Indexed OCR Text

Pages 1-20

جَوْ عَدُ النفسية الموضوع
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الاسْتَطاعَة
عناصر الموضوع
مفهوم الاستطاعة
٣١٦
الاستطاعة في الاستعمال القرآني
٣١٧
الألفاظ ذات الصلة
٣١٨
٣٢٠
الاستطاعة شرط التكليف
٣٢٣
أنواع الاستطاعة
٣٣٧
عدم الانتفاع بأدوات الاستطاعة
٣٤٤
نفي الاستطاعة عما يعبد من دون الله
المجلدالثانى

حرف الألف
مفهوم الاستطاعة
أولًا: المعنى اللغوي:
طوع: الطاء والواو والعين أصل صحيح واحد يدل على الإصحاب والانقياد، يقال: طاعه
يطوعه، إذا انقاد معه ومضى لأمره، وأطاعه بمعنى طاع له، والاستطاعة مشتقة من الطوع،
كأنها كانت في الأصل الاستطواع، فلما أسقطت الواو جعلت الهاء بدلاً منها، واسطاعه
وأسطاعه واستاعه وأستاعه: أطاقه، فاستطاع على قياس التصريف، وأما اسطاع - موصولة
- فعلى حذف التاء لمقاربتها الطاء في المخرج فاستخف بحذفه، والاستطاعة القدرة على
الشيء(١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب: ((اسم للمعاني التي بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل، وهي
أربعة أشياء: بنية مخصوصة للفاعل، وتصور للفعل، ومادة قابلة لتأثيره، وآلة إن كان الفعل
آليًا، كالكتابة، فإن الكاتب يحتاج إلى هذه الأربعة في إيجاده للكتابة، ولذلك يقال: فلان غير
مستطیع للكتابة))(٢).
الاستطاعة: ((هي عرض يخلقه الله تعالى في الحيوان، يفعل به الأفعال الاختيارية)) (٣).
(١) انظر: مقاييس اللغة، أحمد بن فارس ٤٣١/١، المحكم، ابن سيده ٢/ ٣١٢، لسان العرب، ابن
منظور ٨ / ٢٤٢.
(٢) المفردات، ص ٥٣٠.
(٣) التعريفات، الجرجاني ١٩، كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي ٧٢/١.
٣١٦
موسوبر النفسية
القرآن الكريم

الآخذ
الاستطاعة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (طوع) في القرآن (١٢٩) مرة، يخص موضوع البحث منها (٤٢) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أَسْتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًا﴾
الفعل الماضي
١٥
[الكهف : ٩٧]
الفعل المضارع
٢٧
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوْ أَن تَعْدِ لُواْبَيْنَ النِّسَآِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾
[النساء: ١٢٩]
وجاءت الاستطاعة في الاستعمال القرآني بمعناها في اللغة: الإطاقة ووجود ما يصير به
الفعل متأتيًا؛ سواء تعلق ذلك بالقدرة القلبية أو البدنية أو المالية أو غيرها من المعاني التي
بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٤٢٩ - ٤٣١، المعجم المفهرس الشامل، عبد
الله جلغوم، ص٧٢٣ - ٧٢٦.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٩٠ - ٩١، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ١٨٧/٢ - ١٨٨،
نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٨٨ - ٨٩، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٤٢١/٢ - ٤٢٣.
www. modoee.com
٣١٧

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
القدرة:
١
القدرة لغة:
الطاقة والقوة على الشيء والتمكن منه، والغنى والثراء، يقال: رجل ذو قدرة ذو يسار
وغنى(١).
القدرة اصطلاحًا:
((هي الصفة التي تمكن الحي من الفعل وتركه بالإرادة، والقدرة: صفة تؤثر على قوة
الإرادة))(٢).
الصلة بين الاستطاعة والقدرة:
الاستطاعة أخص من القدرة، فكل قادر مستطيع، وليس كل مستطيع قادرًا، ولهذا لا
يوصف الله عز وجل بالاستطاعة؛ لكون القدرة أعم من الاستطاعة(٣).
الوسع:
٢
الوسع لغةً:
وسع: (وسعه) الشيء بالكسر يسعه (سعة) بالفتح، و (الوسع) و(السعة) بالفتح الجدة
والطاقة جدة الرجل، أي على قدر سعته لا يدخر وسعًا: يفعل أقصى ما يقدر عليه (٤).
الوسع اصطلاحًا:
الوسع وهو ((قدر ما تسع له القوة، وهو بمنزلة الطاقة، وهو نهاية مقدور القادر، ولا يصح
ذلك إلا لله تعالى))(٥).
قال الزمخشري: «إن الوسع هو ما یسع الإنسان ولا یضیق علیه، ولا یحرج فيه، فالله لا
يكلف النفس إلا ما يتسع فيه طوقها، وتيسير عليها دون مدى غاية الطاقة والمجهود، فقد كان
في طاقة الإنسان أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من شهر ويحج أكثر من حجة)) (٦).
(١) تهذيب اللغة، الأزهري ٩ / ٤٠، مختار الصحاح، الرازي ص ٢٤٨، المصباح، الفيومي ٤٩٢/٢.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص١٧٣.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص٤٧، ١١٠.
(٤) انظر: العين، الفراهيدي ٢/ ٢٠٣، مختار الصحاح، الرازي، ص ٣٣٨، معجم اللغة العربية المعاصرة،
أحمد عمر ٣/ ٢٤٤٠.
(٥) الفروق اللغوية، العسكري، ص ٥٦٧.
(٦) الكشاف ١ :٤٠٨.
٣١٨
مَوَبُو حَر البهية
القرآن الكريم

الاجتماع
الصلة بين الاستطاعة والوسع:
الوسع أخص من الاستطاعة، فالوسع ما يستطيع المرء فعله بلا مشقة(١)، قال تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الإطاقة:
٣
الإطاقة لغة:
هي القدرة على عمل الشيء(٢).
الإطاقة اصطلاحًا:
هي القدرة على الاحتمال(٣).
الصلة بين الاستطاعة والإطاقة:
لم يفرق علماء اللغة بين الإطاقة والاستطاعة وعند تعريفهم للإطاقة كانت بمعنى
الاستطاعة (٤)، أما في العرف فتطلق الاستطاعة للإنسان خاصة، والإطاقة تكون عامة
للإنسان والحيوان والجماد(٥) .
العجز:
٤
العجز لغة:
العجز، الضعف، وأصله التأخر عن الشيء، وحصوله عند عجز الأمر، أي: مؤخره كما
ذكر في الدبر، وعجز عن الأمر، يعجز عجزًا وعجوزًا وعجزانًا، فهو عاجز (٦).
العجز اصطلاحًا:
القصور عن فعل الشيء وعدم القدرة(٧).
الصلة بين الاستطاعة والعجز:
العجز هو نقيض الاستطاعة.
(١) انظر: الكليات، الكفوي، ص١٠٩.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٠/ ٢٣٢.
(٣) انظر: الكليات، الكفوي، ص ١٤١ ، شمس العلوم، نشوان الحميري ٤١٩٢/٧.
(٤) الصحاح، الجوهري ٣/ ١٢٥٥، مختار الصحاح، الرازي، ص ١٩٣.
(٥) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢١/ ٤٦٣.
(٦) انظر: الصحاح، الجوهري ٣/ ٨٨٣، مجمل اللغة، ابن فارس، ص ٦٤٨، تاج العروس، الزبيدي ١٥/
٢٠٠.
(٧) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ١٨٦/٣.
www. modoee.com
٣١٩

حرف الألف
الاستطاعة شرط التكليف
لقد كلفنا الشرع الحكيم بالعديد من
التكاليف، وأعطانا سبحانه وتعالى القدرة
على القيام بها، فهناك أشياء نحن مجبرون
عليها لا اختيار لنا بها، مثل: الأرزاق
والصحة، ومثل: عمل أجهزة الجسم،
فالقلب مثلًا نحن لا نستطيع إيقافه وتشغيله
متی نشاء، فهذه أمور بيد الله وحده.
أما التكاليف التي فرضت علينا من أوامر
ونواهٍ فقد جعل سبحانه وتعالى فينا القدرة
والاستطاعة على فعلها.
فالاستطاعة هي مناط التكليف بواجبات
الشريعة بعد العقل والعلم، فالعاقل العالم
بالحكم الشرعي لا يجب عليه الفعل إلا إذا
كان مستطیعًا قادرًا عليه(١).
فالاستطاعة التي هي مناط التكليف،
وحدها قدر المستطاع وهي المذكورة في
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ
أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ [آل عمران: ٩٧](٢).
قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَیْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ
سِّينَ مِسْكِينَا﴾ [المجادلة: ٤].
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (صل
قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع
(١) انظر: القضاء والقدر، عمر الأشقر، ص ٩٥.
(٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٣٢٥/٣.
فعلى جنب)(٣).
فبين الله سبحانه وتعالى المقدار الذي
كلف البشرية به، هو الاستطاعة الدائمة،
فنحن لا نكلف إلا المستطاع الذي لا
يشق أداؤه، وهذا هو المعنى الذي يتفق مع
الحقائق الإسلامية والسنن المروية الثابتة،
وإن أفضل الأعمال في الإسلام ما يدوم،
وما يمكن أن يستمر الشخص عليه من غير
إجهاد ومشقة.
فعن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت:
سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي
الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (أدومها
وإن قل) وقال: (تكلفوا من الأعمال ما
تطيقون) (٤).
وذلك لا يكون إلا في دائرة المستطاع.
فالحج فریضة علی کل مسلم ولكن ليس
أي مسلم، فليس كل عالم بفريضة الحج
يجب عليه أداؤه إلا المستطيع، فالاستطاعة
شرط أساسي للحج، وكذلك بقية واجبات
الدين ومنها الجهاد والصيام.
ومن الأدلة العامة في ذلك قوله تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ [البقرة:
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب،
٤٨/٢، رقم ١١١٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب القصد والمداومة على العمل، ٨ /٩٨،
رقم ٦٤٦٥.
٣٢٠
القرآن الكريم

الاجتماع
٢٨٦].
وقول النبي صلی الله عليه وسلم: (ما
نھیتکم عنه فاجتنبوه، وما أمر تكم به فأتوا منه
ما استطعتم) (١).
فإن لم يستطع المسلم سقط عنه
الواجب، ومنه قاعدة (لا واجب مع العجز،
ولا محرم مع الضرورة).
لكن إن كان الواجب المعجوز عنه له
بدل وجب الانتقال إلى بدله؛ فإن لم یکن له
بدل سقط، وإن عجز عن بدله سقط، مثال
ذلك: إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط
عنه وجوب التطهر بالماء، لكن ينتقل إلى
التيمم؛ فإن عجز سقط التيمم أيضًا (٢).
الله عليه وسلم: (يا أيها الناس عليكم من
الأعمال ما تطيقون)(٣).
ومن المعلوم أن الله عز وجل لا يكلف
ما لا يطاق؛ لأن هناك من هو عاجز لا يقوى
على أداء التكليف، فلا يكلف المقعد بأن
يصلي قائمًا، ولا يكلف المریض بالصيام،
ولا يكلف الأعمى بالجهاد والقتال، لخروج
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب توقيره صلی الله عليه وسلم، ٤ / ١٨٣٠،
رقم ١٣٣٧.
(٢) انظر: تفسير الفاتحة والبقرة، ابن عثيمين
٤٥٤/٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب فضيلة العمل الدائم
من قيام الليل وغيره، ١/ ٥٤٠، رقم ٧٨٢.
ذلك عن المقدور.
فالاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع،
ألفاظ متقاربة، وقال البعض: إن الاستطاعة
مع الفعل أو قبله، والصواب أنها نوعان:
نوع قبله وهو المصححة للتكليف التي هي
شرط فيه، ونوع مقارن له، فليست شرطًا في
التكليف وهو قول عامة أهل السنة، وهو
الوسط (٤).
وشرط الاستطاعة وجودها حقيقة لا
حكمًا، والمقصود بوجودها حقيقة: وجود
القدرة على الفعل من غير تعسر، ومعنى
وجودها حكمًا القدرة على الأداء بتعسر (٥).
والذي قاله عامة أهل السنة أن للعبد قدرة
وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى هي مناط الأمر والنهي وإلا لكانت أوامر الله
عز وجل ونهيه لا طائل منها تعالى الله عن
ذلك علوًا كبيرًا.
وأما الاستطاعة التي تتقدم الأفعال هي
القدرة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن
كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وهي مناط التكليف.
فأوجب الحج على المستطيع، فلو لم
يستطع إلا من حج لم يكن الحج قد وجب
إلا على من حج، ولم يعاقب أحدًا على ترك
الحج! وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من
(٤) انظر: شرح الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي،
ص ٤٣٣، الموافقات، الشاطبي ٢/ ٢٠٥.
(٥) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، ٣٣٢/١.
www. modoee.com
٣٢١

حرف الألف
دين الإسلام.
وكذلك قوله تعالى:
اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
فَانْقُوا اللَّهَ مَا
فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة،
فلو كان من لم يتق الله لم يستطع التقوى،
لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من
اتقى، ولم يعاقب من لم يتق! وهذا معلوم
الفساد(١).
والنوع الثاني: الاستطاعة التي تكون مع
الفعل، ويكون بها الفعل، فهذه ليست مناطًا
للتكليف؛ بل يمنحها الله لمن يشاء، وهي
التي تحصل بالتوفيق والهداية الخاصة،
وهي المنفية عن الكفار في مثل قوله
تعالى: ﴿مَا كَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ
يُبْصِرُونَ﴾[هود: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يوميٍ
لِلْكَفِرِينَ عَرْضًا ◌َ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِ غِطَآٍ عَن
ذِكْرِى وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠٠
- ١٠١](٢) .
وعدم الاستطاعة هنا ليس بظلم لهم بل
هي قمة العدل، إن القرآن العظيم بين أن هذا
الطبع وهذا الختم والإزاغة عن الحق لا
یأتي الإنسان إلا بسبب ذنب من ذنوبه، فهو
(١) انظر: شرح الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي،
ص ٤٣٤ - ٤٣٧.
(٢) انظر: تبيين الحقائق، الزيلعي ٢١١/٢،
شرح العقيدة الطحاوية، عبد الرحمن البراك،
ص٣٢٧.
جزاء وفاق على بعض الذنوب، فالعبد إذا
سارع إلى الكفر، وتكذيب الرسل - عليهم
السلام- وإلی ما یغضب الله عاقبه بأن زاده
ضلالًا فوق ضلاله، وظلامًا على ظلامه،
وجاءه هذا الطبع بسبب كفره وبغیه وتمرده
على الله عز وجل(٣).
فالشرع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية
إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى توابع
هذه الاستطاعة، فإن كان الفعل ممكنًا مع
مفسدة راجحة وضرر محتمل لم تكن هذه
استطاعة شرعية، كالذي يقدر على الحج مع
ضرر يلحقه في بدنه أو ماله، أو يصلي قائمًا
مع زيادة مرضه، فإن كان الشارع قد اعتبر
في المكنة عدم المفسدة الراجحة، فكيف
يكلف مع العجز؟!(٤).
وبهذا ندرك أن الله عز وجل الذي
خلقنا أعلم بقدرتنا ومدى استطاعتنا على
القيام بالتكاليف التي أمرنا بها، فهو عز
وجل لم يكلفنا بما هو فوق طاقتنا، ولم
يأمرنا بشيء لا نستطيع القيام به، فجعل
سبحانه للتكاليف التي أمرنا بها حدًا معينًا
وهي الاستطاعة، وإذا صدر التكليف
حين الاستطاعة ثم فقدت هذه الاستطاعة
حين الأداء، أوقف هذا التكليف إلى حين
الاستطاعة.
(٣) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٤ / ٣٩.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية، ابن تيمية ٤٩/٣.
٣٢٢
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الاجتماع
إذن هناك استطاعتان: الاستطاعة
المشترطة للفعل، وهي الاستطاعة الشرعية
وهي التي عليها مناط الأمر والنهي،
والثواب، والعقاب، وعليها يتكلم الفقهاء،
وهي الغالبة في عرف الناس.
أما الاستطاعة المقارنة للفعل الموجبة
له هي الاستطاعة الكونية، وهي التي عليها
مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود
الفعل.
ونستدل من الآيات السابقة:
١. هناك أمور لا خيار لنا فيها مثل الصحة
والرزق.
٢. الاستطاعة أوجدها الله عز وجل في
كل مسلم حسب قدراته لتأدية الأوامر
الشرعية.
٣. إن شرعنا الحكيم ييسر على العباد،
ویرید بهم الیسر ولا يريد بهم العسر،
وما جعل علينا في الدين من حرج،
والمريض قد يستطيع القيام مع زيادة
المرض وتأخر برئه، فهذا في الشرع
غير مستطيع، لأجل حصول الضرر
علیه، وإن كان قد یسمی مستطیعًا.
أنواع الاستطاعة
من فضل الله عز وجل على عباده أنه
جعلهم قادرين على أداء التكاليف التي
كلفوا فيها، وجعل فيهم الاستطاعة على
أدائها، وعذر من لم يستطع القيام بها، فإن
الله عز وجل لم يكلفنا ما لا طاقة لنا به ﴿لَا
يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وتتنوع الاستطاعة وتختلف أيضًا
من شخص لآخر كل حسب استطاعته،
والاستطاعة أنواع: استطاعة قلبية، واستطاعة
بدنية، وأخرى مالية.
أولًا: الاستطاعة القلبية:
إن الذي يتحكم فيما يحققه الإنسان،
ومدى إقباله على الشيء أو إدباره منه
شيء واحد وهو الاستطاعة القلبية، وهي
الاستطاعة النابعة من الذات فإن بها يتميز
الناس في سلوكهم و مع الله -سبحانه
وتعالى- وعبادتهم له عز وجل، وإن الشارع
الحكيم لم يحمل الناس على شيء خارج
قدرتهم واستطاعتهم خصوصًا في بعض
الأمور، مثل: الجهاد مع الأعداء والجهاد
مع النفس والصبر والعدل وغير ذلك.
ففي جهاد الأعداء يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ
لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ [الأنفال:
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الألف
٦٠].
وَأَنْفِقُواْ خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُعَّ
لقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].
هنا بالقدرة على الرمي (١).
ولكن الجهاد أيضًا يحتاج إلى الاستعداد
النفسي، فالجهاد والموت في سبيل الله،
وترك الأهل والدنيا بملذاتها، يحتاج إلى
قدرة كبيرة لفعل ذلك، وهذه القدرة متباينة
من شخص لآخر؛ لذلك قال تعالی: (ما
استطعتم) فكلٌّ حسب طاقته وقدرته القلبية.
وكان لنا في سيدنا عثمان بن عفان أسوة
حسنة في قدرته على التخلي عن الغالي
والنفيس في سبيل الله، وترك كل أمواله
تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه
وسلم في أشد الأوقات صعوبة (٢).
والتضحية بالروح أيضًا قدرات تتفاوت
من شخص لآخر فکل حسب استطاعته.
وفي الجهاد مع النفس يقول تعالى:
فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمُ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه
ثم نسيه، ١٥٢٢/٣، رقم ١٩١٧.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
باب في مناقب عثمان بن عفان رضي الله
عنه، ٦٢٦/٥، رقم ٣٧٠١، والحاكم في
المستدرك، كتاب معرفة الصحابة رضي الله
عنهم، باب ذكر مقتل أمير المؤمنين عثمان بن
عفان رضي الله عنه، ٣/ ١٠٧، رقم ٤٥٥٣.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم
يخرجاه.
وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
فجاءت هذه الآية موضحة لقوله تعالى:
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
حيث إن فيها تخفيفًا ويسرًا على العباد،
وإن جهاد النفس له درجات، لذا لم يقع
التحديد بهذا القياس بل وقع التحديد
بالاستطاعة(٣).
عن السدي قال: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُوا
اُللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل
عمران: ١٠٢]. فلم يطق الناس هذا، فنسخه
الله عنهم، فقال: ﴿فَأَنَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾
[التغابن: ١٦](٤).
وفي رأي آخر: هي محکمة لا نسخ فيها،
قال ابن عباس: ((قوله تعالى: ﴿أَثَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أنها لم تنسخ،
ولكن حق تقاته أن يجاهد لله حق جهاده،
ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا
لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم
وأبنائهم»(٥).
والراجح أنه لا نسخ فيها حيث إن الآية
الثانية موضحة وشارحة للأولى ولا تعارض
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٦٨، التفسير
الوسيط، مجمع البحوث ١٠/ ١٤٥٥.
(٤) جامع البيان، الطبري ٧ / ٦٩.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٤٤/١٨.
مُوسُو ◌َر النفسي
القرآن الكريم
٣٢٤

الاجتماع
في فهمها.
إن البشر لا بد أن يؤخذوا بالتدرج في
أمورهم كلها، فهم لا يستطيعون الامتناع
فجأة عما ألفوا، ولا الامتثال الفوري لما لم
يعتادوا، لذلك كانت حكمة الله عز وجل
في التدرج في الأحكام الشرعية حتى يتعدى
القلب وينفذ بكل خضوع لأوامره سبحانه
وتعالى، ومثال ذلك: التدرج في تحريم
الخمر؛ إذ نزل على أربع مراحل، وكذلك
التدرج في فرض الصلاة والصيام، وكان
على مراحل أيضًا.
ولعلمه عز وجل بطبيعة من خلق من
البشر، وحكمته في التشريع لهم؛ شرع
للفرائض البدنية مقدمات تكون قبلها إذا
حافظ المكلف عليها فإنها تهيئ قلبه وتعينه
عليها، وتجعله يشعر بلذة العبادة؛ ذلك
أن القلوب والأبدان تحتاج إلى ترويض
وتدريب على فعل الطاعات، والبعد عن
المحرمات، وينبغي تهيئتها لذلك حتى تجد
لذة في الامتثال؛ ولئلا يكون فعل الطاعة أو
الكف عن المحرم ثقيلاً علیھا.
ففي الصلاة شرع الله تعالى الوضوء،
وجعله شرطًا لها، وشرع التبكير إلى
المسجد، والمشي إليه بسكينة ووقار،
والدنو من الإمام، وجعل ذلك من سننها،
بل یحسب ذلك صلاة له، وفي الحديث
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(لا يزال أحدكم في صلاةٍ ما دامت الصلاة
تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا
الصلاة)(١).
كل هذه الأعمال لأجل أن تكون لدى
المصلي الاستطاعة القلبية لأداء الصلاة
بخشوع وطمأنينة.
وفي نسك الحج والعمرة يتهيأ المسلم
قبل أداء هذه المناسك ليستطيع قلبه التلذذ
بهذه الشعائر وذلك عن طريق السفر
الطويل، واتخاذ ملابس أخرى للنسك غير
ملابسه التي اعتاد عليها، ويلبي في الميقات،
ويستمر مهللًا في طريقه إلى مكة، فلا
يدخلها إلا وقد تهيأ قلبه لأداء نسكه، وامتلأ
خشوعًا وشوقًا لبيت الله الحرام.
إن كل عمل يريد صاحبه أن يحقق نجاحًا
فیه فإنه يحتاج إلى قناعة به، واستعداد نفسي
له، وقدرة قلبية وجسدية على تحقيقه،
والتهيئة النفسية والذهنية والجسدية للعمل
الصالح في رمضان قبل دخوله سبب
لقوة العزم، والجد في استثمار رمضان،
والاجتهاد في أنواع الطاعات.
لذا كان الصيام في شهر شعبان مقدمة
تهيئ المكلف لصيام رمضان، فلا يدخل
علیه رمضان إلا وقد روض نفسه على الكف
عن الحرام، وألف الصيام والقرآن وكثرة
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة
وانتظار الصلاة، ١/ ٤٦٠، رقم ٦٤٩.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف الألف
الذكر والصلاة، فيستشعر حينها عظمة هذه
العبادة، وذلك لأن القلوب قد تهيأت فلا
تصاب بالملل والتعب من هذه العبادة (١).
والعدل من الأمور التي تحتاج إلى
استطاعة قلبية لتحقيقه على أرض الواقع،
وهذه الاستطاعة ليس لها حد معين، فلكل
شخص حده الذي يستطيع الإتيان به،
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيمُواْ
أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ اَلْنِسَلِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ
تَمِيلُواْ كُلَ اَلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِّ
وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩].
الحديث في هذه الآية عن زواج التعدد
فقد نفى الله عز وجل الاستطاعة في العدل
دون الأخرى وإذا تحول قلب الرجل عن
المرأة لا يعطيها حقها في الفراش، هذا
معنى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا)، المقصود
به المحبة القلبية والفراش؛ لأن هذا فرع على
عمل القلب، فالإنسان إذا كره بقلبه لا يمكن
للجوارح أن تأتي بخلاف ما في القلب لكن
المطلوب العدل في القسمة والنفقة وهذا
في المستطاع وليس للقلب علاقة به (٢).
(١) انظر: صفحات رمضانية، عبد الكريم
العمري، ص٥٨.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٨٤، تفسير
السمر قندي ١/ ٣٤٤، الهداية، مكي بن أبي
طالب ١٤٨٩/٢، الجامع لأحكام القرآن،
فعدم الاستطاعة المقصود بها هنا العجز
القلبي، وشيء طبيعي جدًا أن الإنسان لا
يسأل عن هذا العجز القلبي؛ لأن التسوية
في المحبة وميل القلب ليست بمقدور
الإنسان، عن عائشة رضي الله عنها، قالت:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم
فيعدل فيقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك،
فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)(٣).
إن كان هذا هو حال رسول الله صلى
الله عليه وسلم المعصوم فما هو حال
عامة البشر فهذا دليل على استيلاء النقص
والقصور على جملة البشر، والقلوب ليست
بأيدينا، إنما هي بيد الرحمن عز وجل، كما
قال صلی الله عليه وسلم: (إن قلوب بني
من قبل الرجل، فلابد أن يميل قلبه لواحدة آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن،
کقلب واحد، یصرفه حیث یشاء).
ثم قال رسول الله صلی الله عليه وسلم:
(اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على
طاعتك)(٤).
والاستطاعة القلبية مطلوبة من الداعية
القرطبي ٥ / ٤٠٧.
(٣) أخرجه الدارمي في سننه، كتاب النكاح،
باب في القسمة بين النساء، ١٤١٦/٣،
رقم ٢٢٥٣، والحاكم في المستدرك، كتاب
النكاح، ٢٠٤/٢، رقم ٢٧٦١.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
مسلم، ولم يخرجاه.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر،
باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء،
٢٠٤٥٩/٤، رقم ٢٦٥٤.
٣٢٦
جوسبق
القرآن الكريم

الاجتماع
إلى الله عز وجل في معترك الحياة الدعوية،
حيث يجب أن تكون له قدرة على الصبر
على مشاق الدعوة وصعوباتها وألا يستسلم
بسهولة ويأتي منها قدر استطاعته.
وها هو سيدنا شعب عليه السلام
يقول لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ
أَنْهَمُكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا
أَسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨].
عليه السلام ليس قادرًا على إجبارهم على
الطاعة ولا يريد إلا فعل الصلاح ما استطاع
فهو بشر وله حد لطاقته وتحمله مشاق هذه
الدعوة العظيمة (١).
قال القرطبي في هذه الآية: «أي: ما أريد
إلا فعل الصلاح، أي: أن تصلحوا دنياكم
بالعدل وآخرتكم بالعبادة، وقال: ﴿مَا
أَسْتَطَعْتُ﴾ لأن الاستطاعة من شروط الفعل
دون الإرادة. و ((ما)» مصدرية، أي: إن أريد
إلا الإصلاح جهدي واستطاعتي))(٢).
والصبر خلق عظيم وهو من صفات
الأنبياء عليهم السلام وهو يحتاج إلى
استطاعة قلبية على التحمل والتجمل به في
كل جوانب الحياة، سواء كان الصبر على
الطاعة أو الصبر على المعصية.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٪
٣٤٤، النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٤٩٧،
أنوار التنزيل، البيضاوي ٣/ ١٤٥.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٩ / ٩٠.
وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام مع
الخضر لدليل على أن التعلم يحتاج إلى
الصبر الذي يحتاج بدوره إلى استطاعة قلبية
لممارسته، حيث طلب موسى عليه السلام
اتباع الخضر للتعلم منه فما كان رد الخضر:
﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف:
٦٧].
يريد أنه يرى منه أمورًا لا يقره عليها
أي: بقدر طاقته، إبلاغهم وإنذارهم، فهو والخضر لابد من أن يفعلها، فيتضايق
موسی لذلك ولا یطیق الصبر، وعلل له عدم
استطاعته الصبر بقوله:
عَلَى مَا لَوْ
وَكِيْفَ تَصْبِرُ
تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ [الكهف: ٦٨].
قال الخضر لموسى إنك يا موسى إذا
اتبعتني ورافقتني، فلن تستطيع معي صبرًا،
بأي وجه من الوجوه؛ لأن الصبر على
المجهول من الصعب بمكان (٣).
وفعلا لم يصبر سيدنا موسى صلى الله
عليه وسلم على أفعال العبد الصالح.
فکان في كل مرة ينبهه لما قاله له سابقًا
﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرً﴾
[الكهف: ٧٢].
قَالَ أَلَّمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ
صَبْرًا ﴾ [الكهف: ٧٥].
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨١/٥.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف الألف
ثانيًا: الاستطاعة البدنية:
هي سلامة الجسد عن الآفات المانعة من
التكليف، والمراد منها استطاعة التكليف:
وهي سلامة الأسباب ووسائل الوصول
لتحقيق التكليف (١).
وهي مشترطةٌ في وجوب الواجبات
البدنية، كوجوب الطهارة، وأداء الصلاة على
الوجه الأكمل، وفي الصوم، وفي الحج،
وفي النذر البدني كالصلاة والصوم، وفي
الكفارات البدنية كالصيام، وفي النكاح،
وفي الحضانة، وفي الجهاد.
قال تعالى: ﴿فِيهِ مَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِلَهِيمٌ
وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنَا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ
مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ
اٌلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
أجمع العلماء على أن الاستطاعة
البدنية شرط لوجوب العبادات، فالقيام
للصلاة ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا
به للمستطيع، أما المريض الذي لا يقدر
على القيام فيسقط عنه هذا الركن ويستطيع
الصلاة وهو جالس فإن لم يستطع وهو
مضجع فالدين الإسلامي دین یسر.
والحج فريضة واجبة على المسلمين
لمن استطاع، وفسر علماء الأمة على أن
الاستطاعة هنا استطاعة مالية واستطاعة
(١) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي ٣/
٢٠٨٢.
بدنية (٢).
عن ابن عباس رضي الله عنه (أن امرأة
من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة
الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا
كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة،
أفأحج عنه؟ قال: نعم)، وذلك في حجة
الوداع(٣).
قال الشافعي رحمه الله أن أمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم للمرأة الخثعمية
بالحج عن أبيها، دلت على أن قول الله عز
وجل: ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:
٩٧].
على معنيين:
الأول: أن يستطيع الحج بنفسه وماله.
والثاني: أن يعجز عنه بنفسه بسبب أمر
عارض كالكبر، أو المرض، أو إعاقة جسدية
لا يقدر معها على الثبوت على المركب
والسفر، ويكون من يطيعه إذا أمره بالحج
نيابة عنه، إما بمقابل شيء يعطيه إياه وهو
قادر على ذلك، وإما بغير شيء وهذه إحدى
الاستطاعتین (٤).
واختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿مَنِ
اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ [آل عمران: ٩٧].
(٢) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني، ٧٣٩/٢.
(٣) صحيح البخاري: كتاب جزاء الصيد، باب
الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة،
١٨/٣، رقم ١٨٥٤.
(٤) انظر: الأم، الشافعي ٢/ ١٣٢.
٣٢٨
القرآن الكريم

الاجتماع
نعلم خبرًا ثابتًا عن النبي صلى الله عليه
وسلم ولا إجماعًا لأهل العلم يوجب أن
نستثني من ظاهر الآية، فعلى كل مستطيع
الحج یجد إليه السبيل بأي وجه كانت
الاستطاعة الحج على ظاهر الآية (١).
وقال بعض العلماء: إن الاستطاعة هي
صحة وقوة الجسد(٢).
هناك حدیثٌ عن الاستطاعة البدنیة حیث لم
يستطيعوا تسلق الجدار ولا نقبه من أسفل.
قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ
وَمَا اسْتَطَعُوْ لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧].
هذا السد الذي تم بناؤه بمساعدة
مجموعة من الضعفاء، وكان بناء هذا السد
بصورة قوية تحدت طاقة العدوان في كل
من يأجوج ومأجوج، وقد حاول كل منهما
أن یصعد فوق السد لیتغلب علیه، ولكنه كان
فوق طاقة كل منهما فلم يستطيعا اختراقه(٣).
وقال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَنْ
ولكن سيأتي اليوم الذي يستطيع فيه كَانَ مِنكُم مَِّيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَهِدَّةٌ مِّنْ
يأجوج ومأجوج من اختراقه، كما حدثنا أَيَّامٍ أُخَرُّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّةٌ، وَأَن تَصُومُواْ
فعن زينب بنت جحش زوج النبي صلى خَيْرٌلَكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ٢٧٤.
(٢) انظر: الاستذكار، ابن عبد البر ٤ /١٦٥، نيل
الأوطار، الشوكاني ٣٤١/٤.
(٣) مختصر تفسير ابن كثير، الصابوني ٢/ ٤٣٦، (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن،
باب يأجوج ومأجوج، ٦١/٩، رقم ٧١٣٥.
تفسير الشعراوي، ٨ / ٤٨٧٢.
www. modoee.com
٣٢٩
فقالت طائفة: الآية على العموم؛ إذ لا الله عليه وسلم قالت: استيقظ النبي صلى
الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه
وهو يقول: (لا إله إلا الله ويل للعرب من
شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج
ومأجوج مثل هذا، وحلق بأصبعيه السبابة
والإبهام)، قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا
الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث) (٤).
والصوم يحتاج الى استطاعة بدنية كي
وفي سياق قصة يأجوج مأجوج كان يستطيع الإنسان الاستمرار بالصيام دون أن
يكون هناك مشقة أو ضرر يمسه، فإن الله عز
وجل لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والصيام
استطاعة بدنية محضة.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّاً فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ
فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينَاً﴾ [المجادلة: ٤].
أي: من لم يستطع صوم الشهرين الذي
هو استطاعة بدنية لعذر من الأعذار فليطعم
ستین مسکینًا.
اختلف علماء المسلمين في هذه الآية
بين نسخ وعدمه، فقيل: إن الآية تتحدث

حرف الألف
عن المريض الذي يقع عليه اسم المرض
وهو يستطيع الصوم خُيِر بين الصيام وبين أن إما لكبر سن أو مرض لا يرجى برؤه (٤).
یفطر ویفتدي ثم نسخ.
وذهب جماعة منهم: أن الآية محكمة
غير منسوخة، ومعناها وعلى الذين كانوا
يطيقونه في حال الشباب، ثم عجزوا عنه
عند الكبر فعليهم الفدية بدل الصوم(١).
قال بعض المفسرين: إنها ليست
بمنسوخة والمقصود هو الشيخ الكبير
والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما
فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا، والفدية
والجزاء هو القدر الذي يبذله الإنسان،
يقي به نفسه من تقصير وقع منه في عبادة
ونحوها، ويجب على من أفطر في رمضان
ولم يقدر على القضاء، لکبر أو مرض لا
یرجی برؤه أن یطعم مکان کل یوم مسکینًا
مدًا من غالب قوت أهل البلد(٢).
وعن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ
طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم
ضعف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم
مسکینًا (٣).
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ١١١.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٠٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَنْ
كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِذَةٌ مِّنَ أَيَّامٍ
فمعنى يطيقونه: يتحملونه بمشقة كبيرة
فعلى تفسير الإطاقة بالجهد فالآية مراد
منها الرخصة على من تشتد عليه مشقة
الصوم في الإفطار والفدية، وقد سموا من
هؤلاء: الشيخ الهرم، والمرأة المرضع،
والحامل، فهؤلاء يفطرون ويطعمون عن
كل يوم يفطرونه؛ لأن الصوم شاق عليهم (٥).
وللمريض حالتان: إن كان لا يستطيع
الصوم كان الإفطار له عزيمة، وإن كان يطيقه
مع تضرر ومشقة کان رخصة، وإن الله يحب
الأخذ بالرخص، وبهذا قال الجمهور(٦).
حين طلب بنو اسرائيل من نبيهم ملكًا
يقاتلون تحت إمرته، بعث الله عز وجل لهم
طالوت، وسار بهم بجانب النهر طلب منهم
ألا يشربوا منه، باستثناء غرفة باليد، أطاعه
عدد وعصيه الأغلب؛ لأن الطاقة الجسدية
لديهم لم تتحمل الجوع والعطش والتعب،
فكانوا فريقين فريق تحمل واستطاع تنفيذ
الأمر، وفريق لم يستطع، ولما جاوز
طالوت النهر وتركه هو والذين آمنوا معه،
وهم القليل الذي نفذ أمره، وصدق إيمانهم
بربهم، ونظروا إلى كثرة عدوهم وهم قليلون
فأوجس بعضهم خيفة، وقالوا: لا قدرة لنا
أُخرَ﴾، ٢٥/٦، رقم ٤٥٠٥.
(٤) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١ / ١٦٠.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ١٦٦.
(٦) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١/ ٢٠٧.
مَوَسُولَةُ الْبَسيد
القرآن الكريم
٣٣٠

الاجتماع
على محاربتهم، فضلًا عن غلبتهم(١).
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ, هُوَ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَدُ، قَالُواْ لَا طَاقَةً
لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهٍّ، قَالَ أَلَّذِينَ
يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ كَم مِّنْ فِتَهِ
قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِشَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللّهُ مَعَ
الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وإن كان القائلون من المؤمنين معه،
المنفذين لأمره في اغتراف الغرفة الواحدة
من النهر، إلا أنهم قالوه إنما إظهارًا لواقع
الحال، ورجاء المعونة من الله عز وجل،
وليس نكوصًا وامتناعًا عن القتال(٢).
ورأي آخر أنهم قالوه خيفة وجبنًا بعدما
رأوا عدد وقوة العدو، أن كيف سيطيقون
النصر عليهم وعلى كثرتهم(٣).
فردت عليهم الفئة الواثقة بنصر الله،
والمخلصة منهم الذين تيقنوا لقاء الله
وتوقعوا ثوابه:
﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ
كَمْ مِّن فِتَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً
بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
والمراد منه تقوية قلوب الذين قالوا لا
(١) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن كثير ٥٠٩/١،
أنوار التنزيل، البيضاوي ١ / ١٥١.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٥١٣،
التفسير الوسيط، مجمع البحوث ١/ ٤٢٤.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/
٢٥٥.
قدرة لنا على قتالهم والنصر عليهم، ليعرفوا
أنما العبرة ليست بكثرة العدد، إنما العبرة
بالتأييد الإلهي، والنصر السماوي الذي لا
يأتي إلا من عند الله.
ثالثًا: الاستطاعة المالية:
والاستطاعة المالية: هي قدرة الشخص
في القيام بأداء الواجبات المالية، مثل:
الزكاة، وصدقة الفطر، والهدي في الحج،
والنفقة، والجزية، والكفارات المالية،
والنذر المالي، والكفالة بالمال، والإنفاق
في سبيل الله.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا لَلَيْوَةُ الدُّنْيَا
لَعِبٌ وَلَهُوْ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِّكُمْ أُجُورَكُمُ
وَلَا يَسْئَلَكُمْ أَقَوَلَكُمْ ٦ إِن يَسْتَلْكُمُوهَا
فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَنَكُرْ
هَأَنتُمْ هَوَّلَاءِ تُدْعَوْنَ لِنُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
فَمِنكُمْ مَّن يَبْخَلَّ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن
نَّفْسِيٍّ وَاللهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا
يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾
[محمد: ٣٦ - ٣٨] (٤).
قال الله تعالى:
حِجْ
عَلَى النَّاسِ.
وَلِلَّهِ
اَلْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ
غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
الحج هو فرضٌ واجبٌ لله على من
استطاع من أهل التكليف السبيل إلى حج بيته
(٤) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي ٣/
٢٠٨٣.
www. modoee.com
٣٣١

حرف الألف
الحرام، ولقد فسر علماء التفسير المقصود تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج (٤).
وفي سياق الحديث عن النفقة تتحدث
بالاستطاعة هنا -بالإضافة إلى الاستطاعة
البدنية - بالاستطاعة المالية، فتشمل البدن
والمال والراحلة والطريق، حتى يتمكن
المسلم من أداء فريضة الحج(١).
الآية التالية عن الاستطاعة المالية في مقدار
الإنفاق عليهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ
أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ
وَعَلَى الْمَلُودِ لَُّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمعْرُوفِ، لَا تُكَلَّفُ
نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَاْ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وعن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله
تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ
مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[آل عمران: ٩٧].
قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: (الزاد
والراحلة)(٢).
كذلك يدخل ضمن الاستطاعة المالية
أن يكون معه نفقته ونفقة عياله ومن تلزمه
نفقتهم وكسوتهم لذهابه ورجوعه، وألا
یکون عليه دين(٣).
المريض والمقعد
فلا حج على
والمفلوج والأعمى وإن وجد قائدًا، والشيخ
الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه،
والمحبوس، والممنوع من قبل السلطان
الجائر عن الخروج إلى الحج؛ لأن الله
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٤٧٣، تأويلات
أهل السنة، الماتريدي ٢/ ٤٣٢.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الحج، باب
ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة،
١٦٨/٣، رقم ٨١٣، والحاكم في المستدرك،
كتاب المناسك، ١/ ٦٠٩، رقم ١٦١٣.
قال الترمذي: حديث حسن.
وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط
الشیخین، ولم يخرجاه.
(٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١/ ٤٧٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ٣٠٣/٨.
وبما أن نفقة الولد تجب على والده
بحكم الشرع، ونظرًا إلى أن تغذية ابنه
الرضيع لا تتم إلا عن طريق الرضاعة التي
تقوم بها والدته، أو من ينوب عنها في
إرضاعه، فقد أوجب الله عز وجل على والد
الرضيع أن ينفق على والدته أو مرضعته من
غير تقتير ولا إسراف، في حدود استطاعته
وعلى قدر حاله من سعة أو ضيق.
ويشمل الإنفاق كل ما يلزم لمعيشتها
وكسوتها من غير تفريط ولا إفراط، ويظهر
وجه الحاجة إلى لزوم هذه النفقة بالنسبة
للأم التي طلقها الأب قبل ولادة الطفل(٥).
فمن سنته سبحانه وتعالى أن لا يكلف
عباده في جميع التكاليف إلا بما يطيقونه
ويقدرون عليه كي لا يتذمروا ويمتنعوا
وتكون عاقبتهم وخيمة.
(٤) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، صادر عن:
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ٣، ٣٣١.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/
١٦٣، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/
٢٣٠.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريم
٣٣٢

الاجتماع
وقال تعالى: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم
مِّنِ وُجْدِكُمْ وَلَا نُضَارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيِْنٌّ وَ إِنٍ كُنَّ
أُوْلَتِ حْلٍ فَأَنْفِقُوْ عَلَتِهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حْلَهُنَّ فَإِنْ
أَرْضَعْنَ لَكُنْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنٍّ وَأَتَمِرُواْ بَتْنَكُم بِمَعْرُوفٍ
وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُهُ أُخْرَى لِنُفِقْ ذُو
سَعَةٍ مِّنِ سَعَتِةٍ وَمَن قُدِرَ عَلَيَّهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّآ
ءَائَنَّهُ اَللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنهَا سَيَجْعَلُ
اَللَّهُ بَعْدَ عُسْرِيُسْرًا﴾ [الطلاق: ٦ - ٧].
يتحدث عز وجل في هذه الآية عن قضية
إرضاع الطفل من أمه بعد الطلاق وطلبها
للأجرة، فتحث الآية الكريمة الزوج على
النفقة على الزوجة والأولاد على قدر ما آتاه
الله من المال، فقد علم - سبحانه - تفاوت
أحوال خلقه بالغنى والفقر، وأن منهم
الموسع والمقتر وبين ذلك، فأمر كلّا أن
ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده
على قدر ميسرته لا يكلف الله نفسًا إلا ما
آتاها فإنه تعالی لا یکلف نفسا إلا وسعها،
وفي هذه الآية تطييب لقلب المعسر؛ ولذلك
وعد له باليسر، فقال:
ل الله بعد عسر
سَبـ
يُتْرًا ﴾ [الطلاق: ٧].
فالحديث في هذه القضية عن الاستطاعة
المالية(١).
وقد علل المنافقون عدم خروجهم
للقتال مع رسول الله عز وجل بعدم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥/ ٤٤، ٤٥، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٥/ ٢٢٢، لباب التأويل،
الخازن ٤ / ٣١٠.
الاستطاعة المالية.
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا
قَاصِدًا لَّأَتَبَعُوكَ وَلَكِنَّ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّغَّةُ
وَسَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ لَوِ أَسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا
مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ ﴾ [التوبة: ٤٢].
تخلف المنافقون عن القتال مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم في معركة تبوك
وكانت حججهم واهية ضعيفة، حيث عللوا
عدم الخروج بعدم وجود الإمكانات المادية
للقتال، والله عز وجل يعلم نفاقهم، وبین
كذبهم بأنه إن كانت الشقة قريبة، والمغانم
دانية، أخذوا مكانهم في صفوف المسلمين
من أجل عرض فان في الدنيا وما تذرعوا
بعدم وجود المال(٢).
وليست هذه سبيل المؤمنين المجاهدين
ولا غاياتهم، وإنما سبيلهم قائمة على نية
منعقدة أبدًا على الجهاد والاستشهاد في
سبيل الله عز وجل، ومن كانت تلك سبيله،
وهذه غايته، فإنه لا ينظر إلى مغنم وكسب
مادي، وإنما همه الأكبر وغايته القصوى
الانتصار لدين الله، وإعزاز كلمة الله عز
وجل.
وفي الحديث عن الفقراء الذين لم
يستطيعوا القتال بسبب فقرهم وقلة ذات
اليد يقول عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤١٢/٢.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف الألف
أُخْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِلَا يَسْتَطِيعُونَ
ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ
أَغْنِيَآءُ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا
يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ
خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
الأ
فسر العلماء قوله تعالى:
يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾
[البقرة: ٢٧٣] يعني التجارة(١).
فهم قد حبسهم الفقر وعدم الاستطاعة
المالية عن الجهاد، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا
عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ﴾
[التوبة: ٩١].
ويحتمل قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ
أُحْصِرُ واْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
أي: حبسوا أنفسهم في طاعة الله، لا
يجدون ما يتجرون، ولا ما يحترفون، ولا ما
یکتسبون.
وقيل المقصود ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ
أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: النفقة
والصدقة للفقراء الذين حبسوا أنفسهم في
طاعة الله، وهم أصحاب الصُّفَة كانوا نحوًا
من أربعمائة رجل، جعلوا أنفسهم للطاعة،
٠
وتركوا الكسب والتجارة (٢)
وقال ابن عباس: ((هؤلاء قوم من
المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥ / ٥٩٣.
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٢/
٢٦٦.
في سبيل الله، فعذرهم الله فقال:
يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾
[البقرة: ٢٧٣] يريد: الجهاد)) (٣).
قال قتادة: إنهم هم هؤلاء حبسوا أنفسهم
على الجهاد في سبيل الله، لا يستطيعون
ضربًا في الأرض، تركوا الخروج للتجارة
والمعاش، ووقفوا أنفسهم على الحرب، لا
يتفرغون للتجارة وطلب المعاش، وهم أهل
الصفة (٤).
وقيل: حبسوا أنفسهم على طاعة الله عز
وجل.
وقيل: حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد
في سبيل الله(٥).
وقيل: هؤلاء قوم أصيبوا بجراح مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد
في سبيل الله، فصاروا لا يقدرون على
القتال أحصرهم المرض الضرب في سبيل
الله للجهاد (٦).
إن النصر على أعداء الله يحتاج إلى
إعداد جيش قوي بعدده وعدته، أخذًا
بالأسباب، وهذا الإعداد يحتاج إلى قوة
مالية؛ لكي يتمكن الجيش من شراء المعدات
اللازمة لتكوين أي جيش، وفي هذا السياق
يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٦٨.
(٤) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ١/ ٢٧٧.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٣٨٨.
(٦) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١ / ٣٧٧.
مَشَبُو ◌َرُ الْتَّخِّ
القرآن الكريم
٣٣٤