Indexed OCR Text

Pages 1-20

جَوْ عَدُ النفسية الموضوع
لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ
الأخوةُ
عناصر الموضوع
مفهوم الأخوة
١٣٨
الأخوة في الاستعمال القرآني
١٣٩
الألفاظ ذات الصلة
١٤٠
١٤٢
أنواع الأخوة في القرآن
١٥٣
أحكام وعلاقات مرتبة على الأخوة
١٦٢
العلاقات الاجتماعية بين الإخوة
١٦٤
فوائد من قصص الإخوة في القرآن
المجلدالثانى

حرف الألف
مفهوم الأخوة
أولًا: المعنى اللغوي:
الأخ: أصله أخو بالتحريك؛ لأنه جمع على آخاء مثل آباء، والذاهب منه واو؛ لأنك
تقول في التثنية أخوان ... وقد يتسع فيه فيراد به الاثنان؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ﴾
[النساء: ١١].
وهذا كقولك: إنا فعلنا، ونحن فعلنا، وأنتما اثنان، وأكثر ما يستعمل الإخوان في
الأصدقاء، والإخوة في الولادة(١).
والأخ-في الحقيقة- هو: كل من جمعك وإياه صلب أو بطن، ويستعار لكل مشارك
لغيره في القبيلة أو في الدين أو في الصنعة أو في معاملة أو في مودة أو في غير ذلك من
المناسبات، والأخت كالأخ، وقيل: الإخوة جمع الأخ من النسب، والإخوان جمع أخ من
الصداقة (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
تقدم معنا أن الأخ هو كل من جمعك وإياه صلب أو بطن ويستعار لكل مشارك لغيره في
القبيلة أو في الدين أو في الصنعة أو في معاملة أو في مودة أو في غير ذلك من المناسبات
والأخت كالأخ.
والذي يهمنا هو تعريف الأخوة بمعناه العام وهي أخوة النسب، وفي القرآن الكريم
بمعنى خاص وهي الأخوة الإسلامية.
فالأخوة عمومًا دون تخصيص:
هي: مشاركة شخص لآخر في الولادة من الطرفين أو من أحدهما أو من الرضاع،
ويستعار لكل مشارك لغيره في القبيلة أو في الدين أو في صنعة أو في معاملة أو في مودة أو
في غير ذلك من المناسبات (٣).
والأخوة هي الميثاق الذي يربط بين الأفراد، وهذا معنى عام فهي ربط بين الأقرباء
وغيرهم بأي نوع من أنواع الصلة بينهم.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ١٤١/٨.
(٢) الكليات، الكفوي ص ٦٣.
(٣) نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين ٢/ ٩٢.
١٣٨
مَوَّسُو
القرآن الكريم

الأذى
الأخوة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (أخو) في القرآن (٩٦) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلُ
المفرد
٦٠
[يوسف: ٧٧]
﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾
المثنى
٢
[النساء: ٢٣]
الجمع
٣٤
لَعَلَّكُمْتُرْحَمُونَ ﴾
﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَنَّقُواْ اللّهَ
[الحجرات: ١٠]
وجاءت الأخوة في القرآن على ستة أوجه(٢).
أحدها: الأخ من الأب والأم أو من أحدهما: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ
السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]. يعني: الأخ من النسب.
الثاني: أخوة القبيلة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]. يعني: منهم.
الثالث: الأخوة في الدين: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. يعني:
في الدین.
الرابع: الأخوة في المودة والمحبة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلّ
﴾ [الحجر: ٤٧].
٤٧
إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مَُّقَيِلِينَ
يعني: جمعتهم المودة والمحبة.
الخامس: الصاحب: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَّعْمَةً﴾ [ص:٢٣]. يعني:
صاحبي.
السادس: الشبه: ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. يعني:
شبهها.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص ١٤٣٣.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٨٤، ٨٥.
www. modoee.com
١٣٩

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
١
الخلة:
الخلة لغة:
(الخليل) الصديق والجمع (أخلاءٌ)(١).
وهي أخص من الأخوة(٢).
الخلة اصطلاحًا:
أخوة خاصة لأخ معين من بين سائر الإخوان لشدة الموافقة بينه وبين أخيه. وهي أعلا
مراتب المحبة(٣).
الصلة بين الأخوة والخلة:
الخلة مرتبة فوق مرتبة الأخوة وغيرها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾
[النساء: ١٢٥].
والخليل: المخال، وهو الذي يخالك، أي: يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقك،
أو يسد خللك كما تسد خلله، أو يداخلك خلال منازلك وحجبك (٤).
فلشدة قرابته من أخيه والتصاقه به وموافقته ومسايرته ومداخلته؛ صار خليلًا له.
فأما كون الخلة فوق الأخوة فمعناه أن لفظ الخلة: عبارة عن حالة هي أتم من الأخوة،
وتعرفه من قوله صلى الله عليه وسلم: ((لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن
أخوة الإسلام ... الحديث))(٥)؛ إذ الخليل هو الذي يتخلل الحب جميع أجزاء قلبه ظاهرًا
وباطنًا (٦).
(١) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير لأحمد بن محمد بن علي المقري ١/ ٩٦.
(٢) فتح الباري، العسقلاني ١٠/ ١٥٤.
(٣) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٣٢/٣.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٣٠١/١.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد، رقم ٤٦٦، ١٦٢/١.
(٦) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي ص ٦٥١.
١٤٠
جوببو
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الأذى
الصداقة:
٢
الصداقة لغة:
١٠١
الصداقة: صدق الاعتقاد في المودة، وذلك مختص بالإنسان، وقوله: ﴿وَلَ صَدِيقٍ حَيم
[الشعراء: ١٠١]، إشارة إلى قوله: ﴿الْأَخِلَاءُ يَوْمَيِلْمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلََّ الْمُتَّقِينَ
[الزخرف: ٦٧] (١).
(٦٧
الصداقة اصطلاحًا:
قوة المودة مأخوذة من الشيء الصدق وهو الصلب القوي، وقال أبو علي رحمه الله:
الصداقة اتفاق القلوب على المودة، ولهذا لا يقال: إن الله صديق المؤمن كما يقال إنه حبيبه
وخليله(٢).
الصلة بين الأخوة والصداقة:
قال ابن عباس: الصديق أوكد من القرابة (٣).
ورفع الشارع الحرج في الأكل من بيت الصديق؛ لأنه أرضى بالتبسط وأسر به من كثير
من ذوي القرابة
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ١ / ٤٨٠.
(٢) الفروق اللغوية، العسكري ١٢١/١.
(٣) روائع البيان، الصابوني ٢١٧/٢.
(٤) روح المعاني، الألوسي ١٧ / ٥٥٧.
www. modoee.com
١٤١

حرف الألف
أنواع الأخوة في القرآن
أولًا: الأخوة في العقيدة:
الأخوة في العقيدة هي أعظم الأخوات
كما مر معنا، ويمكن أن نجعلها في قسمين
رئیسین:
١. الأخوة بين أهل العقيدة
الإسلامية الصحيحة.
والعقيدة التي نريدها: الإيمان الجازم
بالله تعالى، وبما يجب له من التوحيد،
والإيمان بملائكته وكتبه، ورسله، واليوم
الآخر، والقدر خيره وشره، وبما يتفرع عن
هذه الأصول ويلحق بها مما هو من أصول
الدين.
وقد أطلق كثير من السلف على العقيدة
الصحيحة اسم ((السنة))، وذلك لتمييزها عن
عقائد ومقولات الفرق الضالة؛ لأن العقيدة
الصحيحة وهي عقيدة أهل السنة والجماعة
مستمدة من سنة النبي عليه الصلاة والسلام،
التي هي مبينة للقرآن(١).
وقد وردت في ذلك آيات تحمل في
مضمونها الأمر المباشر أو الحث أو مدح
هذه الأخوة.
بيان حقيقة الأخوة: قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
(١) تسهيل العقيدة الإسلامية، عبد الله الجبرين
ص١٠.
أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ
وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحشر: ١٠].
ومن أفضل ما قال المفسرون: وهذه
الصورة النظيفة الرضية الواعية، وهي
تبرز أهم ملامح التابعين، كما تبرز أخص
خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في
جميع الأوطان والأزمان.
هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين
والأنصار- ولم يكونوا قد جاءوا بعد
عند نزول الآية في المدينة، إنما كانوا قد
جاءوا في علم الله وفي الحقيقة القائمة
في هذا العلم المطلق من حدود الزمان
والمكان- سمة نفوسهم أنها تتوجه إلى
ربها في طلب المغفرة، لا لذاتها ولكن
كذلك لسلفها الذين سبقوا بالإيمان وفي
طلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا على
وجه الإطلاق، ممن يربطهم معهم رباط
الإيمان، مع الشعور برأفة الله ورحمته،
ودعائه بهذه الرحمة، وتلك الرأفة، وتتجلى
من وراء تلك النصوص طبيعة هذه الأمة
المسلمة وصورتها الوضيئة في هذا الوجود،
تتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط
أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، في
تضامن وتكافل وتواد وتعاطف، وشعور
بوشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان
والمكان والجنس والنسب وتتفرد وحدها
١٤٢
صَوْسُورُ
القرآن الكريم

الأذى
في القلوب، تحرك المشاعر خلال القرون بعضهم بعضًا.
الطويلة، فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد
القرون المتطاولة، كما يذكر أخاه الحي،
أو أشد، في إعزاز و کرامة وحب، ویحسب
السلف حساب الخلف، ويمضي الخلف
على آثار السلف، صفًا واحدًا وكتيبة واحدة
على مدار الزمان واختلاف الأوطان، تحت
راية الله تغذ السير صعدًا إلى الأفق الكريم،
متطلعة إلى ربها الواحد الرؤوف الرحيم.
إنها صورة باهرة، تمثل حقيقة قائمة
كما تمثل أرفع وأكرم مثال للبشرية يتصوره
قلب کريم، صورة تبدو کرامتها ووضاءتها
على أتمها ... صورة تمثل الأجيال من
وراء الزمان والمكان والجنس والوطن
والعشيرة والنسب متضامنة مترابطة متكافلة
متوادة متعارفة صاعدة في طريقها إلى الله،
بريئة الصدور من الغل، طاهرة القلوب من
الحقد (١).
وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين،
السابقين من الصحابة، ومن قبلهم ومن
بعدهم، وهذا من فضائل الإيمان أن
المؤمنین ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو
بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان
المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من بل من أجله، توفيقهم للقيام بحقوق الله
وحقوق عباده (٢).
فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب
(١) انظر: في ظلال القرآن ٣٥٢٧/٦ وهذا النقل،
وإن طال، مهم في هذا الباب لحسن صياغته
وجمعه وحلاوة تعبيره.
ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن
القلب، الشامل لقليل الغل وكثيره، الذي إذا
انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين
والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من
حقوق المؤمنين.
فوصف الله من بعد الصحابة بالإيمان،
لأن قولهم: ﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ ﴾ [الحشر: ١٠]
دليل على المشاركة في الإيمان، وأنهم
تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله،
وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق
هذا الوصف التام إلا عليهم، ووصفهم
بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها،
واستغفار بعضهم لبعض، واجتهادهم في
إزالة الغل والحقد عن قلوبهم لإخوانهم
المؤمنين؛ لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما
ذكرنا، ومتضمن لمحبة بعضهم بعضًا، وأن
يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن
ينصح له حاضرًا وغائبًا، حیًا وميتًا، ودلت
الآية الكريمة على أن هذا من جملة حقوق
المؤمنين بعضهم لبعض، ثم ختموا دعاءهم
باسمين كريمين، دالين على كمال رحمة الله
وشدة رأفته وإحسانه بهم، الذي من جملته،
إنها أخوة الإيمان، الأخوة التي ليس لها
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٠٤.
www. modoee.com
١٤٣

حرف الألف
نظیر، وما لنا عنها ولا بها بدیل.
كلهم يترحمون على السلف من
المؤمنین الذین سبقوهم، ويسلكون طريق
الشفقة على جميع المسلمين، ويستغفرون
لهم، ویستجیرون من الله أن يجعل لأحد
من المسلمين في قلوبهم غلًا، أي: حقدًا،
ومن لا شفقة له على جميع المسلمين فليس
(١)
له نصیب من الدین
فهي عامة في جميع التابعين والآتين
بعدهم- المهاجرين والأنصار- إلى يوم
الدین(٢).
وهي أخوة تتوارثها الأجيال من السلف
للخلف، بل تدوم إخوتهم إلى مماتهم حتى
يجمعهم الله عليها مرة أخرى في دار كرامته
أبد الآبدين.
كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم
٤٧
مِنْ عِلّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّنَقَبِلِينَ
[الحجر: ٤٧] وهذا من أعظم كمال اللذات
حیث یکون الإنسان خالدًا مخلدًا، وحيث
یکون هو وإخوانه ورفقاؤه في ذلك النعيم
لیس بین اثنین منهم شحناء، ولا عداوة، ولا
حقد، ولا حسد، ولا مخاصمة، وكل هذا
من كمال النعيم (٣).
لمن تبذل الأخوة؟ الأصل أنها تبذل لکل
من قام بالعقيدة الصحيحة؛ لقوله تعالى:
(١) لطائف الإشارات، القشيري ٣/ ٥٦٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٢٢.
(٣) العذب النمير، الشنقيطي ٢٦٤/٣.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] أي:
الجميع إخوة في الدين (٤)، أو تاب مما كان
عليه من اعتقاد باطل وعاد للإسلام الحق،
كما قال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينُ وَنُفَصِلُ
اُلَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١)﴾ [التوبة: ١١].
يقول: إن تركوا اللات والعزى، وشهدوا
أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله
﴿فَإِخْوَتُكُمْ فِي الدِّينُ وَنُفَصِلُ الْأَيَتِ لِقَوْمِ
يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١]. قال ابن زيد: افترضت
الصلاة والزكاة جميعًا لم يفرق بينهما وقرأ:
﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْاْ الزَّكَوَةَ
فَإِخْوَلُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال:
رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه(٥).
وهذا بيان أن يقوموا بكل ما أمر الإسلام
به، دون تهاون في حق الله الذي أمرنا به.
فإن تابوا: مما هم عليه من الكفر وأقاموا
الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين
أي: فهم إخوانکم، لهم ما لكم، وعليهم ما
علیکم، فعاملوهم معاملة الإخوان، وفيه من
استمالتهم واستجلاب قلوبهم ما لا مزيد
علیه(٦).
ويفهم من مفهوم الآية: أنهم إن لم يقيموا
الصلاة لم يكونوا من إخوان المؤمنين،
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٥٥/٤.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٨/٦.
(٦) محاسن التأويل، القاسمي ٣٧٠/٥.
مَوسُوبة النفسية
القرآن الكريم
١٤٤

الأذى
ومن انتفت عنهم أخوة المؤمنين فهم من
الْمُؤْمِنُونَ
الكافرين؛ لأن الله يقول:
إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠](١).
ويدل على أن من أظهر لنا الإيمان وأقام
الصلاة وآتى الزكاة فعلینا موالاته في الدین
علی ظاهر أمره مع وجود أن یکون اعتقاده
في المغيب خلافه(٢).
٢. أخوة المنافقين وأهل العقائد
الفاسدة.
والأصل فيهم أنهم قد اجتالتهم
الشياطين، ولعبت بهم يمنة ويسرة هم ومن
كان على شاكلتهم، أو تعاون معهم في
غیھم.
وأن فریق الکافرین یزیدهم الشيطان غيًا
إلی غیهم إذا ركبوا معصية من معاصي الله،
ولا يحجزهم تقوى الله، ولا خوف المعاد
إليه عن التمادي فيها والزيادة منها، فهم
أبدًا في زيادة من ركوب الإثم، والشيطان
يزيدهم أبدًا، لا يقصر الإنسي عن شيء من
ركوب الفواحش، ولا الشيطان من مدهم
منه(٣).
وقد جاءت الآيات التي تحدثت عن
أخوتهم السيئة؛ للتحذير منها والتنفير عنها.
ذكر أخوتهم على سبيل الذم:
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٤٤٧/٣.
(٢) أحكام القرآن، الجصاص ٤/ ٢٧٤ .
(٣) جامع البيان، الطبري ٦/ ١٥٧.
قال تعالى: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُوا
كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِى
اُلْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُوَأْ وَمَا
قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ
يُحِىء وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [آل
عمران: ١٥٦].
وظاهر من مناسبة هذه الآيات في سياق
المعركة، أن هذه كانت أقوال المنافقين
الذين رجعوا قبل المعركة، والمشركين من
أهل المدينة الذين لم يدخلوا في الإسلام
ولكن ما تزال بين المسلمين وبينهم علاقات
وقرابات (٤).
فينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة
الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه
قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار
والحروب، لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم
ما أصابهم، فقال تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا
ضَرَبُواْ فِ الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦].
أَوْ
أي: سافروا للتجارة ونحوها
كَانُواْ غُزَّى﴾ أي: كانوا في الغزو
كَانُواْ عِندَنَا﴾ أي: في البلد ﴿مَا مَاتُوَأْ وَمَا
قُتِلُواْ ﴾ أي: ما ماتوا في السفر، وما قتلوا في
الغزو (٥).
فهم بكفرهم هذا ليسوا بإخوان، ومع
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤٩٨/١.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٩/١.
www. modoee.com
١٤٥

حرف الألف
ذلك فأخوتكم فيما بينكم ليست على من يصلح له، والذين نافقوا هم: عبد الله بن
أبي وأصحابه، وجملة: ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَفِهِمُ
طريقتهم.
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ [الحشر: ١١].
فلا تکونوا کالمنافقين الذي ينهون
إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله والضرب
في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله،
ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما
ماتوا وما قتلوا (١).
فأخوة المؤمنين واضحة المعالم، وأخوة
غيرهم سراب بقيعة لا حقيقة له.
بیان زیف أخوتهم، وأنه اجتماع وقت
للإضرار بالمؤمنين:
قال تعالى: ﴿﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ
يَقُولُونَ لِإِخْوَِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ
لَيْنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُ
أَحَدًا أَبَدًا وَإِنِ قُوتِلْتُمْ لَنَنَصُرَتَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
تَكَذِبُونَ ﴾ [الحشر: ١١].
يعني بني النضير، وأخوتهم معهم أخوة
دين واعتقاد، أو أخوة صداقة وموالاة؛
لأنهم كانوا معهم سرًا على المؤمنین(٢).
ولما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات
الثلاث من المؤمنين، ذكر ما جرى بين
المنافقين واليهود من المقاولة لتعجيب
* أَلَمْ تَرَ إِلَى
المؤمنين من حالهم، فقال:
الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ [الحشر: ١١] والخطاب
لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل
(١) جامع البيان، الطبري ٣/ ٤٩٠.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ٨٢.
مستأنفة لبيان المتعجب منه، والتعبير
بالمضارع لاستحضار الصورة، أو للدلالة
على الاستمرار، وجعلهم إخوانًا لهم لكون
الكفر قد جمعهم، وإن اختلف نوع كفرهم
فهم إخوان في الكفر(٣).
فقولهم هذا: لإخوانهم الذين بينهم
وبينهم أخوة الكفر، ولأنهم كانوا يوالونهم
ويواخونهم، وكانوا معهم على المؤمنين في
السر (٤).
فأثبت الله أن لهم أخوة؛ لكنها ليست
على مرضات الله وليست کما وجه إليها
رسوله صلی الله عليه وسلم؛ بل هي مغايرة
لذلك تمامًا.
فهذه الأخوة قامت على الكفر بالله،
ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم،
والإضرار بعباد الله المؤمنين، فلسيت بأخوة
على الحقيقة بل لها اشتراك لفظي كما يقال،
ولقد ذكرت بصورتها البشعة؛ ليجتنبها عباد
الله المؤمنين في أخوتهم، فأخوتهم قائم
علی أمر الله ورسوله.
ثانيًا: الأخوة في النسب:
أصل الأخوة النسب كما سبق، وأخوة
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٢٧١/٥.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٨٢.
١٤٦
مُؤَسُولَةُ النَّده
جوبيبو
القرآن الكريم

الأذى
النسب إما لأشقاء أو غير أشقاء، ومن في الأرض جميعًا (٣).
الآيات التي وردت في ذلك:
ذكر العلاقة بين الإخوة في النسب
عمومًا:
قال تعالى-حاكيًا عن أهوال يوم
﴿يَؤْمَ يَفِرُّ الْرَهُ مِنْ أَخِ ﴾
القيامة -:
[عبس: ٣٤].
وبدأ بالأخ، ثم بالأبوين؛ لأنهما أقرب
منه، ثم بالصاحبة والبنين؛ لأنهم أقرب
وأحب(١).
فالأخ لیس أحب إلى أخيه من والدیه؛
إنما الاعتماد عليه في المهمات أکثر منهما.
قال قتادة: الأحب فالأحب والأقرب
فالأقرب من هول ذلك اليوم(٢).
وهذا الترتيب في الأهل يتناسب مع
سياق الآيات، ففي سورة عبس المشهد هو
مشهد الفرار يخلو المرء بنفسه ويفر المرء
أولًا من الأبعد إلى الأقرب إلى قلبه، يفر
أولًا من أخیه ثم من أمه وأبيه ثم من صاحبته
وبنیه الذين هم أقرب الناس إلى قلبه، أما في
سورة المعارج فالمقام مقام عذاب وليس
فرار؛ فيرى المرء مشهد عذاب فوق ما
تصوره ولا يقبل المساومة فيبدا يفدي نفسه
بالأقرب إلى قلبه ثم الأبعد؛ لذا بدأ بینیه أعز
ما عنده ثم صاحبته وأخيه ثم فصيلته ثم من
(١) المصدر السابق، ١٨٧/٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٩٣/٤.
فهم إخوة أشقاء، أو إخوة لأب، أو إخوة
لأم؛ فيجتمعون في إخوة النسب.
حكم يعم الإخوة جميعًا وهو بيان
للمحرمات عليهم من النساء:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
قال تعالى:
أُكَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَانُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ
وَخَتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ
وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىَ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم
مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ
وَرَبِيِبُكُمُ الَّتِى فِي حُجُورِكُم
مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِنِ
لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبَنْآيِكُمُ الَّذِينَ
مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ
الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَُ إِنَّ اللّهَ كَانَ
غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ [النساء: ٢٣].
عن ابن عباس قال: يحرم من النسب
سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ
وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ
اَلْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] فهذه النسب (٤).
فهؤلاء هن المحرمات من النسب بإجماع
العلماء كما هو نص الآية الكريمة (٥).
(٣) لمسات بيانية، السامرائي ١/ ٦٩٢.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩١١.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٨٦.
www. modoee.com
١٤٧

حرف الألف
فكل هؤلاء اللواتي سماهن الله تعالى في قول الجمهور، وهما قابيل وهابيل كيف
وبين تحريمهن في هذه الآية، محرمات، عدا أحدهما على الآخر فقتله، بغيًا عليه
غیر جائز نکاحھن لمن حرم الله ذلك علیه
من الرجال، بإجماع جميع الأمة (١).
فتحرم الأخوات، وبنات الأخ وبنات
الأخت أبدًا.
بل یحرم الجمع بین أختین، وحكمته
دفع الغيرة عمن يريد الشرع بقاء تمام المودة
بينهما، وقد علم أن المراد الجمع بينهما فيما
فيه غيرة، وكذلك في التسري(٢).
تجريم الضرر بالأخ من النسب أو غيره:
فحرم الله القتل بين المؤمنين وشنعه
بقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِيّ
إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ, مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ
فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
و کان قصة ذلك قتل أحد ابني آدم لأخيه،
وتحيره في مواراته ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ
فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ
قَالَ يَوَبِلَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا
اَلْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىٌّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ
﴾ [المائدة: ٣١].
٣١
يقول تعالى مبينًا وخيم عاقبة البغي
والحسد والظلم في خبر ابني آدم الصلبه
(١) جامع البيان، الطبري ٣/ ٦٦٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤ /٣٠١.
وحسدًا له، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل
القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز
المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة،
وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في
الدارین ... و کلهم متفقون على أن هذین ابنا
آدم لصلبه، كما هو ظاهر القرآن (٣).
فما كان هناك مبرر ليحنق الأخ على
أخيه، وليجيش خاطر القتل في نفسه!
فخاطر القتل هو أبعد ما يرد على النفس
المستقيمة في هذا المجال ... مجال العبادة
والتقرب (٤).
والأصل أنه لا يجوز الإتيان بشيء يضر
بحقوق الأخ القريب أو البعيد.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على
النفس من وقع الحسام المهند(٥).
ثالثًا: الأخوة من الرضاعة:
كما أن الأخوة من النسب، فهي كذلك
من الرضاع ولها الحكم ذاته، والذي ذكره
الله عز وجل بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ
وَخَتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخْ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ
وَأُمَّهَتُكُمُ الَِّىَ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٧٩/٢.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٣٥٠.
(٥) الحيوان، الجاحظ ٣ / ٤٩٦.
١٤٨
مَوَسُوبَةُ النفسية
القرآن الكريم

الأذى
مِّنَ الرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ
فقوله:
الرَّضَعَةِ﴾ وهي الأخت لأب وأم، التي
أرضعتها أمك بلبان أبيك؛ سواء أرضعتها
معك أو ولدت قبلك أو بعدك، والأخت من
الأب دون الأم، التي أرضعتها زوجة أبيك،
والأخت من الأم دون الأب، التي أرضعتها
أمك بلبان رجل آخر ... وهما محرمتان
بالقرآن، ولم يذكر من المحرم بالرضاعة في
القرآن سواهما، والأم أصل والأخت فرع؛
فنبه بذلك على جميع الأصول والفروع(١).
والأبناء ثلاثة: ابن نسب، وابن رضاع،
وابن تبن.
فأما ابن النسب فمعلوم، ومعلوم حکمه.
وأما ابن الرضاع فيجري مجرى الابن في
جملة من الأحكام معظمها التحريم؛ لقوله
صلى الله عليه وسلم: ((يحرم من الرضاعة
ما يحرم من النسب»، وابن التبني كان في
صدر الإسلام ثم نسخ (٢).
فنص في هذه الآية على حرمة الأمهات
والأخوات من جهة الرضاعة إلا أن الحرمة
غير مقصورة عليهن؛ لأنه صلى الله عليه
وسلم قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من
النسب) وإنما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة
هذه الآيات، وذلك لأنه تعالى لما سمى
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/ ٧٤.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٤٨٧.
المرضعة أمًا والمرضعة أختًا؛ فقد نبه بذلك
علی أنه تعالی أجری الرضاع مجرى النسب،
وذلك لأنه تعالی حرم بسبب النسب سبعًا:
# اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق
الولادة وهما الأمهات والبنات.
خمس منها بطريق الأخوة وهو
٥
الأخوات والعمات والخالات وبنات
الأخ وبنات الأخت.
ثم إنه تعالى لما شرع بعد ذلك في أحوال
الرضاع ذكر من هذين القسمين صورة
واحدةً تنبيهًا بها على الباقي، فذكر من
قسم قرابة الولادة الأمهات ومن قسم قرابة
الأخوة الأخوات، ونبه بذکر هذين المثالين
من هذين القسمين على أن الحال في باب
الرضاع كالحال في النسب، ثم إنه صلى
الله عليه وسلم أكد هذا البيان بصريح قوله:
(يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))(٣)
فصار صريح الحديث مطابقًا لمفهوم الآية
وهذا بيان لطيف (٤).
ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ
أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ﴾
[النساء: ٢٣].
فكل أقارب الأم المرضع أقارب
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، رقم
٢٦٤٥، ٢/ ٠٧٩٨
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/١٠.
www. modoee.com
١٤٩

حرف الألف
للرضيع، فالمرضعة تصبح أمًا للرضيع،
وبنتها أخته، وزوجها أبوه، وأولادها
إخوته(١).
قلت: وكذلك ما تفرع عنهن أو تفرع
عنه، فانظر لجلال الله وجمال شريعته.
وأثبت تعالى الأخوة بين بنات المرضعة
وبين المرضع والحرمة بينهما مطلقًا من غير
فصل بين أخت وأخت، و کذا بنات بناتها
وبنات أبنائها وإن سفلن؛ لأنهن بنات أخ
المرضع وأخته من الرضاعة، وهن یحرمن
من النسب كذا من الرضاعة، ولو أرضعت
امرأة صغيرين من أولاد الأجانب صارا
أخوين لكونهما من أولاد المرضعة فلا
يجوز المناكحة بينهما إذا كان أحدهما أنثى،
والأصل في ذلك أن كل اثنين اجتمعا على
ثدي واحد صارا أخوين أو أختين أو أخًا
وأختاً من الرضاعة(٢).
والمرضوع يصبح ولدًا لزوج المرضعة،
فلو عنده أولاد من زوجة أخرى أصبح
المرضوع أخّا لهم؛ فيجري بينهم ما للرضاع
من أحكام.
والأصل في هذا ما ذكره ابن كثير
بقوله: ذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم
من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو
ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم.
(١) التفسير المنير، الزحيلي ٤/ ٣١٢.
(٢) بدائع الصنائع، الكاساني ٤/ ٢.
قال الترمذي(٣): «باب ما جاء أن الرضاعة
لا تحرم إلا في الصغر دون الحولین»: حدثنا
قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن هشام بن عروة،
عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة قالت:
قال رسول صلى الله عليه وسلم: ((لا يحرم
من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي،
و کان قبل الفطام»، وقال: هذا حديث حسن
صحیح.
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم وغيرهم: أن الرضاعة لا تحرم إلا
ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين
الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا (٤).
وعددها: خمس رضعات عن أكثر أهل
العلم، وفيه أقوال في كتب الفقه.
ورضاع الكبير: منسوخ عند فقهاء
الأمصار (٥).
فتكون الأخوة من الرضاع: ما كانت في
الحولين الأولى من الحياة، وبلغ عددها
خمسًا فأكثر، ولا اعتبار برضاع الكبير؛ لأن
الحکم فيه منسوخ.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الرضاع،
باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان في
الصغر، رقم ١١٥٢، ٤٥٨/٣.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦١/١.
(٥) أحكام القرآن، الجصاص ٦٧/٣.
١٥٠
مُوسُوبَة الَّهِيَّة
جوبيبو
القرآن الكريم

الأذى
رابعًا: الأخوة في الأوطان والعشيرة:
جاء ذكر الأخوة في القرآن الكريم بمعنى
أخوة الأوطان والديار، وهي من حقوق
الجوار كذلك التي نبه عليها الإسلام،
وجعلها حقًّا من حقوق الأخوة.
فهم إخوة قوم أو عشيرة ديارهم واحدة
ومساكنهم متقاربة، ومنه قول قريط (١):
لا يسألون أخاهم حین یندبهم
في النائبات على ما قال برهانا
ويمكن تقسيمها كالتالي:
١. أخوة الأوطان:
وفي القرآن الكريم وردت بهذا المعنى
آيات قليلة وإن كانت في حق الأنبياء.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ لَخُوهُمْ
أُوطُّ أَلَا نَفَّقُونَ (١)﴾ [الشعراء: ١٦١].
وجعل لوط أخّا لقومه ولم يكن من
نسبهم وإنما كان نزيلًا فيهم، إذ كان قوم
لوط من أهل فلسطين من الكنعانيين، وكان
لوط عبرانيًا وهو ابن أخي إبراهيم ولكنه
لما استوطن بلادهم وعاش فيهم وحالفهم
وظاهرهم جعل أخًا لهم(٢).
ولذا قال الله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحِ
وَأَصْحَبُ الرَّسِّ وَثَمُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ
﴾ [ق: ١٢ - ١٣].
١٣
ومن ذلك ما ذكره الله عن هود عليه
(١) العقد الفريد، ابن عبدربه ١٨/٣.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٨/١٩.
السلام: فقال تعالى:
لَفَاهِرْ هُودًا
إلَى عَادٍ
قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَاٍ غَيْرُهُمْ أَفَلَا
تَتَّقُونَ (٥)﴾ [الأعراف: ٦٥].
أخاهم بمعنى: واحدًا منهم كما يقولون:
(يا أخا العرب) وإنما أرسل منهم؛ لأنهم
أفهم لقوله من قول غيره، وأعرف بحاله في
صدقه وأمانته وشرف أصله، وأرغب في
اقتفائه(٣).
وكذلك قوله: ﴿وَ إِلَى عَادٍأَ خَاهُمْ هُودَّاً قَالَ
يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُ هُمْ إِنْ
أَنْتُمْ إِلََّ مُفْتَرُونَ ﴾ [هود: ٥٠].
٢٠٠٠٠٠
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ هُودُ أَلَا
نَثَّقُونَ ﴾ [الشعراء: ١٢٤].
أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، قال
ابن عباس: أي: ابن أبيهم، -وتقدم أنه ليس
كذلك- وقيل: أخاهم في القبيلة، وقيل:
أي: بشرًا من بني أبيهم آدم، وفي مصنف أبي
داود أن أخاهم هودًا صاحبهم (٤).
وسماه أخّا تنبيهًا على إشفاقه عليهم
شفقة الأخ على أخيه، وعلى هذا قوله تعالى:
﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣].
﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٦٥].
[الأعراف:
﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
٨٥](٥).
(٣) الكشاف، الزمخشري ٦٨/٢، محاسن
التأويل، القاسمي ١١٤/٥.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٢٣٦.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ٦٨/١.
www. modoee.com
١٥١

حرف الألف
فأخوة الأوطان تحمل الأخ على العيش
مع إخوانه في ديارهم، وتقدیم الخير لهم،
ورفع الضر عنهم، والتعاون معهم، ودفع
الصائل عنهم، فله ما لهم وعليه ما عليهم،
وهذا ما نبه عليه الإسلام في اهتمامه الأعظم
بحقوق الجار خاصة إن كانوا مسلمين
أقرباء.
٢. أخوة العشيرة:
وأخوة العشيرة(١) هي أخوة نسب لكنها
ليست الأخوة المعتادة، فتكون بين الأشقاء
أو غير الأشقاء أو بين الرضعاء، أو أبناءهم
مجتمعين في عشيرة واحدة.
والعشيرة تنقسم فيها فخوذ الناس على
مراتب النسب، وتكون نسبتها لأب مشهور
من نسل والد قديم أشهر منه، وتطلق على
قوم تعاشروا في ظروف معينة و کانت بينهم
أمور تجمعهم.
وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه
وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين، أي: الأدنين
إليه(٢)، فلما دعاهم دعا عشيرته الذي ينتمي
وإیاهم إلى جد واحد، فخص الأقربین؛ لأن
الاهتمام بشأنهم أولی، وهدایتهم إلى الحق
(١) العشيرة: الجماعة أو القبيلة.
وقيل: الأدنى إلى الرجل من أهله، وهم ولد
أبيه وجده.
انظر: فتح الباري، ابن حجر ١٠/ ٤٥٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ١٣٦٣.
أقوم(٣).
ويمكن الاعتماد في هذا الجزء على
البيان المتقدم في أخوة النسب.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٤ /١٥٨.
صَوَسُولَةُ التَّفي
جوبيبو
القرآن الكريم
١٥٢

الأذى
أحكام وعلاقات مرتبة على الأخوة
أولًا: الميراث:
من أعظم ما جاء به الإسلام قضية
الميراث، بل وصل من حب الأخوة
المؤمنين في بداية الإسلام أن يرث الأخ في
الله أخاه، خاصة الذين آخى بينهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين
والأنصار، ثم نسخ ذلك.
ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقًا مع
الابن أو ابن الابن أو الأب وفي ميراثهم مع
الجد خلاف، ويورثون مع البنات إلا الإخوة
لأم ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين (١).
وفي بيان ذلك يقول الله: ﴿﴿ وَلَكُمْ
نِصَِّفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ إِن أَوْ يَكُنُ لَّهُنَّ
وَلَدْ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَا
تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا
أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَ الرُّبُعُ مِمَا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ
يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌّ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ
فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةِ
تُوُصُونَ بِهَا أَوْدَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ
كَلَلَّةَّ أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُوَأَخُّ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلْ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا السُّدُّسَُّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ
فَهُمْ شُرَكَاءُ فِ الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ
يُؤْصَى بِهَا أَوْدَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍ وَصِيَّةٌ مِّنَ اللّهُ
وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ [النساء: ١٢].
(١) انظر: الدراري المضيئة، الشوكاني ٤٢٩/٢.
يعني بقوله جل ثناؤه: «وله أخ أو أخت))،
وللرجل الذي يورث كلالة أخ أو أخت،
يعني: أخّا أو أختًا من أمه(٢).
وقوله تعالى: وله أخ أو أخت أي: من أم
كما هو في قراءة بعض السلف، منهم سعد
بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكذا فسرها
أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيما رواه
قتادة عنه فلكل واحد منهما السدس فإن
كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث (٣).
وميراث الأخوة له تفاصيل مرتبة عند
الفقهاء وعلماء الفرائض.
فلم يجز أن يقطع على مراد الله تعالى
إلا بالإجماع المتيقن الثابت إذا لم نجد
نصًا مفسرًا؛ فوجب بهذا أن لا يرث الإخوة
کیف کانوا، إلا حیث یعدم کل من ذکرنا،
إلا أن يوجب ميراث بعضهم نص صحيح
فیوقف عنده، وليس ذلك إلا في موضعین
فقط: وهو الأخ الشقيق، أو للأب مع الابنة
فصاعدًا، وأخت مثله معه فصاعدًا، ما لم
يستوف البنات الثلثين، والموضع الثاني:
الأخت کذلك مع البنت، أو البنات حیث لا
عاصب للميت فقط وبالله تعالى التوفيق (٤).
وأجمع العلماء على أن المراد بالإخوة
هنا الإخوة للأم، وميراث الإخوة والأخوات
الأشقاء أو لأب مذكور في قوله عز وجل:
(٢) جامع البيان، الطبري ٦٢٨/٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤١٧.
(٤) انظر: المحلى، ابن حزم ٢٨٥/٨.
www. modoee.com
١٥٣

حرف الألف
﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَةِ﴾
[النساء: ١٧٦].
فالأخت الواحدة شقيقة أو لأب لها
النصف، والثنتان لهما الثلثان، والشقيقة
الواحدة مع الأخت للأب أو الأخوات
تأخذ النصف، والباقي من الثلثين للأخت أو
الأخوات لأب وهو السدس تكملة الثلثين،
وإذا استغرقت الشقيقات الثلثين سقط
الأخوات للأب كما تقدم في البنات وبنات
الابن، وإن كان الإخوة رجالاً ونساءً فللذکر
مثل حظ الأنثيين (١).
وللأخ ميراث من أخيه معروف عند
علماء الفرائض، وذلك لقوة الصلة بين
الإخوة ومراعاة الإسلام لحالها بعد وفاة
أحدهما.
ثانيًا: حرمة النكاح:
حرم القرآن الكريم نكاحًا وأحل آخر
-ولا يحل إلا طيبًا- لترتيب التعايش
بين المؤمنين، وأهم ما حرم نكاحه بين
الأخوة ما ذكره الله عز وجل بقوله:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُقُهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ
وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَاتُكُمْ وَبَنَاتُ
الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ
أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ
وَأُمَّهَتُ نِسَآپِكُمْ وَرَبِپِبُكُمُ الَّتِى فِى
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٨٠.
حُجُورِ كُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم
بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِكَ فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْنَا بِكُمُ
الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ
بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَُ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ [النساء: ٢٣].
فكانت المحرمات -بالأخوة- على
الأخ بلفظ الآية ما يأتي:
١. الأخوات: من أم أو أب أو منهما (٢).
٢. أخوات الأب والأم وهما العمة
والخالة: فإن العمة والخالة بمنزلة
الأم (٣).
٣. بنات الأخ وفروعها: شقيقًا كان أو غير
شقیق.
٤. بنات الأخت وفروعها: شقيقة أو غير
شقيقة.
ولفظ البنات: شامل لبنات البنات وبنات
بناتهن وهذا لا نزاع فیه بین المسلمین، وهو
نص قرآني صحيح في استواء بنات بنيهن
وبنات بناتهن(٤).
١. الأخت من الرضاعة وما تفرع عنها:
وهي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك،
سواء أرضعتها معك أو مع من قبلك
أو بعدك من الإخوة والأخوات (٥)،
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٦٦/٣.
(٣) روح المعاني، الألوسي ٦٣٨/٤.
(٤) أضواء البيان، الشنقيطي ١٠٥/٧.
(٥) فتح القدير، الشوكاني ٧١٤/١.
مُوسُو ◌َ الْبَسيد
جوسى
القرآن الكريم
١٥٤

الآدى
قلت: و کذلك من رضعت من أمها وإن
سفلت.
٢. الجمع بين أختين: في الوطء بنكاح أو
ملك يمين من نسب أو رضاع، لما فيه
من قطيعة الرحم إلا ما قد سلف في
الجاهلية فإنه معفو عنه(١).
ومن أعظم وأروع دلالات الحب التي
وردت في هذا الباب، حب لم يقتصر في
رجال المسلمين فحسب، بل فهمته نساؤهم
كذلك، حتى بذلت الأخت المسلمة لأختها
في النسب أو غيره من الخير أمورًا فاقت
علاقات الأمم جميعًا.
فقد ورد أن أم حبيبة قالت: يا رسول
الله؟ هل لك في أختي؟ قال: ((فأفعل
ماذا؟)) قالت: فتنكحها، قال: ((أختك؟))
قالت: نعم، قال: ((أو تحبين ذاك؟)) قالت:
لست بمخلية بك، وأحب من شركني في
خير أختي، قال: ((فإنها لا تحل لي)) قالت:
فوالله لقد أخبرت أنك تخطب درة - أو ذرة
-(شك زهیر)، بنت أبي سلمة، قال: ((بنت أم
سلمة؟)) قالت: نعم، قال: ((أما والله لو لم
تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها ابنة
أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة،
فلا تعرضن علي بناتكن، ولا أخواتكن)) (٢).
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٧٣/٣.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب
يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، رقم
٠٣٧٧/٢،٢٠٥٦
والمحرمون -بالأخوة- على الأخت
بمفهوم الآية ما يلي:
١. الأخ وأبناؤه: شقيقًا أوغير شقيق
وكذلك من الرضاعة.
٢. إخوة أبيها: من النسب أو الرضاع.
٣. إخوة أمها: من النسب أو الرضاع.
٤. كل أصل وفرع من طريق الأخ يحرم
بالنسب أو الرضاع.
لقد حث القرآن الكريم على الأخوة ولم
یترکها هملًا، بل شيد لها أعظم بنيان ثابت
الأركان، فلن تجد فيه أمرًا أو نهيًا إلا لتكون
هذه الأخوة دائمة الوصال محكمة الحبال،
تجمع أحبابها لينعموا في ظل كبير يسمى
(«الأخوة الإسلامية».
ثالثًا: الإصلاح بين الإخوان:
وأول الإصلاح ما هيأه الله سبحانه
من إصلاح حال عباده المؤمنين بفضله
وبرحمته، فإنه قال: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُنْتُمْ أَعْدَآءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ:
إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
يعني: فأصبحتم بتأليف الله عز وجل
بينكم بالإسلام وكلمة الحق، والتعاون على
نصرة أهل الإيمان، والتآزر على من خالفكم
من أهل الكفر، إخوانًا متصادقين، لا ضغائن
www. modoee.com
١٥٥

حرف الألف
بینكم ولا تحاسد(١).
وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج،
فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية،
وعداوة شديدة وضغائن وإحن، طال
بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله
بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا
إخوانًا متحابين بجلال الله، متواصلين في
ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال
﴿ وَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنْفَقْتَ
الله تعالى:
مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيِّنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].
إلى آخر الآية، وكانوا على شفا حفرة
من النار بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها
أن هداهم للإيمان، وقد امتن عليهم بذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قسم
غنائم حنین، فعتب من عتب منهم، بما فضل
عليهم في القسم، بما أراه الله فخطبهم
فقال: (يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالًا
فهداكم الله بي، و کنتم متفرقین فألفكم الله
پي، وعالة فأغناكم الله بي؟) فكلما قال شيئًا
قالوا: الله ورسوله أمن(٢).
فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام
-من الركيزة الأولى- أساسها الاعتصام
(١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٨٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٣/١.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه،
كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، رقم
٤٣٣٠، ٠١٣٠٦/٣
بحبل الله -أي: عهده ونهجه ودینه-
وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر،
ولا علی أي هدف آخر، ولا بواسطة حبل
آخر من حبال الجاهلية الكثيرة! قال تعالى:
﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُوا﴾
[آل عمران: ١٠٣].
هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة
يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى،
وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده
دائمًا، وهو هنا يذكرهم هذه النعمة(٣).
ومتى ما حصل لهذه الأخوة خلل أو
خدش پخشی تفاقمه أوجب الله علی جمیع
المؤمنين السعي بالصلح بين المؤمنين
جماعات وفرادى.
فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَنُهُمَا عَلَى
اٌلْأُخْرَى فَقَدِلُواْ أَلَتِى تَبْغِى حَّى تَّفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اَللَّهِ
فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُنْ تُرْحَمُونَ
[الحجرات: ٩ - ١٠].
١٠
يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل
الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون
بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله،
والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو
الإصلاح بينهما بالعدل ﴿فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٤٤/١.
مَوْسُو ◌َرُ النَّفْسِي
القرآن الكريم
١٥٦