Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الإِعْرَاضِ عناصر الموضوع مفهوم الإعراض ٣٢ الإعراض في الاستعمال القرآني ٣٣ الألفاظ ذات الصلة ٣٤ المأمورون بالإعراض في القرآن ٣٧ أنواع الإعراض ٤١ عاقبة الإعراض ٥٧ المُجَلَدَ الرّابع حرف الألف مفهوم الإعراض أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: «العین والراء والضاد بناء تکثر فروعه، وهي مع کثرتھا ترجع إلى أصلٍ واحدٍ، وهو العرض الذي يخالف الطول)) (١). يأتي الإعراض في اللغة بعدة معان، منها: ١. التولي والإضراب: إذا عدي بـ (عن)؛ فإذا قيل: أعرض عني، فمعناه: ولی مبديًا عرضه (٢) ٢. تنحية الوجه وإشاحته: قال ابن الأعرابي: ((أعرض بوجهه وأشاح أي: جد في الإعراض))، وأعرض بوجهه: أي مال(٣). ٣. الصد: فتقول: أعرضت بوجهي عنه أي صددت، ويقال: أعرضت عن الأمر: صددت عنه. وقال الخليل بن أحمد: ((وأعرضت بوجهي عنه، أي: صددت وحدت)) (٤). مما سبق يتبين لنا: أن معاني الإعراض في اللغة تدور حول الانصراف، والبعد عن الشيء. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يخرج تعريف الإعراض اصطلاحًا عن أحد معانيه اللغوية. فقد عرف السمعاني الإعراض بقوله: ((الإعراض صرف الوجه عن الشيء، أو إلى من هو أولى منه، أو لإذلال من يصرف عنه الوجه (٥). وعرفه الكفوي بقوله: (( والإعراض الانصراف عن الشيء بالقلب)»(٦). وقال ابن عاشور: ((حقيقة الإعراض عدم الالتفات إلى الشيء بقصد التباعد عنه))(٧). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٦٩/٤. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٥٩، المصباح المنير، الفيومي ٤٠٢/٢. (٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٥/ ٩٦، مشارق الأنوار، القاضي عياض ٢/ ٧٤، الفائق في غريب الحديث، الزمخشري ٢٣١/٢، شمس العلوم، نشوان الحميري ٧/ ٤٤٩٧، لسان العرب، ابن منظور ٥٠١/٢، تاج العروس، الزبيدي ٥١٥/٦. (٤) انظر: العين، الفراهيدي ١/ ٢٧٢، المنجد في اللغة، كراع النمل ١٢٩/١، جمهرة اللغة، ابن دريد ٧٤٨/٢. (٥) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢٣٥/٣. (٦) انظر: الكليات، الكفوي ص ١٨. (٧) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٤/٤. فُوسُ كَبُ النَّفِ المُوضُون ٣٢ الأعراض الإعراض في الاستعمال القرآني وردت مادة (أعرض) في القرآن (٥٣) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿فَلَمَّا فَجََّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمُّ وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا ٦٧ الفعل الماضي ١٣ [الإسراء: ٦٧] ﴿ وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرُّ ( [القمر: ٢] فعل الأمر ١٣ ﴿ وَإِيَهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَئِكَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرٌ مَنْ دُورٍ ﴾ [هود: ٧٦] اسم الفاعل ١٩ # [الأحقاف: ٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أَنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ المصدر ٢ ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا تُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] وجاء الإعراض في القرآن بمعناه اللغوي الذي يدور حول الانصراف عن الشيء. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٩٩-٥٠٣. www. modoee.com ٣٣ الفعل المضارع ٦ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة الانصراف : ١ الانصراف لغة: هو: رد الشيء عن وجهه. صرفه يصرفه صرفًا فانصرف، وصارف نفسه عن الشيء صرفها عنه (١). الانصراف اصطلاحًا: هو الإعراض عن الشيء ورده والهروب عنه(٢). الصلة بين الانصراف والإعراض: بهذا المعنى تتبين لنا العلاقة بين الانصراف والإعراض؛ حيث إن كلًا من الإعراض والانصراف يدل على رد الشيء، وعدم قبوله، ولكن الإعراض أعم من الانصراف. التولي: ٢ التولي لغة: تولى عن الشيء، أي: أدبر عنه، وولى عنه أي: أعرض عنه أو نأى(٣). فالتولي إذا عدي بنفسه اقتضى معنى الولاية، وحصوله في أقرب المواضع منه، يقال: وليت سمعي كذا: أقبلت به عليه، وإذا عدي بـ(عن) لفظًا أو تقديرًا؛ اقتضى معنى الإعراض (٤) التولي اصطلاحًا: قال المناوي: ((التولي هو الإعراض المتكلف بما يفهمه التفعل)»(٥). وقول المناوي: ((بما يفهمه التفعل)) معناه أن صيغة تفعل هنا تفيد التكلف كما في قولهم: تحلم، أي تكلف الحلم(٦). وذهب الكفوي إلى أن التولي: الإعراض مطلقًا، ولا يلزمه الإدبار والتولي بالإدبار، (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٨٩/٩، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٥١٣. (٢) انظر: الكليات، الكفوي ص ١٨. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٠٥/١٥. (٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٨٧. (٥) انظر: التوقيف، المناوي ص ٢١٦. (٦) انظر: نضرة النعيم ٩/ ٤٣٠٨. بالمقصُوي فُوْسُبَّ النََّة ٣٤ الأعراض وعلل بذلك أن تولي الرسول صلی الله عليه وسلم عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه لم یکن بالإدبار، وعنده كذلك قد يكون على حقيقة بالإدبار؛ كما في قوله تعالى ﴿وَتَلَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلَّوَأْ مُدِيِرِينَ ﴾ [الأنبياء: ٥٧]. وقد يكون كناية عن الانهزام، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]. وعنده كذلك التولي قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت النية (١). الصلة بين التولي والإعراض: نجد أن أهل العلم قد اختلفوا في التفريق بين الإعراض والتولي: فذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن كلا من الإعراض والتولي بمعنى واحد، وإن اختلفت الألفاظ. قال القرطبي: ((والإعراض والتولي بمعنّى واحدٍ، مخالفٌ بينهما في اللفظ)»(٢). وهناك من فرق فقال: إن التولي يكون بالجسم، والإعراض يكون بالقلب. فعلى هذا التفريق يكون كل من المعرض والمتولي يشتركان في ترك السلوك، إلا أن المعرض أسوأ حالًا؛ لأن المتولي متى ندم سهل عليه الرجوع، والمعرض يحتاج إلى طلب جديد وغاية الذم الجمع بينهما(٣). الصد: ٣ الصدلغة: الصد في اللغة يدور على معانٍ، وهي: الصرف والامتناع، وشدة الضحك والجلبة، وكذلك الإعراض والعدول. قال ابن منظور في لسان العرب: ((الصد الإعراض والصدوف ..... ويقال صده عن الأمر يصده صدًا منعه وصرفه عنه قال الله عز وجل: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِإِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمِ كَلِفِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣])»(٤). (١) انظر: الكليات، الكفوي ص ٢٨. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/٢، وممن اختار هذا القول أبو حفص عمر بن عادل الحنبلي في تفسير اللباب ٢٤٤/٢، والآلوسي في روح المعاني ١/ ٣١٠، والشوكاني في فتح القدير ٠١٢٧/١ (٣) انظر: الكليات، الكفوي ص ١٨. (٤) لسان العرب، ابن منظور ٣/ ٢٤٥. www. modoee.com ٣٥ حرف الألف الصد اصطلاحًا: عرفه المناوي فقال: الصد المنع بالأعز الصارف عن الأمر ذكره بعضهم. وقال الحرالي: الصد صرف إلى ناحية بإعراض وتكره (١). وعرفه أبوالبقاء الكفوي فقال: ((والصد هو العدول عن الشيء عن قلىّ يستعمل لازمًا بمعنى الانصراف والامتناع ﴿يَصُدُّونَ عَنكَ﴾ [النساء: ٦١]. ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٨]. ومتعديًا بمعنى الصرف والمنع .... ))(٢). الصلة بين الصد والإعراض: يتبين لنا وجه العلاقة بين الإعراض والصد، فكل من الإعراض والصد يوجد فيه معنى العدول عن الشيء من قبل الشخص ذاته، ويفترقان في أن الصد قد يصدر من الشخص تجاه الآخرين بحملهم على العدول والامتناع، وهي صفة مذمومة؛ لأنها غالبا لم تستعمل إلا في الصد عن سبيل الله، وأما الإعراض فمنه ما هو إعراض محمود، وإعراض مذموم على حسب السياق والمعنى. (١) انظر: التوقيف، المناوي ص ٢١٦. (٢) انظر: الكليات، الكفوي ص ٢٨. ٣٦ ـُ النَّفْسِنَةِ المُؤْضُونَ الأعراض المأمورون بالإعراض في القرآن إن من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين أنه قد بيَن لهم طريقة التعامل مع المعرضين؛ لئلا يجرف المعرضون غيرهم إلى إعراضهم، فيصدوهم عن الحق، ويزينوا لهم الباطل، ورأس الأمر الرباني في التعامل مع المعرضين هو الإعراض عنهم. وأمر الله تعالى بعض رسله وأهل الإيمان بالإعراض عن أهل الشرك والكفر والضلال، وكان هذا الأمر من الله تعالى لرسله عليهم السلام وعباده المؤمنين؛ من باب الجزاء من جنس العمل، فهم أعرضوا عن شرع الله واتباع طريقه المستقيم، فكان الجزاء لهم من جنس عملهم وهو أن يعرض عنهم رسل الله وعباد الله المؤمنين. أولًا: الرسل عليهم السلام: قد ورد في كتاب الله تعالى في بعض آيات الإعراض الأمر من الله تعالى لبعض أنبيائه عليهم السلام بالإعراض وهو من الإعراض المحمود، ومن هؤلاء الأنبياء: ١. إبراهيم عليه السلام. قال الله تعالى: ﴿يَِّنْزَهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَّاً إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَيْكٌ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْ دُورٍ ﴾ [هود: ٧٦]. ففي هذه الآية الكريمة قد أمر الله تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام بالأمر بالإعراض، وذلك كان في موضع المجادلة مع الملائكة عليهم السلام في شأن قوم لوط عليه السلام، فأمر بالإعراض عن تلك المجادلة، فقال له الملائكة: دع عنك الجدال في أمرهم والخصومة فيه؛ لأنه ﴿قَدْ جَآءَ أَمْهُ رَيِّكَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَهْدُورٍ﴾، وهو قول عامة أهل التفسير، وكانت سبب مجادلة إبراهيم عليه السلام، إنما كانت في قوم لوطٍ؛ بسبب مقام لوطٍ فیما بینهم(١). وقد ذكر أهل التفسير أن إبراهيم عليه السلام أمر بترك الإعراض وترك المجادلة في قوم لوط؛ لأنه قد جاء التعليل في آخر الآية، وأنهم قد شارفهم وقع العذاب، وفسر بعضهم المجادلة بطلب الشفاعة، وقيل: هي سؤاله عن العذاب هل هو واقع بهم لا محالة أم على سبيل الإخافة؛ ليرجعوا إلى الطاعة؟(٢). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٤٠٧، معالم التنزيل، البغوي ١٩٠/٤، مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/ ٣٧٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٧٢. (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٩٩/٦ - ٣٠٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٣/١٢. www. modoee.com ٣٧ حرف الألف ٢. يوسف عليه السلام. فقد ورد في كتاب الله تعالى الأمر لنبي الله يوسف عليه السلام، وكان ذلك في قول الله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِّ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ﴾ [يوسف: ٢٩]. اْخَاطِئِينَ وكان الأمر بالإعراض ليوسف عليه السلام، كان عقب حادثة اتهامه بالفاحشة، ومع ذلم فقد أمر بالإعراض عن ذکر ما كان منها إليك فيما راودتك عليه؛ حيث قد ظهر صدقك ونزاهتك، فلا تذكره لأحدٍ؛ حرصًا على التستر عليها(١). ٣. نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم. لقد تعددت الآيات التي وردت في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالأمر بالإعراض أو تذكر إعراضه، واختلفت وقائعها وكانت في مواقف عدة، ولقد وردت آيات عدة من الله تعالى تأمر النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن المشركين. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿ فَأُصْدَعْبِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الحجر: ٩٤]، أي: لا تبال بهم ولا تلتفت إليهم؛ إذا لاموك (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦ / ٦٠، معالم التنزيل، البغوي ٢٣٥/٤، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ / ٢٧٠. على إظهار الدعوة. ثم أكد هذا الأمر سبحانه وتعالى، وثبت قلب رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]. مع کونهم كانوا من أكابر الكفار، وأهل الشوكة فيهم؛ فإذا كفاه الله أمرهم بقمعهم وتدميرهم كفاه أمر من هو دونهم بالأولى (٢). فهذا هو التوجية الرباني لنبيه صلى الله عليه وسلم في أول الدعوة هو الصدع بالدعوة والجهر بالحق، والإعراض عن هؤلاء الكفار والمشركين؛ من أجل تحقيق الغاية التي من أجلها قد أرسله الله تعالى، وهي تعبيد الخلق لله تعالى، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ويتأكد هذا الأمر بالإعراض عن أهل الشرك والكفر في مواقف كثيرة وآيات أخرى تدل على نفس المعنى، وهو الأمر بالإعراض عن أهل الشرك والكفر، وكان ذلك في خضم دعوتهم. قال الله تعالى: ﴿أَبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن زَّيْكَْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ١٠٦]. ١٠٦ ففي تلك الآية هو حث من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يترفع ويترك أقاويل هؤلاء الأصاغر من الكفار والمشركين. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ١٦٥، فتح القدير، الشوكاني ١٧٣/٣. ٣٨ الأعراض قال الطبري: ((اتبع، يا محمد صلى الله عليه وسلم، ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك، فاعمل به، وانزجر عما زجرك عنه فيه، ودع ما يدعوك إليه مشركو قومك من عبادة الأوثان والأصنام، فإنه لا إله إلا هو))(١). مع التنبيه أن المراد بالإعراض عن المشركين هو: الإعراض عن مكابرتهم وأذاهم لا الإعراض عن دعوتهم، فإن الله لم يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقطع الدعوة لأي صنفٍ من الناس، وكل آيةٍ فيها الأمر بالإعراض عن المشركين فإنما هو إعراضٌ عن أقوالهم وأذاهم (٢). وفي موضع آخر من كتاب الله تعالى يبين الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم كيف يتعامل مع هؤلاء الكفار والمشركين الذین لم یریدوا إلا الحياة الدنیا، وتولوا عن التذكير بالقرآن. قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَّوَلَى ٢٩ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا : [النجم: ٢٩]. أي: اترك مجادلتهم فقد بلغت وأتيت بما عليك، ولا تهتم بشأنهم؛ فإن من غفل عن الله وأعرض عن ذكره، وانهمك في الدنيا بحیث کانت منتهى همته ومبلغ علمه؛ فلا (١) انظر: جامع البيان، ١٢/ ٣٢. (٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٧/ ٢٢٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٢٥/٧. تختم وتتحسر علی کفرهم (٣) . وفي موضع آخر یأمر الله تعالی نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن الجاهلين، وعدم التبالي بأفعالهم وهذا من باب حسن العشرة مع الناس. قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضٌ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. فقوله تعالى: ﴿ خُذِالعفو﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. وفي قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِينَ﴾ الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة (٤). وفي موضع آخر يخبر الله تعالى عن ما حدث من نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه قد أعرض عن بعض أزواجه، وهي حفصة رضي الله عنها. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبََّتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اَللَّهُ قَالَ بَعْضَهُ. وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِّ فَلَمَّا نَّأَهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَكَ هَذّاً قَالَ نَبَأَنِى الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ [التحريم: ٣]. (٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٩١/١٨، روح المعاني، الألوسي ١٤ / ٦٠. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٣٤٤، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٩/ ٤٣٢. www. modoee.com ٣٩ حرف الألف ففي تلك الآية الكريمة تبين مدى كرم خلق النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا الإعراض منه صلى الله عليه وسلم لكرم خلقه وشدة حياته وحسن عشرته صلى الله عليه وسلم. فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِ حَدِيثًا﴾ قال كثير من المفسرين: هي حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، أسر لها النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وأمر أن لا تخبر به أحدًا، فحدثت به عائشة رضي الله عنهما، وأخبره الله بذلك الخبر الذي أذاعته، فعرفها صلی الله عليه وسلم، ببعض ما قالت، وأعرض عن بعضه، کرمًا منه صلى الله عليه وسلم، وحلمًا، كما قال سفيان: «ما زال التغافل من فعل الكرام». وإعراض الرسول صلی الله عليه وسلم عن تعريف زوجه ببعض الحديث الذي أفشته من کرم خلقه صلی الله عليه وسلم في معاتبة المفشية وتأديبها إذ يحصل المقصود بأن یعلم بعض ما أفشته فتوقن أن الله يغار عليه. فـ ﴿قَالَتْ﴾ له: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ الخبر الذي لم يخرج منا؟ ﴿قَالَ نَّأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى (١). (١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣/ ٥٠٥، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٦٧/٨، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨/ ٣٥٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٧٢. المقصود وفي موضع آخر يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا (٢٨)﴾ [الإسراء: ٢٨]. ففي هذه الآية يخاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَنْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ تَرْجُوهَا﴾: أي لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر الغنى والقدرة فتحرمهم، وإنما يجوز له أن يعرض عنهم عند عجز یعرض، وعند عائق یعرض، وأنت عند ذلك ترجو من الله فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك الحال عن المواساة ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا﴾، يعمل في مسرة نفسه عمل المواساة فتقول: الله يرزق، والله يفتح بالخير (٢). وهذا تعلیمٌ عظيمٌ من الله لنبيه لمكارم الأخلاق، وأنه إن لم يقدر على الإعطاء الجميل فليتجمل في عدم الإعطاء؛ لأن الرد الجميل خيرٌ من الإعطاء القبيح (٣). ثانيًا: المؤمنون: قد ذکر سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن المؤمنين وإعراضهم عن أهل الكفر والنفاق، ففي موضوعين يأتي البيان القرآني الإعراض المؤمنين من باب الإخبار عن (٢) انظر: أحكام القرآن، إلكيا الهراسي ٢/ ٢٥٦. (٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣/ ٨٦. ٤٠ الأعراض حالهم، وأن إعراضهم عما لا يليق هو من دأب أهل الإيمان. قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ عَنِ اَللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ [المؤمنون: ٣]. أي: معرضون عن الباطل وما يكرهه الله من خلقه فهم معرضون عن کل باطل ولهو وما لا يحل من القول والفعل (١). وكذلك قال الله تعالى في الإخبار عنهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِىِ الْجَِهِلِينَ [القصص: ٥٥]. فأهل الإيمان يعرضون عن اللغو وهو وتوبيخهم على قعودهم مع الخالفين مالا يليق من القول، ويقولون على جهة من النساء والأطفال والعجزة، وبخلهم بالنفقة، فأمر الله بالإعراض عنهم فقال تعالى: ﴿فَأَعْرِ ضُو ◌ْلِتَّضَوْاْ﴾ أي: إعراض إهانةٍ واحتقارٍ، لا إعراض صفحٍ وإعذارٍ. التبري: «لنا أعمالنا ولكم أعمالكم» أي: کلّ سیجازی بعمله الذي عمله وحده، لیس عليه من وزر غيره شيء. ولزم من ذلك، أنهم يتبرءون مما عليه الجاهلون، من اللغو والباطل، والكلام الذي لا فائدة فيه. ﴿َسَلَمّ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا تسمعون منا إلا الخير، ولا نخاطبكم بمقتضى جهلكم، فإنكم وإن رضيتم لأنفسكم هذا المرتع اللئيم، فإننا ننزه أنفسنا عنه، ونصونها عن الخوض فيه. ﴿لَا تَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾ من كل وجه(٢). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/١٩-١٠، معالم التنزيل، البغوي ٤٠٩/٥. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٢٠. وفي موضع آخر يأتي الأمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالإعراض عن المنافقين. قال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِقُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌُ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ جَزَّاءُ بِمَا كَانُواْيَكْسِبُونَ ﴾ [التوبة: ٩٥]. ففي هذه الآية أمر من الله تعالى لأهل الإيمان بالإعراض عن المنافقين، وبيان حقيقتهم أنهم سيؤكدون لكم اعتذارهم بالأيمان الكاذبة إذا انقلبتم وتحولتم إليهم من سفركم؛ لأجل أن تعرضوا عن عتبهم وهذا التعبير من الأسلوب الحكيم، وهو قبول ما يبغون من الإعراض عنهم ولكن على غير الوجه الذي يرجونه منه بل على ضده، وقد علل الأمر بقوله: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسُ﴾ أي: قدرٌ معنوي یجب الإعراض عنه تنزها عن القرب منه بأشد مما يتنزه الطاهر الثوب والبدن عن ملابسة الأرجاس والأقذار الحسية(٣). ((إن هؤلاء المنافقين رجس البواطن أخباث الاعتقادات، لا يقبلون التطهير؛ (٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤/١١. www. modoee.com ٤١ حرف الألف لأنهم منافقون، ومسکنهم جهنم، جزاء بما اكتسبوه في الدنيا من الآثام والخطايا، فلا ينفع معه التوبيخ أو اللوم في الدنيا والآخرة. وحقيقة أيمانهم الكاذبة أنها ليست لوجهالله، وإنما لمجرد استرضاء لكم معشر المؤمنين؛ لتستمروا في معاملتهم كالمسلمين. وإنكم إن رضیتم عنهم، فلا ينفعهم رضاکم، إذا كانوا في سخط الله، والله لا يرضى عن القوم الفاسقين، أي: الخارجين عن طاعة الله والرسول، فليكن همهم إرضاء الله ورسوله، لا إرضاؤكم، كما وصفهم الله بقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ اَلْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (٥) [النساء: ١٠٨]. وقوله عز وجل: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِ صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ [الحشر: ١٣]. وهذا إرشاد ونهي للمؤمنين عن الرضا عن المنافقين، والاغترار بأيمانهم الكاذبة، وكفى بالله عليمًا ومعلمًا للمؤمنين منهج الحياة الاجتماعية وطريق معاملة المنافقين وغيرهم من أصحاب البدع المنكرة، فعلى المؤمنين أن يبغضوا المنافقين، وألا يرضوا عنهم لسبب دنیوي، من غير تفرقة بین منافق حضري أو بدوي»(١). (١) انظر: الوسيط، الزحيلي ١ / ٩٠٥. مُؤْسُعَة التَّقِينَةِ المَوضُوي أنواع الإعراض تحدث القرآن الكريم عن نوعين من الإعراض؛ أحدهما محمود، والآخر مذموم، وسوف یتم الحديث عنهما في هذا المبحث .. أولًا: الإعراض المحمود: إن الإعراض المحمود هو ما أمر الله به عباده المؤمنين؛ من أجل زجر هؤلاء الكفار المعرضين عن دين الله تعالى وشريعته، وتصديق رسله، والإيمان بهم، فأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالإعراض عمن أعرض عن دين الله تعالى، وليس مساومته على شيء من الشريعة ليقبلها. فمن تولى عن ذكر الله تعالى، يعرض عنه بنص الكتاب؛ وذلك أن مهمة الرسل والدعاة من بعدهم هي البلاغ لا الهداية. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآَ أَرْسَلْتَكَ عَلَتِهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَّكَ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [الشورى : ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَّدٍ أُهْتَدَواْ فَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]. وقوله تعالى ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَأَنْتَظِرْ ﴾ [السجدة: ٣٠]. إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ أ وكذلك أمر الله عباده المؤمنين ٤٢ الأعراض بالإعراض عن أهل النفاق؛ لأن هؤلاء لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ وَإِن تُعْرِضَّ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ﴾ [المائدة: ٤٢]. (٤٢ الْمُقْسِطِينَ المنافقين يظهرون الخير ويبطنون الشر لأهل الإيمان، وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالإعراض عنهم؛ خشية أن لا يتخذهم المؤمنين بطانة من دون المؤمنین، وينخدعوا فيهم وفي أفعالهم الظاهرة، فأوجب الله تعالى الإعراض عن قولهم، وعدم أخذ نصيحتهم، ولا أن يتخذوا منهم بطانة؛ لأنهم أهل غش وخيانة، فإذا أعرض المؤمنون عنهم، وتوكلوا على الله تعالى لم يضرهم المنافقون شيئًا مهما بلغ کیدهم، وعظم مكرهم. قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولٌ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَّ فَأَعْرِضَ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ( [النساء: ٨١]. ١. الإعراض عن اليهود. فكما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين بالإعراض عن اليهود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر للمدينة، كانت اليهود تسأل النبي صلی الله عليه وسلم من باب التعنت ولبس الحق بالباطل، فكان الله تعالى ينزل القرآن فيما كانوا يسألون عنه النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿سَمَّعُونَ فهذه الآية وإن كان ظاهر الخطاب أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن هذا الحكم باق، ويتناول حكام المسلمين وعلماءهم. قال ابن عطية: «قال القاضي أبو محمد: وقال كثير من العلماء هي محكمة وتخيير الحكام باق، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، وفقه هذه الآية أن الأمة فيما علمت مجمعة على أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم، ويتسلط عليهم في تغييره وينفر عن صورته کیف وقع فيغير ذلك، ومن التظالم حبس السلع المبيعة وغصب المال وغير ذلك، فأما نوازل الأحكام التي لا ظلم فيها من أحدهم للآخر، وإنما هي دعاوى محتملة وطلب ما يحل وما لا يحل، وطلب المخرج من الإثم في الآخرة، فهي التي يخير فيها الحاكم، وإذا رضي به الخصمان، فلا بد مع ذلك من رضى الأساقفة أو الأحبار. قاله ابن القاسم في العتبية. قال: وأما إن رضي الأساقفة دون الخصمین أو الخصمان دون الأساقفة فلیس www. modoee.com ٤٣ حرف الألف له أن یحکم)»(١). ففي هذه الآية يخير الله تعالى نبيه أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ ﴾ [المائدة: ٤٩]. وحكام المسلمين من بعده، وبين لهم أنهم مخیرون بأن یحکموا بينهم، أو يعرضوا عن الحکم بینھم؛ من أجل أن اليهود لا قصد لهم في الحكم الشرعي إلا أن يكون موافقًا لأهوائهم، وعلى هذا فكل مستفت ومتحاكم إلی عالم، یعلم من حاله أنه إن حکم علیه لم يرض، لم يجب الحكم ولا الإفتاء لهم، فإن حكم بينهم وجب أن يحكم بالقسط، ولهذا قال: ﴿وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطٍ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ حتى ولو كانوا ظلمة وأعداء، فلا يمنعك ذلك من العدل في الحكم بينهم(٢). وقد اختلف أهل العلم في التخيير الوارد في هذه الآية هل هو منسوخ أم باق؟ وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا إليهم. واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم؛ فذهب قوم إلى التخيير، وذهب آخرون إلى الوجوب، (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ١٩٤. وانظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي ٢٦٤/٤، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٣/٦. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٣٢. المُوضُوي وقالوا: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿ وَأَنِ وبه قال ابن عباس، ومجاهد وعكرمة، والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي: وهو الصحيح من قول الشافعي، وحكاه القرطبي عن أكثر العلماء(٣). ولكن الصحيح هو التفصيل الذي ذكره ابن عاشور؛ حیث قال: «والذي يستخلص من الفقه في مسألة الحكم بين غير المسلمين دون تحكيم: أن الأمة أجمعت على أن أهل الذمة داخلون تحت سلطان الإسلام، وأن عهود الذمة قضت بإبقائهم على ما تقتضيه مللهم في الشؤون الجارية بين بعضهم مع بعضٍ بما حددت لهم شرائعهم؛ ولذلك فالأمور التي يأتونها تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: ما هو خاصّ بذات الذمي من عبادته كصلاته وذبحه وغيرها مما هو من الحلال والحرام. وهذا لا اختلاف بين العلماء في أن أئمة المسلمين لا يتعرضون لهم بتعطيله إلا إذا كان فيه فسادٌ عامٌ كقتل النفس. القسم الثاني: ما يجري بينهم من المعاملات الراجعة إلى الحلال والحرام في الإسلام، كأنواعٍ من الأنكحة والطلاق (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨٤/٦-١٨٧، فتح القدير، الشوكاني ٤٩/٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/ ٢٠٣-٢٠٦. ٤٤ الأعراض وشرب الخمر والأعمال التي يستحلونها ويحرمها الإسلام. وهذه أيضًا يقرون عليها. قال مالكٌ: لا يقام حد الزنا على الذميين، فإن زنی مسلمٌ بکتابیة یحد المسلم ولا تحد الكتابية. قال ابن خويز منداد: ولا يرسل الإمام إليهم رسولًا ولا يحضر الخصم مجلسه. القسم الثالث: ما يتجاوزهم إلى غيرهم من المفاسد كالسرقة والاعتداء على النفوس هذا القسم يجري على أحكام الإسلام؛ لأنا لم نعاهدهم على الفساد. قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ والأعراض. وقد أجمع علماء الأمة على أن اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيمًا ﴾ [النساء: ٦٣]. وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]؛ ولذلك نمنعهم من بيع الخمر للمسلمين ومن التظاهر بالمحرمات. القسم الرابع: ما يجري بينهم من احتكامهم إلى الطاغوت، وتركهم الاحتكام المعاملات التي فيها اعتداء بعضهم على بعضٍ: كالجنايات، والديون، وتخاصم الزوجين. فهذا القسم إذا تراضوا فيه بينهم لا نتعرض لهم، فإن استعدی أحدهم على الآخر بحاكم المسلمين. فقال مالكٌ: يقضي الحاکم المسلم بینھم فیه وجوبًا؛ لأن في الاعتداء ضربًا من الظلم والفساد، وكذلك قال الشافعي، وأبو یوسف، ومحمدٌ، وزفر. وقال أبو حنيفة: لا يحكم بينهم حتى يتراضى الخصمان معًا))(١). (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٣/٦- (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/ ٥١٥. www. modoee.com ٢. الإعراض عن المنافقين. ظاهرة النفاق قد ظهرت عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وقامت دولة الإسلام، وظهر من يكره الإسلام باطنًا ويظهر حبه وإيمانه، ولكن الله فضحهم وأظهر نفاقه، وبين للنبي صلى الله عليه وسلم ولعباده المؤمنين المخلصين كيف يتعاملوا مع هؤلاء المنافقين. وقال ابن جرير الطبري: ((هؤلاء المنافقون الذین وصفت لك، یا محمد، صفتهم ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ في إليك، وصدودهم عنك من النفاق والزيغ، وإن حلفوا بالله: ما أردنا إلا إحسانًا وتوفیقًا ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ﴾، يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم، ولکن عظهم بتخوفك إياهم بأس الله أن يحل بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذرهم من مكروه ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله))(٢). ولكن كما نبه ابن العربي المالكي: أن ٢٠٦. ٤٥ حرف الألف النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعرض عنهم تألفًا ومخافةً من سوء المقالة الموجبة للتنفير))(١). فكانت هذه السياسة التي أمر بها القرآن في التعامل مع أهل النفاق هي ماتقتضيه الحكمة والسياسة الرفيعة والأسلوب الرفيع للنبي صلى الله عليه وسلم ويتخذها أصحابه من بعده. وفي هذا المعنى يقول سيد قطب رحمه الله: ((وكانت الخطة التي وجه الله إليها نبيه صلى الله عليه وسلم في معاملة المنافقين، هي أخذهم بظاهرهم- لا بحقيقة نواياهم- والإعراض والتغاضي عما يبدر منهم .. وهي خطة فتلتهم في النهاية، وأضعفتهم، وجعلت بقاياهم تتوارى ضعفًا وخجلً))(٢). وفي آية آخرى يؤكد الله تعالى على هذا الأمر فقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ غَيّرَ الَّذِى تَقُولٌ وَاَللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَّ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِلَلَّهِ وَكِيلًا (١هـ [النساء: ٨١]. أي: ويقولون لك إذا حضروا معك: أمرنا وشأننا طاعةٌ لك فيما تأمرنا به، ﴿فَإِذَا بَرَزُواْ﴾ أي: خرجوا من عندك ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: دبرت ليلًا وأخفت من النفاق (١) انظر: أحكام القرآن ١/ ٢١. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٧٢٠. غير الذي تقول لك من قبول الإيمان وإظهار الطاعة، أو زورت خلاف ما قلت لها من الأمر بالطاعة، ﴿وَاَللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَّ أي: يثبته في صحائفهم فيجازيهم عليه، ﴿فَأَعْرِضْعَنْهُمْ﴾ أي: لاتبال بهم وبما صنعوا أو تجاف عنهم ولا تتصد للانتقام منهم. ﴿وَتَوَكَّلَ والفاء لسببية ما قبلها لما بعدها، عَلَى اللهِ﴾ يكفك شرهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ عليهم، فسينتقم لك منهم (٣). ويتوالى التأكيد على الإعراض عن هذه الفئة المنافقة في آية الخطاب فيها موجه لأهل الإيمان. وذلك في قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ يِجْسٌُ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّهُ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [التوبة: ٩٥]. فقوله: ﴿فَأَعْرِضُواْعَنْهُمْ﴾، يقول جل ثناؤه للمؤمنين: فدعوا تأنيبهم، وخلوهم وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق (٤). قال الشوكاني: ((وأمر المؤمنين بالإعراض عنهم المراد به: تركهم والمهاجرة لهم، لا الرضا عنهم والصفح عن ذنوبهم، كما تفيده جملة إنهم رجسٌ الواقعة (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤ / ٤٢٥، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٠٧/٢. (٤) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ١/ ٥٣٤، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٠٧/٢. ٤٦ ـُ المُوضُوية فَوْسُبَّ النَّ الأعراض علةً للأمر بالإعراض. والمعنى: أنهم في أنفسهم رجسٌ لكون جميع أعمالهم نجسةٌ، فكأنها قد صيرت ذواتهم رجسًا، أو أنهم ذوو رجسٍ، أي: ذوو أعمالٍ قبيحةٍ، ومثله إنما المشركون نجسِّ وهؤلاء لما كانوا هكذا كانوا غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى الخير، والتحذير من الشر، فليس لهم إلا الترك. وقوله ومأواهم جهنم من تمام التعليل فإن من كان من أهل النار لا يجدي فيه الدعاء إلى الخير))(١). ٣. الإعراض عن الجاهلين. فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن الجاهلين، وعدم التبالي بأفعالهم وهذا من باب حسن العشرة مع الناس. قال الله تعالى: ﴿خُذِ اَلْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. و((الجهل)) هنا في الآية هو ضد الحلم والرشد، وهو أشهر إطلاق الجهل في كلام العرب قبل الإسلام، والمراد بالجاهلين السفهاء كلهم؛ لأن التعريف في كلمة ﴿اَلْجَهِلِينَ﴾ للاستغراق، وأعظم الجهل هو الإشراك، إذ اتخاذ الحجر إلهًا سفاهةٌ لا تعدلها سفاهةٌ، ثم يشمل كل سفيه رأي(٢). (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٤٥٠. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ٢٢٩. وقد أكد الله تعالى هذا الأمر أنه من صفات عباد الرحمن، فقال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا [الفرقان: ٦٣]. وكان هذا هو خلق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيسٍ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجهٌ عند هذا الأمير، فاستأذن لي علیه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباسٍ: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي یا ابن الخطاب، فوالله، ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر، حتى هم أن یوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ اَْهِلِينَ﴾ وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند کتاب الله(٣). وعن عبد الله بن الزبير قال: ((أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤٦٤٢. www. modoee.com ٤٧ حرف الألف أخلاق الناس، أو كما قال))(١). فقد أمر الله تعالى أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله، فمن آذاك بقوله أو فعله لا تؤذه، ومن حرمك لا تحرمه، ومن قطعك فصله، ومن ظلمك فاعدل فيه(٢). وقد جمعت هذه الآية مكارم الأخلاق؛ لأن فضائل الأخلاق لا تعدو أن تكون عفوًا عن اعتداءٍ فتدخل في خذ العفو، أو إغضاءً عما لا يلائم فتدخل في وأعرض عن الجاهلين، أو فعل خيرٍ واتسامًا بفضيلةٍ فتدخل في وأمر بالعرف(٣). ٤. الإعراض عن اللغو. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَم عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ ﴾ [القصص: ٥٥]. نزلت هذه الآية في قوم كانوا مشركين فأسلموا، فكان قومهم يؤذونهم، فكانوا يصفحون عنهم، يقولون: ﴿سَلَمّ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَهِلِينَ﴾ (٤). وقد عرف الإمام الطبري اللغو بأنه هو: ((الباطل من القول)) ثم اختار الإمام الطبري أن المراد باللغو في هذه الآية هو ماقاله (١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤٦٤٤. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣١٣. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ٢٢٩. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٥٩٨. مجاهد حیث قال: ( وهذا يدل على أن اللغو الذي ذكره الله في هذا الموضع، إنما هو ما قاله مجاهد، من أنه سماع القوم ممن يؤذيهم بالقول ما يكرهون منه في أنفسهم، وأهم أجابوهم بالجميل من القول ﴿لناً أَعْمَلُنا قد رضينا بها لأنفسنا، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾ قد رضيتم بها لأنفسكم)) (٥). ولكن الصحيح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، کما هو قول جمهور أهل العلم (٦). فـ﴿اَللَّغْوَ﴾ هو: سقط القول والكلام العبث الذي لافائدة فيه، والقبيح من القول، فالفحش لغو، والسب لغو، والمراد من هذا في هذه الآية ما كان سبًا وأذى، فأدب أهل الإسلام الإعراض عنه، والقول على جهة التبري ﴿سَلَمُ عَلَیْكُمْ﴾، ليس المراد سلام التحية ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم والقبح، ونظيره ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْسَلَمًا ٦٣ [الفرقان: ٦٣]. ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكيًا عنهم ﴿لَا نَبْتَغِى الْجَِهِلِينَ﴾، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم(٧). (٥) انظر: المصدر السابق ١٩ / ٥٩٧. (٦) انظر: قواعد الترجيح عند المفسرين، حسين الحربي ٢/ ٥٤٥. (٧) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية الأندلسي ٤/ ٢٩٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨ النَّفَ الأعراض فهذه الآية تدل على حال أهل الإيمان الثالثة فلييعها ولو بحبلٍ من شعرٍ) (٢). عند سماعهم اللغو، وأنهم يعرضون عنه، ((وإقامة الإعراض مقام الترك ليدل على تباعدهم عنه رأسًا مباشرة وتسببًا وميلًا وحضورًا فإن أصله أن يكون في عرض أي ناحية غير عرضه))(١). خامسًا: الإعراض عن إيذاء من تاب من الفاحشة: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَشَاذُوهُمَا فَإِن تَبَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا زَّحِيمًا ١﴾ [النساء: ١٦]. وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالإعراض والستر وترك التعبير والضرب بالنعال لمن ارتكب جريمة الزنا. وقوله: ﴿فَإِن تَابًاوآصلحًا ﴾ أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه، وصلحت أعمالهما وحسنت ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا﴾ أي: لا تعنفوهما بکلام قبیح بعد ذلك؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا زَّحِيمًا﴾ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا زنت الأمة فتبین زناها فليجلدها، ولا يثرب ثم إن زنت فلیجلدها، ولا يثرب ثم إن زنت ٢٠ / ١٤٤. (١) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٠٨/٩. أي: ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد، الذي هو كفارةٌ لما صنعت (٣). وقد ذهب جماعة من أهل التفسير أن هذا الإعراض والتوبيخ منسوخ بآية سورة النور، ولكن رجح القرطبي عدم النسخ فقال: وقيل وهو أولى: إنه ليس بمنسوخٍ، وأنه واجبٌ أن يؤدبا بالتوبيخ فيقال لهما: فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله عز وجل (٤). ثانيًا: الإعراض المذموم: إن من أشد الخذلان، وأفدح الخسران: الإعراض عن الله تعالى، وذلك بالإعراض عن دینه وشریعته، أو الإعراض عن کتابه، أو الإعراض عن ذكره وعبادته. وبقدر إعراض العبد عن الله تعالى تكون خسارته وشقوته؛ فأهل الكفر والنفاق هم أهل الإعراض الكامل، فكان لهم الخسران المبين، والشقاء الأبدي في الدنيا والآخرة. إن الإعراض عن الله تعالى وعن اتباع طريقه المستقيم؛ سبب للعذاب في الدنيا والآخرة، فالإعراض يزيغ القلب، ويطمس (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بيع العبد الزاني، رقم ٢١٥٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا، رقم ٤٥٤٢. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٥/٢. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨٦/٥. www. modoee.com ٤٩ حرف الألف البصيرة عن اتباع الحق. ١. الإعراض عن القرآن. قد ذكر الله تعالى المعرضين عن القرآن والذكر في مواضع عدة من كتابه، ومع اختلاف أنواعهم، وعاقبتھم، وأحوالهم. فقال الله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ. يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا ﴾ [طه: ١٠٠]. ففي تلك الآية ذم الله تعالى من انصرف وهجر وأعرض عن قرآنه، ولم يعمل به، والذكر في هذا الموضع المراد به القرآن؛ حيث قال الفخر الرازي: ((ثم في تسمية القرآن بالذكر وجوه: أحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم. وثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله تعالى ونعمائه ففيه التذكير والمواعظ. وثالثها: فيه الذكر والشرف لك ولقومك على ما قال: ﴿وَإِنَّهُ، لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. ثم قال: ((واعلم أن الله تعالى سمى كل كتبه ذكرًا فقال: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]))(١). فمن أعرض عن هذا الذكر الذي هو القرآن العظيم، أي: صد وأدبر عنه، ولم يعمل بما فيه من الحلال، والحرام، والآداب، والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد ويعتبر بما فيه من القصص، (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢ / ٩٧، أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ٩٥. فَوْسُ لَمُ النَّفِيَةِ المُوضُوية والأمثال، ونحو ذلك فإنه يحمل يوم القيامة وزرًا، والوزر هو: العقوبة الثقيلة الباهظة. سماها وزرًا تشبيهًا في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يفدح الحامل وينقض ظهره، ويلقي عليه بوزره. أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم (٢). وفي موضع آخر قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةٌ ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: ١٢٤]. ففي هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى حال وعاقبة الإعراض المذموم، ومنها الإعراض عن القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنذِكْرِى﴾ أي: أعرض عن ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه(٣). وفي موضع آخر بين الله تعالى عاقبة الإعراض المذموم، حيث قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُعْرِضَ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ، يَسْلُكَّهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] قال ابن جرير الطبري: ((ومن یعرض عن ذکر ربه الذي ذكره به، وهو هذا القرآن؛ ومعناه: ومن يعرض عن استماع القرآن واستعماله، يسلكه الله عذابًا صعدًا: يقول: يسلكه الله عذابًا شديدًا شاقًا)) (٤). (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ٩٥. (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣٠٠/٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٨/١١، محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ١٥٣. (٤) جامع البيان، ٦٦٤/٢٣. ٥