Indexed OCR Text
Pages 41-54
الأمثال ففي هذا المثل استثارة العقل على هذا الغرض التربوي، فبينوا في دراساتهم أن التفكير والتأمل، حيث شبه الباطل بالزبد القرآن يستخدم التشبيه والتمثيل كي يقرب المعاني، ويشير إلى أمور حسيةٍ لشرح أفكار مجردة، فالقرآن لا يخاطب فئة المثقفين وحدهم وإنما يخاطب مختلف الفئات التي منها أقوام أميون لا تستطيع عقولهم أن تقفز مرة واحدة إلى المعقولات، وإنما لابد لها من المرور بمرحلة الإدراك الحسي، فيكون بذلك أقرب إلى الأفهام وأرسخ. الذي يذهب جفاء، وشبه الحق بالماء الذي یمكث في الأرض، فالباطل يضمحل وينمحق، كالزبد الذي يحتمله السيل، وإن علا على الحق في بعض الأوقات، کما يعلو الزبد، والحق ثابت باقٍ، يمكن في القلب، فینتفع به المؤمن، فیثمر عملاً صالحًا، كما يمكث الماء وأسباب الإنبات في الأرض، فيثمر عشبًا وزرعًا ونخلًا وأعنابًا. ٢. تقريب ما غاب عن الذهن من المعاني بصورة بلاغية موجزة. تنفذ إلى أعماق النفس، مثيرة للعواطف والوجدان، اعتمادًا على التصوير والتشبيه، كطريقة تربوية وتعليمية، تساعد على توضیح المقاصد، وشرح الأفكار، وتقریب المعاني للأذهان. فضرب الأمثال من الأساليب التربوية الإسلامية التي تقرب المعاني المجردة إلى الأذهان، وتقرب المعقول إلى المحسوس فيتقبله العقل، ويدركه ويفهمه؛ وتؤثر في سلوك الأفراد، فتذكر الغافل، وتنبه المعاند، وتبرز المعقول في صورة المحسوس، كما تكشف الأمثال عن الحقائق، وتعرض الماضي في معرض الحاضر، وتضرب الأمثال للترغيب والترهيب. ٣. إثارة الانفعالات المناسبة للمعنى وتربية العواطف. فنجد المثل القرآني أحيانًا يثير في النفس انفعالًا إيجابيًا، وأحيانًا يثير انفعال الاشمئزاز من الضالين والشعور بتفاهتهم وضياع عقولهم، فانظر إلى معنى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ﴾ [الجمعة: ٥]. أي: كلفوا العمل بما فيها (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. فتشبيههم بالحمار الذي يحمل أسفارًا يثير في النفس قمة النفور والاشمئزاز من حالهم. ٤. حمل الناس على الخير وتنفيرهم من الشر، صيانة لفطرهم من الزلل، ووقاية لهم من الوقوع في الخطأ. ٥. توضيح الفضائل والترغيب فيها. فالأمثال كما أنها وسيلة نافعة في وقد تنبه علماء التربية المسلمون إلى الترغيب فهي كذلك وسيلة نافعة للتنفير من www. modoee.com ٤٧ حرف الألف الأشياء التي لا يرغب فيها. ٦. القدرة على التوضيح والتأثير والإقناع وعرض الحقائق والاحتجاج لها. وذلك مع ما فيها من الإيجاز الذي يفعل فعل الإطناب، فإن ما يحمله المثل من المعاني يفوق بكثير قدرة ما يعادله في الحجم من الكلام المجرد؛ ولهذا يوصى بالتعمق في دراسة أمثال القرآن والسنة وأسلوبهما من أجل الوصول إلى ما فيهما من مناجم السبل النافعة في التعليم والتربية، وبلورتها في منهج واضح يساعد على الانتفاع بها. كما ضرب الله مثلا للدلالة على أنه الإله الحق، وأن الأوثان لا تستحق أن تعبد بقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوَكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنَّا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّ وَجَهْرَاْ هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]. إذ دل بالمثل على عجز الأصنام عن أن تنفع عابدها بشيء؛ إذ مثل حالها بحال العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، ودل على كمال قدرته؛ إذ جعل في مقابلة العبد المملوك الممثل للأصنام من اتسع رزقه، و کان ینفق منه کیف یشاء، ومن له مسکة من العقل لا يتولى العاجز بالعبادة ويدع عبادة القادر على كل شيء. ٧. تختصر القول وتدرب الإنسان على جودة التفكر وسلامة القياس. ولأهمية الأمثال في التربية جاء في كتاب: (التربية الإسلامية وتحديات العصر): ((أن الأمثال أوقع في النفس، وأبلغ في الوعظ وأقوى في الزجر، وأقوم في الإقناع، والباحث في التراث التربوي الإسلامي يجد إلى جانب استخدام القرآن الكريم والحديث الشريف للأمثال والأشباه طريقة للتربية والتعليم اهتمام المربين المسلمين بذلك))(١). ٨. إشراك أكثر من حاسة من الحواس الإنسانية في تلقي المعنى. وتوظيف قدرة العقل الإنساني على التخيل والتصوير في تجلية الحقائق وتقريبها وفهمها، كما أنه يجعل الحقائق أعلق في النفوس، وأثبت في العقول، ويسهل استدامتها وبقاءها في الذاكرة فترة أطول، هذا بالإضافة إلى أنها تساعد في جعل المعنى واضحًا ومشوقًا وممتعًا، وتسهم في دفع الملل عن نفس المتلقي. ٩. مخاطبة النفس الإنسانية بكل أبعادها وجوانبها. وتركيزها على العبرة والفائدة المتوخاة دون الاعتداد بالمظهر أو الشكل أو الحجم، ما لم تكن العبرة من المثل متعلقة بشيء (١) التربية الإسلامية وتحديات العصر، عبود، عبد الغني العال، حسن إبراهيم ص ٤٩٥. مَشَوالَرُ الْبَقِيَّة القرآن الكريم ٤٨ الأمثال منها، وهي تتميز بالدقة في اختيار اللقطة ١٩. تفاهة مواقف الكافرين من الحقائق الکبری(١). المنتقاة التي تبرز أشد جوانب المثل إثارة، وكذلك استخدامها وشمولها لمختلف مظاهر الطبيعة مما هو من أسرار خلودها، إضافةً إلى السهولة والقرب والبعد عن التعقيد والصعوبة، مما أضفى عليها الصلاحية لمخاطبة مختلف المستويات العلمية والاجتماعية. ومن الآثار التربوية التي تثيرها الأمثال القرآنية أيضًا: تعریة الباطل و تزییفه، وفضح مواقفه. ١٠. كشف الحقائق وإيضاح المعنى في عبارة موجزة بليغة. ١١. توضيح الحق وتثبيته وإقامة حججه وبراهينه. ١٢ . التحذير من عاقبة كفر النعمة وبطر المعيشة. ١٣. استخلاص سنن الله تعالى في الكون والحياة والإنسان. ١٤. تقريب الحقائق الغيبية للأذهان. ١٥. تصوير الحقائق الإيمانية المجردة بصورة محسوسة. ١٦. ربط عالم الشهادة بعالم الغيب. ١٧. فضح تناقض المشركين والمنافقين في مواقفهم. ١٨. تقرير حقائق للترغيب بها أو التنفير منها. ثانيًا: آثار دعوية: للأمثال القرآنية أثر بليغ في تلقي الدعوة بالقبول لما لها من تأثير على النفس والعقل والوجدان؛ ولما تحتويه من بلاغة وإعجاز؛ ولما فيها من تقريب وتسهيل للمعاني البعيدة أو الغامضة، عن طريق عرض أمثالها، وما يشابهها من المعاني المحسوسة والواضحة. يقول الزركشي: ((وفي ضرب الأمثال من تقرير المقصود ما لا يخفى؛ إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والشاهد بالغائب، فالمرغب في الإيمان -مثلاً - إذا مثل له ب تأكد في قلبه المقصود، والمزهد في الكفر إذا مثل له بالظلمة تأكد قبحه في نفسه، وفيه أيضًا تبكيت الخصم، وقد أکثر الله تعالى في القرآن، وفي سائر كتبه من الأمثال))(٢). ويقول العزبن عبد السلام: ((إنما ضرب الله الأمثال في القرآن تذكيرًا ووعظًا، فما اشتمل منها على تفاوت في ثواب، أو على إحباط عمل، أو على مدح أو ذم أو نحوه، فإنه يدل على الإحكام))(٣). (١) ضرب الأمثال في القرآن، عبد المجيد البيانوني ص٥٩. (٢) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٨٨. (٣) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ١٠٤١/٢. www. modoee.com ٤٩ حرف الألف ولقد جاء القرآن الكريم داعيًا إلى وطعنوا فيه، وأنكروا أنه من عند الله، الهداية والرشاد بأساليب شتى؛ فتارةً بالوعد والتعريف في (الناس) للاستغراق، أي: لجمیع الناس، فإن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم للناس كافة، و(ضرب المثل): ذكره ووصفه، وتنوين (مثل)؛ للتعظيم والشرف، أي: من كل أشرف الأمثال، فالمعنى: ذكرنا للناس في القرآن أمثالًا هي بعضٌ من كل أنفع الأمثال وأشرفها، والمراد: شرف نفعها. والوعيد، وتارة بالإقناع العقلي، وتارة ثالثة بوخز الضمير والوجدان، ورابعةً بتوجيه الفطرة إلى حقيقتها، وخامسة بالإعجاز بشتى ألوانه، وأحيانًا بأسلوب ضرب المثل الذي هو أقرب الوسائل الدعوية إلى فطرة الإنسان، وأكثر العوامل النفسية تأثیرًا، لما له من الواقعية والصدق، ودقة التصوير، وله من وخصت أمثال القرآن بالذكر من بين مزايا القرآن؛ لأجل لفت بصائرهم للتدبر في ناحية عظيمة من نواحي إعجازه، وهي بلاغة أمثاله، فإن بلغاءهم كانوا يتنافسون في جودة الأمثال وإصابتها المحز من تشبيه الحالة بالحالة. السمات ما ليس لغيره! فيمكن أن يستخدم هذا الأسلوب كوسيلة للتهذيب الخلقي من حثه علی الخیر أو دفع الشر، فالأمثال بما فيها من تجسيد للمعاني المجردة أقرب إلى النفوس في إحداث الترغيب والترهيب من الوعظ المباشر. وهناك آثار دعوية عديدة للأمثال، منها: ١. ما تورثه في النفس من العظة والعبرة والتذكر. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِىِهَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَذَّكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧]. ومعنى الرجاء في ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَذَّكْرُونَ﴾: منصرف إلى أن حالهم عند ضرب الأمثال القرآنية كحال من يرجو الناس منه أن يتذكر، وهذا مثل نظائر هذا الترجي الواقع في القرآن. ومعنى التذكر: التأمل والتدبر؛ لينكشف لهم ما هم غافلون عنه، سواء ما سبق لهم به وهو نظير قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَّكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١]. علم فنسوه، وشغلوا عنه بسفساف الأمور، وما لم يسبق لهم علم به، مما شأنه أن وتأكيد الخبر في قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا﴾ [الزمر: ٢٧]. يستبصره الرأي الأصيل، حتى إذا انكشف له کان کالشيء الذي سبق له علمه، وذهل بلام القسم وحرف التحقيق منظور فيه إلى حال الفريق الذين لم يتدبروا القرآن، عنه، فمعنى التذكر معنًى بديع شامل لهذه مَوَسُولَةُ النَّهِ القرآن الكريم ٥ ٠ الأمثال الخصائص(١). ومما ضربه الله لنا من الأمثال للعظة والعبرة قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. حيث أخبر الله تعالى هنا أن هناك قرية كان أهلها في أمن واستقرار وسعادة ونعيم، تأتيها الخيرات من کل جهة، فلم یشکر أهلها ربهم على ما آتاهم من خير ورزق، فسلبهم الله نعمة الأمان والاطمئنان، وأذاقهم آلام الخوف والجوع والحرمان بسبب كفرهم ومعاصيهم. بالبيت العتيق، يقصده الناس جميعًا، ولهم تجارتان، في الصيف للشام، وفي الشتاء للیمن، فلما جاءهم رسول الله صلی الله علیه وسلم يدعوهم إلى الإيمان بالله كفروا به وعصوه، فإن لم يتوبوا إلى الله فجزاؤهم سيكون كجزاء أهل القرية المضروب بها المثل، حیث نزلت بها عقوبة الله، وحلت بساحتها نقمته. والمقصود أن من آثار ضرب الأمثال في القرآن حصول التذكر والاتعاظ بما فيها، والتدبر هو غاية كل ذلك ونتيجته؛ ولذلك قال الله عز وجل: ﴿ کِنَبُ (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٩٧/٢٣. أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَّكُ لِيَنَّبَّرُوْ ءَيَتِهِ، وَلِيَتَذَكْرَ أُوْلُواْ الْأَلْتَبِ﴾ [ص: ٢٩]. فجعل غاية الإنزال للقرآن التدبر والتذكر؛ ولولا التدبر لما حصل التذكر الذي هو يقظة القلب، وعمران الوجدان بالإيمان. ٢. ما تورثه من الفهم الصحيح لمراد الله ومراد رسوله. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِّمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. فقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِّمُونَ﴾ أي: بالله وصفاته وأسمائه، وبمواقع كلامه وحکمه، أي: لا يعقل صحتها وحسنها، والتشبيهات إنما هي طرق إلى المعاني المستورة حتى يبرزها ويصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه الذي بین فیه حال .(٢) وهذا مثل أهل مكة الذين أمنهم الله ولا يفهم حكمتها إلا هم؛ لأن الأمثال المشرك وحال المؤمن والعقل هنا بمعنى الفهم، أي: لا يفهم مغزاها إلا الذين كملت عقولهم، فكانوا علماء غير سفهاء الأحلام، وفي هذا تعریض بأن الذين لم ينتفعوا بها جهلاء العقول، فما بالك بالذين اعتاضوا عن التدبر في دلالتها باتخاذها هزءًا وسخرية ... ، وهذا من بهتانهم، وإلا فقد علم البلغاء أن لكل مقام (٢) البحر المديد، ابن عجيبة ٤٧٧/٤. www. modoee.com حرف الألف مقالًا، ولكل كلمة مع صاحبتها مقامًا(١). وفي هذا مدح للأمثال التي يضربها، وحثٌ على تدبرها وتعقلها، ومدح لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العالمين، والسبب في ذلك أن الأمثال التي يضربها الله في القرآن إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة، فأهل العلم يعرفون أنها أهم من غيرها؛ الاعتناء الله بها، وحثه عباده علی تعقلها وتدبرها، فيبذلون جهدهم في معرفتها، وأما من لم يعقلها مع أهميتها فإن ذلك دليل على أنه ليس من أهل العلم؛ لأنه إذا لم يعرف المسائل المهمة فعدم معرفته غيرها من باب أولى وأحرى؛ ولهذا أكثر ما يضرب الله الأمثال في أصول الدين ونحوها(٢). ٣. ما تورثه من التدبر والتفكر السليم في کلام الله و کلام رسوله. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. فالله جل وعلا ذكر تلك الأمثال للناس؛ ليتفكروا ويتدبروا فيها، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتٍ اَللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَِّم بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٦/٢٠. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣١. أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيِّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. فهذا المثل يبين لنا مدى الخير الذي يحمله لنا الإنفاق في سبيل الله، ومدى ارتباطه الوثيق بحياتنا، فهو يجعل البركة في الرزق أضعافًا، وهذا في الدنيا، ويجعل الثواب مضاعفًا في الآخرة لمن أراد له الله في الدنيا والآخرة، كما أن هذا المثل أيضًا يعلمنا خلقًا جميلاً من مكارم الأخلاق، وهو ألا يمنن الغني صاحب المال على الفقير ذي الحاجة وألا يؤذيه بالقول أو الفعل. ٤. أنها ذات أثر عميق في تنمية القيم الأخلاقية والاجتماعية لدى المسلم. لما لها من تأثير إيجابي في العواطف والمشاعر، وفي تحريك نوازع الخير في النفس البشرية. يقول الماوردي: ((للأمثال من الكلام موقع في الأسماع، وتأثير في القلوب لا یکاد الكلام المرسل یبلغ مبلغها، ولا يؤثر تأثيرها؛ لأن المعاني بها لائحة، والشواهد بها واضحة، والنفوس بها وامقة، والقلوب بها واثقة، والعقول لها موافقة؛ فلذلك ضرب الله الأمثال في كتابه العزيز وجعلها من دلائل رسله، وأوضح به الحجة على خلقه؛ لأنها في القلوب مقبولة، وفي العقول مقبولة)» (٣) (٣) أدب الدنيا والدين، ص ٢٧٥. ٥٢ القرآن الكريم الأمثال ومن الآثار الدعوية للأمثال القرآنية أيضًا: ١. تنبيه المخطئ إلى خطئه، والمحسن إلی إحسانه. ٢. الإعانة على فهم المعاني الرائعة بألفاظ موجزة، وتقديم أفكار غزيرة ودقيقة؛ لتدل على المراد بعبارة مختصرة. ٣. تقرير المقصود، ففيها كشف للمعاني، وتشبيه الخفي منها بالجلي، والغائب بالشاهد. ٤. الترغيب والترهيب، وذلك إما بالمدح أو التعظيم، أو بالذم أو التحقير، مما ينعكس على السلوك إقبالًا أو نفورًا. ٥. قوة وقعها على الأسماع، وتأثيرها في القلوب، فهي بالغة في الوعظ، قوية في الزجر، وإقامة الحجة والقياس والاستنباط، وأقوم على الإقناع بذكرها محاسن الحق والترغيب فيه، وذكرها قبائح الباطل والتنفير منه. ٦. إثارة المشاعر بتركيزها على محور الطمع أو الرغبة أو الخوف أو الحذر لدى الشخص المخاطب. ٧. تحريك الطاقات الفكرية، وشحذ الذهن؛ لتوجيهه للفكر والتأمل من أجل إدراك المراد. ٨. الدلالة على الحكم والفوائد العلمية والأحكام الشرعية في جوانب العقيدة. ٩. تربية النفوس بإظهار نموذج القدوة الحسنة؛ للاقتداء بها، وإظهار نموذج القدوة السيئة؛ للنفور منها، والاعتبار بها. ١٠. ترسيخ مفاهيم التوحيد والإيمان، والإبلاغ عن المغيبات، كما توجه المخاطب إلى أداء العبادات، والالتزام بالأخلاق الحسنة، وتجنب الأخلاق السيئة. ١١. تبكيت الخصم، وإقناعه، وإقامة الحجة عليه. ثالثًا: آثار جمالية وفنية: ضرب الأمثال في القرآن الكريم من أساليب الصياغة الفنية الرائعة الدالة على إعجاز القرآن في إبراز المعاني في قالب حسن يقربها إلى الأفهام، وفي صور حية تستقر فى الأذهان؛ لما فيها من تشبيه الغائب بالحاضر، والمعقول بالمحسوس، وقياس النظير على النظير. وقد سميت الحكم القائم صدقها في العقول أمثالًا؛ لانتصاب صورها في العقول مشتقة من المثول الذي هو الانتصاب(١). وترجع جمالية الأمثال القرآنية إلى جمالية كلام الله تعالى فهو كلام معجز، (١) مجمع الأمثال، أبو الفضل الميداني ٦/١. www. modoee.com ٥٣ حرف الألف له رونق وجمال وحلاوة وطلاوة، يقف هذه الأمثال إلا لها ومن أجلها؛ بغية خيرها البليغ أمامها عاجزًا، ويصمت الناقد أمامها وصلاحها في حالها ومآلها. مندهشًا حائرًا، ومنذ قرون عدة والكتب في إعجازه وبلاغته وفصاحته تؤلف وتدرس، ولم يحط ببلاغته الأدباء والبلغاء. وترجع جمالية المثل القرآني إلى أنه يجتمع فيه أربعة أمور لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة(١). يقول الزركشي رحمه الله مبينًا أهمية المثل: ((ومن حكمته: تعليم البيان، وهو من خصائص هذه الشريعة، والمثل أعون شيء على البيان ... ، وفي ضرب الأمثال من تقرير المقصود ما لا يخفى؛ إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والشاهد بالغائب ... ، وقد أکثر تعالى في القرآن وفي سائر کتبه من الأمثال)). ثم قال: ((فالأمثال مقادير الأفعال، والمتمثل كالصانع الذي يقدر صناعة، وكل شيء له قالب ومقدار، وقالب الكلام ومقداره الأمثال)» (٢). والمقصود أن للأمثال القرآنية القدرة في تحقيق أغراضها وغاياتها عبر صور بيانية ومشاهد فنية، تلقي بظلالها وآثارها الفاعلة في النفس البشرية، والتي ما سيقت (١) المصدر السابق. (٢) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٨٨ ولكي نقف على بعض الآثار الجمالية والفنية للأمثال لابد من استعراض بعض الأمثال القرآنية: ضرب الله مثلا للمشرك كمثل العطشان الذي یمد یدیه إلى الماء من بعيد يريد أن يتناوله ولا يقدر عليه: فقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةٌ اَلْمِنِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِبُونَ لَهُم بِشَوْءٍ إِلَّا كَبَسِطٍ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِتَّلُغَ فَهُ وَمَا هُوَ بِبَلِهِ، وَمَا دُعَّةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾ [الرعد: ١٤]. فلو نظرت إلى مثل هذا الشخص على هذه الحالة، وفي تلك الصورة بكل أجزائها، وهو باسط يده، مفرجة الأصابع إلى ماء بعيد عنه، وهو فاغر فاه ليشرب، لقلت: وأى جدوی تعود عليه؟! ومتی یذوق الماء وهو على تلك الحالة؟! إنه يموت عطشًا ولا يذوق منه قطرة. والمقصود من التشبيه في هذه الآية الكريمة نفي استجابة الأصنام لما يطلبه المشركون منها نفيًا قاطعًا، حيث شبه سبحانه حال هذه الآلهة الباطلة عندما يطلب المشركون منها ما هم في حاجة إليه بحال إنسان عطشان، ولکنه غبي أحمق؛ لأنه يمد يده إلى الماء طالبًا منه أن يصل إلى فمه دون أن يتحرك هو إليه؛ فلا يصل إليه شيء من الماء؛ لأن الماء لا يسمع نداء من يناديه، ٥٤ مَؤُوابَرُ الْبَّقِين القرآن الكريم الأمثال ففي هذه الجملة الكريمة تصوير بليغ لخيبة سورة البقرة، ففي ختام الربع الأول، قال وجهالة من يتوجه بالعبادة والدعاء لغير الله تعالى . تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ [البقرة: ١٧]. وأجرى سبحانه على الأصنام ضمير العقلاء في قوله: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾ [الرعد: ١٤]؛ مجاراة للاستعمال الشائع عند المشركين؛ لأنهم يعاملون الأصنام معاملة العقلاء، ونكر (شيئًا) في قوله: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٤]؛ للتحقير، والمراد: أنهم لا یستجیبون لهم أية استجابة، حتى ولو كانت شيئًا تافهًا، والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّ كَبَسِطٍ كَقَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ﴾ [الرعد: ١٤]، من أعم الأحوال، أي: لا يستجيب الأصنام لمن طلب منها شيئًا إلا استجابة كاستجابة الماء لملهوف بسط كفيه إليه، يطلب منه أن يدخل فمه، والماء لا يشعر ببسط کفیه ولا بعطشه، ولا يقدر أن يجيب طلبه، ولو مكث على ذلك طوال حياته، والضمير (هو) في قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِبَلِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤]. للماء، والهاء في ﴿يَِّغِهِ﴾ للفم: أي: وما الماء ببالغ فم هذا الباسط کفیه، وقيل الضمير (هو): للباسط، والهاء: للماء، أي: وما الباسط لكفيه ببالغ الماء فمه(١). وضرب الله في سورة البقرة للمنافقين مثلين، مثلًاً مائيًا، ومثلًا ناريًا، وكذلك ضرب لهم المثلين في سورة الرعد، أما في (١) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ٢٣٧١/٥. فهذا المثل الناري، والمثل المائي في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ◌ُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِيَّ مَاذَانِم مِّنَ الضََّوْعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللّهُ مُحِيطٌ بِالْكَِّفِرِينَ يَكَادُ الْبَّقُّ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمَّ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْأ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمَّ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٩ - ٢٠]. شبه سبحانه أعداءه المنافقين بقوم أوقدوا نارًا؛ لتضيء لهم وينتفعوا بها، فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم ويضرهم، وأبصروا الطريق بعد أن کانوا حیاری تائھین تر کوه، فهم كقوم سفر ضلوا عن الطريق، فأوقدوا النار تضيء لهم الطريق، فلما أضاءت لهم فأبصروا وعرفوا طفئت تلك الأنوار، وبقوا في الظلمات لا يبصرون، قد سدت عليهم أبواب الهدى الثلاث، فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب؛ مما يسمعه بأذنه، ويراه بعينه، ويعقله بقلبه، وهؤلاء قد سدت عليهم أبواب الهدى، فلا تسمع قلوبهم منه شيئًا، ولا تبصره، ولا تعقل ما ینفعها، وقیل: لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نزلوا بمنزلة من لا سمع له ولا بصر ولا www. modoee.com ٥ ٥ حرف الألف عقل، والقولان متلازمان. وقال في صفتهم: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: ١٨]؛ لأنهم قد رأوا في ضوء النهار، وأبصروا الهدى، فلما طفئت عنهم لم یرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]. ولم يقل: ذهب نورهم، وفيه سر بديع؛ وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من الله تعالى، فإن الله تعالى مع المؤمنين، وإن الله مع الصابرين، وإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فذهاب الله بذلك انقطاع لمعيته التي خص بها أولياءه، فقطعها فيما بينه وبين المنافقين، فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم. وتأمل قوله تعالى: ﴿أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧]. کیف جعل ضوءها خارجًا عنه منفصلًا، ولو اتصل ضوؤها به ولابسه لم یذهب، ولكنه كان ضوءه مجاورةً لا ملابسة ومخالطة، وكان الضوء عارضًا، والظلمة أصلية، فرجع الضوء إلى معدنه، وبقيت الظلمة في معدنها، فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به، حجة من الله قائمة، وحكمة بالغة، تعرف بها إلى أولي الألباب من عباده. وتأمل قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]. ولم يقل: بنارهم؛ ليطابق أول الآية، فإن النار فيها إشراق وإحراق، فذهب بما فيها من الإشراق وهو ، وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق وهو النارية. وتأمل كيف قال: ﴿بِتُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ولم يقل: (بضوئهم) مع قوله: ﴿فَلَمَّاً أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧]. لأن الضوء هو زيادة في ، فلو قيل: ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل، فلما كان أصل الضوء كان الذهاب به ذهابًا بالشيء وزيادته، و أيضًا فإنه أبلغ في النفي عنهم، وأنهم من أهل الظلمات الذین لا نور لهم، و أيضًا فإن الله تعالى سمى كتابه نورًا، ورسوله نورًا، ودينه نورًا، وهداه نورًا، ومن أسمائه ، والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم ذهاب بهذا كله. وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله: ﴿أُوْلِكَ الَّذِينَ أَشْتَرُواْ الصَّلَلَّةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبَحَت ◌َّرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]. كيف طابق هذه التجارة الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضا بها، وبدل الهدى في مقابلتها، وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضا بها بدلًا عن الذي هو الهدى و، فبدلوا الهدى و، وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة، فيا لها من تجارة، ما أخسرها! وصفقة ما أشد غبنها! وتأمل كيف قال الله تعالى: ﴿ذَهَبَ اَللّهُ مَوَسُولَةُ النَّفِي القرآن الكريم ٥٦ الأمثال بِتُورِهِمْ﴾ فوحد، ثم قال: ﴿وَرَكَهُمْ فِینُلُمَتِ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فجمع الظلمة، فإن الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم الذي لا صراط يوصل إليه سواه، وهو عبادته وحده لا شريك له، بما شرعه علی لسان رسوله، لا بالأهواء والبدع وطرق الخارجين عما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق، بخلاف طرق الباطل فإنها متعددة متشعبة. ولهذا يفرد سبحانه الحق، ويجمع الباطل، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى اُلُّلُمَتِّ أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا [البقرة: ٢٥٧]. خَلِدُونَ ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهُ وَلَا تَقَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. فجمع سبل الباطل، ووحد سبيل الحق، ولا یناقض هذا قوله تعالى: ﴿ یھْدِی پِهِ اللَّهُ مَنٍ أَنَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَّمِ﴾ [المائدة: ١٦]. فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد، وصراطه المستقيم، فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد، وسبيل واحد، وهو سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها ... ، وقد قيل: إن هذا مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام، ويكون بمنزلة قول الله تعالى: ﴿كَلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَلْفَأَهَا اللّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِتُورِهِـ ويكون قوله تعالى: [البقرة: ١٧]. مطابقًا لقوله تعالى: ﴿أَلْفَأَهَا اللّهُ [المائدة: ٦٤]. ويكون تخييبهم، وإبطال ما راموه هو تركهم في ظلمات الحيرة لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه، ولا يبصرون سبيلا، بل هم صم بكمِّ عمي، وهذا التقدیر وإن كان حقًّا ففي كونه مرادًا بالآية نظر، فإن السياق إنما قصد غيره، ويأباه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّاً أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧]. وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدًا، ويأباه قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]. وموقد نار الحرب لا نور له، ويأباه قوله تعالى: ﴿وَتَرَّكَّهُمْ فِ ظُلُّمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴾ [البقرة: ١٧]. وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر، قال الحسن رحمه الله: هو المنافق أبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]. أي: لا يرجعون إلى الذي فارقوه، وقال عَمَى ـكمـ م م. تعالى -في حق الكفار -: www. modoee.com ٥٧ حرف الألف فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. فسلب العقل عن الكفار؛ إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان، وسلب الرجوع عن المنافقين؛ لأنهم آمنوا ثم كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان (١). وأيضًا في إسناد ذهب في قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]. إشعار بأن الذي سلب عنهم لن يستطيع أحد أن يرده عليهم؛ لأن الذي سلبه عنهم إنما هو الله الغالب على أمره. أو لأنه حصل بلا سبب من ربح أو مطر أو إطفاء مطفئ، والعرب یسندون الأمر الذي لم يتضح سببه لاسم الله تعالی. المثل المائي: ﴿ أَوْكَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ فِيهِ قال تعالى: [البقرة: ١٩]. ـَ وَرَعَدْ وَبرق يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمّ وقال تعالى: كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠]. هذا مثل آخر مائي ضربه الله سبحانه للمنافقين، فقال تعالى: ﴿أَوْكَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَآءِ ﴾ [البقرة: ١٩]. فشبه نصيبهم مما بعثالله تعالى بهرسوله من والحياة بنصيب المستوقد النار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها، وذهب نوره، وبقي في الظلمات حائرًا تائها، لا يهتدي سبیلا، ولا يعرف طريقًا، وبنصیب أصحاب الصيب وهو المطر الذي يصوب، أي: ينزل من علو إلى أسفل، فشبه الهدى الذي هدى به عباده بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، ونصيب المنافقين من هذا الهدي بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له فيما وراء ذلك، مما هو المقصود بالصيب من حياة البلاد والعباد والشجر والدواب، وإن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب، فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من برد شديد، وتعطيل مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته، ولا بصيرة له تنفذ إلی ما یؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام. وهكذا شأن كل قاصر النظر ضعيف العقل لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلی ما وراءه من کل محبوب، وهذه حال أكثر الخلق إلا من صحت بصيرته، فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من التعب والمشاق والتعرض لإتلاف المهجة والجراحات الشديدة، وملامة اللوام، ومعاداة من يخاف معاداته لم يقدم عليه؛ لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون، (١) التفسير القيم، ابن القيم ص ١٨٠. جَوَسُو ◌َر النفسية الوضيوم القرآن الكريم ٥٨ الأمثال وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت فإن قلت: أي المثلين أبلغ؟ قلت: الثاني؛ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته؛ ولذلك أخر، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ))(٢). الحرام فلم يعلم من سفره ذلك إلا مشقة السفر، ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد، و فراق المألوفات، ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر ذلك السفر ومآله وعاقبته، فإنه لا يخرج إليه، ولا یعزم عليه، وحال هؤلاء حال ضعيف البصيرة والإيمان الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد، والزواجر والنواهي، والأوامر الشاقة على النفوس، التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات، والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه، والناس کلهم صبيان العقول إلا من بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء، وأدرك الحق علمًا وعملًا ومعرفة، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيب، وما فيه من الرعد والبرق والصواعق، ويعلم أنه حياة الوجود (١). قال الزمخشري: ((لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من تشبه الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الأفزاع من البلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق، والمعنى: أو کمثل ذوي صيب، والمراد: كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا ... ، قال: (١) المصدر السابق ص ١٨٣. بيت العنكبوت: ومما يبين جمال الأمثال القرآنية وبلاغتها قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ أَخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوْهَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْكَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤١]. يقول الحق جل جلاله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ أصنامًا يعبدونها، أي: مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف وسوء الاختيار ﴿كَمَثَلِ الْمَنكَبُوتِ أَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ أي: كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت، فإنه لا يدفع الحر والبرد، ولا يقي ما تقي البيوت، فكذلك الأوثان لا تنفعهم في الدنيا والآخرة، بل هي أوهی وأضعف، فإن لبيت العنكبوت حقيقةً وانتفاعًا عامًا، وأما الأوثان فتضر ولا تنفع ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ اَلْبُيُوتِ ﴾ أي: أضعفها ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ لا بيت أوهن من بيته؛ إذ أضعف شيء يسقطها(٣). وهذه الهيئة المشبه بها مع الهيئة المشبهة قابلة لتفريق التشبيه على أجزائها، (٢) الكشاف ١/ ٤٧. (٣) البحر المديد، ابن عجيبة ٢٥٣/٢٠. www. modoee.com ٥٩ حرف الألف فالمشركون أشبهوا العنكبوت في الغرور [العنكبوت: ٤١](٢). بما أعدوه، وأولياؤهم أشبهوا بيت العنكبوت في عدم الغناء عمن اتخذوها وقت الحاجة إليها، وتزول بأقل تحريك وأقصى ما ينتفعون به منها نفع ضعيف، وهو السكنی فیها، وتوهم أن تدفع عنهم كما ينتفع المشركون بأوهامهم في أصنامهم، وهو تمثيل بديع من مبتكرات القرآن. وجملة: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]. معترضة مبينة وجه الشبه، وهذه الجملة تجري مجرى المثل، فيضرب لقلة جدوى شيء، فاقتضى ذلك أن الأديان التي يعبد أهلها غير الله هي أحقر الديانات وأبعدها عن الخير والرشد، وإن كانت متفاوتة فيما يعرض لتلك العبادات من الضلالات، كما تتفاوت بيوت العنكبوت في غلظها بحسب تفاوت الدويبات التي تنسجها في القوة والضعف (١). ولماذا لم يقل: أوهن الخيوط خيط العنكبوت؟ فلو کان القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم لقال ذلك؛ ولكن هذا يخالف الحقيقة العلمية الثابتة بأن خيط العنكبوت أقوى من مثيله من الفولاذ، الْبُيُوتِ أوْهَنَ فكان التعبير الدقيق (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٣/٢٠. موسوعة التفسير الموضوع القرآن الكريم موضوعات ذات صلة: التدبر، التفكر، العقل (٢) انظر: المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام، علي الشحود ٦/ ٢٥١. ٦٠