Indexed OCR Text
Pages 21-26
الاستقامة محاسبتك لهم في الدنيا، ولن تحاسب والطغيان(٣). علیهم، فأمرهم وحالهم کله مرجعٌ إلی الله تعالى، ثم يخبرهم خبرًا یقینیًا بعد مماتهم أو يوم القيامة، بكل فعلة فعلوها (١). ونجد أن الاختلاف في قراءة (فرقوا) حصل منه اختلاف المعنى الذي سبق، فقرأ حمزة والكسائي (فارقوا) بمعنى ((ترك الدين»، والباقون قرءوا (فرقوا) بمعنى ((جعل الدين متفرقًا)) (٢)، وفي هذا بيان لعظيم خطر من انحرف عن طريق الاستقامة الحقة، واتبع هواه. رابعًا: الطغيان: قال تعالى: ﴿كُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَِّ وَمَن يَهْلِلْ عَلَيْهِ غَضَسِ فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١]. يأمر الله تعالى - على وجه بيان الحل والتذكير بنعمه- بني إسرائيل أن يأكلوا من جميع الطيبات التي رزقها الله تعالى لهم؛ ولكن هذا منوط بعدم الطغيان، وهو مجاوزة الحد، الذي هو ضد الاعتدال والاستقامة؛ فإن ذلك ينذر بغضب الله تعالى، ومن يأت إليه غضب الله تعالى فقد أهلك؛ لأنه يتبع هواه؛ فقد حمله السعة والعافية على التجاوز (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢٠٨/٢، الدر المنثور، السيوطي، ٤٠١/٣. خامسًا: الركون إلى الذين ظلموا: قال تعالى: ﴿وَلَا تَزْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا نُنصَرُونَ﴾ [هود:١١٣]. تبين الآية الكريم أن من أسباب دخول النار والعذاب فيها: الركون إلى الظالمين، والميل إليهم، وموالاتهم. وفي المقابل لن يستطيع هؤلاء الظالمون نصرتهم يوم القيامة، بل هم أحوج منهم لمن ينصرهم (٤). سادسًا: اتباع الجهلة: قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي اْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلِ الَّهِّ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]. تنهى الآية الكريمة عن طاعة الكفار من خلال بيان العاقبة، وذلك أن مال طاعتهم هو الضلال عن طريق الحق والاستقامة، طريق الدين القويم، فهم يبنون افتراءاتهم على الظن، وهم يكذبون في ذلك (٥). (٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ٣٣، فتح القدير، الشوكاني، ٤٤٨/٣. (٤) انظر: تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي، ص٣٠١، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٢٤٥/٤. (٢) انظر: الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه، (٥) انظر: تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي، ص١٨٢، فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ١٧٧. ص١٥٢. www. modoee.com ١٣٣ حرف الألف سابعًا: اتباع الهوى: قال الأوزاعي: ((قال إبليس لأوليائه: من أين تأتون بني آدم؟ قالوا: من كلٍ. قال: فهل تأتونهم من قبل الاستغفار؟ قالوا: إن ذلك لشيءٌ ما نطيقه، إنه لمقرونٌ مع التوحید. قال: لآتينهم من بابٍ لا يستغفرون الله منه، فبث فيهم الأهواء)) (١). وبالتالي فإنه لا سبيل إلى الاستقامة إلا إذا تخلص المسلم من موانعها، وأعظمها الأهواء، وقد عالج القرآن الكريم ذلك من خلال آيات كثيرة. منها قوله تعالى: ﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِم مُعْرِضُونَ ٦ أَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْحًا فَخَرَاجُ رَيِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ () وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧١ - ٧٣]. تبين هذه الآيات الكريمة بأسلوب الشرط، أنه لو أن الله تعالى - الذي من صفاته الحق- اتبع أهواءهم فيما يشتهونه أو يعبدونه لفسد تدبير السموات والأرض؛ لأنها مدبرة بالحق لا بالهوى، ولفسدت أحوال السموات والأرض؛ لأنها جارية بالحكمة لا على الهوى، ولفسد من فيهن من المخلوقات، ثم تذيل الآية بحرف (١) ذم الكلام وأهله، الهروي، ٥/ ١٤٧. إضراب، من خلال أن الله تعالى أتاهم بكل ما هو حق، لكنهم عن هذا الحق معرضون، وبأسلوب التخيير لغرض بيان العاقبة الفضلى، يسأل الله تعالى نبيه محمدًا هل تريد منهم أمرًا من رزق، فرزق ربك خيرٌ وأفضل، فهو خير الرازقين، ثم تخبر الآية التالية على وجه التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم: أنك يا محمد تدعوهم إلى الدین القويم الذي لا اعوجاج فيه (٢). (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٤ / ٦٣، زاد المسير، ابن الجوزي، ٢٦٧/٣. مَوَسُولُ اللَّهِ القرآن الكريم ١٣٤ الاستقامة الآثار والثمرات المترتبة على لزوم الاستقامة إذا التزم العبد طريق الاستقامة ظهرت عليه وعلى المجتمع الذي يعيش فيه آثار وثمرات نتناولها في النقاط الآتية : أولًا: في الدنيا على الفرد والمجتمع: لا شك أن موضوع الاستقامة اتسم بالأهمية التي يقف عندها كل مسلم، وإن القرآن الكريم أخبرنا أن لها آثارًا وثمراتٍ في الدنيا قبل الآخرة، على الفرد والمجتمع، فمنها: ١. زيادة النشاط في الدعوة إلى الله تعالی. وهذا يكون من خلال طمأنة الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، عندما کذبه قومه، أنك یا محمد تدعو إلى الاستقامة الحقة، لهذا الدين القويم، ويفسر ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْهُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣]. ٢. التمسك بالمنهج المستقيم والعض علیه بالنواجذ. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَمسِكْ بِالَّذِىّ أُوْجِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]. فإن هذه الآية تعني وجوب التمسك بالقرآن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قائمٌ على هذا الدين، الذي هو الصراط المستقيم (١). ٣. تنزل الملائكة على هؤلاء المستقيمين بالبشريات. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَخَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. فقد بين العزبن عبد السلام في مختصر تفسير الماوردي أن تنزل الملائكة إما أن يكون عند الموت، أو يوم القيامة، وعلى القول الأول تتحقق ثمرة للاستقامة في آخر عهد هذا المستقيم في الدنيا(٢). ٤. ولاية الملائكة للمستقيمين. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ [فصلت: ٣١]. فببركة استقامة هؤلاء المؤمنين تأتي إليهم الملائكة، وتخبرهم أنهم أحباؤهم وأنصارهم، فقد كنا الحفظة عليكم؛ بأمر من الله تعالى(٣). ٥. الرزق الكثير لمن التزم (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، ٣٣٦/٨. (٢) انظر: تفسير القرآن، ٣/ ١٣٠. (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٤ /١٣٢. www. modoee.com ١٣٥ حرف الألف الاستقامة. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوٍ اُسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مَّهُ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. والماء هو أساس الحياة لكل شيء، فبه یحیا الإنسان، ویحیا الحيوان، وينبت الزرع والكلأ، وبه يزداد الخير والرزق بالبلاد والعباد، كل ذلك بسبب استقامة الخلق على منهج الله تعالى. ثانيًا: في الآخرة: ١. لا خوفٌ على المستقيمين ولا حزن. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَّئُونَ ﴾ [الأحقاف: ١٣]. فإن الأمن من الفزع الأكبر، وكل ما يستقبلهم في الآخرة يكون حليف هؤلاء المستقيمين، وكذلك لا يحزنهم ما فاتهم (١). ٢. دخول الجنة، والخلود فيها. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأحقاف: ١٤]. ١٤ فبينت الآية الكريمة أن الأعمال الصالحات سبب لنيل الرحمة، جزاء (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٧٩/٧. استقامتهم على التوحيد والطاعة (٢)، إذ إن (أولئك) في هذه الآية هي إشارة إلى المستقيمين الذين ذكرتهم الآية السابقة لها، وهي الثالثة عشر من نفس السورة، وقد جعلت جزاءهم على الاستقامة هو دخول الجنة مع الخلود فيها. ٣. محبة الملائكة ونصرتها للمستقیمین. ويدل على هذه الثمرة الآية الواحدة والثلاثون من سورة فصلت، وقد ذكرناها في معرض ثمرات الاستقامة في الدنيا، ومعنى هذه الآية أننا «نحن كنا أولیاءكم، أي: قرناءكم في الحياة الدنيا، نسددكم ونوفقكم، ونحفظکم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نؤنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم)»(٣). ٤. المستقيمون ينالون ما يتمنون في الجنة. ويدل على هذا الأمر الآية السابقة من سورة فصلت، في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾، فإنها تعني أن لهم ما يسألون (٢) انظر: المصدر السابق. (٣) المصدر السابق، ٧/ ١٧٧ . ١٣٦ جَوَسُو ◌َرُ النَّقِبـ القرآن الكْرِيْمِ الاستقامة ويتمنون(١). ٥. المستقيمون في ضيافة الرحمن يوم القيامة. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ تَحِيمٍ ﴾[فصلت: ٣٢]. والمقصود بالنزل رزق النزيل، وهو الضيف(٢)، وذيل الآية بصفتي المغفرة والرحمة؛ لبيان تفضل الله تعالى على عباده المستقيمين على طاعته ومنهاجه. (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٥٩/١٥. (٢) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٨٨/٤. الآثار المترتبة على الانحراف عن الاستقامة الانحراف عن طريق الاستقامة له آثار وعواقب نتناولها في النقاط الآتية: أولًا: في الدنيا على الفرد والمجتمع: إن من يتخلف عن طريق الاستقامة الحقة ينل العقاب من الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة، وقد دل على ذلك آياتٌ كثيرةٌ، سنذكر منها في معرض الاستدلال على بعض هذه العواقب التي تترتب على الانحراف عن الاستقامة، وهي على النحو التالى: ١. المعيشة النكدة. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [ طه: ١٢٤]. أي: من أعرض عن هداي وذكري، وينحرف عن الاستقامة الحقة، فإن له حياة نكدة؛ إذ إنه يلهث وراءها، خائفًا من انتقاصها، وتلك هي عقوبةٌ لا يتصور عذابها من الخلق إلا من ابتلي بها (٣). ٢. قسوة القلوب ولعن الله لهم. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ (٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤١/٤. www. modoee.com ١٣٧ حرف الألف قَسِيَةٌ﴾ [المائدة: ١٣]. وهذا يعني أن نقض اليهود للميثاق سواء أكان الميثاق العام في عالم الذر، أو الميثاق الخاص ببني إسرائيل، حرفهم عن الاستقامة الحقة، وعقوبتهم العاجلة هي لعنة الله تعالى عليهم، وقسوة قلوبهم. من يعرض عن الاستقامة وطريقها يسلك العذاب الشاق: ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿لَنَفْئِنَهُ فِيهِّ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ، يَسْلُكُهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]. ثانيًا: في الآخرة: ١. الهلاك والوعید. ويدل على هذا قوله تعالى: لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦]. وَوَيْلَ فقد وردت هذه الآية في سياق بيان العقوبة الأخروية، وهي الوعيد بالهلاك الشديد في النار لكل من انحرف عن الاستقامة؛ لأن الاستقامة المقصودة هنا التوحيد، والوعيد هنا لما يضاده، وهو الشرك (١). ٢. الحشر يوم القيامة على العمى. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَغَحْشُرُهُ. يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾﴾ [طه: ١٢٤]. وهذا يعني أن من تخلف عن الاستقامة، بإعراضه عن الطاعة ومن ثم التوحيد، فإنه (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٧/ ٥٤٢. يساق يوم القيامة بصيرًا، فإذا سيق إلى (٢) الحشر عمي ٣. العداوة بين المنحرفين عن الاستقامة. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيِلِم بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّ الْمُتَّقِينَ ٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧]. وهذا يعني أن الأخلاء في الدنيا يكونون يوم القيامة أعداء لبعضهم البعض، بسبب بعدهم عن الاستقامة على طاعة الله تعالى، أما المتقون الذين استقاموا على الدين، فلا عداوة بينهم بل هم أخلاء متحابون (٣). موضوعات ذات صلة: الصراط، الضلال، الغلو، الهداية، الوسطية (٢) انظر: المصدر السابق، ٢٢ / ١١١. (٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٤/ ٨٢. ١٣٨ جَوَسُولَةُ النَِّ القرآن الكريم