Indexed OCR Text

Pages 21-36

الإلحاد
قالوا: ﴿أَقْرَرْنَا﴾، فقال الله للنبيين: ومنها:
﴿فَأَشْهَدُواْ﴾ أنتم على أنفسكم وعلى
أتباعکم)»(١).
وقيل: ((عهد إليهم في محمد صلى الله
علیه وسلم أن يؤمنوا به.
قال مالك بن الصيف: والله ما عهد
إلينا عهدًا في محمد، فأنزل الله تعالى:
﴿أَوَكُلَّمَا عَنْهَدُواْ عَهْدًا نََّذَهُ، فَرِيقٌ مِنْهُمَّ
بَلْ أَكْثَرُهُمْلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠]))(٢).
٦. التدليس في كتابة الكتب السماوية:
ومثاله قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ
يَكْتُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ
عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَوَيْلٌ لَّهُم
مِّمَا كُنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا يَكْسِبُونَ
[البقرة: ٧٩].
٧٩
أي: ((يكتبون الكتاب أي: المحرف،
أو ما كتبوه من التأويلات الزائغة بأیدیھم،
فإن نسبة المحرف والتأويل الزائغ إلى
الله سبحانه صريحًا أشد شناعة من نفس
التحريف والتأويل؛ ليشتروا به أي: يأخذوا
لأنفسهم بمقابلته ثمنًا، هو ما أخذوه
من الرشا بمقابلة ما فعلوا من التحريف
والتأويل)»(٣).
وهذا تدليس على الكتب السماوية
وإلحاد واضح عن الحق النازل من عند الله،
(١) الوسيط، الواحدي، ١/ ٤٥٨.
(٢) معالم التنزيل، البغوي، ١/ ١٤٦.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١/ ١٢٠.
تعطيل أحكام الكتب: الاحتكام إلى
غير كتاب الله هو إلحاد وزيغ وميل
عن كتب الله، ومثاله قوله تعالى:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَكَ
هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. ((أي: ولا
تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتها، الرشوة
والجاه، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ
اللَّهُ﴾ مستهينًا به منكرًا له ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ ﴾؛ لاستهانتهم به وتمردهم
بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم
بقوله: ﴿اُلْكَفِرُونَ﴾ و﴿الظَّالِمُونَ﴾
و﴿اَلْفَسِقُونَ﴾))(٤).
· لي اللسان بالآيات: بإدخالهم في الكتب
ما ليس منها، ولي اللسان بالآيات؛
لتحريفها عن معناها الصحيح؛ إلحادًا
في كتاب الله. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ
مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ
لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ
اَلْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ
مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]. «﴿يَلْوُونَ ﴾
على التكثير، إذا أماله، ومنه والمعنى:
﴿يُحَرِفُونَ آَلَّكَلِمَ﴾ ويعدلون به عن
القصد، وأصل اللي: المیل، لوی بیده،
ولوی برأسه.
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٢٨/٢.
www. modoee.com
٢٤١

حرف الألف
قوله تعالى: ﴿لَيَّا يَأَلْسِنَئِهِمْ﴾ [النساء:
٤٦]. أي: عنادًا عن الحق، وميل عنه
إلى غيره))(١).
ثالثًا: إلحاد الفرق الضالة في كتاب
الله:
ومن صور إلحاد الفرق الضالة التأويل
المنحرف لآيات القرآن.
ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ
ءَايَئِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ﴾ [فصلت: ٤٠].
أي: ((ينحرفون في تأويل آيات القرآن
عن جهة الصحة والاستقامة))(٢)، ويلحدون
في الآيات أي: ((يميلون عن الحق، فيضعون
الكلام في غير موضعه، ويحرفون كلام الله
وآياته الدالة على قدرته وحكمته، لا يخفون
علينا، سنجازيهم بما يعملون بالعقوبة
والنكال، وفي هذا تهدید شدید ووعید أكید،
يقتضي الحذر والخوف))(٣)؛ لذا فضحهم
الله في الحادهم وهددهم بالوعید لهم.
ثالثًا: الإلحاد في الحرم:
يعد الحرم المكي من أعظم الأماكن
حرمة وتعظيمًا عند الله تعالى.
قال تعالى: ﴿جَعَلَ اَللَّهُ الْكَعْبَةَ أَلْبَيْتَ
الْحَرَامَ قِيَمَا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧].
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٢١/٤.
(٢) الموسوعة القرآنية، إبراهيم الإبياري،
١٢٣/١١.
(٣) التفسير المنير، الزحيلي، ٢٤/ ٢٤٠.
وبارك في هذا البيت، وجعل في آيات
للناس، فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ
لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ
٩٦
فِيهِ مَايَتُ بَيْنَكٌ مَّقَامُ إِّرَهِيدٌ وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ
ءَامِنًا ﴾ [آل عمران: ٩٦-٩٧].
وجعل مكة كلها حرمًا آمنا تعظيمًا للبيت
الحرام، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ
رَبَّ هَذِهِالْبَلْدَةِ الَّذِىِ حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ
[النمل:
" وَأُمِّرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
٩١].
((﴿الَّذِى حَرَّمَهَا﴾ أي: الذي إنما صارت
حرامًا شرعًا وقدرًا بتحريمه لها، وعن ابن
عباسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه
الله يوم خلق السموات والأرض، فهو
حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد
شوكه، ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا
من عرفها)(٤)»(٥).
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا
ءَامِنًا يُحْىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّنْ لَّدُنَا﴾
[القصص: ٥٧].
أتاح الله لهم بلدًا هو حرم آمن يكونون
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج،
باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها
ولقطتها، إلا لمنشٍ على الدوام، ٩٨٦/٢،
رقم ١٣٥٣.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/ ١٩٦.
٢٤٢
القرآن الكريم

الإلحاد
فیه آمنین من العدو»(١)، ولقد كانت قریش
تسافر وتتاجر في الأرض وهي آمنة لانتسابها
للحرم المكي.
ومن صور الإلحاد في الحرم:
١. قتل الصيد في الحرم:
نهى القرآن الكريم عن الصيد في الحرم
وحال الإحرام، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُّمٌ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقال: ﴿وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ
حُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].
وقتل الصيد في الحرم إلحاد فيه؛ لأنه بها:
هتك لحرمة الحرم.
٢. الصد عن المسجد الحرام:
الصد عن المسجد الحرام إلحاد فیه، لذا
حذر الله من الصد عن الحرم، بصد الناس
ومنعهم من الصلاة فیه أو الحج إليه.
فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْتَهُ
لِلنَّاسِ سَوَآءُ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادٍ وَمَن يُرِدْ فِيهِ
بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ تُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:
٢٥].
وقد عاب الله على أهل مكة بمنعهم
النبي صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام
من أداء العمرة ودخول البيت يوم الحديبية
فقال: ﴿هُمُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٤٨/٢٠.
[الفتح: ٢٥].
(يعني كفار مكة، ومعنى صدهم عن
المسجد الحرام: أنهم منعوهم أن يطوفوا به
ويحلوا عن عمرتهم))(٢)، وفي قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَفِهَا
أَسْمُهُ، وَسَعَى فِى خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤].
والمراد هنا ((هم المشركون حين صدوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت
يوم الحديبية)) (٣).
٣. اقتراف المعاصي في الحرم أو الهم
اقتراف المعاصي الصغيرة أو الكبيرة
في الحرم أو إرادة المعصية والهم بها في
الحرم هي إلحاد في الحرم وانتهاك لحرمته
وعظمته؛ لذا قال تعالى عن الإلحاد والهم به
في البيت الحرام: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادِ
بِظُلْمِ تُّذِقَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
أي: ((عادلًا عن القصد والاستقامة،
ظالمًا، أو يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي
الكبار، عامدًا قاصدًا، وهو من خصوصية
الحرم»(٤).
وقيل: ((﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ﴾ الانحراف
والميل نحو الظلم والبغي)»(٥)، والإلحاد
(٢) فتح القدير، الشوكاني، ٧٦/٥.
(٣) المصدر السابق، ١/ ٢٠٥.
(٤) التفسير المنير، الزحيلي، ١٧ / ١٨٨.
(٥) التفسير الحديث، دروزة، ٦/ ٢٣.
www. modoee.com
٢٤٣

حرف الألف
بمعنى: ((المعاصي الكبار))(١)، والمقصد
بالإلحاد هنا: ((الظلم يجمع جميع المعاصي
من الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان
توعد الله تعالى على النية السيئة فيه))(٢).
ومعلوم عند المسلمين أن المعصية تعظم
في الحرم كما أن الأعمال الصالحة تعظم
ويضاعف ثوابها لبركة المكان وعظمته
وحرمته.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤١١/٥.
(٢) التفسير المنير، الزحيلي، ١٧ / ١٨٩.
أسباب الإلحاد
سلوك الخلق الإلحاد في الدين عمومًا له
أسباب عديدة، وهو سلوك مخالف ومناف
للفطرة السليمة، ولا يسلك طريق الإلحاد
إلا منحرف عقليًا أو قلبيًا، وأسباب الإلحاد
متعددة، ومن هذه الأسباب:
أولًا: الجحود:
والجحود يقوم على رفض الإيمان
بالرسل، ونكران الآيات التي جاءوا بها، مع
علمهم بصدق الرسل.
قال تعالى عن قوم عاد: ﴿وَتَلْكَ عَادٍ
جَحَدُواْبِثَايَتِ رَبِهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ، وَأَتَّبَعُواْ أَقْرَكُلِّ
جَبَّارِ عَنِيدِ﴾ [هود: ٥٩].
«جحودهم بآيات ربهم، وعصيان رسله.
واتباع أمر الجبارين من عبيده)) (٣).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ
الظَّالِمِينَ بِعَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
ثانيًا: الظلم والعلو:
الظلم انتقاص للحقوق، والعلو التكبر.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ تُهُمْ ءَايَتُنَا
مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا
وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَكُلُواْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣ -١٤].
((أي: ظالمين عالين، أي: الحامل لهم
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٤٤/٤.
٢٤٤
مُوسُو ◌َرُ الْبَقَد
القرآن الكريم

الإلحاد
على ذلك الظلم والعلو، أي: جحدوا بها وواجب حقه عليكم، ولا تعلمون أنه لا
جحودًا ظلمًا وعلوًا))(١).
وإلحادهم انتقاص من الآيات وتكبر
عليها، رغم وضوحها وبيانها.
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُواْبَهُودُ
مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيَّ ◌َ الِهَيْنَا عَن
قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣].
أي: ((إصرارًا منهم على الكفر))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ
عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
«روي أن الوليد بن المغيرة کان یقول: لو
كان ما يقوله محمد حقّا لنزل علي أو على
أبي مسعود! فقال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ
رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. يعني: النبوة
فيضعونها حيث شاءوا))(٣)
وهذا من مرض الكبر في قلب الوليد
وظلمه وعلوه، وهو الذي قاده للإلحاد.
رابعًا: الجهل:
عدم المعرفة وسوء التقدير، مثال ذلك
قوله تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىِّ إِسْرَّهِ يلَ الْبَحْرَ
فَأَتُواْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ
يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ
قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
((إنكم أيها القوم قوم تجهلون عظمة الله
(١) فتح القدير، الشوكاني، ٤ /١٨٣.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٩/ ٥١.
(٣) المصدر السابق، ١٦/ ٨٣.
تجوز العبادة لشيء سوى الله الذي له ملك
السماوات والأرض» (٤)، فالذي حملهم
على الإلحاد جهلهم بالله تعالى .
خامسًا: الغلو:
تجاوز الحدود المبالغ فيه، أو الإهمال
والتقصير في المطلوب، مثال ذلك قوله
تعالى: ﴿قُلْ يَكَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِى
دِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ
قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا
وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ اَلسَّبِيلِ ﴾ [المائدة: ٧٧].
((أي: في دينكم المخالف للحق، وذلك
أنهم خالفوا الحق في دينهم، ثم غلوا فيه
بالإصرار عليه)) (٥).
والغلو: هو التنطع في الدين، والإفراط
والتفريط به.
سادسًا: الحقد والكراهية:
وهي أمراض قلبية تشتمل على الغل
والبغض، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَّ
كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم
مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ
أَنْفُسِهِمِ مِنْ بَعْدٍ مَا نَبَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾
[البقرة: ١٠٩].
أي: ((من بعد ما تبين أن محمدًا رسول
(٤) جامع البيان، الطبري، ٨٠/١٣.
(٥) الوسيط، الواحدي، ٢/ ٢١٤.
www. modoee.com
٢٤٥

حرف الألف
الله، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة العالمين؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِرَبِهِمْ يَعْدِ لُونَ﴾ [الأنعام: ١].
والإنجیل، فکفروا به حسدا وبغيًا، إذ كان
من غیرهم»(١)، وحقدهم يهدف إلى حرف
المؤمنين عن طريق الله وزوال نعم الإيمان
عنهم، ومماثلتهم لليهود في إلحادهم.
سابعًا: المرض القلبي:
ليس المقصد هنا المرض العضوي،
وإنما المرض المعنوي، مثال ذلك قوله
تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللهُ
بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّايُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨].
«قالوا: قلوبنا في أکنة وأغطية وغلف»(٢)،
وكأن الإلحاد مرض قلبي يجعل على قلوبهم
غشاوة تحجب عنهم الإيمان.
ثامنًا: الإلحاد بالتضليل:
التضليل حمل الناس على الباطل، وهنا
أمرهم بالتسوية بين الله والأصنام وهذا من
الإلحاد.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِذُوِّيكُمْ بِرَبِّ
الْعَلَمِينَ () وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء:
٩٨-٩٩].
((والمراد بالمجرمين الذين أضلوهم:
رؤساؤهم وكبراؤهم))(٣)، حيث أمروهم
وأضلوهم بالتسوية بين آلهتهم ورب
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٦٥/١.
(٢) جامع البيان، الطبري، ٣٢٤/٢.
(٣) الكشاف، الزمخشري، ٣٢٢/٣.
أي: ((يعدلون بربهم الأوثان أي:
يسوونها به سبحانه)»(٤)، وتسويتهم بين الله
وأصنامهم وعدلهم به، إلحاد ضلوا وأضلوا
غيرهم به بما كان يمليه عليهم المجرمون
الملحدون بالتسوية بين الله وأصنامهم.
تاسعًا: العداء لله تعالى وملائكته
ورسله:
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا
لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبِيلَ وَمِيكَلَ
فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨].
((أراد بعداوة الله مخالفته عنادًا، أو معاداة
المقربين من عباده)»(٥).
فالملحد عدو لله ولملائكته ورسله؛
لكفره بهم ولعداوته لهم.
والقرآن الکریم بهذه الأسباب یوجهنا
إلى ضرورة تفقد القلوب من الأمراض
القلبية؛ كالجحود والظلم والعلو والكبر
وغيرها؛ لأنها تقود إلى الإلحاد والانحراف
عن المنهج المستقيم، وعلاجها الاستشفاء
بالقرآن الهادي بآياته ودلائله إلى الإيمان
والتوحيد، وعدم اتباع الهوى والشهوات؛
لأنها مفسدة تؤدي إلى الإلحاد، والسلامة
والنجاة من الإلحاد تكون باتباع هدي النبي
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢/ ١٥٣.
(٥) المصدر السابق، ١ / ٩٦.
٢٤٦
مُوسُوبَةُ الَّيـ
القرآن الكريم

الإلحاد
صلی الله عليه وسلم الذي جاء به من عند
الله.
فالهداية والرشاد والإيمان نعم من
الله تعالى توجب الحمد والثناء على الله؛
لحفظه المؤمنين من الإلحاد الذي يكدر
صفو حیاتهم، وجعلهم یحیون بنور الإيمان.
منهج القرآن في إبطال الإلحاد
اتبع القرآن الكريم العديد من المناهج
والأساليب المتنوعة في إبطال الإلحاد،
وإيراد الأدلة والبراهين؛ لدحض الإلحاد،
والرد على المنكرين لوجود الله، ومن هذه
المناهج:
أولًا: الحوار الإقناعي:
وهو المحاجة بالتي هي أحسن من
خلال ذكر الدليل بموضوعية وعقلانية؛
لإقامة الحجة على الملحدين، وقد ورد في
القرآن الكريم العديد من صور المحاجة بين
أنبياء الله وأقوامهم ومعاندیھم.
ومنها حوار إبراهيم عليه السلام في قوله
تعالى: ﴿وَقِلْكَ حُجَّتُنَاْ ءَاتَيْتَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى
قَوْمِهَّ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ
عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣].
وقد قص القرآن حجج إبراهيم في
مواضع أخرى، فقال تعالى عن حوار إبراهيم
مع النمرود وإقامة الحجة عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِى حَكَّ إِبَهِمَ فِ رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
إِذْ قَالَ إَِّهِمُ رَبَِّ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا
أُحِّىء وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَهِئُمُ فَإِنَّ اللَّهُ يَأْتِ بِالشَّمْسِ
مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى
كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
[البقرة: ٢٥٨].
وحوار إبراهيم مع أبيه وقومه قال تعالى:
www. modoee.com
٢٤٧

حرف الألف
﴿ وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْهِيمَ آ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ
قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُ
٧٠
وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ
لَمَا عَكِفِينَ
أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَاً
٧٢
ءَابَآَمَنَاكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٦٩-٧٤].
قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا
وقال تعالى:
قَالَ بَلْ فَعَلَهُ.
◌ِثَالِتِّنَا فَإِبْرَهِيمُ
كَبِيْرُهُمْ هَذَا فَسْتَلُوهُمْ إِن كَانُواْ
يَنطِقُونَ
فَرَجَعُواْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ
٦٣
إِنَّكُمْ أَنْتُمُ اُلْظَّالِمُونَ ( ثُمَّ تَكِسُواْ عَلَى
رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِّمْتَ مَا هَؤُلَاءٍ يَنطِقُونَ
قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا
يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ ( أَنَّ لَّكُ
وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
[الأنبياء: ٦٢-٦٧].
فبالرغم من بيان الدليل ألحدوا وكفروا،
وهذا من منهج القرآن في مواجهة الإلحاد
وإبطاله بالحوار الإقناعي للطرف الملحد
بإبراز الأدلة والبراهين وإقامة الحجة عبر
الحوار.
ومنه حوار موسى مع فرعون وإلجامه
بالدليل والبرهان.
قال تعالى عنه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ
اَلْعَلَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِنَ كُم ◌ُوقِنِينَ ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلَا
تَسْمِّعُونَ ﴿ قَالَ رَيُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآ بِكُمُ الْأَوَّلِينَ (
٢٦
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَسَجْنُونٌ ) قَالَ
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا يَتْنَهُمَاٌ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ
قَالَ لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ
٢٨
اَلْمَسْجُونِينَ ﴾ قَالَ أَوَّلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ قُّبِينٍ
قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ( وَزَعَ يَدَهُ، فَإِذَا
هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣-٣٣].
فالحوار أحد أساليب القرآن لإبطال
الإلحاد الفكري، ويكون بالحوار الفكري
والمنطقي والعلمي.
ثانيًا: إيراد الأدلة والبراهين:
ورد في القرآن الكريم العديد من
الآيات القرآنية التي تحمل الدليل والبرهان
الساطع على إفراد الله وتوحيده، والرد على
الملحدين في ألوهيته، ونفي الولد عنه،
وفساد الکون في حال کان فيه شرکاء.
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿ مَا أَّخَذَ اُلَهُ مِن
وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَه
بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا
يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
((أي: لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم
بما خلق، فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد
أن الوجود منتظم متسق كل من العالم
العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في
غاية الكمال)»(١).
وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُ مَاِهَةٌ كَمَا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٢٧/٥.
٢٤٨
القرآن الكريم

الإلحاد
يَقُولُونَ إِذَّا لَّأَبَغَوْ إِلَى ذِى الْعُرْبِ سَبِيلًا
[الإسراء: ٤٢].
﴿أَمِ أَّخَذُواْ مَالِهَةً مِّنَ
وقال تعالى:
الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ) لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا
اَللَّهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَنَ اُللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
[الأنبياء: ٢١، ٢٢].
((وهكذا الحق يصرف لنا الأمثال
ويوضحها؛ ليجلي هذه الحقيقة بالعقل
وبالنقل: لا إله إلا الله، واتخاذ آلهة معه
سبحانه أمر باطل، وبذلك یرد علی الذین
يدعون مع الله آلهة أخرى مثل من قالوا:
العزير ابن الله أو المسيح ابن الله، أو اتخذوا
الملائكة آلهة من دون الله))(١).
وهذا من منهج القرآن في رد الإلحاد
وإبطاله بإيراد الأدلة والبراهين الساطعة على
الملحدين.
ثالثًا: التحدي والإعجاز:
لقد تحدى القرآن الكريم الخلق جميعًا
على معارضة القرآن أو الإتيان بمثله أو
بعضه فعجزوا، وهذا التحدي المستمر
والباقي هو أحد أساليب القرآن في الرد على
الملحدين في كل زمان وفي أي مكان.
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ
أَفْتَرَنَّةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ، مُفْتَرَيَتِ
وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ
(١) تفسير الشعراوي، ٥٨٤٢/١.
ا فَإِلَّْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَعْلَمُواْ
صَدِقِينَ
أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَنْ لَّ إِلَهَ إِلََّّ هُوَّ فَهَلْ أَنْتُم
مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ - ١٤].
أي: ((لقد تحداهم بأن يأتوا أولًا بمثل
القرآن، فلم يستطيعوا، ثم تحداهم بأن يأتوا
بعشر سور، فلم يستطيعوا، وتحداهم بأن
يأتوا بسورة، ثم تحدی أن یأتوا ولو بحديث
مثله، فلم يستطيعوا، وهنا جاء الحق سبحانه
بالمرحلة الثانية من التحدي، وهو أن يأتوا
بعشر سور)»(٢).
ومثاله قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ
مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُمْ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَّ:
وَإِنِ يَسْتُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهٌ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
هذا مثل؛ لبيان عجزهم عن خلق الذباب،
والامتناع عما يفعل بهم وعجزهم إن أخذ
الذباب منهم شيئًا ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾
مع غاية ضعفه، ولقد جهلوا في إشراكهم
بالله القادر على جميع المقدورات المنفرد
بإيجاد كافة الموجودات، والتماثيل هي
أعجز الأشياء قدرة على الخلق، وتعجز عن
ذب الذباب عن نفسها واستنقاذ ما يختطفه
منها (٣).
عجز الخلق عن التحدي القرآني لهم،
(٢) المصدر السابق، ١/ ٤١٥٣.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
١٢١/٦.
www. modoee.com
٢٤٩

حرف الألف
من أهم صور إبطال الإلحاد، واستمرارية
هذا التحدي، وهذا الإعجاز يرد كيد
الملحدين إلى نحورهم.
رابعًا: الدعوة إلى التوحيد:
الدعوة إلى الله من أهم أساليب القرآن
في هداية الخلق إلى ربهم وإبعادهم عن
الإلحاد، لما في الدعوة إلى الله من إنارة
الطريق أمام المدعوين للدخول في رياض
الإيمان، ومنهج القرآن هو دعوة المشركين
عمومًا إلى التوحيد والعبادة، وتجديد
الدعوة إلى الإيمان لأهل الكتاب.
ومثاله قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ
تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّ نَعْبُدَ
إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِء شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ
أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:
٦٤].
فالدعوة إلى الله منهج قرآني أصيل في
إبطال الإلحاد، وسبيل سار عليه الأنبياء
في هداية أتباعهم وإقامة الحجة عليهم يوم
القيامة.
خامسًا: ضرب الأمثال:
تعتبر الأمثال من أبرز صور التقريب
للأذهان التي سلكها وانتهجها القرآن الكريم
في إقناع الخلق، والرد على الملحدين في
شبهاتهم وانحرافهم عن الطريق المستقيم.
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَذِينَ كَفَرُوا
أَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ النَّمْنَانُ مَآءَ حَقَّح
إِذَا جَاءَهُ، لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهُ عِندَهُ، فَوَقَّتُ
حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَتٍ فِى
ـهْرٍ لَّبِيِّ يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ.
سَحَابٌ مُلْتُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ بَلَهُ.
لَمْ يَكَدْبَرَهَاُ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُودٍ
﴾ [النور: ٣٩ -٤٠].
((هذا إبراز لأعمال الكفار وعاقبتها؛
لعدم فعلها إيمانًا بالله، فهو تمثيل حال
الذين كفروا في أعمالهم التي يعملونها وهم
غير مؤمنين بحال من ركب البحر يرجو بلوغ
غاية، فإذا هو في ظلمات متراكمة بعضها
فوق بعض لا يهتدي معها طريقًا، وهذا
التمثيل من قبيل تشبيه حالة معقولة بحالة
محسوسة))(١).
هذه بعض أساليب ووسائل القرآن في
علاج وإبطال الإلحاد والرد عليه كمنهج
قرآني أصيل في توجيه العباد لما يصلح
حالهم ويردهم للصواب، ومن أعرض فقد
رد حجة الله وبالغ في إلحاده وإعراضه عن
المنهج القويم الذي جاء به المرسلون.
وهذه الأساليب في منهج القرآن في
الرد على الإلحاد وإبطاله ترسم لنا الطريق
وتهدينا إلى الإقبال على القرآن بقلب مفتوح
دون حكم مسبق، والاستفادة من تعدد
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٥٥/١٨.
مُؤَسُولَةُ النفسية
القرآن الكريمِ
٢٥٠

الإلحاد
أساليب القرآن في إبطال الإلحاد والرد
على شبهات الملحدين، ووضع الحلول
لما أصاب قلوبهم من أمراض، وما أصاب
عقولهم من اللوثة الفكرية، فالله خلق الناس
على الفطرة السوية، والإلحاد مكتسب
يمكن علاجه بالدعوة إلى الله.
آثار الإلحاد على الفرد والمجتمع
للإلحاد آثار ضارة على حياة الفرد
والمجتمع لما فيه من الانحراف والزيغ عن
الفطرة السوية السليمة، والخير والمنفعة
لا تكون إلا بالالتزام بدين الله وتوحيده
وعبادته كما أمر، وعدم العدول عنها، فإذا
ما عدل الإنسان عنها فسدت دنياه وآخرته:
أولًا: أثر الإلحاد على الفرد:
إن انعكاس الإلحاد وأثره على الفرد
سيء في حیاته ونفسه ومعیشته، ومن آثار
الإلحاد على الفرد:
١. ضنك العيش.
توعد الله المعرض عنه والملحد في دينه
بنكد العيش وصعوبة الحياة وشدتها عليه،
کأثر لإلحاده وإعراضه عن منهج ربه.
فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى
فَإِنَّ لَهُ, مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَخْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
(«المعيشة الضنك: أن تضيق عليه أبواب
الخير فلا يهتدي لشيء منها، وله معيشة
حرام يركض فيها))(١).
٢. ضيق الصدر.
المؤمن منشرح الصدر بإيمانه، والضال
تضيق الدنيا عليه بسعتها وتضيق عليه نفسه
(١) زاد المسير، ابن الجوزي، ٣/ ١٨١.
www. modoee.com
٢٥١

حرف الألف
بسبب کفره وضلاله وإلحاده.
قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ.
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ.
يَجْعَلْ صَدْرَهُ، ضَيِّقًا حَرَجًاً كَأَنَّمَا يَصَغَدُ
فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرَّحْسَ عَلى
اَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
أي: «إن الله يشرح صدر المؤمن لقبول
الإيمان وأنواره، فيؤمن ويسلم ويحسن
فيكمل ويسعد، ومن طلب الغواية ورغب
فيها، هيأ له أسبابها وفتح له بابها، فجعل
صدره ضيقًا حرجًا لا يتسع لقبول الإيمان،
فكأنه يتكلف الصعود إلى السماء، وهذه
سنته في الهداية والإضلال))(١).
والإلحاد ينعكس على الملحد بضيق
الصدر والقلق والاضطراب في الحياة
بسبب فقدان الإيمان.
٣. الختم على الحواس.
الملحد يطبع الله على حواسه ويختم
عليها، فلا یفقه ولا یبصر ولا يسمع بسبب
جحوده وزیغه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا
مِّنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا
وَلَمْ أَعْيُنْ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ
يَا أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلَّ هُمْ أَضَلُ أُوْلَئِكَ هُمُ
اَلْفَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
أي: ((﴿وَلَمْ أَعْيُنٌّ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ دلائل
(١) أيسر التفاسير، الجزائري، ٢/ ١١٧.
قدرة الله، بصر عظة واعتبار ولهم آذان لا
يسمعون بها الآيات والمواعظ سماع تدبر
واتعاظ أولئك كالأنعام في عدم الفهم
والبصر والاعتبار
من
ـم أضلّ
هُـ
بَلّ
الأنعام»(٢).
والملحد لا يستشعر قدرة الخالق
الموجودة والمبثوثة في صفحات الكون
بسبب فقدان حواسه لها، فلا یری دلائل
قدرة الله، ولا یتتبه لما يسمع من آيات الله؛
ليهتدي به، فقلبه مطبوع عليه بسبب كفره
والحاده.
٤ . الضلال والشقاء.
الضلال والشقاء قرينان لا ينفكان عن
بعضهما، فالملحد ينعكس عليه إلحاده
بالضلال والشقاء فلا يهتدي، كما قال
تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَ هَادِىَ لَّهُهُ وَيَذَرُهُمْ فِي
◌ُغْيَتِهِمْ يَعْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].
وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِّنِى
هُدَّى فَمَنِ أَتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[طه: ١٢٣].
وسبب الضلال وعدم الهداية هو
الإلحاد في الألوهية، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِی
نُّهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لَّاً
أَنَّعُ أَهْوَآءُ كُمُّ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَآ أَنَا مِنَ
اٌلْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦].
فالملحد غير مهتد للحق والإيمان، فهو
(٢) التفسير المنير، الزحيلي، ١٦٦/٩.
مَؤُوابَرُ الْبَفيِ الوضوء
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٥٢

الإلحاد
مخلوق ضال وشقي.
٥. الحيرة والتردد والاضطراب.
المؤمن یعرف طريقه ولا يحيد عنها،
فهو يؤمن بربه النافع الضار بيده كل شيء
فهو یرکن لربه، أما الملحد فلا هدف له إلا
شهواته، مما يجعله حیران و تائه ولا رکن له.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اُللَّهِمَا
لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَايِنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَ نَا اَللَّهُ كَلَّذِى أَسْتَهْوَتَهُ الشَّيَاطِينُ فِ اُلْأَرْضِ
حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ: إِلَى الْهُدَى أَتْتِنَأُ قُلْ
إِنَ هُدَى اَللَّهِ هُوَ الْهُدَىّ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ
الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١].
((أنعود إلى الكفر والشرك والضلال بعد
الإسلام والهدى والنور؟ أنعود إلى ملة
الكفر بعد إذ هدانا الله، ووفقنا إلى صراط
مستقيم، وإننا إذا فعلنا ذلك كنا ﴿كَالَّذِى
اُسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ وذهبت بعقله،
وأطارت صوابه ولبه، وأصبح ﴿حَيْرَانَ﴾
تائها لا یدری کیف یسیر»(١)،فمن یدعو غیر
الله فھو ملحد، فھو یرکن لمن لا یملك له
ضر ولا نفع، فیبقی حیران مضطربًا لا مرشد
له.
٦. التخبط في الحياة.
المؤمن بالله يعيش في حياة نورانية،
يسير فيها بخطى ثابتة، والملحد يتخبط في
(١) التفسير الواضح، الحجازي، ٦٢٩/١.
ظلمات الإلحاد والانحراف، ولا يستطيع
الخروج منها، فهو لا يشبع من حطام الدنيا.
قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ.
فِ اَلِّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ
لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
((﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ بالكفر فأحييناه
بالهدى، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى
النَّاسِ﴾ يتبصر به الحق من غيره وهو
الإيمان، ﴿كَمَنْ مَّثَلُهُ فِي الْقُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِج
مِنْهَا﴾ وهو الكافر، ﴿كَذَلِكَ﴾ زين
زَيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا
للمؤمنين الإيمان كما
كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي)»(٢).
إن الملحد هو ضال كافر وشقي، وإن
إلحاده يعود عليه بضنك العيش والتخبط
والتردد والاضطراب وعدم الهداية؛ لطمس
آلة الاستقبال عنده المتمثلة في حواسه،
والتي أبطل الإلحاد الإدراك بها، والاستجابة
لها بما يصلح حاله.
ثانيًا: أثر الإلحاد على المجتمع:
أثر الإلحاد على المجتمع خطير جدًا،
يؤدي إلى فساده ودماره وإهلاكه، ومن هذه
الآثار:
١. ضياع الحقوق.
الإلحاد في الحاكمية بتحكيم غير شرع
(٢) التفسير المنير، الزحيلي، ٨/ ٢٧.
www. modoee.com
٢٥٣

حرف الألف
الله يضيع الحقوق بين المخلوقين ويفسد والإلحاد فيه يمزق المجتمع.
قضاءهم.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْتَكُم
بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ
فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِأَلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٨٨].
أي: ((﴿وَتُدْلُواْ﴾ تلقوا بالأموال إلى
الحكام رشوة؛ للوصول إلى الحكم القضائي
لصالحکم بالإثم، أي: الظلم والتعدي: وهو
شهادة الزور أو اليمين الكاذبة الفاجرة أو
نحوها))(١).
٢. فساد الحياة.
الملحدون يفسدون حياة المجتمع.
قال تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ
بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ
وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].
وبفسادهم يستحقون فساد حياتهم،
فالجزاء من جنس العمل.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْقُلُوفَانَ
قال تعالى:
وَاَلْجَرَادَ وَاَلْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتِ
فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ
(١٣٣
[الأعراف: ١٣٣].
٣. تمزق المجتمع.
التمسك بكتاب الله يجمع الصف
ويوحد المجتمع، والبعد عن منهج الله
قال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بَحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْ كُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُنتُمْ أَعْدَاءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ.
إِخْوَنَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَّكُمْ
مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ
﴾ [آل عمران: ١٠٣].
فعدم التمسك بحبل الله يقود إلى تمزيق
المجتمع وتفرقه، والقرآن حبل الله لعباده
في الأرض، نكران الاعتصام بحبل الله
إلحاد في كتابه.
٤. الصغار والذل.
العزة والكرامة منحهما الله للمؤمنين
أهل التقوى والصلاح، والذل والصغار
جعلهما للعصاة والملحدين.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ
لَنْ تُؤْمِنَ حَقّ نُؤْقَى مِثْلَ مَآ أُوِىَ رُسُلُ اللهِ اللَّهُ
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْمَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ
أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا
كَانُواْ يَنْكُـ
﴾ [الأنعام: ١٢٤].
أي: «في الآيات تقرير لمظهر من مظاهر
النظام الذي أقام الله عليه الاجتماع البشري،
وهو وجود زعماء ماكرين مجرمين في كل
بيئة، دأبهم الکید والمکر والوقوف من رسل
الله ودعاة الخير موقف التعطيل والعناد،
فإذا جاءتهم آية كابروا، والآية فيها إنذار
قاصم بأن الماكرين المجرمين سيصيبهم
(١) المصدر السابق، ٢/ ١٦٣.
مَوَسُولَة التَّفي
القرآن الكريم
٢٥٤

الإلحاد
هوان وذلة عند الله))(١).
فالمجتمع الملحد بما أرسل به الرسل،
والتنکر لهم وعدم الإیمان بهم کرسل من
عند الله، ميلًا عن الحق الذي أكرمهم الله
به، فإنه يجلب الصغار والذل والهوان
لأفراده.
٥. هلاك المجتمع.
الهلاك نتيجة حتمية؛ لفساد المجتمع
وإلحاده وكفره، فالله لا يصلح عمل
المفسدين، فإذا ما كفر الناس وظلموا وقع
بهم الهلاك.
لذا قال تعالى: ﴿قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَّ
وَغَّتَهُمُ الْحَيَّةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ
ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ
١٣٠
كَانُواْ كَفِرِينَ
مُهْلِكَ الْقُرَى بِظَلٍِّ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام:
١٣٠- ١٣١].
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَهُمْ
لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ﴾ [الكهف:
٥٩].
«فلا یغرنهم إمهال الله لهم، فإن موعدهم
بعد ذلك آتٍ»(٢)، فإهلاك القری یآتي بسبب
ظلمهم، والملحد ظالم لربه لما ينتقصه من
المجتمع إلى الهلاك.
(١) التفسير الحديث، دروزة، ١٥٣/٤.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٢٧٦/٤.
٦. زوال النعمة.
من تمام نعمة الله وفضله أنه لا يسلب
قومًا نعمة أنعمها عليهم حتى يلحدوا في
نعمه و دینه.
وضرب الله سبأ مثلاً لذلك، فقال:
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَّةٌ جَنَّتَانِ عَنٍ
يَمِينٍ وَشِمَالِ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ.
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ ، فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِ وَبَدَّلْنَهُمْ بِحَنََّتِهِمْ جَنَتَيْنِ ذَوَاتَىْ
أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَقْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ )
ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَزِىّ إِلَّ الْكَغُورَ
٢)﴾ [سبأ: ١٥ - ١٧].
((لما ذكر سبحانه حال بعض الشاكرين
لنعمه عقبه بحال الجاحدين لها، فلما وقع
منهم الإعراض عن شكر النعمة أرسل الله
عليهم نقمة سلب بها ما أنعم به عليهم)) (٣).
٧. حرمانهم من البيت الحرام.
حرم الله على المشركين دخول الحرم
لنجاستهم، فبسبب شركهم وإلحادهم حرم
عليهم دخول الحرم حتى يسلموا.
فقال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسَُّ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ
حقه سبحانه، فالمجتمع الملحد الظالم يقود الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
بمعنى: ((فلا يدخلوا الحرم، أطلق
المسجد الحرام وقصد به الحرم كله، وقيل:
(٣) فتح القدير، الشوكاني، ٤/ ٣٦٧.
www. modoee.com
٢٥٥

حرف الألف
المراد المنع عن الحج والعمرة، أي: لا والمجتمع من كدر الحياة وضنك العيش،
يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا)»(١). فالمؤمن المهتدي حي بنور الإيمان،
والملحد الكافر ميت يعيش في الظلمات
٨. حرمانهم من دخول الجنة.
ولا يستطيع الخروج منها، فالإلحاد يفسد
حياة الأفراد والجماعات، لما فيه من الزيغ
والميل والعوج.
من أعظم انعكاسات الإلحاد والتكذيب
بآيات الله حرمان الملحدين والمجرمين من
دخول الجنة يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا
وَأُسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ حَتَّ بَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَرِّ الْخِيَاِ وَكَذَلِكَ
تَجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠].
٩. فتنة المجتمع.
الإلحاد وتنوعه واختلافه يشتت
المجتمع ويشعل فيه نار الفتنة ويعرضه
للعذاب.
قال تعالى: ﴿فَلَيَحْذَرِ الَّذِينَ يُثَالِفُونَ
عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ مُصِيبَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
«فلیحذر المخالفون عن أمر الله، أو أمر
رسوله، أو أمرهما جميعًا، إصابة فتنة لهم،
والفتنة هنا: غير مقيدة بنوع من أنواع الفتن،
وقيل: هي القتل، وقيل: الزلازل، وقيل:
تسلط سلطان جائر عليهم، وقيل: الطبع
على قلوبهم))(٢).
إن آثار الإلحاد على الإنسان والمجتمع
مدمرة، أما الإيمان فهو حماية للفرد
(١) صفوة التفاسير، الصابوني، ١/ ٤٩٢.
(٢) فتح القدير، الشوكاني، ٦٨/٤.
موضوعات ذات صلة:
أسماء الله، الإيمان، التوحيد، الشرك،
صفات الله، مكة
٢٥٦
جوببو
القرآن الكريم