Indexed OCR Text
Pages 21-24
الاضطار الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. فهذه النصوص وغيرها تفيد أن الله عز وجل لا يريد لنا المشقة والتعسير والوقوع في الحرج؛ بل يريد لنا التيسير والتخفيف ورفع الحرج لأداء العبادة التي فرضها سبحانه وتعالى علينا وأدائها على أكمل وجه. أما من السنة النبوية المطهرة، فقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المقصد، ومنها- على سبيل المثال -: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا، ولا تنفروا)(١)، وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة)(٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، رقم ١،٦٩/ ٢٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، رقم ١٧٣٤، ١٣٥٩/٣، عن أنس بن مالك رضي الله عنه. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٢٢٩١، ٣٦/ ٦٢٤، عن أبي أمامة الباهلي. وصححه الألبانيّ في السلسلة الصحيحة، رقم ٠١٠٢٢/٦،٢٩٢٤ ثانيًا: الحفاظ على الضروريات الثلاث: الضروريات جمع كلمة ضروري، والضروريات عرفها علماء الأصول بأنها: ((هي الأمور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة؛ بل على فسادٍ وتهارج، وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبین»(٣)، وهي ضروریات خمس، وقد أجمع العلماء عليها، وهي متمثلة في حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال (٤). وقد ذكر العلماء أنه قد علم بالاستقراء التام الحاصل بتتبع النصوص القرآنية الكريمة، والسنة النبوية المطهرة، ومن خلال قرائن الأحوال والأمارات المتفرقة، علم مراعاة الشارع الحكيم لهذه الضروريات الخمسة، واعتماده عليها في جمیع أحكامه، ويستحيل عليه أن يفوت هذه الضروريات الخمسة في شيء من أحكامه، فجميع التكاليف الشرعية من أوامر ونواه تدور حول هذه الضروريات الخمسة بالحفظ والصيانة (٥). (٣) الموافقات، الشاطبي، ٨/٢. (٤) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، ٢٠٧/٢٨. (٥) انظر: روضة الناظر، ابن قدامة المقدسي، ص٤٨١. www. modoee.com ٢٧ حرف الألف فالإنسان المضطر عندما تلجئه الضرورة ثالثًا: جلب المصالح للعباد ودرء من مخمصة، أو جوع شديد، أو إكراه، أو المفاسد عنهم: خوف على النفس من الهلاك، فتلجئه إلى تناول الحرام وأكله بشرط أن يأكل ما يسد به رمقه ويبقيه على قيد الحياة. كما ورد في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغْ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣. وقوله عز وجل: ﴿غَيّرَ مُتَجَانِفٍ لَإِثْمِ﴾ [المائدة: ٣]. فمراعاته لحكم الاضطرار الذي هو عليه جعله يسعى إلى إنقاذ نفسه من الموت. وذكر الرازي عند تفسيره لقوله تعالى: [البقرة: ١٧٣]: أن الله غيرَ بَاغْ وَلَا عَادٍ﴾ تعالى إنما أباح هذه المحرمات إبقاءً للنفس ودفعًا للهلاك عنها (١). وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. وَلَا تَلْقَظًا بَأَيْدِيَكْرُ إِلَى وقوله تعالى أيضًا: التَّلْكَةِ﴾ [البقرة : ١٩٥]. فإن في الامتناع عن الأكل من المحرمات عند الضرورة سعيًا في قتل النفس، وإلقائها في التهلكة. (١) انظر: مفاتيح الغيب، ٢٠٣/٥. مُوسُو ◌َر الْبَ الوَـ جوبيى القرآن الكريم إن الشريعة الإسلامية مبنية أيضًا على جلب المصالح للعباد ودفع المفاسد عنهم(٢)، وقد تواترت كثير من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على ذلك، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِّلْعَلَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. والمعنى: أي وما أرسلناك بالقرآن وأمثاله من الشرائع والأحكام التي بها مناط السعادة في الدارين إلا لرحمة الناس وهدايتهم في شئون معاشهم ومعادهم. قال المراغي: «بيان هذا أنه عليه الصلاة والسلام أرسل بما فيه المصلحة في الدارين، إلا أن الكافر فوت على نفسه الانتفاع بذلك، وأعرض عما هنالك؛ لفساد استعداده وقبح طويته، ولم يقبل هذه الرحمة، ولم يشكر هذه النعمة، فلم یسعد لا في دین ولا دنیا، * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ كما قال: اللَّهِ كُفْرَاً وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ٢٨ [إبراهيم: ٢٨]. وقال في صفة القرآن: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَأَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمََّّ أُوْلَكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤]))(٣). (٢) انظر: الأشباه والنظائر، السبكي، ١٠٥/١. (٣) تفسير المراغي، ٧٨/١٧. ٢٨ الاضطرار ومن النصوص الدالة على هذه القاعدة أيضًا قوله عز وجل: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاُلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ ل: ٩٠]. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ حيث تعد هذه الآية جامعة لكل الأوامر والنواهي. قال السعدي: «صارت هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات لم يبق شيء إلا دخل فيها، فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات، فكل مسألة مشتملة على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى فهي مما أمر الله به. یعلم حسن ما أمر الله به وقبح ما نھی عنه، وبها يعتبر ما عند الناس من الأقوال وترد إليها سائر الأحوال، فتبارك من جعل في كلامه الهدى والشفاء والنور والفرقان بين جميع الأشياء؛ ولهذا قال: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أي: بما بينه لكم في كتابه بأمركم بما فيه غاية صلاحكم ونهيكم عما فيه مضرتكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ما يعظكم به فتفهمونه وتعقلونه، فإنكم إذا تذكرتموه وعقلتموه عملتم بمقتضاه فسعدتم سعادة لا شقاوة معها))(١). (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٤٧. ووجه دلالة هاتين الآيتين أن الله عز وجل لم يكلف على عباده إلا ما فيه مصلحة يجلبها لهم، سواءً كانت في الدنيا أم في الآخرة، كما أنه تعالى لم يحرم عليهم شيئًا إلا وفيه مفسدة يدفعها عنهم في الدنيا أو في الآخرة، أما من السنة النبوية المطهرة فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار)(٢). وعليه فإن مراعاة الإنسان المضطر لحكم الاضطرار الذي هو عليه جعله يدرأ مفسدة الهلاك عن نفسه، ويجلب لنفسه مصلحة النجاة والبقاء على الحياة. ويخلص من هذا إلى أن مراعاة حكم وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو الاضطرار يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية منكر أو بغي فهي مما نهى الله عنه. وبها من التيسير والتخفيف ورفع الحرج والمشاق عن المكلفين، ومن الحفاظ على الضروريات الثلاث: النفس والعقل والنسب، ومن جلب المصالح ودرء المفاسد. موضوعات ذات صلة: الإكراه، الحرام، الحلال، الضر (٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، رقم ٢٣٤١، ٧٨٤/٢. وصححه الألباني في إرواء الغليل، رقم ٤٠٨/٣،٨٩٦. www. modoee.com ٢٩