Indexed OCR Text
Pages 21-34
الاستئذان وَأَوْرَفَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَقْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَُّوهَاً وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢٦-٢٧]. ومفاد الآيتين الكريمتين أن الله تعالى قد أورث المؤمنین الأرض التي کان يهود بني قريظة يسكنونها، وذلك عقب غزوة بني قريظة والتي كان سببها خيانة بني قريظة للرسول صلى الله عليه وسلم وتآمرهم مع الأحزاب ضد المسلمين، وبالتالي فإن فساد بني قريظة أدى إلى انتزاع أرضهم منهم، وتوريثها للمؤمنين الصالحين. ومن الشواهد أيضًا قوله تعالى: ﴿تِلْكَ اَلْنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَفِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]. ومفاد هذه الآية الكريمة أن العبد التقي هو الذي يحصل على الإقامة والخلود في الجنة(١). ٢- قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَّمْ دِينَهُمُ الَّذِ آَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّاً يَعْبُدُ ونَفِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. تتحدث هذه الآية الكريمة عن الوعد الإلهي للمؤمنين الثابتين على دينهم (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٤٦/٣. المداومين على عمل الصالحات بالتمكين في الأرض، وقد یکون التمکین للأفراد كما حصل لنبي الله تعالى يوسف. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ اُلْأَرْضِ بَتَبُوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءٌ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦]. وقد يكون للجماعات كما حدث مع الرسل وأتباعهم من المؤمنين لما صبروا على أذى الكافرين لهم. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِحَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَاً أَوْ لَتَعُدُنَّ فِي مَِّتِنَا فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَتُهُلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴿ وَلَنُسْكِنَنْكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٣ - ١٤]. سادسًا: السعي في الأرض: من عناية الله تعالى بمن خلق على هذه الأرض أن جعلها ممهدةً مذللةً لهم. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَّكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِنْ رِّزْقِهٌِ وَإِلَيْهِ التُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]. وأمر الإباحة الذي وجهه الله تعالى لعباده بقوله: فامشوا في مناكبها، عقب منه سبحانه علیهم بتذلیله الأرض لهم فيه بيان ارتباط التذليل للأرض بإمكانية المشي www. modoee.com ٢٢٥ حرف الألف والسعي فيها، فتذليل الأرض يسر للعباد السعي فيها والتنقل بين أرجائها، وبما أن الله تعالی قد خلق العباد على هذه الأرض وأسند إليهم مهمتي العبودية والاستخلاف، فلابد أن يكون سعيهم في الأرض مقيدًا بما يرضي الله تعالى. وقد أثنى الله تعالى على الذين يسعون في الأرض لينشروا فيها الخير والفضيلة، وفي المقابل ذم الذين يسعون فيها لنشر الفساد والرذيلة، وفيما يأتي عرض لبعض الآيات التي مدحت السعاة للخير، وذمت السعاة للشر: أولًا: من الآيات التي امتدحت السعاة في الأرض بالخير. قال تعالى: ﴿وَجَّةُ مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ [يس: ٢٠]. تذكر هذه الآية الكريمة حكاية رجل صالح أتى قومه ناصحًا لهم بأن يتبعوا هدي رسل الله تعالی، ویؤمنوا بربهم جل وعلا، فكانت عاقبته أن أكرمه الله بدخول الجنة جزاء سعیه بالخير. قال تعالى: ﴿قِيلَ أَدْخُلِ اَلْجَنَّةٌ قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِ يَعْلَمُونَ ﴾ بِمَا غَفَرَ لِ رَبِ وَجَعَلَنِى مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦، ٢٧]. قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأَوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. وتتحدث هذه الآية الكريمة عن العاملين في هذه الدنيا خيرًا، وشكر سعيهم يكون بقبول حسناتهم، والتجاوز عن سيئاتهم(١). قال تعالى في شأن المصلحين في الأرض: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِ أَصْحَبٍ أَلْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]. ثانيًا: من الآيات التي ذمت السعاة في الأرض بالشر. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّوْاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اُللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَاً وَلَهُمْ فِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ﴾ الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. تتحدث هذه الآية الكريمة عن صنف ذمیم من الناس، وهؤلاء هم الذين يحاربون أولياء الله تعالى، ويقطعون عليهم الطريق، فيروعونهم ويسلبونهم ويقتلونهم، وهؤلاء قد جعل الله تعالى لهم عقوبة في الدنيا وتتمثل في حد الحرابة، كما جعل لهم عقوبة في الآخرة وتتمثل في عذاب النار العظيم، وما ذلك إلا جزاءً على سوء سعيهم في الأرض(٢). (١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢٢٩/٣. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٢٩. ٢٢٦ القرآن الكريم الاستئذان قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيُهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيَدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَلَهُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيْكَ مُفْيَنًا وَكُفْرَا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَّةَ وَالْبَعْضَآَّةَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرَّبِ أَطْفَأَهَا الََّّ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]. تتحدث هذه الآية الكريمة عن طغيان اليهود في الأرض، فهم الذين أساؤوا إلى ربهم جل وعلا، فنسبوا لله تعالى البخل على الرغم من أنهم يعيشون على أرضه، ويتقلبون في نعمه،كما تجاوزوا ذلك إلى نشر الفتن، والسعي في الأرض فسادًا، وهذا ما أدى إلى حلول الغضب الإلهي عليهم. الأرض بين النعيم والعذاب خلق الله تعالى الأرض لينعم الناس بالعيش عليها، مع العلم بأن العيش الطيب مشروط بالمداومة على الإخلاص في العبادة لله تعالى، والإحسان في العمل وفق ما أمر جل وعلا، يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْيِيَنَّهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وعلى الرغم من معرفة الناس لهذا الأمر إلا أن كثيرًا من الناس أعرضوا عن ذكر ربهم، فسلط الله تعالى عليهم المعيشة الضنك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ، مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَحْشُرُهُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. ومن الناس من تمادوا في ظلمهم وطغیانهم حتی حق علیهم عذاب الله تعالی، فأزال الله تعالى ما بهم من نعمة وأهلکھم، وفيما يأتي نصوص من القرآن تؤكد حصول النعيم للمتقين، والعذاب للمفسدين: أولًا: نعيم الله في الأرض: لقد ركزت آيات القرآن على بيان ما أعده الله تعالى لعباده المؤمنين من النعيم في الآخرة؛ وذلك لأن نعيم الدنيا لا يقارن أبدًا بنعيم الآخرة. www. modoee.com ٢٢٧ حرف الألف قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ لِلَلْفَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا اَلْيَةُ الدُّنْيَا فِى كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَلَّةَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُعْدِدَكُمُ بِأَمَوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل ◌َّكُمْ الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَحُ﴾ [الرعد: ٢٦]. أَنْهَرًّا ﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. ومع ذلك فإن آيات القرآن الكريم لم تغفل الحديث عما أكرم الله تعالى به عباده المؤمنين على الأرض في الدنيا، وفيما يأتي عرض لبعض تلك الآيات: قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَّبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]. تتحدث هذه الآية عن مصير المؤمنين الأتقياء، حيث يورثهم الله تعالى أرض الجنة جزاء حسن أعمالهم في الدنيا (١). وقد تكرر على ألسنة الأنبياء عليهم السلام الوعد لأقوامهم بالتنعم في خيرات الأرض إن آمنوا واتقوا، ومن الآيات التي ذكرت ذلك: قال تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّيِكُمْ وَلَا نَنَوَلَوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. وقد جاءت هذه الدعوة على لسان هود عليه السلام أثناء هدايته قومه (٢)، كما جاءت على لسان نوح عليه السلام دعوة مشابهة لقومه. (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٦٤/٧. (٢) انظر: جامع البيان، الإيجي ٢/ ١٨١ - ١٨٠. قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ وقد بينت آيات القرآن الكريم أن التنعم في الأرض لا يقتصر على المؤمنين فحسب، وإنما يشمل غيرهم من الناس، ولكن الفرق بين تنعم المؤمنين وتنعم غيرهم أن الله تعالى يبدل نعمة غير المؤمنين إلى نقمة إذا استمروا وتمادوا في غيهم وطغيانهم، وذلك كما حدث لأصحاب القرون الأولى کعاد وثمود وغيرهم، بينما لا يحدث ذلك للمؤمنين، ولا يعني عدم حدوث النقمة للمؤمنين أن نعيم الدنيا دائم مستقر لهم، وإنما قد يصيبهم شيء من البلاء من باب الاختبار والامتحان لهم، وبيان صبرهم وثباتهم. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢، ٣]. ولكن ما يميز المؤمنين في فترة بلائهم أنهم يكونون على ثقة ويقين بأن الله تعالى معھم ینصرهم ويؤيدهم، وذلك راجع إلى أمرين هما: إیمانهم بأن الله تعالی سیجعل لهم بعد العسر يسرًا؛ لذلك فهم على ثبات رغم ٢٢٨ الوضوء لِلْقُرآن الكَرِيمِ الاستئذان ما بهم من بلاء، وقد جاء في الحديث في الآخرة في قوله: ﴿إِنََّا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. الصحيح عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسدٌ بردةً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: (کان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فیشق باثنتين، وما یصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دینه، والله لیتمن هذا الأمر، حتی یسیر الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)(١). علمهم بما أعده الله تعالى لهم من جزيل الثواب ووفير الأجر على صبرهم وتحملهم في سبيله. قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ (٦) الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآَ إِلَيْهِ رَجِعُونَ ( أُوْلَِّكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَكَ هُمُ [البقرة: ١٥٥-١٥٧]. الْمُهْتَدُونَ (w) وقد أخبر الله تعالى عن حال الصابرين (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ٢٠١/٤، رقم ٣٦١٢. يقول الشوكاني في تفسير هذه الفاصلة من الآية الكريمة من سورة الزمر: ((أي: يوفيهم الله أجرهم في مقابلة صبرهم بغير حساب»(٢). ثانيًا: عذاب الله في الأرض: كثيرًا ما تحدثت آيات القرآن الكريم عن عذاب الله تعالى في الأرض، وهذا يدل على كثرة من أهلك الله تعالى من الأقوام الظالمة. قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُبٍ عِبَادِهِ خَبيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]. ومن المعلوم أن التعاطي السلبي مع عوامل الفساد في الأرض يؤدي بشكل حتمي إلى الظلم والفساد، وهذا الأمر هو الذي تسبب في فساد الأمم وغفلتها ومن ثم هلاکها، وقد بین الله تعالی أنه لا يرضى لعباده الفساد والكفر والفجور، بل يرضى لهم الصلاح والاستقامة. قال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ [الزمر: ٧]. وقد حذر ربنا جل وعلا من اتباع أهل (٢) فتح القدير ٤/ ٥٢١. www. modoee.com ٢٢٩ حرف الألف الغواية وعباد الشهوات. قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]. وقال أيضًا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ وَمَن يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ فَإِنَّهُ. يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النور: ٢١]. وعلى الرغم من ذلك البيان والتحذير إلا إن أکثر الناس یترکون ما یرضی الله تعالی لهم من الخير، واتبعوا من يأمرهم بما لا یرضی لهم ربهم جل وعلا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّقْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]. فكانت النتيجة الحتمية نزول العذاب بهؤلاء الكفرة، وفيما يأتي صور من عذاب الله تعالى في الأرض: ١. خسف الله تعالى الأرض بقارون. قال تعالى: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ. لَنَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ، قَوْمُهُ لَا تَفْرَعٌ إِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٦) وَأَبْتَغْ فِيمَآً ءَاتَئِكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللّهُإِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦) قَالَ إِنَّمَا أُوِّتُهُ، عَلَى عِلْمٍ عِندِىُّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهُ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةٌ وَأَكْثَرُ بُمْعَاً وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِّ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِ قَدرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيَلَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا وَلَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الضَبِرُونَ ( ◌َسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ اَلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ، مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [القصص: ٧٦ - ٨١]. وفيما يأتي عرض لما ذكرته الآيات الكريمة من عناصر الفساد التي خسف الله تعالی بسببها الأرض بقارون: البغي في الأرض بغير الحق، والتمادي في ظلم الضعفاء، ومحاولة إغوائهم. الفرح المذموم، والمراد به فرح البطر الذي ینسي أن المنعم هو الله تعالی، وأن الواجب على العبد هو شكر هذه النعمة (١). عدم الاستجابة لنصح الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من أهل العلم والصلاح والتقوى، واحتقارهم. إنكار فضل الله تعالى، والكفر به، ونسبة الفضل إلى الذات. عدم الاعتبار بما حل في أصحاب القرون السابقة ممن أهلكهم الله تعالى بذنوبهم وكفرهم. (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧١١/٥. جَوَسُُوبَةُ النَّفِي القرآن الكريم ٢٣٠ الاستئذان التكبر في الأرض، والمبالغة في إظهار الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث)(٢). ٢. ومن قصص العذاب في الأرض ما الزينة بغية الإفساد في الأرض. فكانت نتيجة ذلك كله أن خسف الله حدث مع ثمود قوم نبي الله صالح عليه السلام. تعالى بقارون وبداره الأرض، والخسف هو: الذهاب في الأرض، وخسف الله الأرض بقارون وداره أي: غيبه فيها (١). وقد استثنى الله تعالى أهل الإيمان من العذاب لوجود الدعاة الصالحين الذين یأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وقد أفصح القرآن الكريم في غير موضع عن استثناء الله تعالى لأهل الورع والتقوى من العذاب الذي ينزل بالمفسدين من أقوامهم، فعلى سبيل المثال: فقد أهلك الله تعالى قوم نوح عليه السلام، وأنجى نوحًا عليه السلام ومن معه في الفلك، وقد أهلك الله تعالى قوم لوط عليه السلام، وأنجى لوطًا عليه السلام ومن معه من المؤمنین، ولکن ومع ذلك إلا إنه قد يهلك الله قومًا وفيهم الصالحون، وذلك إذا عم الفساد. فعن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج يومًا فزعًا محمرًا وجهه، یقول: (لا إله إلا الله ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب، فتح الیوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) وحلق بإصبعه الإبهام، والتي تلیها، قالت فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا (١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٩٠. قال تعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِكَأُ قَالَ بَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَاهِ غَيْرُهُ، قَدْ جَاءَنْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمَّ هَذِهِ نَاقَةُ اُللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيّ أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابُ أَلِيمٌ ﴿ وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ عَادٍ وَبَوََّكُمْ فِىِ الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِئُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًاً فَأَذْكُرُواْ ءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَبِّهِ، قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ ) قَالَ اَلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِه كَفِرُونَ ﴿ فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَنَّوْاْ عَنْ أَمْيِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَدِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَاْ إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْغَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَئِثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٣-٧٨]. وفيما يأتي عرض لما ذكرته الآيات الكريمة من عناصر الفساد التي أهلك الله تعالی بسببها ثمود بالصيحة: (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج، ٢٢٠٨/٤، رقم ٢٨٨٠. www. modoee.com ٢٣١ حرف الألف ١. إنكار ألوهية الله تعالى وحده. ٢. الإعراض عن اتباع الرسول الذي بعثه الله تعالى. ٣. التنكر لنعم الله تعالى عليهم. ٤. الاستكبار في الأرض بغير الحق. ٥. المجاهرة بالسوء. ٦. الغرور بالنفس، والاستخفاف بعذاب الله تعالى. ٧. سوء التعامل مع آيات الله تعالى الدالة على صدق رسوله. وقد أدت هذه العوامل من الفساد إلى هلاك ثمود، کما أدت غيرها من العوامل إلى إهلاك أقوام آخرين، وبالتالي فإن الله تعالى قد أنعم على خلقه بوافر النعم، ولكنهم بدلوا هذه النعم بنقم أهلكتهم، وجعلتهم عبرة لمن بعدهم. قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنٌ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَفَرُوا بِئَايَتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمٌّ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِزَّ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ رَبِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآَ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَكُلُ كَانُواْ ظَلِمِينَ ﴾ [الأنفال: ٥٢ - ٥٤]. الأرض يوم القيامة ذكر الله تعالى في غير موضع من كتابه العزيز آيات كريمة بين فيها أحوال الأرض يوم القيامة حيث تطرأ عليها تغيرات كبرى تبدل معلمها؛ وذلك التغيير يأتي تناسبًا مع هول الحالة التي يكون عليها الموقف يوم القيامة. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ )) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّاً أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢]. ومما ذكرته آيات القرآن الكريم من أحوال للأرض يوم القيامة ما يأتي: ١. الرج. قال تعالى: ﴿إِذَا رُخَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤]. الرج لغةً: من رج الراء والجیم أصل يدل على الحركة المضطربة (١). من الأحداث المهولة التي تحدث للأرض يوم القيامة أنها تهتز وتضطرب من شدة ذلك اليوم العظيم. يقول الخازن في تفسير الآية الكريمة: (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٨٤/٢، والمحكم، ابن سیده ٧/ ٢٠٢. ٢٣٢ جوبيهـ القرآن الكريم الاستئذان ((أي: إذا حركت وزلزلت زلزالًا وذلك أن في صوته، والمدد للجيش هو ما يتم تزويد الله عز وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقًا الجيش به من رجال وعتاد (٤). وخوفًا))(١). ٢. الدك. قال تعالى: ﴿كَلََّ إِذَا ذُكَّتِ الْأَرْضُ ذَكَّا [الفجر: ٢١]. دَكا الدك لغةً: من دك الدال والكاف أصلان أحدهما يدل على الانسطاح، يقال: الأرض الدكاء، أي: المنسطحة المستوية، والأصل الثاني يدل على الدق، يقال: دككت الشيء، أي: دققته(٢). ومن أهوال يوم القيامة التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز دك الأرض، أي: تحطیمها ودق اجزائها بأجزائها حتى تصير مستويةً(٣). ٣. المد. قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣]. المد لغة: المیم والدال أصل واحد يدل على الزيادة والوصل والإطالة والجذب؛ يقال لما يكتب به مداد؛ لأنه يمد بالماء، ويقال أيضًا: رجل مديد الجسد، أي: طويل، وحرف المد هو الحرف الذي يزاد (١) لباب التأويل ٤/ ٢٣٤. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٥٩/٢، جمهرة اللغة، ابن دريد ١/ ١١٤. (٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٦٧/٨، تفسير جزء عم، مساعد الطيار ص١٤٣. ومما ذكر القرآن من أحوال الأرض يوم القيامة أنها تمد، وذلك بمعنى أنه تزداد مساحة سطحها. يقول الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُذَتْ﴾: ((وإذا الأرض بسطت، فزيد في سعتها)»(٥). ٤. الزلزلة. قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَمَا﴾ [الزلزلة: ١]. الزلزلة لغةً: هو الهز والاضطراب بشدة، يقال: زلزل الشيء زلزلةً أو زلزالًا، ويقال زلزل الشخص، أي: أزعجه وخوفه وحذره(٦). وزلزلة الأرض تعني: أنها تتحرك وتضطرب بشدة حتى يتكسر كل ما عليها، ويخرج كل ما في باطنها(٧). ٥. إخراج الأثقال. قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]. (٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٦٩/٥، المحکم، ابن سیدہ ٩/ ٢٨٧. (٥) جامع البيان ٢٣٢/٢٤. (٦) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ٢٠١/١، معجم اللغة العربية المعاصرة، د. أحمد عمر ٩٩٠/٢. (٧) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان، ٢١٥/٤، الوسيط، الواحدي ٤ / ٥٤٢. www. modoee.com ٢٣٣ حرف الألف الثقل في اللغة هو: ميزان الشيء، يقال: ثقل الشيء ثقلًا فهو ثقيل، وثقل المسافر هو ما يحمله معه من متاع، وثقل مفرد جمعها أثقال (١). وإخراج الأرض أثقالها يوم القيامة يعني: أن تقوم الأرض بإخراج ما فيها من أثقال وأحمال. قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴾ [الانشقاق: ٣ - ٤]. إلقاء الأرض ما بداخلها يشمل الموتى من المخلوقات وبالذات المكلفين منهم؛ وذلك لمحاسبتهم على ما قدموا في الحياة الدنيا(٢). وقد صرحت بذلك آيات القرآن الكريم في مواضع منها: قوله تعالى: ﴿وَنُّفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ قَالُواْ يَنْوَّيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ تَّرْقَدِنَّأْ هَذَا مَا وَعَدٌ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾ [يس: ٥١ - ٥٢]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. ٦. التبديل. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ قال تعالى: الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. التبديل لغةً: الباء والدال واللام أصل واحد يدل على التغيير وقيام الشيء مقام شيء آخر، بدل فلان موقفه تجاه أمر، أي: غير موقفه تجاهه(٣). تبديل الأرض يوم القيامة يعني: حدوث تغیرات کبری تجعل منها أرضًا جدیدةً غیر الأرض التي عهدها الناس في الدنيا، وسواءٌ أكان التبديل للأرض بتغيير معالمها فقط، أو بتغيير ذاتها كليًا، وذلك على ما اختلف عليه المفسرون (٤)، فإن الأمر بالنسبة للناس شديد الهول؛ لأنهم سيرون ما يجعلهم كالسكارى من شدة ما سيعاينون. قال تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَىْ وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: ٢]. (١) انظر: كتاب العين، الفراهيدي ١٣٧/٥. (٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١٠ / ٥٩٧. (٣) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ١/ ٣٠٠، مقاییس اللغة، ابن فارس ١/ ٢١٠. (٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٥/٣. ٢٣٤ القرآن الكريم الآخذ لمسات إعجازية في الأرض من الله تعالى على البشرية بكتاب معجز فيه ما يدل على صدق الوحي والنبوة مما لا يدع مجالا لأي منصف نزيه يبحث عن الحق في أمور الدين والعقيدة إلا أن يقر بعلو منزلة هذا الكتاب، ثم يتبع هذا الإقرار بالإيمان بالله تعالى الذي أنزل هذا الكتاب، وبرسوله الذي شرح ووضح للناس تعاليم هذا الكتاب، ولابد لمن أراد التطرق إلى موضوع الإعجاز القرآني، أو ما يتصل به من جوانب، من أن يسرد تعریفات أهمها ما يأتي: الإعجاز: هو في اللغة من العجز الذي بمعنى الضعف(١). أما في الاصطلاح فهو بمعنى عدم قدرة القوم عن الإتيان بمثل المعجزة التي تحداهم بها نبیھم. إعجاز القرآن: وهو عجز المكلفين جميعًا وفرادى عن معارضة معجزة القرآن الكريم(٢). وقد سجل الله تعالى ذلك العجز بقوله: قُل لَّيْنِ أَجْتَمَعَتِ آلْإِنشُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. (١) انظر: كتاب العين، الفراهيدي ٢١٥/١. (٢) انظر: نفحات من علوم القرآن، محمد أحمد معبد ص ١٠١. ذكر العلماء للمعجزة عدة تعريفات منها: ١. تعريف الدكتور مساعد طيار: ((آية النبي المختصة به، الخارقة للعادة، التي لا يقدر الخلق على الإتيان بمثلها، الدالة على صدق النبي تارة، وعلى غير ذلك تارة)»(٣). ٢. تعريف الأستاذ محمد معبد: ((هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم من المعارضة» (٤). وبالنظر في التعريفين السابقين يمكن القول بأنهما لم يشتملا على كافة الجوانب التي تتوافر في المعجزة، وبالتالي فإن أدق وأشمل تعريف للمعجزة هو أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد مدع النبوة، على وفق مراده، تصديقًا له في دعواه، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة، وذلك كله في زمن التكليف بالنبوات. وفيما يأتي عرض لبعض المواضع القرآنية ذات اللمسة الإعجازية، والدلالات العلمية والغيبية المبرهنة على صدق الوحي والنبوة: قال تعالى: ﴿وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْنَقَى اَلْعَلَهُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢]. جاءت هذه الآية القرآنية الكريمة لتصف للعباد ما حدث لقوم نوح عليه السلام لما (٣) الإعجاز العلمي إلى أين؟ ص١٦. (٤) نفحات من علوم القرآن ص ١٠٢. www. modoee.com ٢٣٥ حرف الألف جاءهم عذاب الله تعالى في الدنيا عقب ذكر الأرض على ذكر السماوات راجع إلى أن الله تعالى قد بدء خلق الأرض قبل أن تکذیبهم لنبیهم. وقد جاء الوصف القرآني في أبلغ صورة يسوي السماوات. يمكن التعبير من خلالها عن الحالة التى كانت عليها الأرض حين حل العذاب بقوم نوح عليه السلام. فالله تعالى قال: ﴿وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُونًا ﴾، ولم يقل: (وفجرنا عيون الأرض)، والسر في ذلك أن تقدیم الأرض على العیون یبین أن کل الأرض انفجرت بالمياه، ولو قال: وفجرنا عيون الأرض، لما تفجرت المياه إلا من المواضع التي جعلها الله تعالى في الأرض عيونًا من قبل أن يحل العذاب بقوم نوح عليه السلام، وبالتالي لكان وصف العذاب أخف في التأثير على السامع(١). وقال تعالى: ﴿تَزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤]. وقال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. تقدم ذكر الأرض على السماوات في الآية رقم (٤) من سورة طه، بينما تقدم ذكر السماوات على الأرض في الآية رقم (١٢) من سورة الطلاق، وتقدم ذكر السماوات على الأرض راجع إلى أن تتمة خلق السماوات كان قبل دحو الأرض، وتقدم (١) انظر: دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني ص ١٠٢. وقد ذكر القرآن الكريم أن خلق السماوات والأرض قد كان على مراحل. قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُّرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُوَ أَنْدَادَا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَحَعَلَ فِهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءُ لِلِسَِّلِينَ ، ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَلِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَقْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآً أَنَّيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]. وقال تعالى: ﴿مَنْتُ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ النَّمَاءُ بَنَهَا ﴿﴿ رَفَعَ سَمَّكَهَا فَوَّنَهَا (٥) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ مُعَنِهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتَهَآَ ن أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَنَهَا (١) وَالْجِبَالَ أَرْسَنِهَا )﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٢]. وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴾ [ق: ٣٨]. وخلاصة ما بينته الآيات الكريمة أن الأرض قد خلقت في أربعة أيام، وأن السماوات قد خلقت في يومين، أما التفصيل فإن الله تعالى قد خلق الأرض في يومين، ثم استوی إلی السماء فخلقها في یومین، ثم دحا الأرض في يومين (٢). (٢) انظر: إرشاد الساري، القسطلاني ٣٢٦/٧. ٢٣٦ القرآن الكريم الاستدراج وقال تعالى: ﴿قُلِبَتِ الرُّومُ )) فِيّ أَدْنَ اُلْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدٍ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) فِي بِضْعِ سِنِينٌَ لِلَّهِ اُلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ ) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ [الروم: ٢ -٥]. تتحدث الآية الثانية من سورة الروم عما جرى بين الفرس والروم حيث دخلتا في حرب غلبت على إثرها الروم مقابل الفرس، وقد انعكست هذه النتيجة إيجابيًا على نفوس المشركين فاستبشروا خيرًا، والسر في استبشارهم يرجع إلى نظرتهم لطبيعة طرفي القتال؛ فالفرس يعبدون النار وقد هزموا الروم وهم أهل كتاب، وبالتالي فقد رأى المشركون أن هذا الأمر يقاس عليهم، فهم عبدة أصنام والمسلمون حملة قرآن، وأي معركة ستدور بينهم وبين المسلمين ستكون النتيجة فيها لصالحهم كما حصل مع نظرائهم في المعتقد الفرس. فجاءت هذه الآية لتخبر عما حدث، ثم جاءت الآية الثالثة لتخبر بما سيحدث بين الفرس والروم من جديد، وذلك أنه ستحدث معركة أخرى خلال سنوات معدودة وستكون النتيجة فيها لصالح الروم، فأبطل بذلك استنتاج المشركين، وخاب ظنهم، ثم جاءت الآيتان التاليتان من سورة الروم لتنسفا بشرى المشركين وتبدلانها بخيبة أمل كبيرة، حيث إنهما أخبرتا بأن الله تعالى سينصر عباده المؤمنين على أعدائهم المشركين من كفار قريش في المستقبل، وقد تحقق انتصار المسلمين فعلًا عقب نزول هذه الآیات حین حدثت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة (١). وقد دلت آيات سورة الروم على صدق الوحي والنبوة من خلال أمور هي: الإخبار بأن المكان الذي دارت فيه المعركة بين الفرس والروم، والذي غلبت فيه الروم هو أدنى بقعة على سطح الأرض، ويقع بين العراق والشام، وينخفض عن مستوى سطح البحر بعمق ٣٩٥م، وهذا ما لم يكن مكتشفًا بالوسائل التي كانت معروفة زمن نزول القرآن(٢). الإخبار بأن الروم سيخوضون حربًا ٥ مع الفرس خلال سنوات معدودات، وسيكون النصر فيها حليفًا للروم، وهذا ما حدث بعد نزول آيات سورة الروم ببضع سنين، وبالتالي فلو لم يكن القرآن من عند الله تعالى لما تمكن أحد من الإخبار بما سيحدث مستقبلاً. بشارة الله تعالى للمؤمنين بالنصر على (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٦٦. (٢) انظر: معترك الأقران في إعجاز القرآن، السيوطي ٦٣٦/٢. www. modoee.com ٢٣٧ حرف الألف المشركين قبل حصول غزوة بدر، وهذا أيضًا من الغيب الذي لا سبيل لمعرفته تكون من مواد غازية (٢). إلا من خلال الوحي. وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتَهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. تمثل هذه الآية الكريمة وصفًا علميًا لهيئة الأرض، فالأرض وإن كانت منبسطة فهي بيضاوية أيضًا، وانبساطها مع بيضاويتها راجع إلى اتساعها وكبر حجمها، وقد أثبت العلم أن الأرض تشبه البيضة، فهي عبارة عن كرة منبعجة من وسطها كما البيضة تمامًا(١). وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَا رَتَّقَا فَفَتَقْنَهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقد أثبت العلماء حديثاً أن الكون قد موضوعات ذات صلة: الآيات الكونية، البحر، الجبال، السماء، الماء، النبات تتحدث هذه الآية الكريمة عن الأرض والسماوات حيث كانتا عبارة عن كتلة واحدة يتصل بعضها ببعض على هيئة دخان أو جزيئات غازية، ثم انفصلتا عن بعضهما البعض، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة قبل أن يكتشف العلماء ذلك بقرون عديدة، وما يؤكد أن السماوات والأرض كانتا عبارة عن دخان أو سديم قوله تعالى في موضع آخر: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَلِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]. (١) انظر: الإعجاز العلمي إلى أين؟، مساعد (٢) انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص٣٧١. الطيار ص١٢١. الموضوع مُوسُو ◌َرَ النَّية القرآن الكريم ٢٣٨