Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الأَمَانَةُ عناصر الموضوع مفهوم الأمانة ٢٩٢ الأمانة في الاستعمال القرآني ٢٩٣ الألفاظ ذات الصلة ٢٩٤ الحث على الأمانة ٢٩٥ مجالات الأمانة ٣٠٩ ٣٣٢ الآثار المترتبة على أداء الأمانات المُجَلَدَ الرّابع حرف الألف مفهوم الأمانة أولًا: المعنى اللغوي: الأمانة: ضد الخيانة(١). وهي مصدر مشتق من مادة (أمن) قال في اللسان: (((أمن) الأمان والأمانة بمعنى))(٢). يقال: أمن: أمنًا وأمانًا وأمانةً وإمنًا وأمنةً، بمعنى: اطمأن ولم يخف، فهو آمن وأمن وأمين(٣). فمادة (أمن) تدور حول معنيين: أحدهما: الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها: سكون القلب. والآخر: التصديق، والمعنيان متدانيان (٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرفت الأمانة بأنها: رعاية حقوق الله تعالى بتأدية المرء للفرائض والواجبات، وكذلك المحافظة على حقوق العباد، فلا يطمع الإنسان في وديعة اؤتمن عليها، ولا ينكر مالًاً أو متاعًا أمنه الناس عليه(٥). وعرفها الكفوي بقوله: ((كل ما افترض على العباد فهو أمانة، كصلاةٍ وزكاة وصيام وأداء دين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار)»(٦). وجاء معنی الأمانة بأنها: خلق یعف به الإنسان عما ليس له به حق، ويؤدي ما عليه من الحقوق (٧). وهي على هذا الأساس تشتمل على ثلاثة عناصر: عفة الأمين عما ليس لديه حق في أخذه من الآخرين. تأدية الأمين ما يجب عليه من حقوق لأصحابها. اهتمام الأمين بحفظ ما استؤمن عليه من حقوق، وعدم التفريط بها(٨). (١) مختار الصحاح، الرازي ص٢٦. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٢١/١٣. (٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١ / ٢٨. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٣٣/١. (٥) انظر: موسوعة أخلاق القرآن، الشرباصي ١٥/٢. (٦) الكليات ص ١٨٧. (٧) انظر: الأخلاق الإسلامية، عبدالرحمن حبنكة الميداني ١/ ٦٤٥. (٨) انظر: الأخلاق في الإسلام، كايد فرعوش وآخرون ص ١٢٢. ٢٩٢ مَوَسُولَةُ النَِّّ القرآن الكريم الأمانة الأمانة في الاستعمال القرآني وردت مادة (أمن) في القرآن الكريم (٨٧٩) مرة، يخص موضوع البحث منها (٢١) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَسَتَهُ. ١ [البقرة: ٢٨٣] ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ الاسم ٦ [الأحزاب: ٧٢] ـومـ ٦٨ الصفة المشبهة ١٤ ﴿أَلِغُكُمْ رِسَلَتِ بَنٍ وَأَنَا لَكُنْ نَامِعُ أَبِينُ [الأعراف: ٦٨] وجاءت الأمانة في الاستعمال القرآني بمعنى: كل ما عهد به إلى الإنسان وائتمن بالمحافظة عليه من فرائض أو طاعات، أو غير ذلك (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ٤ /١٨٥-١٩٧. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٧٣، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص١٠٤، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/ ١٥٢. www. modoee.com ٢٩٣ المثال الفعل الماضي حرف الألف الألفاظ ذات الصلة العهد: ١ العهد لغةً: هو الموثق الذي يعطيه الإنسان لغيره، ويقال: عهد إليه، أي: أوصاه. فهو: التزام بين اثنين، أو أكثر على شيء يعامل كل واحد من الجانبين الآخر به، وسمي عهدًا؛ لأنهما يتحالفان بعهد الله، أي: بأن يكون الله رقيبًا عليهما في ذلك(١). العهد اصطلاحًا: قال الراغب: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال(٢). الصلة بين العهد والأمانة: العهد من الأمانات التي يجب على المسلم حفظها، بينما الأمانة عامة، تشمل العهد وغيره، فهي تعم جميع وظائف الدين، فكل عهد أمانة، وليس العكس. وأحيانًا يقال للشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه: أمانة وعهدًا(٣). الميثاق : ٢ الميثاق لغةً: هو مصدر بمعنى التوثقة (٤) وهو: العهد المؤكد بيمين أو نحوه، والفرق بين الميثاق والعهد: أن الميثاق توكيد العهد من قولك: أوثقت الشيء إذا أحكمت شده، وقال بعضهم: العهد يكون حالًا من المتعاهدين، والميثاق يكون من أحدهما(٥). الميثاق اصطلاحًا: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، فهو الموثق باليمين مما يلزم مراعاته. الصلة بين الميثاق والأمانة: الفرق بين الأمانة والميثاق كالفرق بين الأمانة والعهد من حيث العموم والخصوص، فالأمانة عامة، تشمل كل ما اؤتمن عليه الإنسان، والميثاق خاص بالعهد المؤكد باليمين. (١) التحرير والتنوير ٢٨١٩/١. (٢) المفردات ص٥٩١. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ١٦٦. (٤) القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ١١٩٧. (٥) الفروق اللغوية، العسكري ١/ ٥٢٥. ٢٩٤ مُوسُو ◌َرُ النَّفِيَّة القرآن الكريم الأمانة الحث على الأمانة تنوعت الأساليب القرآنية في الحث على الأمانة؛ حثًا للعباد على التمسك بها، وسوف نتناولها فيما يأتي: أولًا: الأمر الصريح بأداء الأمانة: أمر الله تعالى في كتابه الكريم بأداء الأمانات إلى أهلها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ أَلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. والمعنى: إن الله تعالى يأمركم بأداء مختلف الأمانات التي اؤتمنتم عليها إلى أصحابها، فلا تفرطوا فيها، ولا تضيعوها. ﴿إِنَّ﴾ وتصدير الكلام بكلمة التحقيق تأكيد لوجوب امتثال الأمر، والدلالة على الاعتناء بشأنه، وإضافة (الأمر) إلى الله سبحانه وتعالى يفيد معنى التأكيد أيضًا، كما يقال لتأكيد الأمر للعبد بالطاعة: سيدك يأمرك بكذا، ولله المثل الأعلى في أوامره ونواهيه. وهذه الصیغة صيغة قوة وسلطان، فهو لم يقل: إني آمركم، إنما قال: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ يأمركم بألوهيته وعظمته وهذا نحو: إن الرئيس يأمر بكذا، فهذا أبلغ وأقوى من قولنا: صدر قرار بكذا وكذا. واسم الجلال ﴿اللّهَ﴾ أيضًا يوحي بالخشية والرهبة على عقبى التفريط بها، ثم إن الخطاب المباشر منه تعالی للناس كافة ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ دون توسيط الرسول صلى الله عليه وسلم الذي تنتهي مهمته بالإبلاغ مما زاد الأمر تأكيدًا وأهمية. فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ خبرًا في الظاهر، لكنه في حقيقته أمر وطلب، فهو كاسم فعل الأمر، وكصيغة (عليك) في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ وكقوله سبحانه: الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وعلى هذا فجملة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ صريحة في الوجوب، مثل صراحة النهي في قوله في الحديث: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)(١). ثم هو تعالى يأمر الناس جميعًا من عنده الأمانة والمجتمع الذي يراقب ويتابع ويساعد على التنفيذ، ويأمر بالأداء بفعل المضارع المفيد استمرار الوفاء بحق الأمانة؛ لتظل شارة الأمة التي تريد لنفسها البقاء، ثم هو الأداء إلى أهل الأمانة فجارًا كانوا أم أبرارًا. فالخطاب في قوله: ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ خطاب يعم حكمه المكلفين قاطبة، كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم، ٢٤٤٩/٦، رقم ٦٢٧٠. www. modoee.com ٢٩٥ حرف الألف بذممهم من حقوق الله تعالى وحقوق مفتاح الكعبة من حجبتها، وهم بعض بني شيبة، فجاء الأمر من الله للنبي صلى الله العباد، سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية، وإن كان هذا الأمر قد ورد في شأن عثمان بن طلحة بن عبد الدار سادن الكعبة المعظمة. عليه وسلم أن يرد لهم مفاتيح الكعبة إلا أن الآية أعم من ذلك، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان رضي الله عنه باب الكعبة، وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: «لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه»، فلوی علي بن أبي طالب رضي الله عنه یده، وأخذه منه وفتح، ودخل النبي صلی الله عليه وسلم، وصلى رکیتین، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له السقاية والسدانة، فنزلت الآية - وظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة-، فأمر عليًا أن يرده إلى عثمان، ويعتذر إليه، فقال عثمان لعلي: ((أكرهت وآذيت، ثم جئت ترفو؟!))، فقال: ((لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنًا))، فقرأ علیه الآية، فقال عثمان: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله»، فهبط جبريل عليه السلام، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبدًا(١). فيكون الخطاب لكل من يصلح لتلقي هذا الخطاب والعمل به من كل مؤتمن على شيء، ومن کل من تولی الحکم بین الناس في الحقوق(٢). فهو أمر عام للمؤمنين جمیعًا، لا يختص به راع دون الرعية، ولا قوي دون ضعيف، ولا غني دون فقير، وهذا يدل على أهمية الأمانة، وتأكيد طلبها، وأنها فضيلة مطلقة. وظاهر الآية أيضًا يفيد أن الأمر لعموم الناس مؤمنهم وكافرهم، ومن أهل العلم من قال: هو أمر لعموم المؤمنين. وعبر بالأداء في قوله: ﴿أَنْ تُؤَدُّواْ﴾؛ لأن الأداء: دفع الحق وتوفيته كاملًا، وهذا الموضع كقوله تعالى: ﴿فَلْيُوَّةِ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقال: ﴿وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. قال السعدي: ((وفي قوله: ﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾ والمقصود أنه وإن كان هذا خطابًا دلالة على أنها لا تدفع وتؤدى لغير المؤتمن، للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخذ ووكيله بمنزلته؛ فلو دفعها لغير ربها لم يكن (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٩٣/٢. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٩٦٩. مَوَسْو ◌َةُ النَّفي جوبيى القرآن الكريم ٢٩٦ الأمانة مؤدیًا لها)»(١). ولهذا أجمعوا على أن الأمانات مردودة إلی أربابها، الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن المنذر(٢). وفي حديث سمرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)(٣). فإطلاق اسم الأمانة في الآية حقيقة؟ لأن عثمان سلم مفتاح الكعبة للنبي صلى الله عليه وسلم دون أن يسقط حقه، والأداء حينئذٍ مستعمل في معناه الحقيقي؛ لأن الحق هنا ذات یمکن إيصالها بالفعل لمستحقيها، فتكون الآية آمرة بجميع أنواع الإيصال والوفاءات، ومن جملة ذلك دفع الأمانات الحقيقة، فلا مجاز في لفظ: ﴿تُؤَدُّواْ ﴾(٤). فيكون أداء الأمانة واجبًا عقلًا وشرعًا؛ لأن أداء الأمانة صفة من صفات الكمال، محبوبة بالذات؛ ولأن أداء الأمانة من أحد الجانبين سبب لأداء الأمانة من الجانب الثاني؛ قال بعض الصحابة: ((رأيت أعرابيًا (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٨٣. (٢) الإجماع، ابن المنذر ص٣٦. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٤/ ١٥٠، رقم ١٥٤٢٤، وأبو داود في السنن، كتاب الإجارة، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده ٣١٣/٣، رقم ٣٥٣٦، والترمذي في سننه، أبواب البيوع ٣/ ٥٦٤، رقم ١٢٦٤. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٧٨٣، رقم ٤٢٣. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩٧٠/١. أتی باب المسجد، فنزل عن ناقته وتركها، ودخل المسجد، وصلى بسكينة ووقار، و دعا بما شاء، فتعجبنا، فلما خرج لم يجد ناقته، فقال: إلهي أديت أمانتك، فأين أمانتي؟ قال الراوي: فزدنا تعجبا، فلم یمکث حتى جاء رجل على ناقته، وقد قطع يده، وسلم الناقة إليه، والسبب أنه لما حفظ أمانة الله، حفظ الله أمانته)» (٥). وجمع (الأمانات) هاهنا باعتبار تعدد أنواعها، وتعدد القائمين بالحفظ، تنصيصًا على العموم. فللأمانة معانٍ كثيرة مادية ومعنوية، تدور كلها على صون حقوق الله، وحقوق الناس، في سائر الأعمال والأحوال، كما تتسع دائرة الأمانة؛ لتشمل المؤمن والكافر والبر والفاجر. قال السعدي: ((الأمانات كل ما ائتمن عليه الإنسان، وأمر بالقيام به، فأمر الله عباده بأدائها، أي: كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوسة، ولا ممطولًا بها، ويدخل في ذلك أمانات الولايات، والأموال، والأسرار؛ والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله، وقد ذكر الفقهاء على أن من اؤتمن أمانة وجب علیه حفظها في حرزٍ مثلها. قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها؛ فوجب ذلك»(٦). (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢٨/١. (٦) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٨٣. www. modoee.com ٢٩٧ حرف الألف ويدخل في ذلك: أمانات الطبيب أن يؤدي إلى المريض حقه من التشخيص، وأمانات أصحاب الصنائع أن يتقنوا صناعاتهم، وينصحوا للناس، كما علمهم الله تبارك وتعالى. ومن الأمانات الأمانة العلمية، فالعالم استؤمن علی العلم فعليه أن یؤدیه إذا طلب منه. ومن الأمانة تسخير الحواس والجوارح في طاعة الله، واستعمالها في مرضاته، ومن الأمانة أداء الحقوق، وحفظ الودائع، ثم تأديتها إلى أصحابها، برًا كان أم فاجرًا، وسواء كان مسلمًا أم كافرًا. ومن الأمانة صيانة أعراض المسلمين، وستر عوراتهم، وحفظ المجالس، وتجنب إفشاء الأسرار، والمبالغة في سرد الأخبار، والتحدیث بکل ما يسمع ويقال. ومن الأمانة حفظ الأسرار الزوجية؛ وأمانة الزوجين القيام بواجباتهما الأسرية؛ وذلك بإلزام أهل البيت بالفرائض والواجبات، وتربيتهم على الفضائل والمستحبات، وتطهير البيت من المنكرات. ومن الأمانة إتقان العمل المناط بالمسلم، فيؤدي المرء ما عليه على خير وجه، فالعامل يتقن عمله ويؤديه بإجادة وأمانة، وهكذا يؤدي كل امرئٍ واجبه بأمانة وجد واجتهاد. والأمانة في الإسلام كالعدل مطلقة لا نسبية، وترتفع قيمة الأمانة إلى حد لا يغني بذل الحياة عنها. وقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((القتل في سبيل الله یکفر الذنوب كلها إلا الأمانة، ثم قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله، فيقال: أد أمانتك، فيقول: أي: رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ قال: فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منکبیه، حتى إذا نظر ظن أنه خارج زلت عن منکبیه، فھو یھوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عدها، وأشد ذلك الودائع)»(١). وبهذا ندرك سر حرص النبي صلى الله علیه وسلم على التذكير بها في كل موعظة، فقد جاء عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: (لا إيمان لمن لا عهد له)(٢). (١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٨٨/٦. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ١٥٧، رقم ١٧٦٣ . (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٢/٢٠، رقم ١٢٥٦٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٧١٧٩. ٢٩٨ صَوْسُودَةُ النَّهـ جوديو القرآن الكريم الأمانة ومن هنا اشترط فیمن یتولی أمور سواء أكان فسادًا معنويًا، أم كان فسادًا ماديًا، المسلمين أن يكون قادرًا على الوفاء بحق والأول أعلى أنواع الفساد، والثاني أدناها، الأمانة، ولیس کل مسلم صالحًا لها، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)(١). والمقصود: أن الله أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت من باب المذاهب والديانات، أو من باب الدنيا والمعاملات(٢). ومعنى أدائها إلى أهلها توصيلها إلى ذويها كما هي، من غير بخس ولا تطفيف، وأهل الأمانة هم مستحقوها، يقال: أهل الدار، أي: أصحابها. فالعالم يؤدي أمانة العلم من غير زيادة عليها ولا تحريف لها؛ لأن الزيادة طمس لمعالم العلم، والتحريف تبديل للحق، فمن أوتي علمًا بالقرآن لا يؤله لهوى في نفسه، بل يقدمه للناس من غير تحريف للكلم عن مواضعه، والحكم كذلك أمانة في أعناق الحكام، عليهم أن يؤدوا الأمانة فيه بإقامة العدل، وتوخي المصلحة، وتجنب الفساد، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، ١٤٥٧/٣، رقم ١٨٢٥. (٢) غرائب القرآن، النيسابوري ١٣/٣. ومن أمانة الحكم ألا يشقوا على الرعية، وألا يفسدوا ضمائرهم، ولا يزعجوهم بالتظنن والتتبع، ما داموا مؤمنين مذعنين ... ، وإذا كانت رعاية الأمانات وأداؤها واجبًا مفروضًا على الأمة كلها حاكمها ومحكومها، وأنها متفاوتة المراتب، فإن الحاكم قد اختص بواجب آخر هو العدل، وهو من نوع الأمانة التي اختص بها؛ ولذا قال سبحانه بعد الأمر بأداء الأمانات: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨](٣). ثانيًا: وصف جبريل عليه السلام بالأمين: ومما يرغب في الأمانة أنها من صفات أشرف الملائكة المقربين، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فقد أخبر الله تبارك وتعالى أن مما اتصف به جبريل من الصفات صفة الأمانة، فقال: غَلَ بهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. ففي قوله: ﴿اَلْأَمِينُ﴾ دلالة على أنه مؤتمن على ما أرسل به، لا يزيد فيه ولا ينقص منه؛ فإن الرسول الخائن قد يغير الرسالة، ويدل هذا على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله؛ لأن الرسول (٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ١٧٢٤. www. modoee.com ٢٩٩ حرف الألف المؤتمن على إنزاله قوي لا یغلب علیه حتى بوحیه إلی رسله ... ، وقد بین الله تعالی لنا یغیر فیه، أمین لا یغیر ولا يبدل. وفي هذه الآية إشادة بنزول القرآن من عند الله تعالى بواسطة جبريل الأمين، وحققت صدقه بأنه نزل به ﴿الرُّوحُ﴾ ويطلق لفظ: ﴿اَرُوعُ﴾ على الملك الذي ينزل بالوحي على الرسل، وهو جبريل عليه السلام. وسمي روحًا من حيث إنه خلق من الروح، فھو روح کله، لا کالناس الذين في أبدانهم روح(١). أو لأن نجاة الخلق في باب الدين متوقف على ما جاء به، فهو كالروح الذي تثبت معها الحياة، أو لأن الدين يحيى به، وقيل: سمي روحًا على المجاز لمحبته وتقريبه، كما تقول لحبيبك: روحي(٢). وسماه أمينًا؛ لأنه مؤتمن على وحيه لأنبيائه(٣) . فهو مقبول القول، مصدقٌ بقوله، مؤتمن على ما يرسل به، ويؤدي من وحي، وامتثال أمر (٤). وقد كان لجبريل عليه السلام من الصفات الحميدة العظيمة من الكرم، والقوة، والقرب من الله تعالى، والمكانة والاحترام بين الملائكة، والأمانة، والحسن، والطهارة ما جعله أهلًا لأن يكون رسول الله تعالى (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ١. (٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١١/ ٥٠. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ١. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٧/ ٢. هذه الأوصاف في القرآن، وهي تدل على عظم القرآن و عنایته تعالی، فإنه لا يرسل من كان عظيمًا إلا بالأمور العظيمة. قال عز وجل في صفته في الآية الأخرى: ﴿إِنَُّ، لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرٍِ (٢) ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩-٢١]. فنجد في هذه الآيات أن الله تعالى وصف جبريل عليه السلام بست من صفات الکمال، أحدها: کونه رسولًا لله، وثانيها: كونه كريمًا على الله تعالى، وثالثها: كونه ذا قوة عند الله، ورابعها: كونه مکینًا عند الله، وخامسها: كونه مطاعًا في عالم السموات، وسادسها: كونه أمينًا في كل الطاعات، مبرءًا عن أنواع الخيانات ... ، وكما وصف جبريل عليه السلام هاهنا بهذه الصفات الست وصف محمدًا صلى الله عليه وسلم أيضًا بصفات، وهي قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًّا إِلَى اَللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]. فالوصف الأول: كونه شاهدًا، والثاني: کونه مبشرًا، والثالث: کونه نذيرًا، والرابع: کونه داعیًا إلی الله تعالی بإذنه، والخامس: کونه سراجاً منیرًا. والمقصود أن جبريل عليه السلام قوي شديد أمين كريم، لا يمكن أبدًا أن يفرط بهذا ٣٠٠ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الأمانة الوحي الذي نقله إلى محمد صلى الله عليه أهم المهمات، وأشرف الرسائل. ويدل وسلم. وهذه الصفات في مجموعها توحي بكرامة هذا القول وضخامته، وسموه كذلك وارتفاعه، كما توحي بعناية الله سبحانه بالإنسان؛ حتى إنه ليختار هذا الرسول صاحب هذه الصفة؛ ليحمل الرسالة إليه، ويبلغ الوحي إلى النبي المختار منه، وهي عناية تخجل هذا الكائن الذي لا يساوي في ملك الله شيئًا، لولا أن الله سبحانه يتفضل عليه، فيكرمه هذه الكرامة! وكأن المعنى: هذه صفة الرسول الذي حمل القول وأداه، فأما الرسول الذي حمله إليكم فهو ﴿صَاحِبُّكُمْ﴾ [التكوير: ٢٢]. عرفتموه حق المعرفة، عمرًا طويلًا، فما لکم حین جاءكم بالحق تقولون فيه ما تقولون، وتذهبون في أمره المذاهب، وهو صاحبكم الذي لا تجهلون؟! وهو الأمين على الغيب الذي یحدثكم عنه عن یقین(١). وقد جاء في قوله: ﴿قُطَاعِ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ أنه: أمين على سبعين حجابًا يدخلها بغير إذن (٢). وهذا كله يدل على شرف القرآن عند الله تعالى، فإنه بعث به هذا الملك الکریم، الموصوف بتلك الصفات الكاملة، والعادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٧/ ٤٧٣. (٢) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٨/ ٤٣٤. على أهمية صفة الأمانة؛ وصف جبريل بها، وأنه ينبغي الحرص على الاتصاف بها، والتشبه بالرسول الملكي والرسول البشري المتصفين بهذه الصفة. ثالثًا: وصف الأنبياء عليهم السلام بالأمانة: ومما يرغب في الأمانة أنها من صفات الأنبياء، ومن مستلزمات الرسالة؛ إذ كل رسول قال لقومه: ﴿إِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ} [الشعراء: ١٠٧]. فإن الرسول لا يبعث إلا وهو معروف بالأمانة، وحسن الخلق قبل الرسالة. فهذا نوح يقول لقومه: ﴿إِنّ ◌َكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٧]. وجملة ﴿إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ﴾ تعليل للإنكار، أو للتحضیض، أي: کیف تستمرون علی الشرك وقد نھیتکم عنه وأنا رسول لکم، أمين عنكم، وكان نوح موسومًا بالأمانة، لا يتهم في قومه، كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يلقب الأمين في قريش؛ ولهذا قال النابغة الذبياني(٣): فألفیت الأمانة لم تخنها کذلك کان نوح لا یخون وتأكيده بحرف التأكيد ﴿إنّ﴾ مع عدم (٣) انظر: ديوان النابغة الذبياني ص ٧٣. www. modoee.com ٣٠١ حرف الألف سبق إنکارهم أمانته؛ لأنه توقع حدوث الإنكار، فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة، فإن الأمانة دليل على صدقه فيما بلغهم من رسالة الله. کما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله: (هل جربتم عليه، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم كذبًا؟)) فقال أبو سفيان: ((لا، ونحن منه في مدة، لا ندري ما يفعل فيها)»، فقال له هرقل بعد ذلك: ((قد علمت أنه ما كان ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله!» ففي حکاية استدلال نوح بأمانته بين قومه في هذه القصة المسوقة مثلًا للمشركين في تكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وسلم تعريض بهم إذ كذبوه بعد أن كانوا يدعونه الأمین، ویحتمل أن يراد به أمين من جانب الله على الأمة التي أرسل إليها (١). وقال نوح عليه السلام أيضًا في موضع آخر: ﴿أَبَّغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنَاْ لَكُنْ نَائِعُ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]. فجاء بوصف الأمانة وهي الوصف العظيم الذي حمله الإنسان، ولا أمانة أعظم من أمانة الرسالة، وإيصال أعبائها إلى المكلفين، والمعنى: أني عرفت فيكم بالنصح، فلا یحق لكم أن تتهموني، وعرفت بالأمانة فيما أقول فلا ينبغي أن أكذب. وقوله: ﴿آِيئُ﴾ یحتمل أن يريد على (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٢٧/١. الوحي والذکر النازل من قبل الله، ويحتمل أنه أمين عليهم وعلى غيبهم، وعلى إرادة الخير بهم، والعرب تقول: فلان لفلان ناصح الجيب، أمين الغيب، ويحتمل أن يريد به من الأمن، أي: جهتي ذات أمن لكم من الكذب والغش (٢). والمعاني كلها متقاربة وصحيحة. وقال موسى عليه السلام: ﴿أَنْ أَدُّواْ إِلَ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴾ [الدخان: ١٨]. أي: على وحيه ورسالته، صادق في دعواه بالمعجزات، وهو علة للأمر بالتأدية، وفيه إشارة إلى أنه يلزم تأدية بني إسرائيل إلى موسى عليه السلام لكونه أمينًا. وهكذا نجد أن الأمانة شرط أساس لاصطفاء الرسل، وهي من أبرز أخلاقهم، ولقد تجلى هذا الخلق العظيم في أبهى وأزهى صوره في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد عرف بالأمانة والصدق حتى لقبته قريش بالصادق الأمين، ويدل على ذلك قصة رفع الحجر الأسود عند بناء الكعبة المشرفة، عندما تنازعوا فى استحقاق شرف رفعه، ووضعه في مكانه من البيت، حتی کادوا يقتتلون لولا أنھم احتکموا لأول من يدخل من باب الصفا، وكان صلى الله عليه وسلم هو أول من دخل، فقالوا: قبلنا به حكمًا، هذا هو الصادق الأمين، فرفعوه (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٧٦/٥. مَوَسوبر البشير لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٠٢ الأمانة في ثوب، ثم أخذه صلى الله عليه وسلم بیدیه، ووضعه في الركن المعد له في الكعبة المشرفة(١). فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان ولا يخاف منه على مال أحد ولا على نفسه؛ يعرف بالأمين قبل النبوة، وبعد حمله الرسالة مثل الأمانة حق تمثيل، حتى وكل عليًا رضي الله عنه في أداء الأمانات لأهل مكة، بعد أن طردوه منها (٢). وكانت تلك شهادة أعدائه فيه، كما جاء في حوار أبي سفيان وهرقل، حيث قال هرقل: ((سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة، والصدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي)»، وفي موضع آخر: ((وسألتك هل يغدرون))(٣). ولئن كانت هذه صفة أصحاب الدعوات فإن أتباعهم كذلك متميزون؛ ولذلك اقترن تعريف المؤمن بسلوكه المميز، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم) (٤). (١) أخرجه أحمد ٢٦١/٢٤، رقم ١٥٥٠٤. (٢) انظر: معرفة السنن والآثار، البيهقي ١٠ / ٤٩٢، رقم ٤٠٩٤. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلی الله علیه وسلم، ٧/١، رقم ٧. (٤) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله، ١٢٩٨/٢، رقم أي: الإيمان والأمانة أخوان، بحيث لا وجود للإيمان بدون الأمانة، فمن كان أمينًا بحيث يأمنه الناس على أموالهم ونفوسهم فذلك الحقیق بأن یسمی مؤمنًا. فالرسل أمناء الله علی وحیه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء) (٥). وكذلك كل من جاء بعدهم من العلماء والدعاة فهم أمناء في تبليغ هذا الدين إلى الناس. والمقصود أن الأمانة صفة وشعار كل الرسل والدعاة الصادقين الصالحين، في يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا كل الأمم والعصور، فالرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة، وإبلاغ الأمانة، وقد قاموا بذلك أتم القيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق، وهذا يقتضي تعظيم الأمانة، والاقتداء بهم ٣٩٣٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٦٦٥٨. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما إلى اليمن قبل حجة الوداع، ٤/ ١٥٨١، رقم ٤٠٩٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، ١١٠/٣، رقم ٢٥٠٠. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الألف في هذه الصفة؛ لأن الاقتداء بالأنبياء مأمور ألا نريك يا أمير المؤمنين كيف كان يجلس به. وكذلك كان للأمانة عند أتباع الأنبياء شأن عظيم، فقد رعوها حق رعايتها، وعظموا شأنها، وحثوا عليها، ففي فتوحات فارس غنم المسلمون غنائم كثيرة، و کان من أعجب ما أخذوا من الغنائم البساط -بساط كسرى-، وهذا البساط كان كبير الطول والعرض، وكان كسرى إذا جاء الشتاء يشتاق إلى الربيع، فأمر المهرة والمهندسين والفنيين، فصنعوا له هذا البساط العظيم، وجعلوا اليواقيت فيه مثلما تنبت الأزهار في الربيع ملونة بالألوان المعروفة، فأخذوا اللآلئ واليواقيت والجواهر ولونوها بلون الأزهار، وغرسوها في هذا البساط العظيم، فيجلس کسری في إيوانه في وسط هذا البساط العجيب، ولم يكن لدى أحد من ملوك الأرض مثل هذا البساط، ولكن ماذا يفعل المسلمون؟ لابد أن يبعثوا بكل هذه الغنائم إلى بيت المال؛ ليقسمها عمر رضي الله عنه، ويعطي من شاء، كما فرض الله سبحانه وتعالى، فکیف کان العمل؟ ليس هناك من وسيلة لنقل هذا البساط کاملا، فقالوا: لابد أن نقطعه، ويحمل کل جمل ما يستطيع، فقطعه سعد رضي الله عنه ومن معه، حتى أوصلوه إلى المدينة، وقالوا لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: كسرى؟! ففرشوا ذلك البساط، وضموا كل قطعة إلى الأخرى، وعمر رضي الله عنه واقف يتأمل ويتفحص، ويتعجب حيث لم تنقص منه لؤلؤة واحدة، فقال: ((إن قومًا أدوا هذا لأمناء)) وقد قال ابن أبي نجيح: «لما أتي عمر بتاج کسری وسواريه جعل يقلبه بعود في يده، ويقول: والله إن الذي أدى إلينا هذا لأمين، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنت أمین الله، يؤدون إلیك ما أدیت إلی الله، فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت))(١). أي: أن جیش المسلمین جیش أمین حین أدى ذلك؛ لأن ياقوتة واحدة يضعها في جيبه قيمتها بعشرة آلاف دينار! ولم يكن العرب قبل الإسلام يحلمون بألف ولا بمائة درهم أن یکسبها الواحد من أموال کسری، لکن عمر رضي الله عنه وجد البساط كاملًا! فتعجب من هذه الأمانة! وكان بجواره أحد الصحابة فقال: ((يا أمير المؤمنين عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا)) أي: لو أنك خنت لخانوا، فهؤلاء جيشك تربوا على الإيمان الذي تربيت عليه. إنها الأمانة التي فقدتها الأمة الإسلامية؛ لأن هؤلاء القوم لم يخرجوا إلا ابتغاء وجه الله، وقاتلوا في سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله، وماذا تساوي يواقيت كسرى بالنسبة (١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٣٥٧. ٣٠٤ القرآن الكريم الأمانة إلى جنات النعيم؟! لأن من دخله کان آمنًا، فالأمین فعیل بمعنی: وماذا يساوي أخذ شيء من هذه الدنيا مفعل، ويجوز أن يكون بمعنى: مفعول، على وجه الإسناد المجازي، أي: المأمون ساکنوه. الفانية إذا كان الإنسان متوعدًا علیه بغضب من الله عز وجل، ونارٍ في الدار الآخرة؛ فلذلك أدوا تلك الغنائم کاملة، وشهد لهم عمر رضي الله عنه بالأمانة. ومما يدل على مكانة الأمانة عند السلف أتباع الأنبياء ما جاء عن عمر رضي الله عنه أنه کان یقول: «لا یغرنك صلاة امرئ ولا صومه، من شاء صام ومن شاء صلى، ولكن لا دين لمن لا أمانة له)) (١). وقال نافع مولى ابن عمر رضي الله الساكن أول ما يتطلب الأمن وهو السلامة عنهما: ((طاف ابن عمر سبعًا، وصلى ركعتين، فقال له رجل من قريش: ما أسرع ما طفت وصليت يا أبا عبد الرحمن! فقال ابن عمر: أنتم أكثر منا طوافًا وصیامًا، ونحن خير منكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وإنجاز الوعد»(٢). رابعًا: وصف مكة المكرمة بالبلد لأمين: وصف الله تعالى مكة بالبلد الأمين، بقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣]. والمراد: مكة باتفاق (٣). وسمي الأمين (١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٨٨/٦. (٢) انظر: أخبار مكة، الفاكهي ١/ ٣٧٢، الآداب الشرعية، ابن مفلح ١ / ٤٠. (٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٣٩/٣. قال تعالى: ﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]. والإشارة إليه بقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ﴾ للتعظيم، ولأن نزول السورة في ذلك البلد، فهو حاضر بمرأى ومسمع من المخاطبين، نظير قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١](٤). والأمن أكبر شروط حسن المكان؛ لأن من المكاره والمخاوف، فإذا كان آمنًا في منزله كان مطمئن البال، شاعرًا بالنعيم الذي یناله. وأمين للمبالغة، أي: آمن من فيه وما فیه من طیر و حيوان ... ، وأمانته حفظه من دخله، کما وصف بالآمن، في قوله: ﴿حَرَمًا ءَامِنًا﴾ [القصص: ٥٧]. بمعنى: ذي أمن. وفائدة القسم بهاتيك البقاع المباركة المشحونة ببركات الدنيا والدين إبانة شرفها، وما ظهر فيها من الخير بسكنى الأنبياء والصالحين(٥). وفيه إشارة إلى موارد أعظم الشرائع الواردة للبشر، فـ (التين) إيماء (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨٥٦/١. (٥) البحر المحيط، أبو حيان ١٠/ ٤٩٨. www. modoee.com ٣٠٥ حرف الألف إلی رسالة نوح، وهي أول شريعة لرسول، و(الزيتون) إيماء إلى شريعة إبراهيم ... ، و ﴿وَطُورِ سِينَ﴾ إيماء إلى شريعة التوراة، و﴿الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ إيماء إلى مهبط شريعة الإسلام، ولم يقع إيماء إلى شريعة عيسى؛ لأنها تكملة لشريعة التوراة، وقد يكون الزيتون على تأويله بالمكان وبأنه المسجد الأقصی إیماء إلی مکان ظهور شريعة عيسى عليه السلام؛ لأن المسجد الأقصى بناه سليمان عليه السلام، فلم تنزل فيه شريعة قبل شريعة عيسى، ويكون قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣]. إيماء إلى شريعة إبراهيم وشريعة الإسلام، فإن الإسلام جاء على أصول الحنيفية؛ وبذلك يكون إيماء هذه الآية ما صرح به في قوله تعالى: ﴿﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ اُلْذِينِ مَا وَصَّى بِه نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيً﴾ [الشورى: ١٣](١). والمقصود أن مكة المكرمة هي البلد الأمین والآمن، وقد وردت آيات كثيرة تبين هذا غير ما سبق، منها: قوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَا وَيُنَخَفَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨٥٦/١. مَوَسُولَةُ التَّقة القرآن الكريم وهو استجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام، حيث قال: ﴿رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْنُبْنِ وَيَنِىَّ أَنْ نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. فهو بلد أمن وسلام وسكينة وراحة. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ((كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يعترض له»، وقيل: آمنًا یعني: الأمان لكل أحد حتى الوحوش والجمادات والأشجار؛ لهذا كانوا في الجاهلية يحترمونه أشد الاحترام مع شركهم، ولما جاء الإسلام زاد حرمته تعظيمًا وشرفًا وتکریمًا(٢). خامسًا: الثناء على الذين يؤدون أمانتهم: أثنى الله تعالى على المحافظين على الأمانة، والموفين بالعهود، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُوْلِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]. والآية تدل على أن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الفردوس: أنهم راعون الأماناتهم وعهدهم، أي: محافظون على الأمانات والعهود. وقوله: ﴿لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ﴾ الأمانة هي في الأصل مصدر، لكن أريد بهاهنا ما ائتمن عليه؛ إذ الحفظ للعين لا للمعنى. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١١١. ٣٠٦ الأمانة وهي تشمل: كل ما استودعك الله، المؤتمن والأمين، فهي لنفاستها قد تغري الإنسان على جحدها وعدم ردها إلى صاحبها، ولكون دفعها في الغالب يخلو من الإشهاد جعل الله ردها من شعب الإيمان. وأمرك بحفظه، فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يرضي الله، وحفظ ما ائتمنت علیه من حقوق الله وحقوق الناس. و کذا العهد مصدر أريد به ما عوهد علیه، ويشمل: كل ما أخذ عليك العهد بحفظه من حقوق الله وحقوق الناس. وجمعت الأمانة دون العهد، قيل: لأنها متنوعة متعددة جدًا بالنسبة إلى كل مكلف من جهته تعالی، ولا یکاد يخلو مكلف من ذلك، ولا کذلك العهد. ويجوز أن يراد بالأمانات ما ائتمنهم الله تعالى عليه من الأعضاء والقوى، والمراد برعيها حفظها عن التصرف بها على خلاف أمره عز وجل، وأن یراد بالعهد ما عاهدهم الله تعالی علیه، مما أمرهم به سبحانه بکتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والمراد برعيه حفظه عن الإخلال به؛ وذلك بفعله على أكمل وجه، فحفظ الأمانات كالتخلية، وحفظ العهد كالتحلية، وكأنه جل و علا بعد أن ذكر حفظهم لفروجهم ذکر حفظهم لما يشملها وغيرها (١). ولما كانت الأمانة غالبًا في الأمور النفيسة التي يخشى صاحبها عليها التلف والضياع، فيجعلها عند من يظن فيه حفظها، وفي الغالب يكون ذلك على انفراد بين (١) روح المعاني، الألوسي ١٣/ ١٧٠. وهذه الصفة من جلائل صفات المؤمنين، وهي تنحل إلى فضيلتين، هما فضيلة أداء الأمانة التي يؤتمنون عليها، وفضيلة الوفاء بالعهد، فلا خيانة ، ولا خلف. فخيانة الأمانة، وعدم الوفاء بالعهد من الكبائر، ومن علامة النفاق، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: (أُربع من کن فیہ کان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن کانت فيه خصلة من النفاق حتی یدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)(٢). وعن أنس رضي الله عنه قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: (لا إیمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)(٣). والمقصود أن الله مدح المؤمنين من (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم ٣٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم ٥٨. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٢/٢٠، رقم ١٢٥٦٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٧١٧٩. www. modoee.com ٣٠٧ حرف الألف عباده، فوصفهم بأنهم يرعون العهد، فلا سمعت نبيك صلى الله عليه وسلم يقول(١): (إن لكل أمة أمينًا، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح)(٢). يخونونه أو ينكثونه، ويحفظون الأمانة فلا يضيعونها أو يهملونها، وإنما يؤدونها إلى أهلها كاملة وافية. وقد اعتبرت الأمانة صفة من صفات عباد الله المؤمنين من الجن والإنس. قال تعالى على لسان أحد العفاريت الذين سخرهم لنبيه سليمان عليه السلام، عندما طلب سليمان إحضار عرش بلقيس من اليمن إليه: ﴿قَالَ يَأَيُّهَا الْمَلَوُا أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ ﴿ قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ اَلِنْ أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّفَاِكَ وَإِّ عَلَيْهِ ءِ لَقَوِىُّ أَمِينَ [النمل ٣٨-٣٩]. ٣٠ وأخبر أن الأمانة من صفات الملائكة الأبرار، ومنهم جبريل الذي نزل بالقرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الأمانة من صفات الأنبياء والمرسلين الذين انتمنهم الله علی رسالته إلى خلقه، والذين هم أمناء على ما يعود بالنفع على أمتهم، حريصون على هدايتهم وإرشادهم، وكل هذا ترغيب بهذه الصفة الكريمة، وحث على الاتصاف بها. وحسبك من رفع شأن الأمانة أن صاحبها جدير بولاية أمر المسلمين؛ لأن ولاية أمر المسلمين أمانة لهم ونصح؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو كان أبو عبيدة حيًا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: وحسبك من رفع شأن الأمانة أن من خانها قطعت يده، ولو في ربع دينار فقط، مع أنه عرف من الشرع أن اليد فيها نصف الدیة، ودية الذهب ألف دينار، فتكون دية اليد خمسمائة دينار، فكيف تؤخذ في مقابلة ربع دينار؟ وما وجه العدالة والإنصاف في ذلك؟ وهذا النوع من اعتراضات الملحدين الذين لا يؤمنون بالله ورسوله قد نظمه المعري بقوله(٣): يدٌّ بخمس مئينٍ عسجدٍ وديت ما بالها قطعت في ربع دینار؟ تناقض ما لنا إلا السكوت له ونستعيذ بمولانا من النار وقد رد عليه أحد الشعراء بقوله (٤): قل للمعري عارٌ أيما عار جهل الفتى وهو عن ثوب التقی عاري يدٌ بخمس مئينٍ عسجدًا وديت (١) انظر: تاريخ دمشق ٥٨ / ٤٠٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، ١٣٦٩/٣، رقم ٣٥٣٤، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، رقم ٢٤١٩. (٣) انظر: ديوان أبي العلاء المعري ١/ ٥٧٠. (٤) البيتان منسوبان لعلم الدين السخاوي. انظر: نكت الهميان، الصفدي ١/ ٣٧. ٣٠٨ القرآن الكريم الأمانة ما بالھا قطعت في ربع دینار صيانة النفس أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري وقد قيل: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانتهانت. ومن الواضح أن تلك الید الخسيسة الخائنة لما تحملت رذيلة السرقة، وإطلاق اسم السرقة عليها في شيء حقير كثمن المجن والأترجة، كان من المناسب المعقول أن تؤخذ في ذلك الشيء القليل، الذي تحملت فيه هذه الرذيلة الكبرى. فالشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة هذه العقوبة العظيمة، فانظر ما يدعو إليه القرآن من مكارم الأخلاق، والتنزه عما لا یلیق! وقطع يد السارق في ربع دینار فصاعدًا يدل على أن التشريع السماوي يضع درجة الخائن من خمسمائة درجة إلى ربع درجة، فانظر هذا الحط العظيم لدرجته بسبب ارتكاب الرذائل؟ ولو أن الدية كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال؛ فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين (١). (١) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٥/٣. مجالات الأمانة تعددت مجالات الأمانة كما بينها القرآن الكريم، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: التكاليف الشرعية: المجالات التي تدخل فيها الأمانة كثيرة ومتعددة؛ لأن الأمانة تدخل في جميع أعمال الإنسان التي يقوم بها في الحياة، وفي جميع التكاليف التي كلف بها، ومنها: الأمانة الكبرى أمانة الدين، وهي الخضوع لأوامر الله، والانتهاء عن زواجره، ومن هذه الأمانة الكبرى انبثقت سائر الأمانات، مثل: أمانة الشهادة لهذا الدين، وأمانة العلم، وأمانة الدعوة إلى الله تعالى، وأمانة المحافظة على حرمات المجتمع، وأمانة التعامل مع الناس، ورد أماناتهم إليهم، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: ((والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع))(٢)، فمفهوم الأمانة في الإسلام إذن شامل لدين الإنسان وطاقته في تحمل أعباء التكاليف التي فرضها الله تعالى عليه، وسنتناول في هذه السطور الأمانة في التكاليف الشرعية. فمن أعظم مجالات الأمانة الأمانة في التكاليف الشرعية من صلاة وصيام وزكاة وحج وغسل من جنابة وغيرها. (٢) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٣٤٠. www. modoee.com ٣٠٩ حرف الألف قال تعالى: السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وقد اختلف في هذه الأمانة المعروضة في هذه الآية. وأرجح الأقوال وأجمعها في المراد بالأمانة هنا: أنها التكاليف والفرائض الشرعية التي كلف الله تعالى بها عباده، من إخلاص في العبادة، ومن أداء للطاعات، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه. فالأمانة هنا تعم جميع وظائف الدین علی الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور، كما قاله القرطبي (١). قال ابن كثير بعد أن ذكر أقوالًا في المراد بالأمانة المعروضة هنا: ((وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة، وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثیب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله))(٢). وقد قيل: يجب أن يطرح منها صنف الشرائع؛ لأنها ليست لازمة لفطرة الإنسان، فقد خلت أمم عن التکلیف بالشرائع، وهم أهل الفترة(٣). والصواب ما قدمناه. وعرض الأمانة على السماوات والأرض (١) الجامع لأحكام القرآن ٢٥٣/١٤. (٢) تفسير القرآن العظيم ٤٨٩/٦. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٧/٢٢. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى والجبال على سبيل الحقيقة، فلا مانع من أن يخلق الله تعالى إدراكًا ونطقًا للسماوات والأرض والجبال فتعرض عليها الأمانة، فتدرك وتنطق، ولكن هذا الإدراك والنطق لا يعلمه إلا الله سبحانه. قال بعض أهل العلم: ركب الله تعالى فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن الخطاب، وأجبن بما أجبن. قال في اللباب: ((إن الله عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن، وإن عصیتن عوقبتن، فقلن: لا يا رب، نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، وقلن ذلك خوفًا وخشية وتعظيمًا لله؛ خوفًا أن لا يقمن بها، لا معصية ومخالفة، وكان العرض عليهن تخييرًا لا إلزامًا، ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها، فالجمادات خاشعة لله عز وجل، ساجدة له، كما قال تعالى السماوات والأرض: ﴿أَقْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَّا أَنَّيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. وقال في الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ أَلْمَلَةُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْبَةِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ٧٤]. وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ, مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَأَلْتُّجُومُ وَلِلْجَالُ وَالشَّجَرُ وَالذَّوَآَبُّ﴾ مُوسُو ◌َة النَّ القرآن الكريم ٣١٠