وملابسات الحياة، ويعطيها جرعة من
العبودية له، وإذا هم اتقوه فاتقوا كل ما يلوث الخوف والحذر والترقب لبأس الله، حين
الحیاة، فهو يدعوهم إلى الأمن في جوار
الله، لا في جوار النعيم المادي المغري،
وإلى الثقة بقوة الله، لا بقوتهم المادية
الزائلة، وإلى الركون إلى ما عند الله، لا إلى
ما يملكون من عرض الحياة.
ولقد سلف من المؤمنين بالله المتقين
لله سلف ما کان یأمن مکر الله، وما كان
يركن إلى سواه، وكان بهذا وذاك عامر
القلب بالإيمان، مطمئناً بذكر الله، قویًا على
الشيطان وعلى هواه، مصلحًا في الأرض
بهدی الله، لا يخشى الناس والله أحق أن
يخشاه.
وهكذا ينبغي أن نفهم ذلك التخويف
الدائم من بأس الله الذي لا يدفع، ومن
مکر الله الذي لا يدرك؛ لندرك أنه لا يدعو
إلى القلق، إنما يدعو إلى اليقظة، ولا يؤدي
إلى الفزع، إنما يؤدي إلى الحساسية، ولا
يعطل الحياة، إنما يحرسها من الاستهتار
والطغيان.
والمنهج القرآني-مع ذلك- إنما يعالج
أطوار النفوس والقلوب المتقلبة، وأطوار
الأمم والجماعات المتنوعة، ويطب لكل
منها بالطب المناسب في الوقت الملائم،
فيعطيها جرعة من الأمن والثقة والطمأنينة
إلى جوار الله، حين تخشى قوى الأرض
تركن إلى قوى الأرض ومغريات الحياة،
وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير (١).
يقول السعدي: ((﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ
اَللَّهَّ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾
حيث يستدرجهم من حيث لا يعلمون،
ويملي لهم إن كيده متين ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ
اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اَلْخَسِرُونَ﴾ فإن من أمن من
عذاب الله فهو لم يصدق بالجزاء على
الأعمال، ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان.
وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف
البليغ على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمناً
على ما معه من الإيمان.
بل لا يزال خائفًا وجلّا أن يبتلى بيلية
تسلب ما معه من الإیمان، وأن لا یزال داعيًا
بقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على
دينك)(٢). وأن يعمل ويسعى، في كل سبب
يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد
-ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على
يقين من السلامة)) (٣).
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣٤١/٣.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١٩/ ١٦٠، رقم
١٢١٠٧، والترمذي في سننه، أبواب القدر،
باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن
٤ /١٦، رقم ٢١٤٠، وحسنه.
وصححه الألباني، صحيح الجامع
٢/ ١٣٢٣، رقم ٧٩٨٧.
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص٢٩٨.
www. modoee.com
١٢٧

حرف الألف
أنواع الأمن
ذكر القرآن الكريم أنواعًا للأمن، منه
المحمود، ومنه المذموم، نبينها فيما يأتي:
أولًا: الأمن المحمود:
١ . أهمية الأمن المحمود.
إن نعمة الأمن أهم من نعمة الرزق.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ
أَجْعَلَ هَذَا بَدًّا ءَامِنًا وَأَزْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ
مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ، قَلِيلًا ثُمَّ
أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:
١٢٦ ].
وقال: ﴿وَ إِذْ قَالَ إِْرَهِيمُ رَبٍّ أَجْعَلْ
هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَيَِّىَّ أَنْ تَّعْبُدَ
الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
فبدأ بالأمن قبل الرزق لسببين:
الأول: لأن استتباب الأمن سبب للرزق،
فإذا شاع الأمن، واستتب ضرب الناس في
الأرض، وهذا مما يدر عليهم رزق ربهم،
ويفتح أبوابه، ولا يكون ذلك إذا فقد الأمن.
الثاني: ولأنه لا يطيب طعام، ولا ينتفع
بنعمة رزق إذا فقد الأمن.
فمن من الناس أحاط به الخوف من كل
مکان، وتبدد الأمن من حياته، ثم وجد لذة
بمشروب أو مطعوم؟!
ولقائل أن يقول: فلماذا قدم الرزق على
الأمن في سورة قریش؟
والجواب: أن هذه السورة خطاب
للمشركين، وعند مخاطبة هؤلاء يحسن
البدء بالقليل قبل الكثير، وباليسير قبل
العظيم، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
النَّاسُ أَعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١].
فبدأ بخلقهم قبل خلق السماوات
والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناس،
قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اَلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧].
وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَدًّا ءَمِنًا وَأَرْزُقْ
أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الَِّرِّ قَالَ
وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ
وَيِئْسَ اَلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦].
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْزَهِيمُ رَبٍّ أَجْعَلْ
وقال:
هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ نَّعْبُدَ
اْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
ويوسف عليه السلام يطلب من والديه
دخول مصر مخبرًا باستتباب الأمن بها:
◌ْ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ
وَقَالَ أَدْ خُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللّهُ مَامِنِينَ
٩٩
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوالَهُ، سُجَّدٌ وَقَالَ
يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَلَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ
حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِىِ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السّجْنِ وَجَآءُ
بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْفِ
١٢٨
جوبه
القرآن الكريم

الآمن
وَبَيْنَ إِخْوَقِّ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ, هُوَ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل
اَلْعَلِمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٩٩ - ١٠٠].
عمران: ٩٦ - ٩٧].
٢. أقسام الأمن المحمود.
١. الأمن للمؤمنين في الدنيا.
ومن ذلك:
الأمن في البيت الحرام، والبلد الحرام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ
وَأَمْنَا وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌّ وَعَهِدْنَاً
إِلَى إِبْرِهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَن ◌َّهِرَا بَيْتِىَ لِلطَِّفِينَ
وَاَلْعَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) وَإِذْ قَالَ إِبْرَمِعُ
رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَدًّا ءَمِنًا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَّتِ مَنْ
ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِّ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ.
قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
[البقرة: ١٢٥ - ١٢٦].
فنعمة الأمن نعمة ماسة بالإنسان،
عظيمة الوقع في حسه، متعلقة بحرصه
على نفسه، والسياق يذكرها هنا ليذكر بها
سكان ذلك البلد، الذين يستطيلون بالنعمة
ولا یشکرونها، وقد استجاب الله دعاء
أبيهم إبراهيم عليه السلام فجعل البلد آمناً،
ولكنهم هم سلكوا غير طريق إبراهيم،
فكفروا النعمة، وجعلوا لله أندادا، وصدوا
عن سبيل الله (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
فِیهِ
لَلَّذِى بِبكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ
ءَايَتُ بَيْنُ مَّقَامُ إِزَهِيدٌ وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ مَامِنَاً
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢١٠٩/٤.
قال قتادة: ذلك أيضًا من آيات الحرم،
وقال النحاس: وهو قول حسن؛ لأن الناس
كانوا يتخطفون من حواليه، ولا يصل إليه
جبار، وقد وصل إلى بيت المقدس وخرب،
ولم يوصل إلى الحرم، وقال بعض العلماء:
صورة الآية خبرٌ ومعناها أمرٌ، تقديرها: ومن
دخله فأمنوه(٢).
فيذكر من فضائل هذا البيت أن من دخله
کان آمناً، فهو مثابة الأمن لکل خائف، ولیس
هذا لمكان آخر في الأرض، وقد بقي هكذا
مذ بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام،
وحتى في جاهلية العرب، وفي الفترة التي
انحرفوا فیها عن دین إبراهیم، وعن التوحيد
الخالص الذي يمثله هذا الدين ... ، حتى
في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية،
كما قال الحسن البصري وغيره: ((كان
الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة، ويدخل
الحرم، فيلقاه ابن المقتول، فلا یهیجه حتى
يخرج))(٣)، وكان هذا من تكريم الله سبحانه
لبيته هذا، حتى والناس من حوله فى جاهلية!
وقال سبحانه يمتن على العرب به:
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم
٢٢٥/١١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٤ /١٤٠.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٩٧.
www. modoee.com
١٢٩

حرف الألف
﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَّا وَيُتَخَطَّفُ من الله ... ))(٣).
النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ
اُللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِنََِّّعِ الْهُدَى مَعَكَ
تُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاْ أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا
ءَامِنًا يُحْبَىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّن ◌َّدُنَاً
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:
٥٧](١).
● الأمن في المعارك.
إذْ
وقد قال الله تعالى:
ـكم
يَغْشِـ
النُّعَاسَ أَمَنَةٌ مِّنْهُ وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَآءِ
مَآءُ لِيُطَهِّرَّكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ
وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾
[الأنفال: ١١].
وقال: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةٌ
نُفَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وعن أنسٍ، عن أبي طلحة - رضي الله
عنهما - قال: ((كنت فيمن تغشاه النعاس يوم
أحدٍ حتى سقط سيفي من يدي مرارًا يسقط
وآخذه، ويسقط فآخذه))(٢)
قال ابن القيم: «وأنزل الله عليهم النعاس
أمنةً منه في غزاة بدرٍ وأحدٍ، والنعاس في
الحرب وعند الخوف دليلٌ على الأمن، وهو
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤٣٥/١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم
من بعد الغم أمنة)، رقم ٤٠٦٨.
٢. الأمن للمؤمنين في الآخرة.
ومن ذلك:
النجاة من أهوال يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءَايَتِنَا
لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَاْ أَفَنَ يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْنِّ
ءَامِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرُ﴾ [فصلت: ٤٠].
يقول الطبري: ((يقول تعالى ذكره لهؤلاء
الذین یلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم
القيامة عذاب النار، ثم قال الله: أفهذا الذي
يلقى في النار خيرٌ، أم الذي يأتي يوم القيامة
آمنًا من عذاب الله لإيمانه بالله جل جلاله؟
هذا الكافر، إنه إن آمن بآيات الله، واتبع أمر
الله ونهیه، أمنه يوم القيامة مما حذره منه من
عقابه إن ورد علیه یومئذٍ به كافرًا))(٤).
وقال تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ، خَيْرٌ مِنْهَا
وَهُمْ مِّنْ فَزَعَ يَوْمَيِذٍ مَامِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].
في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن
والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في
الحياة الدنيا، فوق ما ينالهم من ثواب هو
أجزل من حسناتهم وأوفر: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَّةِ
فَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّن فَرَعَ يَوْمَيِذٍ مَامِنُونَ﴾ [النمل:
٨٩].
والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء،
(٣) زاد المعاد ٢/ ١٨٢.
(٤) جامع البيان ٢٠/ ٤٤٢.
١٣٠
القرآن الكريم

الآمن
وما بعده فضل من الله ومنة، ولقد خافوا
الله في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف
الدنيا وفزع الآخرة، بل أمنهم يوم يفزع من
في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء
الله(١).
الأمن لأهل الجنة.
٠
قال تعالى: ﴿أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ ءَامِنِينَ﴾
[الحجر: ٤٦].
وقال: ﴿وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِأَلَِّى
تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّ مَنْ مَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا
فَأَوْلَكَ لَهُمْ جَزَّةُ الْضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ اَلْغُرُفَتِ
ءَمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
فشمر لدار الخلد فاز مشمرٌ
إليها ونال الأمن في منزل الأمن (٢)
قال ابن القيم: ((قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ
فِى مَقَامٍ أَمِينٍ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ﴾
[الدخان: ٥١ - ٥٢].
والمقام الأمين: موضع الإقامة، والأمين:
الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي
قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من
الزوال والخراب وأنواع النقص، وأهله
آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد . .
.، وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله
تعالى: ﴿إِنَّالْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:
٥١].
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٦٩/٥.
(٢) البيت ذكره ابن الجوزي في التبصرة ص ٣٠.
وفي قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ
فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ ﴾ [الدخان: ٥٥].
فجمع لهم بین أمن المکان وأمن الطعام،
فلا يخافون انقطاع الفاكهة، ولا سوء عاقبتها
ومضرتها، وأمن الخروج منها فلا يخافون
ذلك، وأمن من الموت فلا يخافون فيها
موتًا)»(٣).
٣. وسائل تحقيقه.
الوسيلة الأولى: الإيمان بالله وحده
وعمل الصالحات:
قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه
السلام: ﴿وَحَجَّهُ، قَوْمُهُ، قَالَ أَعُحَجُوَّ فِ اَللَّهِ
وَقَدْ هَدَئِنَّ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِعَ إِلَّ أَنْ
يَشَآءُ رَبِي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًاً
أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَّا
أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا
لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَنَاْ فَىُّ الْفَرِيقَيْنِ
أَحَقُّ بِلْأَمْنِّ إِن كُنُمْ تَعْلَمُونَ (١) الَّذِينَ ءَامَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيَمْنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم
◌ُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٢].
وهذا خبرٌ من الله تعالى عن أولى
الفريقين بالأمن، وفصل قضاءٍ منه بين
إبراهیم صلی الله علیه وسلم وبین قومه(٤).
فالذين حصل لهم الأمن المطلق هم
الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين:
(٣) حادي الأرواح ص ١٠٠.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦٩/٩.
www. modoee.com
١٣١

حرف الألف
النظرية.
وثانيهما: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمْنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾
وهو كمال القوة العملية (١).
فالظلم الذي هو شركٌ لا شفاعة فيه.
وظلم الناس بعضهم بعضًا لا بد فيه من
إعطاء المظلوم حقه.
الإنسان نفسه ...
فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان
له الأمن التام، والاهتداء التام، ومن لم
يسلم من ظلمه نفسه كان له الأمن والاهتداء
مطلقًا، بمعنى أنه لابد أن يدخل الجنة، كما
وعد بذلك في الآية الأخرى، وقد هداه إلى
الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى
الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء
بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه.
ولیس مراد النبي صلی الله عليه وسلم
بقوله: (إنما هو الشرك)(٢) أن من لم يشرك
الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء
التام، فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن
تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف
لم يحصل لهم الأمن التام، ولا الاهتداء
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٤٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله تعالى: (ولقد آتيانا
لقمان الحكمة)، ١٦٣/٤، رقم ٣٤٢٩.
أولهما: الإيمان، وهو كمال القوة التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط
المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
من غير عذابٍ يحصل لهم؛ بل معهم أصل
الاهتداء إلى هذا الصراط، ومعهم أصل نعمة
فالظلم ثلاثة أنواع:
الله عليهم، ولا بد لهم من دخول الجنة(٣).
وقال ابن القيم: ((فإن الأمن والعافية
والسرور ولذة القلب ونعيمه وبهجته
طريق الفلاح والسعادة، والخوف والهم
والغم والبلاء والألم والقلق مع الضلال
والحيرة» (٤).
وأما الظلم المقيد، فقد يختص بظلم وطمأنينته مع الإيمان والهدى إلى
وقال: ثم رجع الخليل إليهم مقررًا
للحجة، فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ
أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ﴾
يعني في إلهيته ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ
سُلْطَانَا فَأَىُّ اَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ ◌ِلْأَمْنِ إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُم
يِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنُوَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:
٨١ - ٨٢].
يقول لقومه: كيف يسوغ في عقلٍ أن
أخاف ما جعلتموه لله شريكًا في الإلهية
وهي ليست موضع نفعٍ ولا ضرٍ، وأنتم لا
تخافون أنکم أشركتم بآلله في الإلهية أشياء
لم ينزل بها حجةً عليكم، والذي أشرك
(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٧٨/٧-٨٢.
(٤) إغاثة اللهفان ٢/ ١٧٢.
مُوسُو ◌َر التفسير
القرآن الكريم
١٣٢

الأمن
بخالقه وفاطره، فاطر السماوات والأرض، من بعد خوفهم أمناً؛ ذلك وعد الله، ووعد
الله حق، ووعد الله واقع، ولن يخلف الله
وعده، فما حقيقة ذلك الإيمان؟
ورب كل شيءٍ وملیکه آلهةً لا تخلق شيئًا،
وهي مخلوقةٌ، ولا تملك لأنفسها ولا
لعابديها ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا
نشورًا، وجعلها ندًا له ومثلا في الإلهية، أحق
بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلهًا آخر،
وحده وأفرده بالإلهية والربوبية، والقهر
والسلطان، والحب والخوف والرجاء
﴿فَتِىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[الأنعام: ٨١].
فحكم الله تعالی بینھما بأحسن حكم
خضعت له القلوب، وأقرت به الفطر، فقال
تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمْنَهُم
يِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنُوَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:
٨٢](١).
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
كُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنَّ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنَاْ يَعْبُدُونَنِ لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن
كَفَرْ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [:
٥٥].
ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا
الصالحات من أمة محمد صلى الله عليه
وسلم أن يستخلفهم في الأرض، وأن یمکن
لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يبدلهم
(١) انظر: الصواعق المرسلة، ابن القيم ٢/ ٩٢.
إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد
الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني
كله، وتوجه النشاط الإنساني كله، فما تكاد
تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في
صورة عمل ونشاط، وبناء وإنشاء، موجه
كله إلى الله، لا يبتغي به صاحبه إلا وجه
الله، وهي طاعة لله، واستسلام لأمره في
الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في
النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في
الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله
صلى الله عليه وسلم من عند الله.
فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله
بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وأشواق
روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه،
ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله
ومع الناس جميعًا، ويتوجه بهذا كله إلى
الله.
ذلك الإيمان منهج حياة كامل يتضمن
كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به
توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ
بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في
الأرض (٢).
وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِ لَا يُشْرِكُونَ بِىِ شَيْئًا
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٢٨/٤.
www. modoee.com
١٣٣

حرف الألف
[: ٥٥].
قال القرطبي: «﴿يَعْبُدُونَنِ﴾ هو في
موضع الحال، أي في حال عبادتهم الله
بالإخلاص)»(١).
قال ابن العربي: قلنا لهم هذا وعدٌ عام
في النبوة والخلافة، وإقامة الدعوة، وعموم
الشريعة، فنفذ الوعد في كل أحدٍ بقدره
وعلى حاله.
ثم قال في آخر كلامه: وحقيقة الحال
أنهم كانوا مقهورین فصاروا قاهرین، و کانوا
مطلوبین فصاروا طالبین، فهذا نهاية الأمن
والعز.
فکان في هذه الآية دلالةٌ على نبوة رسول
الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل
أنجز ذلك الوعد (٢).
والمتتبع لحال المسلمين يستنتج ما يلي:
كلما كانت الأمة المسلمة مطيعة لله ورسوله
یحکم التوحید حياتها کاملة كان الأمن على
قدر ذلك، والله تعالى أعلم.
ولذلك کان الآمنون في الدنیا هم أهل
الإيمان، فعن جابر بن عبد الله رضي الله
عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم غزوةً قبل نجدٍ، فأدركنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم في وادٍ كثير
العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه
(١) الجامع لأحكام القرآن، ٣٠٠/١٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢٩٨/١٢.
وسلم تحت شجرةٍ، فعلق سيفه بغصنٍ من
أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي،
يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (إن رجلًا أثاني وأنا
نائمٌ، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائمٌ على
رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتًا في يده،
فقال لي: من یمنعك مني؟ قال قلت: الله، ثم
قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال قلت:
الله، قال: فشام السيف فها هو ذا جالسٌ)
ثم لم یعرض له رسول الله صلى الله عليه
(٣)
وسلم
٠
وقال ابن القيم: ((وسمعت شيخ الإسلام
ابن تیمیة قدس الله روحه یقول: إن في الدنيا
جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة،
وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي
وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا
تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة،
وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في
محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة
ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، وقال
لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه
تعالی، والمأسور من أسره هواه.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب من علق سيفه بالشجر في السفر
عند القائلة، ٤ /٣٩، رقم ٢٩١٠، ومسلم في
صحيحه، كتاب الفضائل، باب توكله على
الله تعالى، وعصمة الله تعالى له من الناس
١٧٨٦/٤، رقم ٨٤٣.
١٣٤
مَوَسُو ◌َبُ النَّيده
القرآن الكريم