Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
الإِسْتَحَانَةُ
عناصر الموضوع
مفهوم الاستعانة
٢٨
الاستعانة في الاستعمال في القرآن
٢٩
الألفاظ ذات الصلة
٣٠
اقتران الاستعانة بالعبادة
٣٢
الله سبحانه وتعالى هو المستعان
٣٥
أنواع الاستعانة
٥٩
أقسام الناس في الاستعانة
٦٣
مجالات التعاون بين الخلق
٧١
أثر الاستعانة على الفرد والمجتمع
المُجَلَّدَ الثَالِكْ
٣٩

حرف الألف
مفهوم الاستعانة
أولًا: المعنى اللغوي:
مصدر استعان، وهو من العون بمعنى المعاونة والمظاهرة على الشيء، يقال: فلان
عوني، أي: معيني وقد أعنته، والاستعانة: طلب العون.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
والعون: الظهير على الأمر، الواحد والاثنان والجمع والمؤنث فيه سواء، وقد حكي في
تكسيره أعوان، والمعونة: الإعانة، ورجل معوان حسن المعونة، وكثير المعونة للناس. وكل
شيء أعانك فهو عون لك، كالصوم عون على العبادة (١).
وبذلك نجد أن الاستعانة في لغة العرب بمعنى طلب العون.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لم تخرج الاستعانة في معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي لها، فالاستعانة في
الاصطلاح: طلب الإعانة من الغير(٢).
والأصل أن تكون هذه الاستعانة بالله، فهي طلب العون من الله، وتكون الاستعانة
بالمخلوق فیما یقدر عليه.
قال ابن تيمية رحمه الله: «الاستعانة: طلب العون من الله، ويطلب من المخلوق ما يقدر
عليه من الأمور))(٣).
وبذلك نستطيع أن نقول: إن الاستعانة هي طلب العون؛ لإزالة العجز.
٢٨
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٢٢٢، لسان العرب، ابن منظور ٣١٧٩/٥، تاج العروس، الزبيدي
٤٢٩/٣٥، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٦٣٨/٢.
(٢) انظر: التوقيف، المناوي ص ٤٨، زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢١٨/١.
(٣) مجموع الفتاوى ١٠٣/١.
القرآن الكريم

الاستعانة
الاستعانة في الاستعمال في القرآن
وردت مادة (عون) في القرآن (١٠) مرات(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿وَعَنَهُ, عَلَيْهِ قَوْمُ ءَاخَرُونٌَ فَقَدْ جَاءُوظُلْمًا وَزُورًا﴾﴾
١
[الفرقان: ٤]
الفعل المضارع
١
﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ
فعل الأمر
٦
﴾ [البقرة: ٤٥]
٤٥
الاسم المفعول
٢
١٨) ﴾ [يوسف: ١٨]
وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَاتَصِفُونَ(
وجاءت الاستعانة في القرآن بمعناها اللغوي: طلب العون.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٩٤.
www. modoee.com
٢٩
الفعل الماضي
﴿إِنَاكَ نَعْبُهُ وَإِنَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴾ [الفاتحة: ٥]

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
١
الدعاء:
الدعاء لغة:
مأخوذ من مادة (دع و) التي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون
منك، ومن هذا الأصل: الدعاء في معنى الرغبة إلى الله عز وجل ، وهو واحد الأدعية،
والفعل من ذلك دعا يدعو، والمصدر الدعاء والدعوى(١).
الدعاء اصطلاحًا:
هو سؤال العبد ربه حاجته.
الصلة بين الاستعاذة والدعاء:
بالتأمل نجد أن الاستعانة أعم من الدعاء، فالدعاء صورة من صور الاستعانة، والاستعانة
تكون بالدعاء وبغيره. فكل دعاء استعانة، وليس العكس.
الاستعاذة:
٢
الاستعاذة لغة:
مصدر استعاذ، وهي من مادة (ع وذ) التي تدل على الالتجاء إلى الشيء، ثم يحمل على
ذلك كل شيء لصق بشيء أو لازمه(٢).
الاستعاذة اصطلاحًا:
هي اللجوء والاعتصام، وطلب كف الشر(٣).
الصلة بين الاستعانة والاستعاذة:
الاستعانة أعم من الاستعاذة، فإنهما يجتمعان في طلب كف الشر، وبذلك فالاستعاذة
صورة من صور الاستعانة، وتزيد الاستعانة بأنها تكون في تحصيل الخير. فكل استعاذة
استعانة، وليس كل استعانة استعاذة.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٣٣٧، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٢٨٠.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٢/ ٥٦٧، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/ ١٨٣، لسان العرب، ابن منظور
٣١٦٢/٤.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٤/١.
مُوسُوبَة النشـ
العَرَآن الكَرِيْمِ
٣٠

الاستعانة
الاستغاثة:
٣
الاستغاثة لغة:
مصدر استغاث، وهو مأخوذ من الغوث بمعنى: الإغاثة والنصرة عند الشدة(١).
الاستغاثة اصطلاحًا:
طلب الغوث في الشدائد والأزمات(٢).
الصلة بين الاستعاذة والاستغاثة:
بينهما عموم وخصوص من وجه؛ فكل استغاثة استعانة، وليست كل استعانة استغاثة،
فالاستغاثة خاصة بالشدائد والمكروبات، والاستعانة عامة فيها وفي غيرها.
التوكل :
٤
التوكل لغة:
مصدر توكل يتوكل، وهو مأخوذ من مادة (وك ل) التي تدل على اعتماد على الغير في
أمر ما، ومن ذلك التوكل وهو إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك(٣).
التوكل اصطلاحًا:
صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ودفع المضار (٤).
الصلة بين الاستعانة والتوكل:
التوكل: هو تفويض الأمر، والاستعانة لا يلزم منها هذا التفويض، وبذلك تكون الاستعانة
أعم من التوكل.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ١/ ٢٨٩، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٤٠٠، لسان العرب، ابن منظور
٦/ ٣٣١٢.
(٢) انظر: الكليات، الكفوي ص١٥٩.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦/ ١٣٦، المفردات، الراغب ص ٥٣١.
(٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص٧٤.
www. modoee.com
٣١

حرف الألف
اقتران الاستعانة بالعبادة
المتمعن في نصوص القرآن يرى اقتران
الصلاة بالصبر في عدة مواضع منه؛ كما
يلحظ اقتران العبادة بالاستعانة؛ للإشارة
إلى الصلة الوثيقة بين هذه الأمور.
وفيما يلي بيان لبعض الحكم من اقتران
هذه الأمور ببعضها:
أولًا: اقتران الصبر والصلاة بالاستعانة:
قرن الله بين الصبر والصلاة في موضوع
الاستعانة في بعض الآيات.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِمِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وقال سبحانه:
أَسْتَعِينُواْ بِالصَّيْرِ وَالصَّلَوةَّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾
[البقرة: ١٥٣].
والمتأمل في اقتران الصبر والصلاة في
موضوع الاستعانة، يجد حكمًا كثيرة(١)،
منها:
١. الصبر والصلاة يمدان المؤمن بالقوة
التي تعينه على احتمال تكاليف العبادة،
ومشقة الجهاد، ومدافعة شهوات النفس
وأهوائها.
أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال
(١) انظر في هذه الحِكَم: تفسير الراغب
الأصفهاني ١ / ٣٤٦، مفاتيح الغيب، الرازي
٤/ ١٢٤، التفسير المنير، الزحيلي ١ / ١٥٥.
المكاره في ذات الله تعالى ، وتوطينها على
تحمل المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل
نفسه وقلبه على هذا التذلیل سهل عليه فعل
الطاعات، وتحمل مشاق العبادات، وتجنب
المحظورات.
والصلاة صلة بين العبد وربه، وهي
من أكبر العون على الثبات في الأمر،
وأما الاستعانة بها فلأنه يجب أن تؤدى
على طريق الخضوع والتذلل للمعبود
والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه
عليها، وعلى ما يأتي فيها من قراءة، فيتدبر
الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ومن
سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه
لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات؛
ولذلك قال الله سبحانه: ﴿إِنَ الضَّلَوةَ
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَّرِ﴾ [العنكبوت:
٤٥].
٢. الصبر أشد الأعمال الباطنة على البدن.
إذ فيه ضبط النفس، وسيطرة الإرادة
على الهوى، وسيطرة العقل على الشهوة،
والصلاة أشد الأعمال الظاهرة على البدن؛
إذ فيها خضوع واستسلام لله، وتوجه بالقلب
إليه، واستشعار لعظمة الخالق، فجمع بينهما
في الاستعانة تنبيهًا على أن الإنسان إذا أتى
بهما على وجههما كان متمًا لما عداهما من
التكاليف.
٣. الاستعانة بالصبر والصلاة طريق تحقيق
صَوَسُو
القرآن الكريم
٣٢

الاستعانة
الإيمان والذكر والشكر.
قال تعالى: ﴿فَذْكُرُونِي أَذْ كُرَكُمْ وَاشْكُرُواْ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
١٥٢
◌ِ وَلَا تَكْفُرُونِ (
اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾
[البقرة: ١٥٢ - ١٥٣].
فلما أمر بالذكر والشكر حث على
الاستعانة بالصبر والصلاة؛ تنبيهًا على أنه
بهما يتوصل إلى الإيمان، فإن الصبر مبدأ
الإيمان، والشكر منتهاه.
٤. الطاعات والاستقامة عليها، لها أعباؤها بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة:
١٥٣].
التي تحتاج إلى قوة احتمال ومجاهدة.
ولكى يقوى الإنسان على حمل هذه
الأعباء، كان لا بد له من زاد يعينه، ويمسك
عليه عزمه ومضاءه.
والصبر والصلاة هما خير ما يتزود
الإنسان به؛ لکی يجد من نفسه القدرة على
الوفاء ببعض حق الله علیه.
وإذا استعان المؤمن بالصبر والصلاة
التي تملأ القلب خشية وخشوعا لله، وتبعد
النفس عن الفواحش والمنكرات، هانت
عليه المصاعب، وتحمل كل شدة ومشقة،
وقاوم كل عناء وکرب.
٥. إطاعة الأوامر الإلهية وعدم مخالفتها
تتطلب الصبر.
فالصلاة فيها سجن النفوس، وجوارح
الإنسان فيها مقیدة بها عن جمیع الشهوات،
فكانت الصلاة أصعب على النفس، وكانت
مكابدتها أشق.
٦. الاستعانة بالصبر والصلاة الطريق
الأمثل لمواجهة محن الدعوة،
من شبهات الأعداء، والصبر على
الاستشهاد في الجهاد.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَعِينُواْ
والملاحظ أن هذه الآيات وردت
في سياق الحديث عن تحويل القبلة،
والاستشهاد في الجهاد، فبعد أن ذكر
سبحانه افتتان الناس بتحويل القبلة، وأقام
الحجة على المشاغبين.
وبين فوائد التحويل للمؤمنين، ومن
أهمها: البشارة، وكون ذلك طريقا للهداية،
لما في الفتن من تمييز الخبيث من الطيب،
والمسلم من المنافق، ثم قفى على ذلك
بالأمر بذكره وشكره على هذه النعم،
ليستبين للناس أن تحويل القبلة الذي صوره
السفهاء بصورة النقمة هو نعمة كبرى، ومنة
عظمى.
بين في هذه الآيات أن هذه النعم التي
يجب ذكرها وشكرها تقرن بضروب من
ومن صبر عن المعاصى فقد صبر على
الطاعة، ومن أخص حالات الصبر: الصلاة، البلاء وألوان من المصائب، من أعظمها ما
www. modoee.com
٣٣

حرف الألف
يلاقيه أهل الحق من مقارعة أشياع الباطل،
ومفارقة الحياة استشهادًا في سبيل الله؛ لهذا
كله أمر عباده أن يستعينوا على مقاومة ذلك
كله بالصبر والصلاة، فبهما يستسهل العبد
في سبيل الله كل صعب، ويستخف بكل
کرب، ويحتمل کل بلاء، ويقاوم كل عناء.
ثانيًا: اقتران العبادة بالاستعانة:
قرن سبحانه بين العبادة والاستعانة في
قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [الفاتحة:
٥].
واقتران العبادة بالاستعانة وراءه حكم
كثيرة (١)، منها:
١. الجمع بين الوسيلة والغاية.
فالعبادة غاية العباد التي خلقوا لها،
والاستعانة وسيلة إليها، فجمع سبحانه بين
أشرف غاية ووسيلتها.
٢. الإشارة إلى كمال التوحيد المطلوب
من العباد.
فقوله: ﴿إِنَّكَ نَعْبُدُ﴾ تبرؤ من الشرك،
وقوله: ﴿وَإِنَّكَ نَسْتَعِينٌ﴾ فيه تبرؤ من
الحول والقوة، والتفويض إلى الله عز
(١) انظر في هذه الحكم: مفاتيح الغيب، الرازي
١/ ٢١٦، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/
١٣٤، فتح البيان في مقاصد القرآن، القنوجي
١/ ٤٨، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٩، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن،
الشنقيطي ١ / ٧، الوسيط، طنطاوي ١/ ٢١.
وجل، فجمع بينهما سبحانه تنبيهًا لعباده إلى
كمال التوحيد المطلوب منهم.
٣. بيان أن الاستعانة هي ثمرة التوحيد،
واختصاص الله تعالى بالعبادة.
٤. الإشارة إلى أن لزوم الاستعانة في
العبادة سبيل السعادة الأبدية.
فالعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله
ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة
والباطنة. والاستعانة هي: الاعتماد على الله
تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع
الثقة به في تحصیل ذلك.
والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو
الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع
الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام
بهما.
٥. بيان احتياج العباد الدائم إلى الاستعانة
بالله في العبادة.
فالله ذكر الاستعانة بعد العبادة، مع
دخولها فيها؛ لاحتياج العبد في جميع
عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى ؛ فإنه إن
لم یعنه الله لم یحصل له ما یریده من فعل
الأوامر، واجتناب النواهي.
فالاستعانة هي نوع من استصغار العبد
حاله بجوار عظمة الله تعالى ، وافتقاره إليه
تعالى، وأنه محتاج إليه دائمًا، ولا يركبه
غرور الحياة والضلال في أن يقر بنفسه
الغرور، وهو استجابة وفهم لقوله تعالى:
٣٤
جوي
القرآن الكريمِ

الاستعانة
﴿وَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ
اٌلْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
٦. الإشارة إلى أن الاستعانة لا تكون إلا
بمن يستحق العبادة.
فقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ بعد قوله:
﴿إِيَّكَ نَعْبُهُ﴾ فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن
يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره
لیس بيده الأمر.
٧. الجمع بين شكر الألوهية والربوبية.
فعبادة الله تعالى هي غاية الشكر له في
القيام بما يجب لألوهيته، واستعانته هي غاية
الشكر له في القيام بما يجب لربوبيته، أما
الأول فظاهر؛ لأنه هو الإله الحق فلا يعبد
بحق سواه، وأما الثاني: فلأنه هو المربي
للعباد، الذي وهب لهم جميع ما تكمل به
تربیتهم.
٨. القضاء على الكبر والعجب عند
الإنسان.
فإن قوله: ﴿إِيَّكَ نَعْبُدُ﴾ يقتضي حصول
رتبة عظيمة للنفس بعبادة الله تعالى، وذلك
يورث العجب، فأردف بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِيرُ﴾ ليدل ذلك على أن تلك الرتبة
الحاصلة بسبب العبادة ما حصلت من قوة
العبد، إنما حصلت بإعانة الله.
فالمقصود من ذكر قوله: ﴿وَإِنَّكَ
نَسْتَعِينُ﴾ إزالة العجب، وإفناء الكبر.
الله سبحانه وتعالى هو المستعان
إن المؤمن الذي يريد أن يرتقي في
أشرف منازل الآخرة، لا يستطيع أن يرتقي
إلا بعد عون الله وتوفيقه له؛ لذلك فالله
هو المستعان على الحقيقة دون غيره من
الخلق؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال
بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له
على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل.
وحاجة العبد إلى الاستعانة بالله تعالى
لا تعدلها حاجة، بل هو مفتقر إليه في جميع
حالاته، فهو محتاج في كل أحواله إلى
الهداية والإعانة عليها، ومحتاج إلى تثبيت
قلبه على الحق، ومغفرة ذنبه، وستر عيبه
وحفظه من الشرور والآفات وقیام مصالحه،
وغير ذلك من الحاجات التي لا تنفك عنها
لحظة من لحظات حياته، وغيرها كثير مما
يكثر احتياجه إليه وافتقاره إلى الإعانة عليه.
والعبد يجد في قلبه كل وقت مطلوبًا من
المطلوبات يحتاج إلى الإعانة على تحقيقه.
والله تعالى هو المستعان الذي بيده
تحقیق النفع و دفع الضر، فلا یأتي بالحسنات
إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو سبحانه.
وهذا أمر تكرر تأكيده في القرآن العظيم
في مواضع كثيرة:
قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلاَ
كَاشِفَ لَهُ إِلَّهُوَّ وَإِن يَسْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ
www. modoee.com
٣٥

حرف الألف
شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اَللَّهَ قُلْ أَفَرََّيْتُم مَّا
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ
كَشِفَتُ ضُرِِّه أَوْ أَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ
مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اَللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ
الْمُتَوَّكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].
وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُنْدٌ لَّكُمْ
يَنْصُرَّكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّ إِنِ الْكِرُونَ إِلَّا فِى غُرُورٍ
٢٠
أَمَّنْ هَذَا الَّذِى بَرْزُقُكُمْإِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ،بَل لَُّواْ فِي
عُتُوٍ وَتُفُورٍ﴾ [الملك: ٢٠ - ٢١].
والمقصود: أنه لا يحصل لعبد نفع
في أمر من أمور دينه ودنياه إلا بالله، فهو
المستعان وحده علی کل ذلك.
وكل سبب من الأسباب التي يبذلها ليس له شريك في الملك، ولا في الخلق،
العبد لتحقيق النفع أو دفع الضر لا يستقل
بالمطلوب، فلا يوجد سبب مستقل
بالمطلوب، بل لا بد أن يكون معه سبب
مساعد، ولا بد معه أيضًا من انتفاء المانع،
ولا يكون كل ذلك إلا بإذن الله.
فالاستعانة بالله تعالى من أجل العبادات
وأفضلها، والتي أمر الله بها عباده للحصول
على عطائه وكرمه، لذلك كان من أعظم
الكلمات التي أمرنا الله بها إذا وقفنا بين
يديه في كل ركعة من ركعات صلاتنا أن
نقول مخاطبين إياه تبارك وتعالى: ﴿إِيَّكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [الفاتحة: ٥].
ما أجمل هذا الدرس العظيم الذي تلقيه
علينا الآية الكريمة التي ترشدنا إلى أنه لا
يليق بالمسلم أن يغفل عن بارئه طرفة عين
في كل شؤونه الدينية والدنيوية.
فالله تبارك وتعالى هو المستعان، الغنى
عن الظهير والمعين، والشريك والوزير، فلا
يحتاج إلى أحد.
وهو سبحانه المستعان الذي لا يطلب
العون من أحد، بل كل عبد يطلب منه العون
على فعل الطاعات واجتناب المحرمات،
وجلب المنافع، ودفع المضار. وهو سبحانه
الغني المستعان، والخلق كلهم فقراء إليه،
عبيد لديه.
وهو الملك القادر على كل شيء، الذي
ولا في الأمر، ولا في الأسماء، ولا في
الصفات.
وهو سبحانه الحي القيوم المستعان، فلا
يحتاج إلى أحد من خلقه، بل الخلائق كلها
بحاجة إلى الاستعانة به، بل لا قيام ولا حياة
ولا وجود لهم إلا به، وبقدرته وقوته وإعانته
وحده لا شريك له.
وقد أرشدتنا الآية إلى أن الله هو
المستعان في كل الأمور الدينية والدنيوية،
فقد ((حذف متعلق ﴿نَسْتَمِنُ﴾ الذي
حقه أن یذکر مجرورًا بعلى، وقد أفاد هذا
الحذف الهام عموم الاستعانة المقصورة
جُوبُوابَةُ النَِّيّة
القرآن الكريم
٣٦

الاستعانة
على الطلب من الله؛ تأدبًا معه تعالى)) (١).
فلم يذكر المستعان عليه من الأعمال،
ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإنسان
من الأعمال الدينية والدنيوية.
وفي اقتران العبادة بالاستعانة في الآية
دليل على أن الإنسان لا يقوى على أن يعبد
الله إلا إذا أعانه الله تبارك وتعالى.
والملاحظ في آية الفاتحة أنه ((قدم
المفعول وهو ﴿إِنَّكَ﴾، وكرر؛ للاهتمام
والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل
إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين
پرجع کله إلی هذین المعنیین)) (٢).
وتكرير الضمير المنصوب للتنصيص
على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة
والاستعانة، ولإبراز الاستلذاذ بالمناجاة
والخطاب.
وقد ذكر الله الاستعانة في الآية بعد
العبادة مع دخولها فيها «لاحتياج العبد في
جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه
إن لم یعنه الله، لم يحصل له ما يريده من
فعل الأوامر، واجتناب النواهي))(٣).
وقد بین لنا ربنا في كتابه أن أنبياءه ورسله
كانوا على يقين بأن الله هو المستعان لا
غيره، فقد أخبر عن نبيه يعقوب عليه السلام،
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ١٧٧،
وانظر: الوسيط، طنطاوي ١ / ٢١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٣٤.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٩.
لما أتاه بنوه يخبرونه أن يوسف قد مات عليه
السلام، فقال: ﴿بَّ سَوَلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
[يوسف: ١٨].
فأخبرهم أنه لا يستطيع ولا يطيق أن
یتحمل وقع هذه الكلمات، أو پتحمل أثر
هذه الكلمات، أو يتحمل فقدان هذا الوليد
الحبيب إلى قلبه عليه السلام إلا بأن ينزل
عليه العون والتأييد والتثبيت من الله تبارك
وتعالى، فكان من يعقوب عليه السلام
التسليم لأمر الله تعالى وتوكلٌ عليه.
وقد جمع يعقوب عليه السلام بين
الصبر والاستعانة، وهذا ((دال على أن
إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله
تعالى؛ للتغلب على الجزع أو الحزن بسبب
الدواعي القوية إليه)) (٤).
وأخبر الله سبحانه عن نبيه صلى الله
عليه وسلم أنه: ﴿قَالَ رَبٍّ أَحْكُ بِالْحَقِّ وَرَبَّنَا
الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢].
وقبل هذه الآية بيان لسبب هذه المقولة،
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىَ إِلَىَ أَنَّمَا
فقال الله:
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ
فَإِنِ تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَننُكُمْ عَى سَوَاءِ
وَإِنْ أَدْرِىَ أَقَرِيبُ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ )
إِنَّهُ, يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا
تَكْتُمُونَ ﴿ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ، فِتْنَةٌ
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٩٤.
www. modoee.com
٣٧

حرف الألف
لَكُمْ وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ (١٧) قَالَ رَبِّ أَحْكُ بِالْمَّ وَرَبُّنَا عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [الأعراف:
الرَّحْمَنُّ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨- ١٢٨].
١١٢].
فهذه الأوصاف التي يطلقونها على الله
تبارك وتعالى انتقاصًا لحقه، والتي يطلقونها
علی رسول الله صلی الله علیه وسلم تكذيبًا
له ورميًا له بالجنون، ورميًا له بالكهانة
والشعر والسحر، لا يستطيع قلبه الطاهر
صلى الله عليه وسلم أن يتحملها إلا إذا
تغمده الله عز وجل بعونه وتأييده وتوفيقه،
فقال: ﴿رَبِّ أَحْكُم بِالْحَقِّ وَرَبَّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ
عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: نسأل ربنا الرحمن،
ونستعين به على ما تصفون، من قولكم
سنظهر علیکم، وسیضمحل دینکم، فنحن
في هذا لا نعجب بأنفسنا، ولا نتكل على
حولنا وقوتنا، وإنما نستعين بالرحمن، الذي
ناصية کل مخلوق بيده، ونرجوه أن يتم ما
استعناه به.
(وتعريف ﴿اَلْمُسْتَعَانُ﴾ لإفادة القصر،
أي: لا أستعین بغیره علی ما تصفون، إذ لا
ینصرنا غیر ربنا)»(١).
وكما كانت هذه عقيدة الأنبياء في
ربهم، فقد حرصوا على إرسائها في قلوب
أقوامهم، فها هو موسی علیه السلام يخاطب
بني إسرائيل قائلًا: ﴿أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوّاً
إِنَ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧ / ١٧٥.
فأمرهم بالاستعانة بالله في رد عدوان
فرعون وملئه.
وفي دیننا نبدأ کل سور القرآن بالبسملة،
وهذا بمثابة الدرس التطبيقي للمسلمين أن
یربطوا كل أمورهم بالله، فمنه يستمدون
العون، ويستلهمون السداد في القول،
والإصابة في العمل، وعلیه یتو کلون في کل
ما يأتون من أعمال، فلا حول ولا قوة لهم
إلا بالله.
فالله سبحانه وتعالى هو المستعان على
کل أمرٍ من أمور الخیر یجلبها، وعلى كل أمرٍ
من أمور الشر يدفعها، على كل أمرٍ من أمور
الطاعة يوفق لها، وعلى كل أمرٍ من أمور
المعصية يدرأها ويباعد عنها.
قال ابن تيمية رحمه الله : ((إن العبد
محتاج في كل وقت إلى الاستعانة بالله
على طاعته وتثبيت قلبه، ولا حول ولا قوة
إلا بالله))(٢).
وقال ابن رجب رحمه الله: ((العبد محتاج
إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك
المحظورات، والصبر على المقدورات كلها
في الدنيا، وعند الموت، وبعده من أهوال
البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة
على ذلك إلا الله عز وجل.
(٢) مجموع الفتاوى ٤٥٦/١٠.
٣٨
مَوَسُوبَةُ الْبَّقِين
القرآن الكريمِ

الاستعانة
فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله
أعانه الله، ومن ترك الاستعانة بالله واستعان
بغيره و کله الله إلی من استعان به، فصار
مخذولا، وهو كذلك في أمور الدنيا؛ لأنه
عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع
مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه
جمیعا إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو
المعان، ومن خذله الله فهو المخذول)»(١).
(١) جامع العلوم والحكم ص ١٨٢ بتصرف.
أنواع الاستعانة
أولًا: الاستعانة المشروعة
الاستعانة منها ما هو مشروع، وما هو
ممنوع، والاستعانة المشروعة منها استعانة
بالله، واستعانة بالأعمال الصالحة التي
شرعها الله، والتي أمر الله عباده بالاستعانة
بها، والحديث هنا عن صور الاستعانة
المشروعة:
١. الاستعانة بالله.
الاستعانة بالله واجبة في كل وقت
وحين، وليس لصورها حصر ولا عدد،
والحديث هنا عن أهم صور الاستعانة بالله:
• الاستعانة بالله على الطاعة.
إن من أعلى أبواب الاستعانة، الاستعانة
بالله تعالى على طاعته، من أداء الواجبات
والقیام بفروض الله تعالى.
ولو نظر كل منا في حاله في أمور دينه
لوجد أنه يحتاج إلى عون الله تعالى، فلا
يستطيع أحد القيام بحق الله تعالى إلا
بالاستعانة به على ذلك. قال شيخ الإسلام:
((وكل عملٍ لا يعين الله العبد عليه فإنه لا
یکون ولا یقع، فما لا یکون به لا یکون، وما
لا یکون له لا یدوم ولا ينفع، فلذلك أمر
العبد أن يقول ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ﴾
www. modoee.com
٣٩

حرف الألف
[الفاتحة: ٥]، في كل صلاة))(١).
فكل الطاعات التي يقوم بها المسلم هي
محض الفضل الإلهي الذي من الله به عليه.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ.
مَا زَّكَ مِنْكُرُ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَِّ مَن يَشَآءُ
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١].
فکل صلاة نصلیها هي بمدد منه، و کذلك
کل ذکر نذکره، و کل صالح نقوله، و کل خير
نفعله، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَبَّنَهُ.
فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهِ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَاَلْمِصْيَانَّ
أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]
فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل
المأمورات، وترك المحظورات، والصبر
على المقدورات كلها، في الدنيا وعند
الموت وبعده، ولا يقدر على الإعانة على
ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة
عليه في ذلك كله أعانه.
وقد أرشد الله عباده إلى الاستعانة به في
كل أمورهم، ومنها الطاعات، فقال سبحانه:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وإطلاق الاستعانة من غير متعلق بذكر
المستعان عليه من الأمور دال على أنه
یستعین الله تعالی في كل أمور حياته، فلم
يذكر المستعان عليه من الأعمال؛ ليشمل
الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإنسان من
الأعمال الدينية والدنيوية.
(١) مجموع الفتاوى ٧٦/٨.
مَوَسُو ◌َر التقنية الوضوء
القرآن الكريم
فابعد تقرير الاتجاه إلى الله وحده
بالعبادة والاستعانة، يبدأ في التطبيق العملي
لها بالتوجه إلى الله.
وفقنا إلى معرفة الطريق المستقيم
الواصل، ووفقنا للاستقامة عليه بعد
معرفته .. فالمعرفة والاستقامة كلتاهما
ثمرة لهداية الله ورعايته ورحمته. والتوجه
إلى الله في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه
وحده المعین. وهذا الأمر هو أعظم وأول ما
يطلب المؤمن من ربه العون فيه. فالهداية
إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في
الدنيا والآخرة عن یقین»(٢).
وقد حقق الأنبياء والرسل درجة
الاستعانة بالله في أمور دينهم على أفضل
صورة وأحسن مثال، فهذا أبو الأنبياء
إبراهيم عليه السلام يقول: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَيَنِىَّ
أَنْ تَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
إنه يعلن أن الذي يعصم من عبادة
الأوثان هو الله، فيلجأ إليه طالبًا منه المعونة
على اجتنابها وعدم عبادتها.
وها هو يوسف عليه السلام يستعين بربه
على كيد النسوة فيقول: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى
كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَكُنُ مِّنَ الْجَيْهِلِينَ﴾ [يوسف:
٣٣].
فقد استجار بربه واستعان به ليصرف عنه
السوء.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٢٥ بتصرف.
٤٠

الاستعانة
ونبينا صلى الله عليه وسلم أفضل
المستعينين، وسيد المتوكلين على ربه،
كانت حياته كلها استعانة بالله في طاعاته
وشؤون دنياه، یرشد صلی الله عليه وسلم
معاذ بن جبل رضي الله عنه فیقول له: ((یا
معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك،
فقال: أوصیك یا معاذ لا تدعنَ في دبر
كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك،
وشكرك، وحسن عبادتك)»(١).
إن هذا التعلیم النبوي كما أنه یشي بحاجة
العبادة والطاعة إلى العون والمدد الإلهي،
فهو يحمل في ثناياه الإعلان عن العجز
والضعف البشري أمام القيام بشيء من حق
الله تعالى. إن العبد مهما بلغ من قوة، ومهما
اجتمع له من نشاط فهو عاجز عن مواصلة
الطريق إلى الله إلا بالعون الذي يتنزل عليه
من ربه، فلا يغتر بجهده، ولا يدلي بعمله.
إن أعظم الكرامة أن يأتيك مدد ربك،
الذي يدفعك لمزید القرب منه، فتدخل في
عبادته -لیس نشيطًا فحسب- بل مشتاقًا لها
تجد أنسك فيها.
أما حين لا يكون عون الله، وإنما يوكل
العبد إلى نفسه، فإنه یو کل إلی ضعف وعجز
وخور ومهانة.
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب أبواب فضائل
القرآن. باب في الاستغفار، رقم ١٥٢٢،
٨٦/٢.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.
حين لا يعان العبد فإنه يقعد به العجز
والكسل عن الكمالات، وتتطامن نفسه إلى
الدون، ولا یکون منه شيء نافع، بل تذهب
أيامه ولياليه دون شيء یذکر.
نحتاج العون من الله على الذكر وإلا
أصاب الألسن خرس عما ينفع، نحتاج
العون من الله على الشكر وإلا بطرت النعم
ثم محقت، نحتاج العون من الله علی حسن
العبادة وإلا تحولت عبادتنا إلى صورة لا
معنی لها، وإلی مظهر بلا مخبر، فصارت
وبالّا على العبد لا له.
إن العبد حين لا يعان على الذكر تغلفه
الغفلة، فيترك القرآن أيامًا لا يتلوه، وربما
أتى إلى المسجد مبكرًا - لحاجة- فعجزت
يده أن تمتد للمصحف الذي لا يبعد عنه
غير متر واحد، ويعجز لسانه أو يغفل عن
تسبيح هو من أخف الأعمال وأيسرها على
اللسان وأثقلها في الميزان، في حين لا
يعجز عن ترديد الأغاني، ولا ينقطع صوته
عن الحديث في المجالس بما لا فائدة منه !.
وحين لا يعان العبد على الشكر فإنه
لا يرى النعم، ولا يحس بقيمتها؛ فلذلك
يبطرها، فلا عين تحفظ عن حرام، ولا لسان
يحفظ عن رديء الكلام، ولا رجل تمشي
إلى صلاة، ولا يدٌ تمتد بالصدقة أو ترفع
للدعاء.
وحين لا يعان على حسن العبادة فإنه
www. modoee.com
٤١

حرف الألف
يأتيه ما يشغله عن تحسينها والعناية بها، على طاعته؛ لأنه يعلم أنه لا يقدر على
الطاعة إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى.
فينشغل ذهنه بما يوهنه، فإن قام إلى الصلاة
نقرها نقر الغراب، والتفت فيها التفات
الثعلب، وانتهى منها لا يدري ما قرأ،
فخرج من صلاته لم یکتب له منها إلا ما
عقل، واقتصرت نفسه على الفريضة- على
ضعف فيها- فإن صلى نافلة لعظيم الفضل
واجتماع الناس عليها- كالتراويح- فإنه
يعجز عن الاستمرار إلى آخر الشهر، أو
يطلب من يأتي بها على عجل.
فالعبد یحتاج إلى عون الله وفضله؛ لأداء
حقهعلى الوجه الذي يرضيه، ولا يكون ذلك
إلا بالاعتماد على الله في جميع طاعاته،
والشعور بالحاجة والفقر له، وأن الأمر
منوط بتوفيق الله أو الخذلان، والشعور
بالضعف والحاجة والفقر ﴿يَأَيُهَا النَّاسُ أَنْتُمُ
اٌلْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:
١٥].
قال ابن القيم: ((﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا
خَزَآئِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]، متضمن لكنز من
الكنوز؛ وهو أن کل شيء لا یطلب إلا ممن
عنده خزائنه، ومفاتيح تلك الخزائن بيديه،
وأن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده ولا
يقدر عليه)»(١).
والخلاصة: أن أعلى الناس قدرًا في أمر
الاستعانة هو من يستعين بالله على عبادته،
# الاستعانة بالله على الأمور الدنيوية.
جميع العباد فقراء إلى الله الغني الحميد،
فهو الذي بيده ملكوت كل شيء، وخزائن
العالم بأسرها بيديه، والعبد لا يملك لنفسه
ضرًا ولا نفعًا، ولو ترك لنفسه لحظة ضاع
وهلك؛ ولهذا فالعبد في كل لحظة بحاجة
إلى ربه ومولاه.
في حاجة إلى الاعتماد على الله في جميع
شؤون الحياة، فالله عز وجل هو الذي خلقنا
من العدم، وتولى سبحانه وتعالى نشأتنا
والقيام على شؤوننا، وأعطانا ما أعطانا من
الأسباب التي تمكننا من العيش في الحياة.
هذه الأسباب من سمع، وبصر، وعقل،
وأجهزة وأعضاء، لا يوجد لديها قدرة ذاتية
للقيام بوظائفها، فالله عز وجل هو الذي
هَوَ أَلَّذِى
يمدها بهذه القدرة لحظة بلحظة
يُسَبِّكُ فِ اَلْبَّرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢].
وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبِّكَ﴾
[النجم: ٤٣].
وهذه هي الحقيقة، فهو سبحانه الذي
أضحك وأبكى، وأقام وأقعد، وهو الذي
حرك وسكن، ولا غنى لأحد عن الله طرفة
عین.
فالحقيقة التي لا مراء فيها أننا جميعًا
من الله خلقًا وإيجادًا، وبالله رعاية وإعدادًا
(١) الفوائد، ابن القيم ص ٢٠٢.
موسوبر التشيك المضيو
القرآن الكريم
٤٢

الاستعانة
وإمدادًا، فلا حول ولا قوة إلا بالله سبحانه ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت
المستحق للعبادة، وأنت القدير على كل
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اَللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
شيء، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها،
وتأسيسًا على ما سبق فالعباد في حاجة
إلى عون ربهم على كل شؤون حياتهم
الدنیویة، وقد أمر الله عباده بالتوجه إليه،
والاستعانة به في أمورهم الحياتية، مبينًا أن
ذلك بيده، ولیس بيد غيره، فقال في الحديث
القدسي: (يا عبادي، كلكم جائع إلا من
أطعمته، فاستطعموني أطعمکم، يا عبادي،
كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني
أکسکم)(١).
لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.
فآية الفاتحة أرشدت إلى الاستعانة بالله
في جميع الأمور الدينية والدنيوية، ويظهر
ذلك من إعادة الضمير ﴿إِيَّكَ﴾ مع الفعل
الثاني ﴿نَسْتَعِيرُ﴾ يفيد أن كلا من العبادة
والاستعانة مقصود بالذات، فلا يستلزم كل
منهما الآخر؛ ذلك بأن الاستعانة بالله تعالى
يجب أن تكون عامة في كل شيء.
ويظهر من الحديث ضرورة افتقار العبد
إلى ربه ومولاه، ووجوب استعانته به في
جميع شؤونه الحياتية، وأنه لولا الله لهلك
جمیع العباد، کما یدل الحدیث علی أن الله
يحب من العباد أن يسألوه مصالح دينهم
ودنياهم.
وفي سورة الفاتحة إرشاد إلى استعانة
العباد بربهم في جميع شؤونهم، حیث
قال سبحانه: ﴿إِيَّكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾
[الفاتحة: ٥].
ونستكين، فقد توليتنا برعایتك وغمرتنا
برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإعانة على
طاعتك وعلى أمورنا كلها الدينية والدنيوية،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧،
٠١٤٩٤/٤
والخلاصة: أن ((التوكل على الله
والاستعانة به خلق جليل يضطر إليه العبد
في أموره كلها، دينيها ودنيويها؛ لأنه وإن
كان الله تعالى قد أعطى العبد قدرة وإرادة
تقع بها أفعاله الاختيارية، ولم يجبره على
شيء منها، فإنه لا حول له ولا قوة إلا بالله،
فإذا اعتمد بقلبه اعتمادًا كليًا قويًا على ربه في
تحصيل وتكميل ما يريد فعله من أمور دينه
ودنياه، ووثق به أعانه وقوی إرادته وقدرته،
ويسر له الأمر الذي قصده، وصرف عنه
والمعنى: لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل الموانع أو خففها، وتضاعفت قوة العبد
وازدادت قدرته؛ لأنه استمد من قوة الله
التي لا تنفد ولا تبيد)»(٢).
# الاستعانة بالله على مواجهة الظالمين.
من الأمور المسلمة أن النصر بيد الله.
(٢) فتح الرحيم، السعدي ص١١٧.
www. modoee.com
٤٣

حرف الألف
قال تعالى: ﴿وَمَالنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
والإنسان المسلم في مواجهته مع
الظالمين في حاجة إلى عون الله على هؤلاء
الطغاة، بأن ينصره ويسدده ويثبته على
عقيدته.
وقد اشتمل القرآن على نماذج من
الاستعانة بالله على مواجهة الظالمين، منها:
ما أرشد إليه موسى عليه السلام قومه في
مواجهتهم مع فرعون وقومه: فلما قال الملأ
من قوم فرعون: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُقْسِدُوا
فِ الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَيُِّ أَبَاءَهُمْ
وَنَسْتَعِ نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ﴾
[الأعراف: ١٢٧].
وأرشدهم موسى عليه السلام فقال:
﴿أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَّاْ إِنَّ الْأَرْضَ
لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
فههنا أمرهم موسى بشيئين وبشرهم
بشيئين: أما اللذان أمر موسى عليه السلام
بهما، فالأول: الاستعانة بالله تعالى.
والثاني: الصبر على بلاء الله.
وإنما أمرهم أولا بالاستعانة بالله لأن من
عرف أنه لا مدبر في العالم إلا الله تعالى،
انشرح صدره بنور معرفة الله تعالی، وحينئذ
یسهل علیه أنواع البلاء، ولأنه یری عند نزول
البلاء أنه إنما حصل بقضاء تعالى وتقديره،
واستعداده بمشاهدة قضاء الله خفف عليه
أنواع البلاء.
وأما اللذان بشر بهما:
﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ
فالأول: قوله:
يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهذا إطماع
من موسى عليه السلام قومه في أن يورثهم
الله تعالى أرض فرعون بعد إهلاكه.
والثاني: قوله: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
فقيل: المراد أمر الآخرة فقط، وقيل: المراد
أمر الدنيا فقط، وهو: الفتح والظفر والنصر
على الأعداء، وقيل: المراد مجموع الأمرين.
وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ ﴾ إشارة إلی أن کل
من اتقى الله تعالى وخافه فالله يعينه في
الدنيا والآخرة (١).
فالآيات ترشد إلى أنه ليس لأصحاب
الدعوة إلى رب العالمين إلا ملاذ واحد،
وهو الملاذ الحصين الأمين، وإلا ولي
واحد، وهو الولي القوي المتين. وعليهم أن
يصبروا حتى يأذن الولي بالنصرة في الوقت
الذي يقدره بحكمته وعلمه.
ومن نماذج الاستعانة أيضًا: قصة مؤمن
آل فرعون، فقد ذكر الله سبحانه قوله لقومه:
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَّا أَقُولُ لَكُمَّ وَأَفَرِّضُ
أَمْرِىَّ إِلَى اَللَّهُ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
[غافر: ٤٤].
فبعد أن نصحهم بطاعة الله، والإيمان
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣٤٢.
٤٤
القرآن الكريم

الاستعانة
١٠٩
به والدار الآخرة، وخوفهم وحذرهم، لم وَإِنْ أَدْرِىَ أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ
يطيعوه، فقال لهم: ((فستذكرون أني نصحت إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا
تَكْتُمُونَ ﴿ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ
وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٨- ١١١].
لکم وذکرتکم، وسوف تندمون حیث لا
ينفع الندم، وألجأ إلى الله، وأعتصم به،
وأتوكل عليه. إن الله سبحانه وتعالى بصير
بأحوال العباد، وما يستحقونه من جزاء، لا
يخفى عليه شيء منها))(١).
وكانت نتيجة استعانته بالله، ما ذكره ربنا
سبحانه في قوله: ﴿فَوَقَتُهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا
مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَهُ الْعَذَابِ﴾
[غافر: ٤٥].
فهذا بيان للعاقبة الطيبة التي أكرمه الله
سبحانه بها، بعد صدوعه بكلمة الحق أمام
فرعون وجنده. أي: فكانت نتيجة إيمان
هذا الرجل، وجهره بكلمة الحق، ونصحه
لقومه، واستعانته بالله؛ أن وقاه الله تعالى
ما أراده الظالمون به من أذى وعدوان ومن
مکر سيئ، ونزل وأحاط بفرعون وقومه سوء
العذاب؛ بأن أغرقهم الله تعالى في اليم،
وجعلهم عبرة لمن يعتبر.
ومن نماذج الاستعانة بالله في مواجهة
الظالمين، ما ذكره ربنا عن نبينا صلى الله
عليه وسلم في دعوته قريشًا، فالله أمره
أن يبلغهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَ أَنَّمَآ
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ تُسْلِمُونَ
﴿ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُلْ ءَاذَننُكُمْ عَلَى سَوَآءِ
(١) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص٤٧٢ .
فبعد أن أورد سبحانه الحجج والبراهين،
لإقناع الكافرين بأن رسالة الرسول حق،
حتى لم يبق فى القوس منزع، وبلغ الغاية
التي ليس بعدها غاية، وبين أن هذا الرسول
رحمة للعالمين، وهداية للناس أجمعين،
وأن من اتبعه سلك سبيل الرشاد، ومن نأى
عنه ضل وسار فى طريق الغواية والعناد-
أردف ذلك ما يكون إعذارا وإنذارا، فى
مجاهدتهم والإقدام على مناوأتهم، بعد أن
أعيته الحيل، وضاقت به السبل، ولم تغنهم
الآيات والنذر، فتمادوا في غوايتهم، ولجوا
في عنادهم، وأصبح من العسير إقناعهم
وهدايتهم.
وبعد هذا البلاغ والبيان أرشده بقوله:
﴿قَالَ رَبِّ أَحْكُمْ بِلْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُّ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢].
أي: نسأل ربنا الرحمن، ونستعين به
علی ما تصفون، من قولکم سنظھر علیکم،
وسيضمحل دينكم، فنحن في هذا، لا نعجب
بأنفسنا، ولا نتكل على حولنا وقوتنا، وإنما
نستعين بالرحمن، الذي ناصية كل مخلوق
بیده، ونرجوه أن یتم ما استعناه به.
لإفادة القصر،
((وتعريف﴿اَلْمُسْتَعَانُ﴾
www. modoee.com
٤٥

حرف الألف
أي لا أستعین بغیره على ما تصفون، إذ لا
ينصرنا غير ربنا))(١).
وإنما ختم الله هذه السورة بقوله: ﴿قَلَ
رَپِّآمْكُمبآلْحَقٍ﴾ لأنه عليه السلام كان قد بلغ
في البيان الغاية لهم، وبلغوا النهاية في أذيته
وتكذيبه، فكان قصارى أمره تعالى بذلك
تسلية له وتعريفًا أن المقصود مصلحتهم،
فإذا أبوا إلا التمادي في كفرهم، فعليك
بالانقطاع إلى ربك ليحكم بينك وبينهم
بالحق، إما بتعجيل العقاب بالجهاد أو
بغيره، وإما بتأخير ذلك، فإن أمرهم -وإن
تأخر - قریب(٢).
والخلاصة: أن عقيدة المؤمن الصادق
الإيمان لها محوران في مواجهة الأزمات
مع الكفار:
المحور الأول: هو تفويض الأمر إلى
الله وتوقع الفرج من عنده، وهذا ما أمر به
الله تعالی نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:
﴿قَلَ رَبِّ امْكُم بِلْقِ﴾ أي احكم بيني وبين
هؤلاء المكذبين وانصرني عليهم.
المحور الثاني: هو الاستعانة بالله القوي
الغالب، وهذا ما ختمت به السورة: ﴿وَرَبِّنَا
الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَ مَا تَصِفُونَ ﴾ أي ما تصفونه
من الكفر والتكذيب، والطمع في الغلبة على
أهل الإيمان.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧ / ١٧٥.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢ / ١٩٦.
٢. الاستعانة بالأعمال الصالحة.
من صور الاستعانة المشروعة، الاستعانة
بالأعمال الصالحة التي شرعها الله، وإذا
تأملنا القرآن وجدنا أن الله أمر عباده
بالاستعانة ببعض الأعمال الصالحة، ومنها
وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
الصبر والصلاة، فقال:
وَالصَّلَوَةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّّ عَلَى الْخَشِينَ﴾ [البقرة:
٤٥].
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِنُواْ
وقال:
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة:
١٥٣].
فالصبر والصلاة هما الزاد الذي يمد
المؤمن بالقوة التي تعينه على احتمال
تكاليف العبادة، ومشقة الجهاد ومدافعة
شهوات النفس وأهوائها. وهناك أمور يتأكد
عندها أهمية الاستعانة بالصبر والصلاة،
منها:
حين يتعرض المؤمنون للبلاء: في
دينهم وأنفسهم، في أموالهم أو
أعراضهم، فحينئذ يتأكد عليهم الفرار
إلى الله عز وجل والاستعانة به، وأعظم
ما يتم به هذا الفرار هو الاستعانة بالصبر
والصلاة.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة:
١٥٣].
بعد هذه الآية ذكر الله أعظم شيء يستعان
٤٦
قَ الََّـ
جوببو
القرآن الكريم