Indexed OCR Text
Pages 21-40
الإصلاح الطلاق: ١. الأمر بالمعاشرة بالمعروف والصبر على ذلك. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضٍ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مَُّيْنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىَ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. ففي الآية توجيهات ربانية لكفالة حق الزوجين: من المعاشرة بالمعروف بالإجمال بالقول، والمبيت والنفقة (١)، وأن يتصنع لها كما تتصنع له (٢)، وفتح الله به باب الأمل: ﴿فَعَسَىَ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيرًا﴾ ومهما كانت الأسباب والمبررات فإنه يحرم على الزوج إكراه زوجته على ما لا تطيق، ولا أخذ مالها وإرغامها على ذلك من دون طيبة نفس، بل ونهى عن عضلها بمنعها من حقوقها، ولا إلجائها لتفتدي نفسها بمالها، فإن ذلك كله محرم، وقد استثنى منه ما ورد به الشرع في ذلك على الأوصاف والشروط التي نص عليها أهل العلم في الفقه. (١) معالم التنزيل، البغوي ١٨٦/٢، لباب التأويل، الخازن ١/ ٤٩٩. (٢) معالم التنزيل، البغوي ١٨٦/٢، الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٩٧. ٢. شرع الطلاق السنة، والعدة بعده. إذا تعذر الوئام بين الزوجين بعد الأخذ بالتوجيهات الإلهية السابقة، أو رأى المصلحون بينهم أن التفريق لهما خير، فقد شرع الله للزوج أن يطلق زوجته طلاق السنة، وهو: أن يطلقها في طهر لم يقع فيه وطء. ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]. وفي هذه الفترة قد تتغير النفوس، وتقر القلوب، وفرصة للنفس ومحاسبتها، والنظر في عواقب الأمر قبل الطلاق وبعده، وليكون وقوع الطلاق في وقت تشتھی فیه الزوجة غالبًا، فيكون دليلًا واقعيًا على عدم الوئام بينهما، وليس مجرد عارضٍ، فقد يقدر الله تعالی الصلح، فلا يقع طلاق. قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِمِذَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةٌ وَأَتَّقُواْ اللّهَ بَّـ ﴾ [الطلاق: ١]. ٣. شرع الطلقة الأولى ثم الثانية، وفي الثالثة تحرم عليه. قال الله تعالى: ﴿اُلْطَّلْقُ مَنَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ ◌ِمَعْرُوفٍ أَوْ نَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ففي الطلقة الأولى تجربة يعلم منها الزوجان حقيقة مشاعرهما، ثم تأتي الطلقة الثانية: محاولة أخرى لعدم انقطاع الحياة الزوجة، أما الطلقة الثالثة: فهي دليل على فسادٍ في تلك الحياة الزوجية ﴿فَإِن طَلَّقَهَا www. modoee.com ٣٣٥ حرف الألف فَلَ قِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: لعباده من الطلقة الثالثة. ٢٣٠]. فهذه الإجراءات كلها للحفاظ على الرابطة الزوجية، فالرجل عندما يعلم ذلك الحد، فإنه یفکر ویمسك نفسه. ٤. لا يجوز أن تخرج المرأة من بيتها، أو تخرج في حال الطلقة الرجعية. قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ تُبِيِنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]. ((وذلك لإتاحة الفرصة للرجعة، واستثارة عواطف المودة، وذكريات الحياة المشتركة، حيث تكون الزوجة بعيدة بحكم الطلاق قريبة من العين، ويرى زوجته وما يصيبها من تعب وشدة، فيفعل هذا في المشاعر فعله بين الاثنين؛ لیبقی عقد الزوجية، وتبقى الأسرة المسلمة قائمة یشد بعضها بعضًا))(١). ٥. جواز مراجعة الزوجة إذا انقضت العدة في الأولى والثانية بعقد جديد. قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. فإن الله سبحانه وتعالى يريد الإصلاح ويحبه، ولو بعد الانفصال وانقضاء الأجل والمهلة، ما لم يبلغ الحد الذي حده الله (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٥٩٩/٦. ٦. إذا أراد الرجل أن يطلق زوجته لا يأخذ منها ما أعطاها إياه من مهر وغيره. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْچ مَّكَانَ زَّوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَمُهُنَّ قِنَطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَئنًا وَإِثْمَّا قُّبِينًا ﴾ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَقًّا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١]. وقال تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَنَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ ◌ِعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيٌ بِإِحْسَنُّ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. (نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئًا على وجه المضارة، وخص بالذكر ما آتى الأزواج نسائهم؛ لأن العرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها من صداق وجهاز)) (٢) . فمن الأمور التي تحافظ على بقاء عقد الزوجية أنه إذا أراد الزوج أن يطلق فلا يحل له أن يأخذ شيئًا مما أعطاها إياه، وهذا يجعل الزوج يفكر أكثر من مرة في هذا الأمر؛ لأنه قد يكون أعطاها مالًا كثيرًا، فلا يستطيع أن يتركها من أجل ذلك المال، ثم قد يوفق الله بينهما فيما بعد. قال تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبى ١٣٧/٣. ٣٣٦ مَوَسُولَهُ النَّ القرآن الكريم الإصلاح المحور الثالث: ضوابط الإصلاح الاجتماعي بين الزوجين. شرع الله سبحانه وتعالى أمورًا في الحياة الزوجية تمنع من حصول أي خلافات بينهما، فإذا حصل خلاف بسبب التفريط في هذه الأمور فإنه بالرجوع إليها يكون الإصلاح، وتنضبط الحياة الأسرية مرة أخرى، ومن هذه الأمور: ١. معرفة كل من الزوجين ما له وما عليه من الحقوق والواجبات. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ فَالصََّلِحَتُ قَنِنَتُ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ [النساء: ٣٤]. فجمع الله تعالى في هذه الآية ما يجب على الرجال، وجمع ما يجب على الزوجة في قوله تعالى: ﴿فَالصَّلِحَتُ قَيْنَتُ حَفِظَتُ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]. فهما نصٌ ((في سبيل تنظيم الحياة الزوجية، وتوضيح الاختصاصات التنظيمية فيها؛ لمنع الاحتكاك فيه بين أفرادها، فيحدد أن القوامة فى هذه المؤسسة للرجل؛ وذلك لتفضيل الرجل بمقومات القوامة، وما تتطلبه من خصائص ودربة، وتكليفٍ بالإنفاق))(١). (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦٤٩/٢. ٢. المعاشرة الحسنة بالمعروف. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. فعلى الزوجين أن يقوما بمعاشرة بعضهما بالمعروف، وخصوصًا الرجل؛ لأنه القيم، فالقول والمعاملة والإنفاق بالمعروف، وكذلك العلاقة العاطفية بينهما تكون بالمعروف، كما وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرًا(٢)، وقوله: (وملاعبة أهله، فإنهن من الحق)(٣). ومن العشرة الحسنة من المرأة أن تكون: مطيعة لزوجها في غير معصية الله، والاقتصاد والتوسط فى النفقة، ورعايتها أسرتها، وتزكية نفسها وتشريفها، ومما يقربها إلى قلب زوجها: إكرام والديه وأقاربه (٤) واحترامهم . ٣. صبر الزوج على الزوجة، وغض الطرف عن زلاتها. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، رقم ٣٣٣١، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، رقم ١٤٦٨. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله، رقم ١٦٣٧. قال الترمذي: ((حديث حسن صحيح)). وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي، رقم ٢٧٧، وضعيف ابن ماجه، رقم ٢٢٦٧. (٤) انظر: دليل المرأة المسلمة، علي الغامدي ص١٤٤- ١٤٥. www. modoee.com ٣٣٧ حرف الألف فإن المرأة من طبيعتها الغيرة من كل أحد؛ وغالباً ما تكون الغيرة سببًا يدفعها إلى فعل ما لا يرضاه الزوج، وإذا انضاف إلى الغيرة ما جبلت عليه من اعوجاج اللسان، كان أدعى للزوج أن يصبر على الأذى، وأن يغض الطرف ما استطاع ويتجاوز عن الهنات والزلات؛ لقوله تعالى عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عندما حصلت الغيرة بين بعض زوجاته: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ، وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضٍَ [التحريم: ٣]. ٤. محافظة الزوجين على أسرارهما ومشكلاتهما الداخلية. إن الزوجين هما الأقدر على حل مشاكلهما؛ لأنهما أعلم بطبيعة بعضهما، وبنقاط الخير فيهما، ويجب أن تهدأ النفوس حتى يأتي الصلح؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿وَِّى تَّخَافُونَ فُشُوزَ هُنَ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنٌ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَ نَبْغُواْ عَلَتِهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]. فنص الله تعالى أن يكون الصلح بين الزوجين أولًا. فإن احتيج لأن يتدخل غيرهما: فينحصر ما يعرفه الأبوان أو الأقارب على المشكلة فقط، ولا يتجاوز ذلك إلى غيره؛ حتى لا تتفرع المشكلة، وتصبح ظلمات بعضها فوق بعض. فهذه بعض الضوابط الإصلاحية التي تضبط الحياة الاجتماعية بين الزوجين قبل حدوث الخلاف، فإذا وقع الخلاف كان الرجوع لها هو الإصلاح بعينه. النوع الثاني: الإصلاح مع الوالدين المشركين: أفردنا الحديث عن الإصلاح مع الوالدين المشركين؛ لأن الله تعالى نص عليه في القرآن، وبينت السنة سبب ذلك النص: قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِنَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ اُلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل ◌َهُمَآ أَنِّي وَلَا تَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا )) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبِّيَانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]. ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيَّهِ وقال تعالى: حُسْنَاً وَإِن جَهَدَالكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاْ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِّئُكُم بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيَمْ إِنَّهُ. كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا إِذْقَالَ لِأَِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا يَأَبَتِنِّي قَدْ جَآءَفِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِىِّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوبًا ) يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَأَبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ ٣٣٨ مُوسُودَةُ النَّهـ القرآن الكريم الإصلاح وَلِيَّا (٥) قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى ◌َإِبْرَهِيمٌ إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. لَيْنِ لَّمْ تَنْتَّهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِي مَلِيًّا (٦) قَالَ سَلَمُ عَلَكٌ سَأَسْتَغْفِرْلَكَ رَبِّّ إِنَّهُ،كَانَ بِی حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٧]. عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ((أنزلت في هذه الآية: ﴿وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَّكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨]. قاتل أمه)). فقلت: لا تفعلي يا أمه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يومًا وليلةً لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا وليلةً أخری لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: تعلمين يا أمه لو کانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي، فأكلت))(١). أما قصة إبراهيم عليه السلام فهي واضحة في تطبيق الأمر الإلهي في الآية، فجعل الله قصته مع أبيه مثلًا للمسلمين في الولاء والبراء مع صدق البر والإحسان، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةُ فِيِّ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٣٣٧. فهذا إبراهيم عليه السلام يدعو أباه إلى الإسلام بأسلوب لا يختلف عن حديث مسلم مع مسلم، ولكن إبراهيم عليه السلام لا يلقى من والده إلا الخصومة والتعنيف. فمن خلال هذه الآیات یمکن عرض المنهج القرآني في الإصلاح مع الوالدين المشركين: أولًا: لا تقديم لحق العباد على حق الله: قال: كنت رجلا بارًا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد، ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دینك هذا أو لا آكل ولا لأن الله سبحانه وتعالى لم يخلقنا إلا لعبادته، وما العباد إلا وسيلة للتعايش أشرب حتى أموت! فتعير بي، فيقال: ((يا والخلافة في الأرض، فإذا ضيع السبب الذي خلق الإنسان من أجله، فلن تصطلح حياة البشر مع بعضهم، فإن من ضيع أمانته بينه وبين الله لا يمكن أن يحفظ الأمانة التي بينه وبين الخلق. ثانيًا: لاستقرار العلاقة بين الآباء والأبناء يأمر الله تعالى عباده بأمور: * الأمر بإصلاح العلاقة بين البشر وربهم، ثم بين البشر وآبائهم، فالله سبحانه هو الخالق للإنسان؛ ولذا يأتي دائمًا الأمر بعدم الإشراك به قبل الوصية بالوالدين، أما الوالدان فهما السبب الذي جعله الله تعالى في الأرض للتكاثر والوجود، فالله تعالى أولًا يأمر الله العباد بأن يصلحوا فيما بينهم وبين الله، ثم بعد ذلك يصلحوا ما بينهم وبين آبائهم. www. modoee.com ٣٣٩ حرف الألف النهي عن أي كلام أو تصرف بذيء ولو في المعاملة الطيبة والصحبة الكريمة: قال كان كلمة (أف)؛ لما في ذلك من إفساد تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. العلاقة بین الآباء والأبناء حتی ولو کان الآباء مشركين؛ لأن الخطاب هنا عام)). النهي عن زجرهما، والتكلم معهما بکلامِ خشنٍ. ● الأمر بالكلام الطيب الكريم اللين الذي تطمئن به نفوسهما. التواضع لهما ذلًا لهما ورحمةً واحتسابًا للأجر، لا لأجل الخوف منهما، أو الرجاء لما لهما، ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد. الدعاء لهما بالرحمة أحياءً وأمواتًا، جزاءً على تربيتهما إياك صغيرًا(١)، ما لم يكونا مشركين، فإن كانا مشركين فالدعاء لهما بالهداية في حياتهما. ثالثًا: دعوتهم إذا كانا مشرکین، فيجب أن تكون بالحكمة والأدب: وذلك باستخدام الألفاظ اللينة الحسنة والأسلوب الهادئ المؤدب؛ وإذا قوبلت الدعوة للآباء بالرفض والأذية فلا تقابل بالمثل، كما في قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه. رابعًا: الاختلاف في العقيدة والأمر بعدم الطاعة في خلافها لا يسقط حق الوالدين (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٥٦. ثالثًا: الإصلاح في المال: المسألة الأولى: الإصلاح في وصية الميت: الله سبحانه وتعالى جعل الوصية لمن أراد الإصلاح، وعدم وقوع الخلاف بعد موت الموصي، فإذا وقع وظهر في الوصية ظلم وجور على الحقوق وجب الإصلاح فيها. والإصلاح في الوصية بإبقاء هدفها ومحتواها هو الخير للموصي له من يتيم ونحوه، وخیر لأهل الميت من الورثة، وخير للميت بأن لا يعذب بما أوقع في الوصية من الإجحاف أو الظلم، بل وخير للمجتمع من أن تسود فيه البغضاء والتفرق؛ إذ أن السيئة تأتي بالسيئة، والشر يعم. وإذا فعل ذلك وأصلح في الوصية فهذا عين الخير وعين الإصلاح، أما المحافظة على حروفها وحدودها وتضييع الهدف المقصود منها فهو عين الإفساد. وعلى هذا فالإصلاح في الوصية سبب من أسباب الإصلاح بين المسلمين ودفع الفرقة عنهم، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: (إن الرجل ليعمل بعمل ٣٤٠ مُوسُنُوبَة النفسية القرآن الكريم الإصلاح أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف يفعلوا أثم الكل(٣). في وصيته فيختم له بشر عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة) قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩](١). ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢]، أي: ((يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح))(٢). خفتم من موصٍ ميلاً في الوصية، وعدولًا عن الحق، ووقوعًا في إثم، ولم يخرجها بالمعروف، وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته أو لولد ابنته لينصرف المال إلى ابنته، أو إلى ابن ابنه، والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه، أو أوصى لبعيد وترك القريب، فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم، فإذا وقع الصلح سقط الإثم عن المصلح، والإصلاح فرض على الكفاية، فإذا قام أحدهم به سقط عن الباقين، وإن لم (١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٦٨/١٣، رقم ٧٧٤٢، وابن ماجه في سننه، كتاب الوصايا، باب الحيف في الوصية، رقم ٢٧٠٤. وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه، رقم ٥٩١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٨٢/١. ((فالمصلح إذا شاهد الموصي يوصي وظهر منه أمارة الحيف عن طريق الحق، مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل، أو شاهد من التعمد في الميل، فعند ظهور أمارة الإفساد في الوصية يأخذ في الإصلاح؛ لأن إصلاح الأمر عند ظهور أمارات فساده، وقبل تقرير فساده يكون أسهل؛ فلذلك علقه تعالی بالخوف دون العلم» (٤). وقال الحسن: ((هو أن يوصي للأجانب ويترك الأقارب، فيرد إلى الأقارب. قال: والخطاب بقوله: ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ [البقرة: ١٨٢] لجميع المسلمين، قيل لهم: إن وهذا هو الإصلاح))(٥). ((والإصلاح يحتاج إلى الإكثار من القول، وقد يتخلله بعض ما لا ينبغي من قول أو فعل، فبین أن ذلك لا إثم فیه إذا كان لقصد الإصلاح، ودلت الآية على جواز الصلح بین المتنازعین إذا خاف من يريد الصلح إفضاء تلك المنازعة إلى أمر محذور في الشرع)»(٦). ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قيل: غفور لما كان من الحائف، وقيل: للمصلح ﴿رَّحِيمُ﴾ حيث رخص، وقيل: ﴿غَفُورٌ﴾ للموصي فيما حدث به نفسه من الجنف والخطأ والإثم؛ إذا رجع إلى الحق، ﴿رَحِيمٌ﴾ (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٢٧٠. (٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٢٦/٢. (٥) البحر المحيط، أبو حيان ٢٣/٢. (٦) المصدر السابق ٢/ ٢٤. www. modoee.com ٣٤١ حرف الألف للمصلح(١). ((الإصلاح لليتيم يتناول إصلاحه بالتعليم والتأديب، وإصلاح ماله بالتنمية والحفظ)» (٢). وهذا ((يعني: الإصلاح لأموالهم من غير أجرةٍ خيرٌ وأعظم أجرًا ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ﴾ تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم، فتصيبوا من أموالهم عوضًا عن قيامكم بأمورهم ﴿فَإِخْوَتُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضًا، ويصيب بعضهم من مال بعضٍ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ﴾ لأموالهم ﴿مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ لها، فاتقوا الله في مال اليتيم، ولا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعةً إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حقٍ ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لضيق عليكم وآئمكم في مخالطتكم، ومعناه: التذكير بالنعمة في التوسعة ﴿إِنَّ اُلله فيما أمر به)» (٣) غَزِيزٌ﴾ في ملكه ﴿حَكِيمٌ وقال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِنَّمَّا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَ إِثْمَ عَلَيْدٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢]. قال الطبري رحمه الله: ((وأولى الأقوال في تأويل الآية أن يكون تأويلها: ﴿فَمَنْ (١) المصدر السابق ٢٥/٢. (٢) المصدر السابق ١٦١/٢. (٣) الوجيز، الواحدي ص١٦٦. خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ وهو أن يميل قال تعالى في اليتامى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ إِلى غير الحق خطأ منه، أو يتعمد إثمًا في ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وصيته، بأن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا یرثونه بأکثر مما يجوز له أن یوصي لهم به من ماله، وغیر ما أذن الله له به مما جاوز الثلث أو بالثلث كله، وفي المال قلة، وفي الورثة کثرةٌ، فلا بأس علی من حضره أن يصلح بين الذين يوصى لهم، وبين ورثة الميت وبين الميت، بأن يأمر الميت في ذلك بالمعروف ویعرفه ما أباح الله له في ذلك، وأذن له فيه من الوصية في ماله، وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَّرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]. وذلك هو («الإصلاح» الذي قال الله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وكذلك لمن كان في المال فضل وكثرةٌ وفي الورثة قلة، فأراد أن يقتصر في وصيته لوالديه وأقاربه عن ثلثه، فأصلح من حضره بينه وبين ورثته وبين والديه وأقاربه الذين يريد أن يوصى لهم، بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم، ويبلغ بها ما رخص الله فيه من الثلث؛ فذلك أيضًا هو من الإصلاح بينهم بالمعروف». فما وجه الإصلاح حينئذٍ، والإصلاح إنما يكون بين المختلفين في الشيء؟ ٣٤٢ مَوَسُوع القرآن الكريم الإصلاح قيل: إن ذلك وإن كان من معاني الإصلاح فمن الإصلاح الإصلاح بين الفریقین، فيما کان مخوفًا حدوث الاختلاف بينهم فيه، بما يؤمن معه حدوث الاختلاف؛ لأن الإصلاح إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين، فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين قبل وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه. فإن قال قائل: فكيف قال: ﴿فَأَصْلَحَ بَّهُمْ﴾ ولم یجر للورثة ولا للمختلفین، أو المخوف اختلافهم، ذکرٌ؟ قيل: بل قد جرى ذكر الذين أمر تعالى ذكره بالوصية لهم، وهم والدا الموصي وأقربوه، والذين أمروا بالوصية في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرِبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]. ثم قال تعالى ذكره: ﴿جَنَفًّا أَوْ إِثْمَّا فَأَصْلَحَ بَيْهُمْ﴾ لمن أمرته بالوصية له ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ﴾، وبين من أمرته بالوصية له ﴿فَلا إِثْمَ عَليهِ ﴾، والإصلاح بينه وبينهم هو إصلاح بينهم وبين ورثة الموصي. وأما الجنف: فهو الجور والعدول عن الحق في كلام العرب، يقال منه: جنف الرجل على صاحبه يجنف، إذا مال عليه وجار جنفًا(١). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٠٣/٣ -٤٠٤. المسألة الثانية: الإصلاح في مال اليتامى: قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمَّ وَلَهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ((إن التكافل الاجتماعي هو قاعدة المجتمع الإسلامي والأمة المسلمة مكلفة أن ترعى مصالح الضعفاء فيها واليتامى بفقدهم آباءهم وهم صغار ضعاف أولى برعاية الأمة وحمايتها، رعايتها لنفوسهم وحمايتها لأموالهم، فاليتامى إخوان للأوصياء، كلهم أخوة في الإسلام، أعضاء في الأسرة المسلمة الكبيرة)) (٢). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ﴾ عن مجاهدٍ قال: ((يعني: أن الله لا يخفى عليه الذين يريدون منكم الإصلاح لهم، والإفساد علیھم» قال أبو محمدٍ: وروي عن مقاتل بن حيان والسدي نحو ذلك(٣). ((فليس المعول عليه هو ظاهر العمل وشكله، ولكن نيته وثمرته»(٤). وقيل: ((المراد فعل ما فيه الصلاح بين الموصي والموصى له بأن يأمر بالعدل والرجوع عن الزيادة، وكونها للأغنياء، (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٢٣٢. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٠٨/٢، رقم ٢١٣٠. (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٢/١. www. modoee.com ٣٤٣ حرف الألف وعليه لا يراد الصلح المرتب على الشقاق، والكل بعيد))(١). فإن الموصي والموصى له لم يقع بينهما شقاق. ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]. في ذلك التبديل؛ لأنه تبديل باطل إلى حق، بخلاف السابق، واستدل بالآية على أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث لا تبطل الوصية كلها، خلافًا لزاعمه، وإنما يبطل منها ما زاد عليه؛ لأن الله تعالى لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها، بل جعل فيها الوجه الأصلح. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢]. تذييل أتى به للوعد بالثواب للمصلح على إصلاحه، وذكر المغفرة مع أن الإصلاح من الطاعات، وهي إنما تليق من فعل ما لا يجوز لتقدم ذكر الإثم الذي تتعلق به المغفرة؛ ولذلك حسن ذكرها، وفائدتها التنبيه على الأعلى بما دونه، يعني أنه تعالى غفور للآثام، فلأن يكون رحيمًا من أطاعه من باب الأولى، ويحتمل أن يكون ذكرها وعدًا للمصلح بمغفرة ما يفرط منه في الإصلاح؛ إذ ربما يحتاج فيه إلى أقوال كاذبة، وأفعال تركها أولى، وقيل: المراد غفورٌ للجنف والإثم الذي وقع من الموصي بواسطة إصلاح الوصي وصيته، أو غفور للموصي بما حدث به نفسه من الخطأ والعمل؛ إذ رجع إلى الحق، أو غفور للمصلح بواسطة إصلاحه بأن يكون الإصلاح مكفرًا لسيئاته، «وهكذا يربط الأمر كله بالله؛ ویشده إلى المحور الأصيل الذي تدور عليه العقيدة، وتدور عليه الحياة، وهذه هي ميزة التشريع الذي يقوم على العقيدة، فضمانة التنفيذ للتشريع لا تجيء أبدًا من الخارج، إن لم تنبثق وتتعمق في أغوار الضمير))(٢). ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ((والله لا يريد إحراج المسلمين وإعناتهم والمشقة عليهم فيما يكلفهم، ولو شاء الله لكلفهم هذا العنت، ولكنه لا یرید، وهو العزيز الحکیم، فهو قادر على ما یرید، ولکنه حکیم لا یرید إلا الخير واليسر والصلاح»(٣). رابعًا: الإصلاح في الأرض: يمكن إجمال منهج القرآن في الإصلاح في الأرض من خلال النقاط التالية: أولًا: تحريم الفساد في الأرض. ففي القرآن الكريم تشنيع على الفساد والإفساد، ولعل الآية الكريمة ﴿وَلَا تَبْغُ اُلْفَسَادَ فِ اْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ؟ [القصص: ٧٧]. آية جامعة مانعة للنهي عن كل ما يؤدي إلى إفساد الحياة على الأرض، من إفساد (١) روح المعاني، الألوسي ٢/ ٥٦. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٢٣٢. (٣) المصدر السابق. ٣٤٤ مُوسُوبَةُ النَّفِيَّ القرآن الكريم الإصلاح مادي أو معنوي، ومثلها ﴿وَلا تُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]. أما الآية الكريمة: ﴿ وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِى اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. فتؤكد على النهي عن كل أنواع الفساد والإفساد، ففي مجال البيئة المائية اهتم الإسلام بأمرين مهمين، ألا وهما حماية الماء من التلوث، فنهى عن البول في الماء، والحفاظ على مصادر الماء من الاستنزاف والهدر، فحرم الإسراف. ثانيًا: تحريم الاعتداء على الأعراض. حرم الزنا، وجعله من الكبائر العظام. وهذا يعتبر من عوامل الوقاية من الوقوع في المشكلة. قال تعالى: ﴿اَلَّنِيَّةُ وَالَِّ فَلَجْلِدُ واْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا ◌ِتَّةَ جَلْدَةٍ وَلَاتَأْخُذْ كُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اَللَّهِ إِنكُمُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَلِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٥ الزَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّ زَائِبَةً أَوْ مُشْرِكَةُ وَالَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢ - ٣]. وقال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامً ا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ, كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وجعله تعالى شرطًا للبيعة: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِلَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْنُلْنَ أَوْ لَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهَ ﴾ [الممتحنة: ١٢]. وتجلت الوقاية بالوصية بالحجاب، والنهي عن التبرج. ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ قال تعالى: وَبَنَائِكَ وَفِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَتِنَّ مِن جَلَبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنٌّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وغض البصر، وحفظ الفرج؛ قال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠،]﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِمِنَّ بوردة وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. والبعد عن إظهار الزينة للنساء، والبعد عن العمل على إظهارها. قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ www. modoee.com ٣٤٥ حرف الألف ءَابَّبِهِنَ﴾ [النور: ٣١]. والأمر بالقرار في البيت: ﴿وَقَرْنَ فِ بُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وتيسير الزواج، فقال تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ اَلْأَيَمَى مِنكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآپكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وحرم القذف، قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَلَةُ فَأَجْلِدُوهُرْ ثَمَنِينَ جَدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ فَهُمْ شَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ اَلْفَاسِقُونَ ) إِلَّا الّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٥ وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن ◌َّْ ◌ُهَلَةُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتِ بِلّهِ إِنَّهُ، لَمِنَ الصََّدِفِينَ * وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِينَ﴾ [النور: ٤ - ٧]. قال تعالى: ﴿وَلَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوَاْ أُوْلِي الْقُرْبَ وَالْمَسْكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. وأن يقدم حسن الظن بالأخ المسلم. قال تعالى: ﴿أَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]. والتثبت بالبينة والدليل، ولا يتحدث بكل ما سمعه أو ينشره. قال تعالى: ﴿لَوْلَا جَآءُ وعَلَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءُ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ اُلْكَذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَنْ تَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُبْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. وقطع الطريق على الفساق الذين يحبون أن تشيع الفاحشة والشر، يقول الله تعالى في ختام قصة الإفك: ﴿يَعِظُّكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِأَبَدًا إِنَ كُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧]. وذلك بعدم سماع ما يقوله الكذابون والمنافقون والمغتابون، وأصحاب القلوب المريضة، وعدم الرضا بذلك، كما هو منهج السلف رضوان الله عليهم. ثالثًا: ومن الإصلاح في الأرض ومن الاصلاح فيه: الحث على العفو الإصلاح العام عند الاختلاف في فیما دون الحد. الآراء: قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَتَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُلِ اللّهُ وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. شرع الله سبحانه وتعالى حدودًا، لا يجوز أن يتعداها المسلم في خلافه عندما يخالفه أحد في آرائه، وفي الآيتين السابقتين الحديث والخلاف دائر مع المسلمين وغيرهم، ویمکن من هاتين الآيتين وغيرهما ٣٤٦ مُوسُوالَهُ النَِّيَّة جوب القرآن الكريم الإصلاح معرفة المنهج القرآني للإصلاح وعدم تطور الخلاف عندما يحدث. (وإن علاقة المسلمين بغيرهم علاقة تعارف، وتعاون، وبر، وعدل، فالله سبحانه يقول في التعارف المفضي إلى التعاون: ﴿يَّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِنِ ذَّكَّرٍ وَأَنَى وَجَعَلْتَكُوْ شُعُوبًا وَقَبَآَيِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. ويقول في البر والعدل: ﴿لَّا يَنْهَنَّكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِ اَلِينِ وَلَ يُحِبُوكُمِن دِیَِّكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوْاْ إِلَّهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. والنهي عن موالاة الكافرين يقصد به النهي عن محالفتهم، ومناصرتهم ضد المسلمین، والرضا بما هم فيه من كفر؛ إذ فيه ضرر بالغ بالمسلمين، وإضعاف لقوة الجماعة المؤمنة، وأما الموالاة بمعنى المسالمة، والمعاملة بالحسنى، وتبادل المصالح، والتعاون على أمور البر، فهذا مما دعا إليه الإسلام)». مواقف الناس من الإصلاح عرض القرآن مواقف الناس من الإصلاح، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: المجرمون وادعاؤهم الإصلاح: إن منهج الإسلام الأساس في الإصلاح هو: إحقاق الحق، وتثبيت معالمه وصرحه، وإبطال الشر، وهدم معاقله و حصونه، وليس هناك أخطر على الأمة من تشويه عقيدتها، وتحريف كتاب الله، وتأويل الكلام تأويلا باطلًا، وليس هناك أيضًا أضر على الإنسان من الشرك والوثنية، واتخاذ الأرباب مع الله ظلمًا وزورًا، وافتراءً وبهتانًا. وقد ضل جماعة من علماء أهل الكتاب وأحبارهم، فلووا ألسنتهم في كتاب الله؛ ليميلوها عن الآيات المنزلة الصحيحة إلى العبارات المبدلة المحرفة، فزادوا في كلام الله، أو نقصوا، أو حرفوا الكلم عن مواضعه، أو قرأوا كلامهم بأنغام وتراتيل؛ ليوهموا الناس بأنه من التوراة، وأن الکتاب جاء بذلك ليحسبه المسلمون حقًا وصدقًا، والواقع أنه ليس من كلام الله، ويقولون على الله الكذب، وهم يعلمون أنه مخترع مبدل محرف، ليس من عند الله، وإنما هو من عند الشيطان والهوى، وهذا ليس تلميحًا أو إيماءً، وإنما يصرحون بذلك لقسوة قلوبهم، وجرأتهم على الله. www. modoee.com ٣٤٧ حرف الألف قال الله تعالى مبينً هذا الموقف: الشَّلَلَةُ إِنَّهُمُ أَتَّخَذُواْ الشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءُ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠)]. ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِآلْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ اَلْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِالْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: ٧٨](١). وهذا شأن كل متألهٍ منحرف عن الصراط ﴿وَلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِنْ دُونِهِ المستقیم، أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِ مَاهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَُّ إِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبُ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]. فما يزعمه المتألهون من الهداية دعوى تحتاج إلى بينة وبرهان: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤]. فكم من كافر عتيد، جبار عنيد، يدعي الإيمان والهداية وهو رأس في الكفر والضلالة، كما أخبر الله عن اليهود والنصارى فى قوله: كُونُواْ هُودًا أَوْ ،وَقَالُواْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِنَّةَ إِنَّهِمَ حَنِيفًّاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]. وقوله في وصف أهل الضلال: ﴿وَإِنَّهُمْ ◌َصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧،]. وقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَىْ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ (١) الوسيط، الزحيلي ٢٠٦/١. وعن فرعون في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيَكُمْ إِلَّا سَبِلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]. وغرض فرعون بهذا القول: التدليس والتمويه على قومه، وأنه ما يريد إلا منفعتهم، مع أن الدافع الحقيقي لقوله هذا هو: التخلص من موسى عليه السلام ؛ حتى يخلو له الجو في تأليه نفسه على جهلة قومه، فإنهم كانوا كما قال تعالى في شأنهم: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴾ [الزخرف: ٥٤]. وقد حذرنا ربنا هذا المسلك. ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا قال تعالى: تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. فالخيانة تعني في مفهوم الإسلام والمسلمين: موالاة العدو وتوليه، وخيانة كل الفضائل والمبادئ التي جاء بها الإسلام، وطبيعي أن يعدل الناس الذين ابتعدوا عن مفهوم الإسلام عن استعمال التعبير القرآني في أقوالهم وأفعالهم؛ لأنهم يعلمون أن التعبير القرآني يشتمل على ما لا يريدون من مفاهيم تتنافى وسلوكهم العملي في واقع الحياة، ولذلك فهم يصفون موالاتهم ٣٤٨ مَوَسُو بر النفسية المضوي القرآن الكريم الإصلاح للأعداء وتوليهم لهم، وخيانتهم لله ورسوله كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع والتضليل الماكر الخبيث؛ لإثارة دهماء الناس في وجه الحق وأهله، وعبر الزمان والمكان تتكرر كلما تقابل الحق مع الباطل، والإيمان مع الكفر (١). والمؤمنين، بأوصاف الصلاح والإصلاح، وهم في الحقيقة إنما يلبسون باطلهم ثوب الحق، وينفذون مؤامراتهم وخياناتهم مع أعداء الإسلام تحت هذه الأغطية الجوفاء، فقد قتلوا المسلمين الغيورين على دينهم باسم حفظ مصالح الأمة وأمنها، وهم أول البائعين لمصالح الأمة باسم التعاون المشترك والمصالح المشتركة، وباعوا بلاد المسلمين بمن فيها من المسلمين تحت شعار المصالح القومية للأمة العربية، إلى آخر ما حواه قاموس أولئك الخونة الأنذال من ألفاظ الدجل والتضليل، وهم بهذا النهج لم يأتوا بجدید، إنما هم يسيرون على طريق أسلافهم، من طواغيت الأرض ومجرميها، فهذا فرعون کما یذکر عنه القرآن الکریم قد سبق هؤلاء على هذا الأسلوب من التحريف والتزييف. قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلٌ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبٌَّ إِنْ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]. فهل هناك أطرف من أن يقول فرعون الضال الوثني عن موسى رسول الله عليه السلام: ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظهِرَ في الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]؟ أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي بعينها ثم يقول الله عز وجل عن فرعون هذا في موضع آخر: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلََّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] انظر کیف يتحدث فرعون عن نفسه حديث المخلص لقومه، الساعي لمصلحتهم، فيقول: إنني لا أقول لكم إلا ما أراه صوابًا، وأعتقده نافعًا، وهل يرى الطغاة أفعالهم إلا أنها الخير والرشاد؟ فالخير والرشاد في مفهوم أولئك المجرمين أن ينالوا شهواتهم وملذاتهم کاملة دون نقص، ولو فنيت الأمة كلها، أما لو كانوا يسعون في مصلحة الأمة كما يدعون لسمحوا للأمة أن تقول لهم: أنتم مخطئون، وأنتم غير صالحين للقيادة فتنحوا عنها، وأعطوا القوس باريها، ولكن الحاصل من الطغاة من فرعون الغابر إلى فراعنة العصر الحاضر أنهم لا يسمحون لأحد أن یری رایًا یخالف رأیھم، أو أن يقول کلامًا یخالف قصدهم، ولو لم یکونوا بهذا الوصف لما كانوا طغاة مستبدين، وفراعنة (١) انظر: في ظلال القرآن سيد قطب ٢٤/ ١٧٨. www. modoee.com ٣٤٩ حرف الألف مجرمین(١). ثانيًا: المنافقون وادعاؤهم الإصلاح: المنافقون يدعون الإصلاح، لكن الله تعالى حكم عليهم بالإفساد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ث أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢]. فليس مصلحًا كل من ادعى الإصلاح، وليس مفسدًا كل من رمي بالفساد، بل يعرض ذلك على الكتاب والسنة حتى ينجلي الأمر، ويبين الحق للمؤمنين، وأما المستكبرون من الكفار والمنافقين، فإنهم لا يرضون عن الحق مهما بسط لهم من الأدلة والبراهين ﴿وَمَا تُغْنِىِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمِلًا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. وفي الآية الأخرى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌّ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَ ◌َاذَاِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايٍَّ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥]. ومن قبل قال فرعون وملؤه لموسى عليه السلام: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢] وانقلاب الموازين لا يضفي الشرعية على الباطل، ولا يقلبه إلى حق، ولا يجعل الفساد إصلاحًا، فالمنافقون يوالون الكافرين، (١) انظر: المصدر السابق ٢٤/ ١٨٠. ویکشفون عوارات المسلمين لهم يقولون: ((إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب)»(٢) ويقسمون أنهم مصلحون ((فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض، وإظهار أنه ليس بإفساد، بل هو إصلاح، قلبًا للحقائق))(٣). وتركوا التحاكم إلى الله ورسوله، وراحوا يقسمون بالله أنهم ما فعلوا ذلك إلا إحسانًا وتوفيقًا ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوَكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّ إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦١ - ٦٢]. والغريب أن كل الدعوات التي خرجت في واقعنا المعاصر ترتدي ثوب الإصلاح، وترفع كلمة المنافقين الأول، فالعبرة بالأفعال لا بالأقوال ﴿قُلٌ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. ونطقت نفوس مريضة بالإيمان فكذبت. قال تعالى: ﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللّهِ وَ بِأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. صوروا إفسادهم بصورة الإصلاح لما في قلوبهم من المرض، كما في قوله تعالى: (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٩/١. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٣. ٣٥٠ موسوعة النفسية القرآن الكريم الإصلاح ٨]. ﴿أَفَنْ زُيِّنَ لَهُسُوَّهُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ومظهر لأحكامه، وظل المسلمون على هذا الفهم قرونًا طويلة، وأزمانًا مديدة، فإذا ظھر من يخالفه ویعارضه لم يلبث إلا قليلا وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ مَا كَانُواْ [الأنعام: ٤٣]. ـعْمَلُونَ﴾ حتی یعلم الحق، وینقاد له، أو يطويه الزمن، و تنقرض شبهته. وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلَّا أُ(ن) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْخَيَوِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] (١). وبين الله أن الناصحين قد أمروهم بالمعروف بعد أن نهوهم عن المنكر، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْكَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَآءُ﴾ [البقرة: ١٣]. ويذكرنا ذلك بقول فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوِيٌ أَقْتُلٌ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبَّهٌُ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]. لَامَآ أما عن نفسه فيقول: أَرَى وَمَآ أَهْدِيَكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]. ففرعون یظن نفسه مصلحًا، وموسی عليه السلام مفسدًا. والله المستعان. ولقد علم المسلمون الحقائق الشرعية للإصلاح فعظمت قلوبهم منزلة القرآن والسنة، فما حرمه رسول الله صلی الله علیه وسلم فقد حرمه الله، وما أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أحله الله؛ لأن الرسول صلی الله علیه وسلم مبلغ عن ربه، (١) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ١٠٠. وجاء العصر الحديث وقد ضعف المسلمون، وذهبت ريحهم، وضاعت هيبتهم، فبدأ أعداء الإسلام يثيرون الشبه، ويحيون ما قضى عليه علماء المسلمين من ضلالات؛ رغبةً منهم في تشکیك المسلمين بدينهم أولًا، ولينشغلوا بالرد على مخالفيهم ثانیًا، فلا يجدون فرصةً لنشر دينهم، وإيصال تعاليمه إلى العالم أجمع، كما أمرهم ربهم. وساعدهم على ذلك ضعف المسلمين المادي، وإحساسهم بالنقص تجاه أعدائهم، مع جهل كثيرٍ من المسلمين بدينهم، وتقاعس بعض العلماء والحكام عن القيام بدورهم في حماية الدين وحياطته، ودفع الشبهات عنه. وأخذ بعض المسلمين يردد شبهات المستشرقين بجهل حينًا، وبعلم حينًا، إما رغبة في المخالفة، وحرصًا على الشهرة التي تنشأ من مخالفة معتقدات الناس وثوابتهم، أو ادعاءً للحرية، ونبذًا لما تعارف عليه الناس، فأصبحوا أبواقًا للمستشرقين يلوكون ما مضغه غيرهم، وينشرون أفكارهم. www. modoee.com ٣٥١ حرف الألف فأصبح الإسلام یحارب في معسکرین، وأصبحت السنة في مواجهة خصمین: خصم خارجي قوي، يلبس لبوس العلماء، ويدعي الحياد، وهو لا يرقب في المسلمين إلّا ولا ذمة، يحرفون الكلم عن مواضعه، ويؤولون النصوص لتناسب ادعاءاتهم. وخصم داخلي يلبس لبوس الحرص على الإسلام وتنقيته، والدفاع عنه، ويحمل معاول الهدم، وأسلحة الطعن، ويوهم الآخرين أنها آلات بناء وتنوير وإصلاح. ولذلك عظم الخطب، وادلهم الأمر، واحتاج العلماء المحققون والأئمة المجتهدون أن يوضحوا من الحقائق ما كان ينبغي أن يكون أوضح من الشمس في رابعة النهار. فأظهروا أهمية تعظيم الشريعة وحجيتها، ومكانتها من الإسلام، وأنه لا يمكن الاستغناء عنها، وأن لها قواعد حاكمة، وضوابط مقررة لا ينبغي الغفلة عنها. والشبهات إنما تدخل على البعض بسببین: الأول: التأويل الفاسد لكلام الله تعالى، والأحاديث الموضوعة التي شاعت وذاعت في أوساط المسلمين، فأفسدت أذواقهم، وهدمت ثوابت الإسلام في نفوسهم، واتخذها أعداء الإسلام مرتكزًا لشبهاتهم. الثاني: سوء فهم النصوص الصحيحة، وتفسيرها على غير ما يحتمله نصها. والتحديات والشبهات التي تواجه الشريعة بعضها قديم أحياه أعداؤها، وآخر حديث أفرزه ضعف المسلمين، وجهل كثير من أتباعه بحقائقه، وانسياقهم وراء أعداء الإسلام، وانخداعهم بهم، ومن الملاحظ أن هؤلاء -الذين ينخدعون من المسلمين ويرددون شبهات المستشرقين من أعداء الشريعة- إنما أوقعهم في الفخ الذي نصبه لهم هؤلاء أحد هذه الأمور غالبًا: ١. إما جهلهم بحقائق التراث الإسلامي، وعدم اطلاعهم عليه من ينابيعه الصافية. ٢. وإما انخداعهم بالأسلوب العلمي المزعوم الذي يدعيه أعداء الإسلام. ٣. وإما رغبتهم في الشهرة والتظاهر بالتحرر الفكري من ربقة التقليد كما يدعونه. ٤. وإما وقوعهم تحت تأثير أهواء أو انحرافات فكرية، لا يجدون مجالًا للتعبير عنها إلا بالتستر وراء أولئك المستشرقين (١). ٥. وإما إنه نتيجة طبيعية للانهزام النفسي، والإحساس بالنقص أمام الحضارة (١) انظر: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي ص٤- ٥. مَوَسُولَهُ النَِّّ القرآن الكريم ٣٥٢ الإصلاح الغربية مع الخواء الروحي، والجهل اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى مَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، الشرعي، فيجتمع من ذلك رغبة في تجدید الدین بحيث تتوافق تشريعاته وأحكامه مع الحضارة الغربية، والأفكار المعاصرة. والخلاصة: أنه إذا كان للإصلاح أهله ودعاته فإن له مدعين وأدعياء، ليسوا منه في العير ولا في النفير، ولا هو منهم في قليل ولا کثیر، لکنھم مع ذلك ينتسبون إليه بالبنوة زورًا. أخرى لا علاقة لها به، فإذا كان الإصلاح بمعناه الشرعي الصحيح يعني: تطبيق مراد الله تعالى في الأرض، فإن الإصلاح عند الأدعياء: موافقة أهواء الأنفس، ومراد الطواغيت والكفار. فمن الأول؛ موافقة أهواء الأنفس: ما دل عليه قوله تعالى: ﴿أَرَدَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ. هَوَنَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]. فإن من الناس من لا يرى الإصلاح إلا فيما يوافق هوى نفسه، فينصبها معبودًا له، ويجعل هواها هو الميزان الذي يتحاكم إليه في تمييز القبيح من الحسن، فما وافق هوى نفسه هو الصلاح والإصلاح، وما خالف هوی نفسه هو الفساد والإفساد، وصدق الله في وصفهم: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إَِهَدُ هَوَنُ وَأَضَلَّهُ غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. ومن الثاني؛ موافقة مراد الطواغيت: ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ، لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَنَّكَّ قَالَ سَنُقَيِلُ أَبَهُمْ وَنَسْتَتِيء نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]. فمفهوم الإصلاح عند قوم فرعون: والإصلاح عند هؤلاء الأدعياء له معانٍ موافقة مراد فرعون؛ ولذلك اعتبروا ما يدعو إليه نبي الله موسى عليه الصلاة السلام إفسادًا؛ لما رأوا في دعوته من المخالفة لدعوة فرعون ودينه، ومعلوم أن الطاغوت هو کل من نصب نفسه معبودًا من دون الله، ومعلوم أن فرعون قال لقومه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. وقال لموسى: ﴿قَالَلَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. فاستحق بذلك وصف (الطاغوت). ومن الثالث؛ موافقة مراد الكفار: ما حكاه الله تعالى عن المنافقين في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُّواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنًا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤]. فتظاهروا بموافقة أهل الإيمان، وهم في واقع أمرهم يوافقون الكفار، ويرون www. modoee.com ٣٥٣ حرف الألف أن موافقة الكفار على مرادهم هو عين الإصلاح؛ ولهذا ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِيِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا تَحْنُ مُصْلِحُونَ ) أَلَّا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢]. وبناء على هذا يتضح جليًا أن مفهوم الإصلاح الذي تروج له وسائل الإعلام العلمانية يراد به الإصلاح بالمفهوم والمنظور الغربي، وبعبارة أخرى: ((موافقة مراد الغرب))، ولیس ((موافقة مراد الرب)). فتبرج المرأة عندهم إصلاح، والاختلاط بين الجنسين في المدارس ومقرات العمل إصلاح، والسماح للشواذ بممارسة شذوذهم إصلاح، وفي المقابل تطبيق شرع الله تعالی عندهم فساد ووحشية، وحجاب المرأة المسلمة فساد ورجعية، ومنع الخمور والزنى فساد وقمع للحرية، وأي حرية؟! إنها الحرية الغربية كما يراها الغرب. فأدعياء الإصلاح من المفسدين استعاروا أعين غيرهم، وعقول غيرهم، معطلين حواسهم وعقولهم، غافلين أو متغافلين عن كونهم ينتمون في الأصل إلى أمة ذات حضارة تليدة، ومرجعية أصيلة، فما أكثر أدعياء الإصلاح، وما أقل دعاته، فحسبنا أن نقول كما أمر الله نبينا أن يقول: ﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَلْنَاً فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِ ضَلَلٍ تُبِينٍ﴾ [الملك: ٢٩]. ولا ينحصر الأدعياء بهؤلاء أو بغيرهم، بل مناوأة الحق سنة كونية مستمرة للابتلاء والاختبار، وفيهم يظهر الجهاد، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكْرُواْ فَأَبَ أَكْثَرٌ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا (٥) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيْرً ا فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٠ - ٥٢]. وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءُ هُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أَّةً وَاحِدَةٌ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَّكُمْ فِي مَآ ءَاتَنَّكُمْ فَأَسْتَبِقُواْ اُلْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَيِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨]. ٣٥٤ مُؤَسُولُ اللَّقِين جوببو القرآن الكريم