Indexed OCR Text

Pages 21-40

الاقتصاد
لهم جميع ما في الأرض، وسخره وهیاه
وأباح الانتفاع به.
قال رضا: ((إن هذه الجملة هي نص
الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند
الفقهاء (إن الأصل في الأشياء المخلوقة
الإباحة) والمراد إباحة الانتفاع بها أكلاً
وشربًا ولباسًا وتداويًا ورکوبًا وزينة، وبهذا
التفصيل تدخل الأشياء التي يضر استعمالها
في بعض الأشياء وينفع في بعض، كالسموم
التي یضر أكلها وشربها وينفع التداوي بها،
وليس لمخلوق حق في تحريم شيء أباحه
الرب لعباده تدینًا به إلا بوحیه وإذنه
﴿قُلْ أَرَءَ يْتُمِ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ
فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمّ
أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]))(١).
فأخبر تعالى أنه خلق لعباده جميع ما
في الأرض برها وبحرها وجوها، ظاهرها
وباطنها، وسخرها له، وأمره بإعمارها
وإصلاحها، والقيام بأمر الله فيها وشرعه،
ولذلك جاء بعد هذه الآية من سورة البقرة
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِنِ
جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
فهيأ الله تعالى الأرض، وأعدها للإنسان،
ثم أو جده فيها.
کما بین تعالى أن الأرض بما فيها مسخرة
(١) المنار، محمد رشيد رضا ٢٠٦/١.
فبين تعالى نعمته على خلقه بأن خلق للإنسان، لا العكس، فالأرض مخلوقة
للإنسان ولمصلحته ودوره فى الخلافة فيها،
والإنسان ((سيد الأرض وسيد الآلة! إنه ليس
عبدًا للآلة كما هو في العالم المادي اليوم.
وليس تابعًا للتطورات التي تحدثها الآلة
في علاقات البشر وأوضاعهم كما يدعي
أنصار المادية المطموسون، الذين يحقرون
دور الإنسان ووضعه، فيجعلونه تابعًا للآلة
الصماء وهو السيد الكريم!
وكل قيمة من القيم المادية لا يجوز أن
تطغى على قيمة الإنسان، ولا أن تستذله أو
تخضعه أو تستعلي عليه وكل هدف ينطوي
على تصغير قيمة الإنسان، مهما يحقق من
مزايا مادية، هو هدف مخالف لغاية الوجود
الإنساني. فكرامة الإنسان أولًا، واستعلاء
الإنسان أولًا، ثم تجيء القيم المادية تابعة
مسخرة»(٢).
وقد ذم الله تعالى أهل الكفر في تحريمهم
على أنفسهم بعض الأشياء التي أباحها لهم.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِالَّتِى أَخْرَجَ
◌ِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الْرِزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْفِي
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ
اُلَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٢].
قال صاحب المنار: ﴿قُلّ هِىَ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةِ
كَذَلِكَ نُفَضِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: قل
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٤/١.
www. modoee.com
١١٧

حرف الألف
والطيبات من الرزق- ثابتة للذين آمنوا
بالأصالة والاستحقاق في الحياة الدنيا،
ولکن یشاركهم غيرهم فيها بالتبع لهم،
وإن لم يستحقها مثلهم. وهي خالصة لهم
يوم القيامة ... كما تدل عليه الآيات الناطقة
بأن دین الله الحق یورث أهله سعادة الدنيا
والآخرة جميعًا(١).
ثالثًا: مجالات الإنتاج:
بین الله تعالى في كتابه الكريم بعض
مجالات الإنتاج المختلفة.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ
فَأَنْتَشِرُوا فِ اَلْأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ
اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾
[الجمعة: ١٠].
أي: أمر الله تعالى عباده المؤمنين إذا
فرغوا من صلاة الجمعة أن ينتشروا في
الأرض، والانتشار يعني: ((أن ينساح البشر
لينتظموا في كل حركات الحياة، وبذلك
تعمر کل حركة فيها)»(٢).
وفي ذلك ((دعوة إلى أن يملأ المسلمون
وجوهالأرض سعیًا وعملًا، وأن يأخذوابكل
ما يمكن لهم منها، ويقيم لهم فيها المقام
الكريم، وألا يقصروا جهدهم على جانب
منها، أو في ميدان من ميادينها، بل ينبغي
(١) المنار، محمد رشيد رضا ٣٤٧/٨.
(٢) تفسير الشعراوي، ١٤٨٧/٣.
أيها الرسول لأمتك: هي -أي: الزينة أن يكون لهم في كل ميدان مجال، وفي
كل موقع عمل، وفي الدعوة إلى الانتشار
في الأرض بعد الاجتماع بین یدی الله في
الصلاة، في هذا جمع بين العبادة والعمل،
وبين ذكر الله والسعي في الأرض))(٣).
وقد ذكر القرآن الكريم بعض مجالات
الإنتاج، منها:
١. الزراعة.
التي بها حياة الأرض واستثمارها، وبها
ينتج الإنسان قوته ورزقه.
قال تعالى: ﴿فَلْنَظُرِ اَلْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ»
٢٤
أَنَا صَبَيْنَا الْمَّةَ صَبَّا (٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(٦
فَأَنْبَّنَا فِيهَا حََّ وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٨) وَزَيْتُوْنَا وَنَخْلَاً
وَحَدَآَبِقَ غُلْبً ا وَفَكِهَةَ وَبََّ ا مَنَعًا لَّكُمْ
٢٩
وَلِأَنْفَيِكُمْ ﴾ [عبس: ٢٤ -٣٢].
أي: فليتأمل الإنسان وليتدبر في أمر
طعامه الذي فيه بقاؤه، كيف دبرناه له
وقدرناه، ليعلم أن الكون کله مسخر له، وأننا
لو لم نیسرہ لہ لھلك، فمبدأ ذلك أننا صبینا
الماء من السحاب صبًا، ثم شققنا الأرض
شقًا، أي: بالنبات الذي هو في غاية الضعف
يشق الأرض المتماسكة بالماء ويخرج
خارجها، فأنبت الله من هذا الماء الحبوب
كالحنطة والشعير، والعنب.
وقوله: ﴿وَقَضْبًا﴾ وهو الرطب من البقل
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
١٤/ ٠٩٥٢
مُوسُوبَةُ الْبَشـ
القرآن الكَرِيْمِ
١١٨

الاقتصاد
وغيره، والزيتون والنخل ... ، إلى آخر ما [البقرة: ٢٧٥].
ذكرته الآيات من النعم(١)، فبين الله تعالى
أن زراعة الأرض سبب من أسباب رزق
الإنسان وحصوله على طعامه منها.
كما ذكر تعالى بعض تفاصيل عملية
الزراعة في قصة يوسف عليه السلام، في
قوله سبحانه: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَآَبًا فَا
حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنَبْلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا نَأْكُلُونَ﴾
[يوسف: ٤٧].
أي: يطلب يوسف من أهل مصر أن
یزرعوا بدأپ أي: بمواظبة وبدون کسل،
وما حصدوه فأخبرهم أن يأكلوا القليل منه،
ويتركوا بقيته محفوظًا في سنابله، والحفظ
في السنابل يدل على ما آتاه الله عز وجل
ليوسف عليه السلام من علم في كل نواحي
الحياة، من اقتصاد ومقومات التخزين، وغير
ذلك من عطاءات الله، وقد أثبت العلم
الحديث أن القمح إذا خزن في سنابله؛ فتلك
حماية ووقاية له من السوس(٢).
٢. التجارة.
ومن مجالات الإنتاج التي بينها القرآن
الكريم، التجارة، وفيها يتحصل الإنسان
على المال والبضائع المختلفة.
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّبَوَا﴾
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢١/ ٢٦٤، تفسير
الجلالين، المحلي والسيوطي ص ٧٩٢.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي، ١١/ ٦٩٧٦.
وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُوِىَ
لِلصَّلَوْءِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ
وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ
) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ
وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًاً لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة: ٩-١٠].
أي: ((إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في
الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم.
﴿وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ أي من رزقه))(٣).
٣. الصناعة.
ومن مجالات الإنتاج التي بينها القرآن
الكريم: الصناعة، وبها يوجد الإنسان ما
یحتاجه من أمور حیاته.
قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسٍ
لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ
شَكِّرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز کثیرًا
من أصول الصنائع، وأسماء الآلات التي
تدعو الضرورة إليها، فمن الصنائع:
# الخياطة.
قال تعالى: ﴿فَدَلَّنْهُمَا بِغُرُورٍّ فَلَمَّا ذَاقًا
الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ
عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَنْهُمَا رَيُّهُمَا أَلَوْ أَنْهَكُمَا
عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاْ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ
مُِّينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢].
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠٨/١٨.
www. modoee.com
١١٩

حرف الألف
الحدادة.
٢) أَنِ
قال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً
إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١)﴾ [سبأ: ١٠- ١١].
الغزل.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَِّى نَقَضَتْ
غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَنَّا﴾ [النحل: ٩٢].
* النسيج.
قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ
أَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١].
* الفلاحة.
﴿أَفْرََّيْتُم مَّا تَخُونَ
قال تعالى:
٦٤
(٢)،َأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ فَحْنُ الزَِّعُونَ
[الواقعة: ٦٣-٦٤].
٥ الصيد.
﴿وَإِذَا حَلْتُمُ فَأَصْطَادُوا﴾
قال تعالى:
[المائدة: ٢].
وقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ,
مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةٌ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّمَا
دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].
# الغوص.
قال تعالى: ﴿وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾
[ص: ٣٧].
* الملاحة.
قال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ
[الكهف:٧٩].
يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ
الكتابة.
قال تعالى: ﴿اَلَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤].
الطحن والخبز.
٥
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَبِىَ أَحْمِلُ
فَوْقَ رَأْسِ خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ [يوسف: ٣٦].
· الطبخ.
قال تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ بِعِجْلٍ
حَنِیذٍ﴾ [هود:٦٩].
٥ البناء.
قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا
فَرِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩].
وغير ذلك(١).
كما جاء في القرآن الكريم تفصيل بعض
الصناعات وبيانها، كقوله تعالى عن نبيه
داود عليه السلام: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ
أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً
إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [سبأ: ١٠-١١].
قيل: أي: ألان الله الحديد لداود عليه
السلام، وجعله في يده كالعجين، يشكله
كيف يشاء دون أن يدخله نارًا أو يضربه
بمطرقة، والظاهر أن إلانة الحديد لداود،
إنما كانت جارية على العادة، وذلك بما
علمه الله تعالى من الأسباب المعروفة
الآن لإذابتها؛ لأن الله امتن بذلك على
العباد وأمرهم بشكرها، ولولا أن صنعته
من الأمور التي جعلها الله مقدورة للعباد،
لم یمتن علیهم بذلك، ویذکر فائدتها، وأن
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٣٢/٢.
١٢٠
صَوْسُو ◌َة النَّهـ
جوية
القرآن الكريمِ

الاقتصاد
الله سبحانه قد علمه الأسلوب الذي یلین به
الحديد، وهو عرضه على النار حتى يحمر،
ويقبل الطرق(١).
وقوله: ﴿وَقَدِرْ فِي السّردِ﴾ التقدير هنا
بمعنى الإحكام والإجادة وحسن التفكير في
عمل الشيء. والسرد: نسج الدروع وتهيئتها
لوظيفتها. أي: آتينا داود كل هذا الفضل
الذي من جملته إلانة الحدید في يده، وقلنا
له یا داود: اصنع دروعًا سابغات تامات،
وأحکم نسج هذه الدروع، بحيث تكون في
أكمل صورة، وأقوى هيئة))(٢).
قال القرطبي: ((في هذه الآية دليل على
تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها
لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في
فضلهم وفضائلهم، إذ يحصل لهم التواضع
في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب
الحلال الخلي عن الامتنان.
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (إن خير ما أكل المرء من عمل
يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل
يده)(٣)» (٤)
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٥٢٨، التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم
الخطيب ٧٨٥/١١.
(٢) الوسيط، محمد سيد طنطاوي ١١/ ٢٧٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب كسب الرجل وعمله بيده، رقم ٢٠٧٢،
٥٧/٣.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، ١٤ / ٢٦٧.
٤. الثروة الحيوانية.
ومن مجالات الإنتاج التي بينها القرآن
الكريم: الثروة الحيوانية.
قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاُ لَكُمْ
فِيهَا دِفْهُ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾
[النحل: ٥].
وقال: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآِ مَآءَ
فَأَخْرَحْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِن نَّبَاتٍ شَفَّ ◌َ كُواْ
وَأَرْعَوْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّأُوْلِ النُّهَى﴾
[ طه: ٥٤ ].
٥. الثروة المائية.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى سَخَّرَ أَلْبَحْرَ
لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ
حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ
فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤].
٦. الثروة المعدنية.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا لَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسُّ
شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ.
وَرُسُلَمُهِ لَغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
www. modoee.com
١٢١

حرف الألف
المبادئ الاقتصادية
اشتمل القرآن الكريم على تشريعات
تتلاءم مع فطرة الإنسان وحاجاته، ولذلك
شرع الملكية الفردية، وحفظ الحقوق
الخاصة، كما أمر بحفظ المال العام،
والتكافل الاجتماعي، وسوف نبين هذه
المبادئ الاقتصادية الأصيلة في النقاط
الآتية:
أولا: الملكية الخاصة:
الإنسان مفطور علی حب التملك أو ما
يعرف بالملكية الفردية، منذ أن أهبطه الله
تعالى إلى الأرض إلى أن يرثها، وهو أمر
معلوم بالضرورة(١).
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾
[العاديات: ٨].
أي: المال(٢)، وبإثبات هذه الملكية كحق
للفرد يتحقق الأمن في المجتمع، فیأمن كل
شخص على ممتلكاته، ومدخراته، وثمرة
عمله وجهده، مما يدفعه إلى العمل والجد
والاجتهاد، وتقوية أواصر المودة والاحترام
بين أفراد المجتمع، ولقد قرر القرآن الكريم
هذه الملكية كحق من حقوق الأفراد، وسن
التشريعات التي تحميها وتضمن عدم
(١) انظر: المذاهب الفكرية المعاصرة، غالب
عواجي ٢/ ١١٩٣.
(٢) انظر: المفردات، الأصفهاني ص ٣٠١، تفسیر
الجلالين، المحلي والسيوطي ص ٨١٨.
الاعتداء عليها، كما وضع ضوابط لتهذيبها
وتنظيمها.
فمن تقرير القرآن للملكية الفردية
واحترامه لها.
قوله تعالى: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَنكَ
اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَاً وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغُ
اُلْفَسَادَ فِىِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.
[القصص: ٧٧].
فالكاف ضمير الخطاب في آتاك
ونصيبك يدل على هذه الملكية، ویشهد لها.
وقال تعالى: ﴿نَخْنُ قَسَمْنَابَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِی
اَلْحَيَوْقِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢].
أي: قسم الله تعالى الأرزاق بين عباده،
وفاوت بينهم فيها، فجعل منهم الغني والفقير
والخادم والمخدوم والحاكم والمحكوم.
والحكمة من هذا التفاوت في الأرزاق
أن يستخدم بعضهم بعضًا في حوائجهم،
ويعاون بعضهم بعضًا في مصالحهم،
وبذلك تنتظم الحياة، وينهض العمران.
ويعم الخیر بین الناس، ويصل كل واحد إلى
مطلوبه على حسب ما قدر الله تعالى له من
رزق واستعداد (٣).
فدلت الآية الكريمة على أن تفاوت
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٨/ ٤٦، الوسيط، سيد طنطاوي ١٣ / ٧٧.
موسوعة النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٢٢

الاقتصاد
الناس في الأرزاق والحظوظ سنة من سنن
الله الكونية القدرية التي أرادها لعباده،
لتنتظم بها حياتهم، فلا يستطيع أحد من أهل
الأرض البتة تبديلها ولا تحويلها، بوجه من
الوجوه، ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلًاٌ وَلَنْ تَجِدَ
لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣](١).
((وكل محاولة للإنسان في تغيير هذه
السنة الثابتة تؤدي إلى اضطراب نظام
الحياة والعمل، لأنها تعني محاولة التسوية
بين الخلق جميعًا فيما يكتسبه كل منهم
من رزق دونما فارق في ذلك بين العامل
والكسول ... فهي ببساطة تسقط كل قيمة
حقيقية للعمل))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى
بَعْضٍ فِ الرِّزْقِ، فَمَا الَّذِينَ فُضِلُواْ بِرَادِى رِزْقِهِمْ
عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ أَفَبِنِعْمَةِ
اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١].
قال الشنقيطي: ((وهذه الآية الكريمة
نص صريح في إبطال مذهب الاشتراكية
القائل بأنه لا يكون أحد أفضل من أحد في
الرزق، ولله في تفضيل بعضهم على بعض
في الرزق حكمة)»(٣).
كما جاء في القرآن الكريم النهي عن
الاعتداء على هذه الملكية.
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١١٤/٧.
(٢) الملكية الفردية في النظام الاقتصادي
الإسلامي، محمد بلتاجي ص ٣٠.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٤١١.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُم
بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَامِ لِتَأْكُلُواْ
فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٨٨].
وقوله: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْمَالَ الْيَّنِبِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ
أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ، وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ
بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[الأنعام: ١٥٢].
فالأمر برعاية مال اليتيم، والوفاء في
الكيل والميزان، كل ذلك لحفظ الحقوق
لأصحابها، واحترام ملکیتهم لها، إلى غير
ذلك من التشريعات التي بينها القرآن الكريم
لحماية الملكية الخاصة من أى اعتداء.
ويصل القرآن باحترام هذا الحق مداه حين
يأمر بقطع يد السارق الذي يعتدي على هذا
الحق في قوله تعالى: ﴿وَالسََّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَأَقْطَمُوْا أَيْدِيَهُمَا جَزَّاءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ
اَللَّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨](٤).
كما بين القرآن الكريم بعض أسباب
ووسائل حصول هذه الملكية وانتقالها،
ومنها:
* الميراث.
قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ
"لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِّ فَإِنْ كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ
أَقْتَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةٌ
(٤) انظر: الاقتصاد الإسلامي، محمود الوادي
ص ١٠٣.
www. modoee.com
١٢٣

حرف الألف
فَلَهَا النِّصْفُ، وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حرم التبذير لأنه إنفاق للمال فيما حرم الله
تعالى؛ كالخمر والميسر والرشوة.
اُلُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌّ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ.
وَلَدٌ وَوَرِئَّهُ: أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُّ فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ
فَلِأُمِّهِ السُّدُسُّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِهَآ أَوَ
دَيْنٍّ ءَبَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَْبُ
لَكُ نَفْعَأَ فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١].
البيع.
قال تعالى: ﴿وَأَحَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرَّوا﴾
[البقرة: ٢٧٥].
# الهبة.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ
مُلْكًا لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
[ص: ٣٥].
كما أمر القرآن بالعمل والتكسب وهو
سبب من أسباب التملك.
قال تعالى: ﴿فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن
رِزْقِهِ* وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥].
إلى غير ذلك.
والقرآن الكريم إذ يقرر الملكية الخاصة
کحق من حقوق الأفراد، فإنه لا يترك تقرير
هذا الحق حتى يطغى دون تقييد، فليس
معنى الملكية الخاصة للفرد أن يتصرف
فيها خارج حدود الشرع، وفيما حرمه الله،
وليس معناها أيضًا أن يمنع حقوق الله منها
ولا يؤديها، ولذلك حرم الله تعالى كنز
الأموال المفضي إلى منع أداء الزكاة، کما
قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) إِنَّ
اٌلْمُبَذِّرِينَ كَانُّواْ إِخْوَنَ الشَّيَطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِرَبِّهِ، كَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧].
كما حرم تعالى الإسراف.
قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ.
لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
كما بين القرآن الكريم حرصه على ألا
تتحول هذه الملكية إلى تكدس في الثروات
يؤدي إلى ترف وفساد وسيطرة.
وقد استشف الخليفة عمر بن الخطاب
رضي الله عنه هذا المعنى من قوله تعالى:
﴿َّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ
وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْبَنَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ کَ
لَا يَكُونَ دُوْلَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَآ ءَانَمَكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأنْنَهُواْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
حيث ترك الأراضي المفتوحة في العراق
والشام ومصر بيد أهلها، ولم يقسمها بين
الفاتحين، حتى لا تنحصر الثروة بأيديهم،
ولا يبقى شيء لمن يأتي بعدهم، ووافقه
على ذلك الصحابة رضي الله عنهم مستدلا
بهذه الآية (١).
(١) انظر: الخراج، أبو يوسف ص٣٤، الفقه
الإسلامي وأدلته، الزحيلي ٧/ ٥٠١٥.
١٢٤
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الاقتصاد
ثانيًا: حفظ المال العام:
المال عصب الحياة، وضرورة من
ضرورياتها، ((وقد اعتبر الشارع المال
من الكليات الخمس التي تقوم بها حياة
الناس، وشرع الحدود والعقوبات والزواجر
للحفاظ عليها)»(١).
قال الغزالي: ((ومقصود الشرع من الخلق
خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم
وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن
حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة،
وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة
ودفعها مصلحة)»(٢).
وقد بين القرآن الكريم شرف المال
وقيمته، وأمر بحفظه في آيات كثيرة، من
ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ
أَتِى جَعَلَ اللّهُ لَكُمْقِيَّهَا وَأَزْزُقُوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُواْ
◌َمْ قَوْلًا مَّقُرُوفًا﴾ [النساء: ٥].
فنهى تعالى عباده المؤمنين عن إعطاء
الأموال للسفهاء الذين لا يحسنون التصرف
فيها خشية إفسادها وإتلافها.
وأشار تعالى إلى علة ذلك النهي بقوله
في الآية: ﴿قِيَمًا﴾ أي: التي «تقوم بها
معايشهم من التجارات وغيرها))(٣).
وقال الفخر الرازي: ((اعلم أنه تعالى
(١) الملكية الفردية في النظام الاقتصادي
الإسلامي، محمد بلتاجي ص ٣٠.
(٢) المستصفى، ص ١٧٤ .
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٤/٢.
أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ
الأموال.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) إِنَّ
الْمُّبَذِّرِنَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِرَبِّهِ، كَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٢٦ -٢٧].
وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ
إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُومًا
تَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنَفَقُوْلَمْ يُسْرِقُواْ
وَلَمْ يَقْتُّرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾
[الفرقان: ٦٧].
وقد رغب الله في حفظ المال في
آية المداينة حيث أمر بالكتابة والإشهاد
والرهن، والعقل أيضًا يؤيد ذلك؛ لأن
الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام
بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يكون
فارغ البال إلا بواسطة المال؛ لأن به يتمكن
من جلب المنافع ودفع المضار.
فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا
في حقه من أعظم الأسباب المعينة له على
اكتساب سعادة الآخرة، أما من أرادها
لنفسها ولعينها كانت من أعظم المعوقات
عن كسب سعادة الآخرة)) (٤).
والمال باعتبار الملكية ينقسم إلى
قسمين: خاص، وقد تقدم الكلام على
الملكية الخاصة، وعام، وهو المال الذي
(٤) مفاتيح الغيب، ٩/ ٤٩٦.
www. modoee.com
١٢٥

حرف الألف
خصص للمنفعة العامة، أي: جماعة
المسلمين، ويشمل هذا النوع من الملكية:
المرافق الأساسية للدولة، كالطرقات
ومجاري الأنهار والشوارع، وكالبحار
والغابات، والنفط والمعادن إن ظهرت في
أرض غير مملوكة لأحد، وغير ذلك، يقرها
الإسلام حماية للدولة وصيانة لسلامتها
والعمل على تقدمها، والمحافظة على
مرافقها العامة (١).
فالأساس في اعتبار الملكية العامة أنها
منفعة للجميع، فلو احتكرها بعض الأفراد
لأنفسهم لكان فيه تضييق على الآخرين،
(٢)
.
وإلحاق الضرر بهم
وقد بين القرآن الكريم بعض أنواع
الملكية العامة، كالفيء، وهو «المال المأخوذ
من الكفار بغیر قتال، کالخراج والجزية، أما
المأخوذ بقتال فيسمى غنيمة))(٣).
قال القرطبي: ((الفيء، وهو ما رجع
للمسلمين من أموال الكفار عفوًا صفوًا
من غير قتال ولا إيجاف، كالصلح والجزية
والخراج والعشور المأخوذة من تجار
الكفار. ومثله أن يهرب المشركون ويتركوا
(١) انظر: الاقتصاد الإسلامي، محمود الوادي
وآخرون ص ٩٧.
(٢) انظر: الاقتصاد الإسلامي أسس ومبادئ
وأهداف، عبدالله الطريقي ص ٣٥.
(٣) التعريفات الفقهية، البركتي ص ١٦٨.
العضو
القرآن الكريم
ولا وارث له»(٤).
قال تعالى في بيان حكم الفيء: ﴿مَّا أَقَاءَ
اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَ إِلَّسُولِ وَلِذِى
الْقُرْبَ وَاَلْبَنَّمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ اَلسَّبِيلِ كَ لَا
يَكُونَ دُوْلَةٌ بَيْنَ آلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَاْ ءَاتَنَّكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَاتَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّاللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
فبين تعالى حكم الفيء ومصارفه،
(«فالفيء يقسم خمسة أقسام: خمس منها
یقسم خمسة أخماس: سهم لله وللرسول،
كان له في حياته ثم يصرف على مصالح
المسلمين بعد وفاته، وسهم لذوي القربى
من أقارب الرسول، وهم: بنو هاشم وينو
عبد المطلب، وسهم لليتامى، وسهم
للمساكين، وسهم لابن السبيل، وأما الأربعة
أخماس الباقية فهي للنبي صلى الله عليه
وسلم خاصة، وقد وزعها في حياته على
المهاجرين ولم يعط من الأنصار إلا رجلين
أظهرا الفقر، وبعد وفاته تصرف للمرتزقة
من الجند، أي: للجيش ما لم يوجد لهم
تبرع أو مرتب خاص»(٥).
قال القرطبي: ((وأما بعد وفاة رسول
أموالهم، أو يموت أحد منهم في دار الإسلام الله صلى الله عليه وسلم، فالذي كان
من الفيء لرسول الله صلى الله عليه
وسلم يصرف عند الشافعي في قول إلى
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/١٨.
(٥) التفسير الواضح، حجازي ٦٤٦/٣.
١٢٦

الاقتصاد
المجاهدين المترصدين للقتال في الثغور؛ بطلانه مجانبًا لحقيقة الاستدلال؛ لأن هذا
لأنهم القائمون مقام الرسول عليه الصلاة المال ترك لمرافق المسلمين العامة من
والسلام. وفي قول آخر له: یصرف إلى
مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر
الأنهار وبناء القناطر، يقدم الأهم فالأهم.
وهذا في أربعة أخماس الفيء. فأما السهم
الذي کان له من خمس الفيء والغنيمة فهو
لمصالح المسلمین بعد موته صلی الله علیه
وسلم بلا خلاف ... وکذلك ما خلفه من
المال غیر موروث، بل هو صدقة يصرف
عنه إلى مصالح المسلمين))(١).
وهكذا يقرر القرآن الكريم مبدأ الملكية
العامة في الأمة ويحترمها، ولكنه لا يجعلها
تطغى وتستبد على الملكية الخاصة، بل إنه
يوازن بين الملكيتين بما يحقق لكل منهما
مصلحته، ودون أن تطغى إحداهما على
الأخرى.
ومن الجدير بالذكر: أن دعاة بعض
المذاهب الاقتصادية الفاسدة، يحتجون
بقوله تعالى: ﴿كَیَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَِّ
مِنْكُمْ﴾ على أنه يجوز للدولة أن تستولي
على مصادر الإنتاج ورؤوس الأموال؛
لتعطيها أو تشرك فيها الفقراء، وما يسمونهم
طبقة العمال.
وهذا على ما فيه من كساد اقتصادي،
وفساد اجتماعي، قد ثبت خطؤه، وظهر
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٢.
الإنفاق على المجاهدين، وتأمين الغزاة
في الحدود والثغور، وليس يعطى للأفراد
كما يقولون، ثم هو أساسًا مالٌ جاء غنيمة
للمسلمين، وليس نتيجة كدح الفرد وكسبه.
ولما كان مال الغنيمة ليس ملكًا لشخص،
ولا هو أيضًا كسب لشخص معين، تحقق
فيه العموم في مصدره، وهو الغنيمة،
والعموم في مصرفه، وهو عموم مصالح
الأمة، ولا دخل ولا وجود للفرد فیه، فشتان
بين هذا الأصل في التشريع وهذا الفرع في
التضليل (٢).
ومن حماية القرآن الكريم للملكية العامة
تحريمه الغلول، وهو: ((الخيانة في المغنم
والسرقة من الغنيمة قبل القسمة))(٣).
٤
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلَّ
قال تعالى:
وَمَن يَغْلُلٌ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّ تَوَلَّى
كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل
عمران: ١٦١].
وذلك لأن الغنيمة قبل قسمتها تكون
ملكًا عامًا، فحرم تعالى الأخذ منها وهي
كذلك، وتوعد من يفعله بقوله: ﴿وَمَن يَغْلُلٌ
يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ أي: يحمله يوم
القيامة.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣٢/٨.
(٣) التعريفات الفقهية، البركتي ص ١٥٩.
www. modoee.com
١٢٧

حرف الألف
قال القرطبي: «أي: یأتي به حاملا لهعلی یا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك
شيئًا، قد أبلغتك)(٣).
ظهره ورقبته، معذبًا بحمله وثقله، ومرعوبًا
بصوته، وموبخًا بإظهار خیانته علی رؤوس
الأشهاد))(١).
کما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ذات يوم، فذكر الغلول، فعظمه
وعظم أمره، ثم قال: (لا ألفین أحد کم یجيء
يوم القيامة على رقبته بعیرٌ له رغاءٌ، يقول: يا
رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك
شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم
القيامة على رقبته فرس له حمحمةٌ، فيقول:
يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك
شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء
يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثغاءٌ، يقول:
يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك
شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم
القيامة على رقبته نفسِّ لها صياحٌ، فيقول:
يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك
شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء
يوم القيامة على رقبته رقاعٌ تخفق، فيقول:
يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك
شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء
يوم القيامة على رقبته صامتٌ(٢)، فيقول:
(١) الجامع لأحكام القرآن، ٢٥٦/٤.
(٢) قال النووي: ((والرغاء بالمد: صوت البعير،
وكذا المذكورات بعد وصف كل شيء
بصوته، والصامت: الذهب والفضة)).
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَلَى كُلُّنَفْسِ مَّا
كَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: اعلم يا من
تغل شيئًا ولو کان حقیرًا أنك ستعود إلينا
وستحاسب على ذلك، حسابًا عادلًا لا ظلم
فيه ولا تفویت، وفي هذه الآية تهدید شدید
ووعيد لمن يعتدي على الملكية العامة.
ثالثًا: حفظ الحقوق الخاصة:
ومن مبادئ الاقتصاد التي بينها القرآن
الكريم ودعا إليها: حفظ الحقوق الخاصة،
کالدين، وقد أنزل تعالى بيان حكمه في
أطول آية من کتابه.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
قال سبحانه:
إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ◌َاكْتُبُواٌ
وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَائِبُ بِلْعَدْلِ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
فأمر تعالى بحفظ الدین بکتابته والإشهاد
علیه حتى لا يضيع حق صاحبه، وفي طول
الآية وما فيها من مؤكدات ما يدل على
المبالغة الشديدة في الاحتياط في حفظ
الحقوق لأصحابها وخاصة الحقوق المالية.
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج،
٢١٧/١٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب غلظ تحريم الغلول، رقم ١٨٣١،
١٤٦١/٣.
١٢٨
القرآن الكَرِيْمِ

الاقتصاد
قال الفخر الرازي: ((حث على الاحتياط
في أمر الأموال لكونها سببًا لمصالح المعاش
والمعاد، ... والذي يدل على ذلك أن ألفاظ
القرآن جارية في الأكثر على الاختصار،
وفي هذه الآية بسط شدید، ألا ترى أنه قال:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ﴾.
ثم قال ثانيًا: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَائِبُ
بِاَلْعَدْلِ﴾.
ثم قال ثالثًا: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاِبُّ أَنْ يَكْنُبَ
كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ﴾ فكان هذا کالتكرار لقوله:
﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾؛ لأن
العدل هو ما علمه الله.
ثم قال رابعًا: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ وهذا إعادة
الأمر الأول.
ثم قال خامسًا: ﴿وَلْيُمْلِلِ اَلَّذِى عَلَيْهِ
اَلْحَقُّ﴾. وفي قوله: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ
كَائِبُبِالْعَدْلِ﴾ كفاية عن قوله: ﴿وَلَيُمْلِلِ
الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقّ ﴾؛ لأن الکاتب بالعدل إنما
یکتب ما يملى عليه.
ثم قال سابعًا: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾
فهذا كالمستفاد من قوله ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَرَبَّهُ﴾
ثم قال ثامناً: ﴿وَلَا تْقُوْ أَنْ تَكْثُبُوهُ
صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ وهو أيضًا تأكيد
لما مضى.
ثم قال تاسعًا: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطْ عِندَ اللَّهِ
وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ﴾ فذكر هذه
الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة»(١).
ويضاف إلى ما ذكره الرازي ما بينته الآية
وشددت عليه في مسألة الإشهاد على الدين.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَشِْدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن
رِجَالِكُمْ﴾، ثم بين تعالى الحكم في عدم
فَإِن لَّمْ
وجود شهيدين من الرجال، فقال:
يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانٍ﴾، ثم أكد
على أن يكون الشهيد مرضيًا عنه موثوقًا
فيه، فقال: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾، ثم
﴿أَن
بين تعالى العلة فى تعدد النساء، فقال:
تَضِلَ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾
أي: ((لنقص عقلهن وضبطهن))(٢)، فاحتاط
الشارع لذلك.
قال الفخر الرازي: ((فائدة الكتابة
والإشهاد أن ما يدخل فيه الأجل، تتأخر
فيه المطالبة ويتخلله النسيان، ويدخل فيه
الجحد، فصارت الكتابة كالسبب لحفظ
المال من الجانبين؛ لأن صاحب الدين إذا
ثم قال سادسًا: ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَرَبَّهُ﴾ وهذا علم أن حقه قد قید بالكتابة والإشهاد يحذر
تأکید.
من طلب الزيادة، ومن تقديم المطالبة قبل
حلول الأجل، ومن عليه الدين إذا عرف
ذلك يحذر عن الجحود، ويأخذ قبل حلول
الأجل في تحصيل المال، ليتمكن من أدائه
(١) مفاتيح الغيب، ٢٥٢/٥.
(٢) تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي ص ٦٣.
www. modoee.com
١٢٩

حرف الألف
وقت حلول الدين))(١).
ومن الحقوق الخاصة التي بينها القرآن
الكريم، وحث على حفظها وأدائها إلى
أهلها: الميراث، وقد جاء تفصيل أحكامه
في آيات كثيرة من القرآن الكريم، بين فيها
تعالى تقسيم الفرائض، وحصة كل وارث؛
وذلك لأنه كسب بدون مقابل، والنفوس
متطلعة إلیه فتولى الله تعالی تقسیمه حتى لا
تحصل النزاعات فيه(٢).
وهكذا يقرر القرآن الكريم مبدأ حفظ
الحقوق الخاصة أتم تقرير، ويدعو إلى
حفظها والاحتياط فيها أبلغ درجات
الاحتياط.
ومن المؤسف له في زماننا ما نشاهده
من حرمان المرأة من حقها في الميراث أو
انتقاص حقها، مع ما أمر الله به من الوفاء
بهذا الحق قلیلا کان أو کثیرًا.
﴿يُوصِيكُمْ اَللَّهُ فِيّ
قال سبحانه:
أَوْلَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَبَيْنِ﴾
[النساء: ١١].
رابعًا: التكافل الاجتماعي:
من عظمة الاقتصاد الإسلامي تضمنه
لمبدأ التكافل الاجتماعي، والذي يتحقق به
التعاون والترابط في المجتمع، ويسود بين
أفراده الحب والإخاء والاحترام، وينتشر
(١) مفاتيح الغيب، ٩٢/٧.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣٤/٨.
بينهم جو السلم والأمن، وقد بين القرآن
الكريم هذا المبدأ الاقتصادي وأرسى
معالمه، فمن ذلك بيانه لشريعة الزكاة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِينِ وَاُلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ
وَفِي الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهُ وَاللّهُ عَلِيةٌ
حَكِيمُ
﴾ [التوبة: ٦٠].
فبين تعالى مصارف الزكاة المفروضة:
١. ﴿لِلْفُقَرَآءَ﴾ أي: الذين لا شيء لهم أو
لهم شيء لا يقع موقعًا من كفايتهم.
٢. ﴿وَالْمَسَكِيْنِ﴾ أي: الذين لا يجدون
ما يكفيهم.
٣. ﴿وَالْعَمِلِينَ﴾ أي: المؤتمنين في
السعاية والولاية على جمعها.
٤. ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ﴾ ليسلموا أو
يثبت إسلامهم أو يسلم نظراؤهم أو
يذبوا عن المسلمين.
فك ﴿اَلْرِقَابِ﴾ أي:
٥. ﴿وَفِ﴾
المكاتبين.
٦. ﴿وَالْفَرِمِينَ﴾ أهل الديون.
أي:
٧. ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
المجاهدين.
٨. ﴿وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ أي: المنقطع في
سفره(٣).
فبين تعالى مصارف الزكاة، وهى عماد
(٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٥٠٤/٨.
١٣٠
مُوس حر النفسية العضو
القرآن الكريم

الاقتصاد
مبدأ التكافل الاجتماعي، وبها ينصلح الإسلام أيضًا أن بدأ بالفقراء، وجعل داءهم
هو الداء الأول، الذي يتهدد المجتمع،
بالضياع، ويؤذنه بالهلاك، إن لم تعمل
الجماعة جاهدة على محاربة هذه الآفة،
ورصد كل قواها للقضاء عليها، وشفاء
المجتمع منها)»(٣).
حال المجتمع ويسود العدل والإخاء فيه،
وبدأ تعالى بالفقراء، فهم أحق جماعة
في المجتمع الإنساني بالرعاية والحماية
من آفة الفقر التي تفتك بهم، وتتعبهم في
حياتهم، ومحاربة هذه الآفة بالإضافة إلى
ولقد رغب القرآن الكريم بالإنفاق
عمومًا في آيات كثيرة.
كونها مساعدة للفقراء، فهي في نفس الوقت
حماية للأغنياء أنفسهم، وضمانة لأمنهم
وسلامتهم في أموالهم وأنفسهم من عادية
الفقراء عليهم.
ذلك أن الفقير الذي يجد الغني يعينه
ویکرمه، فإنه سیتمنی له الخیر ویحبه، أما إذا
وجد الفقیر الغني لا یعطیه شيئًا، بل ويزداد
غنى، وهو يزيد فقرًا، فلربما حقد عليه
وأبغضه (١)
وإذا استمر به الحال كذلك فإنه قد يفكر
في السرقة أو النهب أو القتل، وهكذا يفقد
المجتمع أمنه وهدوءه، بل ويفقد خيرة أبنائه
ممن لجؤوا إلى عالم الجريمة والانحراف
ليسدوا احتياجاتهم(٢).
((ومن هنا كان من تدبير الإسلام لمحاربة
الفقر، وحماية الفقراء من قسوة هذه الآفة
المهلكة، أن فرض على المسلمين الزكاة،
وجعلها ركنا من أركان الدين، لمن ملك
نصابًا معينًا من المال، وكان من تدبير
(١) انظر: تفسير الشعراوي ١/ ٤٣١.
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم
الخطيب ٨٠٨/٥.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلٍ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ
وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
فضرب تعالى مثلًا لتضعيف الثواب لمن
أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة
تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف،
﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَائِلَ فِ كُلِّ سُتْبُلَةٍ
مِائَةُ حَّةِ﴾.
قال ابن كثير: ((وهذا المثل أبلغ في
النفوس، من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا
فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها
الله عز وجل، لأصحابها، كما ينمي الزرع
لمن بذره في الأرض الطيبة)»(٤).
وجعل فعل الزكاة سببًا من أسباب
الفلاح في قوله تعالى: ﴿قَدْأَفَلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
[المؤمنون: ١].
(٣) المصدر السابق ٨٠٩/٥.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦٩١.
www. modoee.com
١٣١

حرف الألف
إلى قوله: ﴿ وَلَّذِينَ هُمْ لِلْزَّكَوْمِ فَعِلُونَ﴾
[المؤمنون: ٤].
ومن صور التكافل التي بينها القرآن
الكريم: الإنفاق في الجهاد في سبيل الله،
حيث يتعاون الأفراد ويشتركون في الذود
عن أنفسهم وديارهم، وذلك بالجهاد
بالنفس والمال، والإنفاق على المجاهدين
وتزويدهم بما يحتاجون إليه من مال وعتاد
وغذاء.
قال تعالى: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا
وَجَِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[التوبة: ٤١].
وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَذْكُمْ عَلَى تِجَزَّوْ
◌ُجِكُ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ رَسُولِهِ، وَتَُّهِدُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُمُ
نَقْلُونَ ﴿ يَغْفِرْ لَكُرْ ذُنُوبِكُمْ وَيُدِْكُمْ جَنَّتِ نَّْرِى
مِن ◌َِّهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَكِنَ طَيَِّةً فِى جَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ ) وَأَغْرَى تُعِتُّونَهَا نَصْرُ يِّنَ اللَّهِ وَفَنْحُ قَرِيبٌ
وَكَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾[الصف: ١٠- ١٣].
فجعل تعالى الإيمان به والجهاد في
سبيله بالمال والنفس تجارة رابحة تنجي
صاحبها من العذاب الأليم، ويفوز بالمغفرة
ودخول الجنان، والنصر على الأعداء.
ومن صور التكافل التي بينها القرآن
الكريم: الإنفاق في الكفارات، ومنها:
کفارة الیمین.
قال سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِّ
أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْسَنَّ
فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ فَمَن
لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَئِكُمْ
إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ
لَكُمْ ءَيَنِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
فبين تعالى أن كفارة اليمين المنعقدة
الموثقة بالقصد والنية إذا حنث صاحبها فيها
تکون بإحدی ثلاثة أمور على التخییر بینھا،
وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم
من أوسط ما يطعم الحانث في يمينه أهله،
والمراد بالوسط هنا: المتوسط بين طرفي
الإسراف والتقتیر، أو أن یعتق رقبة، فإن لم
يجد من ذلك شيئًا فليصم ثلاثة أيام(١).
ويرى بعض العلماء أن كلمة (أوسط)
بمعنى الأمثل والأحسن، وهو ما يرجحه
الباحث؛ لأن لفظ الأوسط كثيرًا ما يستعمل
بهذا المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَعُهُمْ أَلَ
أَقُل لَّكُلَوْلَا تُسَيِّحُونَ ﴾ [القلم: ٢٨].
أي: قال أحسنهم عقلًا وأمثلهم فكرًا
ونظرًا(٢).
فجعل تعالى في تكفير العبد عن يمينه
التي حنث فيها ما يتحقق به التكافل بين أفراد
المجتمع، فيطعم أو يكسو ليس مسكينًا
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٨٢/٢-٨٣.
(٢) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ٤ / ٢٦٦.
١٣٢
مُوسُوبَةُ النَّفِّ
القرآن الكريم

الاقتصاد
واحدًا بل عشرة مساکین یواسیهم ویعینهم،
أو أن یعتق رقبة وفي ذلك تحریر لنفس من
العبودية.
كفارة الإفطار في رمضان في حق الشيخ
الكبير أو الزمن.
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُّونَهُ.
فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ
لَّهُ﴾ [البقرة: ١٨٤].
· كفارة الظهار.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ
ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَاسَأَ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بٍِّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ
أَنْ يَتَمَاسَآ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا
"ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهُ
وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: ٤].
والظهار أصله مشتق من الظهر، وذلك
أن الرجل في الجاهلية كان يقول لزوجته:
أنت علي كظهر أمي، وكان الظهار عند
الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة،
وجعل فيه كفارة، ولم یجعله طلاقًا كما
کانوا یعتمدونه(١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّيَعُودُونَلِمَا قَالُواْ﴾، ((أي:
فيه بأن يخالفوه بإمساك المظاهر منها الذي
هو خلاف مقصود الظهار من وصف المرأة
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧/٨.
(٢)
بالتحريم))
ثم بين تعالى الواجب على المظاهر إذا
أراد أن يتدارك ویتلافى ظهاره، ويعود عنه،
أن يعتق رقبة، فإن لم يجد فليصم شهرين
متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين
مسکینًا(٣).
ويفعل ذلك قبل أن يجامع المظاهر
زوجته التي ظاهر منها.
(٢) تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي ص
٧٢٥.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢١٦/٨.
www. modoee.com
١٣٣

حرف الألف
حماية الاقتصاد من عوامل الفساد
شرع المولى سبحانه وتعالى تشريعات
من شأنها أن تحمي الاقتصاد من الانهيار
وعوامل الفساد، وأن تحقق أمن الإنسان
واستقراره وسعادته في الدنيا والآخرة، ومن
عوامل الفساد الاقتصادي التي تحدث عنها
القرآن ما يأتي:
أولًا: الربا:
قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِّبُواْ وَيُرْبِى
الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦].
فنبه تعالى بقوله:
ويَرَبِىِ الصَّدَقَتِ
على أن الزيادة المعقولة المعبر عنها بالبركة
وَمَآءَايَلْتُم
مرتفعة عن الربا، ولذلك قال:
مِّن رِّبًّا لِيَرَبُواْ فِىَ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآ
ءَانَيْتُمْ مِّنْ زَّكَوُمْ تُرِيدُونَ وَجْدَ اللَّهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ
الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩].
فأضاف المضاعفة إلى الزكاة (١).
والربا في الشرع هو: ((فضل خالٍ عن
عوض شرط لأحد العاقدين))(٢).
أو هو: ((فضل أحد المتجانسين على
الآخر من مال بلا عوض»(٣).
وعرفه الشافعية بأنه: ((عقدٌ على عوضٍ
مخصوصٍ غير معلوم التماثل في معيار
(١) انظر: المفردات، الأصفهاني ص ٣٤٠.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص١٠٩.
(٣) أنيس الفقهاء، القونوي ص ٧٧.
الشرع حالة العقد أو مع تأخيرٍ في البدلين أو
أحدهما)) (٤).
وقد حرم الله سبحانه وتعالى الربا حماية
للاقتصاد من عوامل الفساد، وذلك لما فيه
من أضرار وخيمة عليه.
فالفائدة الربوية التي يحصل عليها
المرابي لا تأتي نتيجة عمل إنتاجي، بل
استقطاع من مال الفرد أو مال الأمة دون
مقابل، كما أن فيه دفعًا للمرابي إلى الكسل
والبطالة لتمكنه من زيادة ثروته بدون جهد أو
عناء، كما أن الربا يؤدي إلى ظاهرة التضخم
في المجتمع، وينمي الضغائن والأحقاد
بين أفراده بسبب استغلال بعضهم البعض
في حاجاتهم، وعدم مراعاة أوضاعهم
ومشاكلهم(٥).
وقد توعد القرآن الکریم المرابین بحرب
من الله تعالى.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرِبَوَاْ لَا
يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِّبَوْاْ
وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِبَأْ فَمَن جَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن
رَّبِّهِ، فَأَنْتَهَى قَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ
عَادَ فَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
يَمْحَقُ اللّهُ الرِّبَوَأْ وَيُرْبِ الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لَا
٢٧٥)
(٤) مغني المحتاج، الشربيني ٢/ ٣٦٣، التوقيف،
المناوي ص١٧٣.
(٥) انظر: الاقتصاد الإسلامي أسس ومبادئ
وأهداف، عبدالله الطريقي ص ٨٧.
مُوسُو ◌َة النَِّّ
القرآن الكريم
١٣٤

الاقتصاد
٢٧٦﴾ [البقرة: ٢٧٥-٢٧٦].
يُحِبُّ كُلّ كَفَّارِ أَثِيم
إلى قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِجٌ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَلِكُمْ
لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
وأخبر تعالى أن آكلي الربا: ﴿لَا يَقُومُونَ ﴾
﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى
أي: من قبورهم،
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِ﴾، وتوعدهم
بمحق رباهم، أي: إذهاب بر كته، وبأشد من
ذلك وهو حرب منه تعالى، وبهذا التحذير
القرآني من الربا وتعاطيه حماية للاقتصاد.
ثانيًا: الاحتكار:
قال تعالى: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ
أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْبَنَى
وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَ لَا يَكُنَ دُولَةٌ بَيْنَ
الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].
فبين تعالى أنه لا يريد أن يجعل المال
دولة بين الأغنياء فحسب، أي: يتداولونه
دون غيرهم، بل يريد أن يجعل المال
دولة بين الناس(١)، والاحتكار من أعظم
الأسباب التي تجعل المال دولة بين
الأغنياء، یتحکمون به في قوتهم، ويحددون
سعر بيعہ لهم.
قال الفخر الرازي: ((معنى الآية كي لا
يكون الفيء - الذي حقه أن يعطى للفقراء
ليكون لهم بلغة يعيشون بها - واقعًا في يد
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٣٣٨١/٦.
الأغنياء ودولة لهم)) (٢).
وقد حرم الإسلام الاحتكار؛ لأنه أكل
لأموال الناس بالباطل: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَّلَكُم
بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
ولما فيه من ظلم وتسلط على أموال
الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان
ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على
وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع (٣).
وفي الحديث عن معمر بن عبد الله
رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (لا يحتكر إلا خاطئٌ) (٤).
قال النووي: ((قال أهل اللغة: الخاطئ
بالهمز هو العاصي الآثم، وهذا الحديث
صريح في تحريم الاحتكار ... والحكمة
في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة
الناس، كما أجمع العلماء على أنه لو كان
عند إنسان طعام واضطر الناس إليه ولم
یجدوا غیرہ أجبر على بيعه دفعًا للضرر عن
الناس»(٥).
ثالثًا: السفه:
ومن حماية القرآن الكريم للاقتصاد
(٢) مفاتيح الغيب، ٢٩/ ٥٠٧.
(٣) تاريخ ابن خلدون ١/ ٣٥٧.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب تحريم الاحتكار في الأقوات، رقم
١٢٢٨/٣،١٦٠٥.
(٥) المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي
٠٤٣/١١
www. modoee.com
١٣٥

حرف الألف
من عوامل إفساده: حمايته من تصرفات -إذا طلبوها- أنهم سيدفعونها لهم بعد
السفهاء.
(«السفه: السرف والتبذير ... السفيه: من
ينفق ماله فيما لا ينبغي من وجوه التبذير،
ولا يمكن إصلاحه بالتمييز والتصرف فيه
بالتدبير))(١).
وقد حمى القرآن الكريم الاقتصاد من من الحفظ والتصرف وعدم التعريض
السفه بالحجر على السفیه، رعاية لمصلحته،
ومحافظة على ماله، وحتى لا يكون عالة
على غيره.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ آلَّتِى
جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَهًا وَأَرْزُقُوهُمْ فِيَهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُرْ
قَوْلاً مَّقُروفًا﴾ [النساء: ٥].
قال السعدي: ((السفهاء: جمع ((سفيه))
وهو: من لا يحسن التصرف في المال، إما
لعدم عقله کالمجنون والمعتوه، ونحوهما،
وإما لعدم رشده كالصغير وغير الرشيد.
فنهى الله الأولياء أن يؤتوا هؤلاء أموالهم
خشية إفسادها وإتلافها؛ لأن الله جعل
الأموال قيامًا لعباده في مصالح دينهم
ودنياهم، وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها
وحفظها.
فأمر الولي أن لا یؤتیهم إياها، بل يرزقهم
منها ويكسوهم، ويبذل منها ما يتعلق
بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية،
وأن يقولوا لهم قولًا معروفًا، بأن يعدوهم
(١) الكليات، الكفوي ص ٥١٠.
ضـ
مَوَسُوبَةُ الْمَّقِد
القرآن الكريم
رشدهم، ونحو ذلك، ويلطفوا لهم في
الأقوال جبرًا لخواطرهم.
وفي إضافته تعالى الأموال إلى الأولياء،
إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في
أموال السفهاء ما يفعلونه في أموالهم،
للأخطار»(٢).
وفي سياق حماية الاقتصاد من السفه،
أمر الله تعالى بحفظ مال اليتيم.
قال تعالى: ﴿وَثَلُوا الْيَنَى حَّى إِذَا بَلَغُواْ
النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ
أَمْوَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَيِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ﴾
[النساء: ٦].
أي: اختبروا اليتامى المقاربين للرشد،
فإن تبين رشدهم وصلاحهم في أموالهم،
وبلغوا النكاح، فادفعوا إليهم أموالهم كاملة.
﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾ أي: مجاوزة للحد
الحلال الذي أباحه الله لكم.
﴿وَيِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ﴾ أي: ولا تأكلوها في
حال صغرهم التي لا يمكنهم فيها أخذها
منکم، ولا منعکم من أكلها، تبادرون بذلك
أن يكبروا، فيأخذوها منكم ويمنعوكم
منها (٣).
فحمى القرآن الكريم مال اليتيم من
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ١٦٤.
(٣) انظر: المصدر السابق.
١٣٦