Indexed OCR Text

Pages 1-20

جَوْ عَدُ النفسية الموضوع
لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ
الإِخْلَاصِ
عناصر الموضوع
مفهوم الإخلاص
١٠٦
الإخلاص في الاستعمال القرآني
١٠٨
الألفاظ ذات الصلة
١٠٩
منزلة الإخلاص ودرجاته
١١١
صور الإخلاص
١١٤
وسائل تحقيق الإخلاص
١٢٠
ثمرات الإخلاص
١٣٠
المجلدالثانى

حرف الألف
مفهوم الإخلاص
أولًا: المعنى اللغوي:
(خلص) الشيء صار (خالصًا) وبابه دخل، و(خلص) إليه الشيء وصل، و(خلصه)
من كذا (تخليصًا) أي: نجاه (فتخلص)، و(خلاصة) السمن بالضم ما خلص منه، وكذا
(خلاصته) بالكسر، و(أخلص) السمن طبخه، و(الإخلاص) أيضًا في الطاعة ترك الرياء،
وقد (أخلص) لله الدين، و(خالصه) في العشرة صافاه، وهذا الشيء (خالصةٌ) لك أي:
خاصةٌ، و(استخلصه) لنفسه استخصه، و(المخلص): الذي أخلصه الله جعله مختارًا
خالصًا من الدنس، و(المخلص): الذي وحد الله تعالى خالصًا، و(المخلصون) المختارون،
و(المخلصون) الموحدون، وضد الإخلاص الشرك، والرياء، وابتغاء غير وجه الله (١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف العلماء الإخلاص بتعريفات عدة منها ما يأتي:
قال الجنيد: الإخلاص ((ما أريد به الله من أي عمل كان))(٢).
قال ابن القيم: الإخلاص ((تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين)) (٣).
عرفه الشيخ العثيمين بقوله: ((الإخلاص هو التنقية، والمراد به أن يقصد المرء بعبادته
وجه الله عز وجل، والوصول إلى دار كرامته، بحيث لا یعبد معه غيره لا ملگا مقربًا، ولا نبيًا
مرسلاً)»(٤).
وقال الجرجاني في أحد تعاريفه للإخلاص: ((ستر بين العبد وبين الله تعالى، لا يعلمه
ملك فیکتبه، ولا شيطان فیفسده، ولا هوی فیمیله» (٥).
فالمعنى الاصطلاحي خص ببعض معانيه اللغوية.
ثالثًا: الفرق بين المُخْلِص والمُخْلَص:
المُخْلِصُون - بكسر اللام - جمع مُخْلِص، وهو الذي أخلص عبادته لله تعالى فلم يشرك
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٩٤، لسان العرب، ابن منظور، ٧/ ٢٦.
(٢) التعرف لمذهب أهل التصوف، الكلاباذي، ص ٩٩.
(٣) مدارج السالكين، ٢/ ٩١.
(٤) شرح ثلاثة الأصول، ص ٣٧.
(٥) التعريفات، ص ١٤.
جَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
١٠٦

الأخوة
به شیئا، فهو بهذا اسم فاعل.
وأما المُخْلَصُون - بفتح اللام - فهو جمع مُخْلَص، أي: من أخلصه الله تعالی واختاره،
فهو اسم مفعول، وقد قرئ قول الله تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ
٢٤
* [يوسف: ٢٤] بكسر اللام وبفتحها.
قال ابن جرير الطبري: بفتح اللام من المخلصين بتأويل أن يوسف من عبادنا الذين
أخلصناهم لأنفسنا واخترناهم لنبوتنا ورسالتنا، بكسر اللام بمعنى أن يوسف من عبادنا
الذين أخلصوا توحيدنا وعبادتنا فلم يشركوا بنا شيئًا غيرنا(١).
فالمُخْلِص من كانت أعماله خالصةً لله، أي: يقوم بها لله فقط، ولا يقوم بها لغيره لا
بالانفراد، أي: لغير الله فقط، ولا بالشركة، أي: لغير الله ولله معًا، وقد وردت في هذا المعنى
آيات عديدة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُّ كُمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
﴾ [الأعراف: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَىُّ لَآ إِلَهَ إِلََّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَُّ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ
٦٥
ا﴾ [غافر: ٦٥].
وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِ اَلْفُلْكِ دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَمَّا نَّمُهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ
يُشْرِكُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
وقوله تعالى: ﴿فَدَّعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ ﴾ [غافر: ١٤].
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اَللَّه أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِ ﴾ [الزمر: ١٤].
أما المُخْلَص - بصيغة المفعول- فهو من طبعه الله بطابع الإخلاص، أي: ختمه ومهره
بختم الإخلاص، فاستخلصه وجعله خالصًا وأيد إخلاصه، ووردت في هذا المعنى أيضًا
آیات عديدة.
﴿قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
قال تعالى:
(٨٣
[ص: ٨٢ - ٨٣].
وفي هذه الآية يقسم الشيطان بعزة الله تعالى بعد أن طرده الله من الجنة لما رفض السجود
لآدم (عليه السلام) أنه سيقوم بإغواء بني آدم كلهم، ولكنه استثنى منهم عباد الله المخلصين،
فإن من استخلصهم الله تعالى ووقع على إخلاصهم، لا يقدر إبليس على إغوائهم، ولما
تحدث الله عن أنبيائه وصفهم بالإخلاص، قال الله تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿وَاذْكُرْ
فِي الْكِتَبِ مُوسَىَّ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّاً ﴾ [مريم: ٥١].
(١) انظر: جامع البيان، ١٦/ ٥٠.
www. modoee.com
١٠٧

حرف الألف
الإخلاص في الاستعمال القرآني
وردت مادة (خلص) في القرآن (٣٨) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٣
إِنَّا أَخْلَصْنَهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى النَّارِ ﴾ [ص: ٤٦]
الفعل المضارع
١
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ اثْنُونِ بِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِىٌّ فَلَمَّا كَلَّمَُّ قَالَ
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُّ أَمِينٌ ﴾ [يوسف: ٥٤]
اسم الفاعل
١٨
(إِنَّا أَنْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ
الدِّينَ ﴾ [الزمر: ٢]
﴿وَأَذْكُرْ فِي الْكِتَبِ مُوسَىَّ إِنَّهُ، كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا
اسم المفعول
٩
[مريم: ٥١]
٥١
مصدر
٧
﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةٌ
مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
[البقرة: ٩٤]
٩٤
وجاء الإخلاص في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: تنقية الشيء وتهذيبه، وأخلص الدين:
أمحضه، والمخلص الذي اختاره الله(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبدالله جلغوم ص٤٧٩.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٨/٢، لسان العرب، ابن منظور ٣٦/٧.
١٠٨
مُوسُوبَة النَّتِيّة
جوسى
القرآن الكريم

الأخوة
الألفاظ ذات الصلة
١
النية:
النية لغةً:
(نوي): نويته أنويه قصدته والاسم النية، والنية: القصد (١)، وخصت النية في غالب
الاستعمال بعزم القلب على أمرٍ من الأمور (٢).
النية اصطلاحًا:
مجرد القصد إلى الشيء أو الإرادة له من دون اعتبار أمر آخر(٣)، وهي توجه القلب نحو
العمل، وليس من ذلك بشيء(٤).
الصلة بين الإخلاص والنية:
بينهما علاقة وطيدة حيث إن الإخلاص يعني قصد الله سبحانه وتعالى في العبادة، والنية
تعني القصد والعزم على الأمر ، ويلاحظ أن بينهما عمومًا وخصوصًا فالنية أعم، إذ هي
تشمل النية الحسنة والسيئة، بخلاف الإخلاص الذي يختص بالنية الصالحة الحسنة فقط.
القصد:
٢
القصد لغةً:
إتيان الشيء تقول: (قصده) وقصد له وقصد إليه كله بمعنّ واحدٍ، و(قصد) قصده أي:
نحا نحوه، القصد: استقامة الطريق، قصد يقصد قصدًا، فهو قاصد (٥).
القصد اصطلاحًا:
استقامة الطريق (٦)، وقيل: المعنى دون اللفظ (٧)، وقيل القصد: إرادة المتكلم مع إدراك
معنى الكلام وما يترتب عليه من التزامات؛ لأن الألفاظ تعبر وتدل على ما في النفس، لتترتب
الأحكام عليها (٨).
(١) انظر: القاموس الفقهي، سعدي أبو حبيب، ص ٣٦٣.
(٢) انظر: المصباح المنير، الفيومي، ٢/ ٦٣٢.
(٣) انظر: الروضة الندية، القنوجي، ١/ ٢٢٦.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٨٣١.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٣٥٣/٣.
(٦) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٦٧٢.
(٧) انظر: التبصرة في أصول الفقه، الشيرازي، ص ٣٤٦.
(٨) انظر: القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، الزحيلي، ٢/ ٧٩٦.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الألف
الصلة بين القصد والإخلاص:
أن القصد بمعنى الإرادة، والإخلاص أيضًا یأتي بمعنی إرادة العبد ربه في عبادته دون
غيره، فالإخلاص له صلة وثيقة بالقصد.
الرياء:
٣
الرياء لغةً:
يقال فلانٌ (مراءٍ)، وقومٌ (مراءون)، والاسم (الرياء) يقال: فعل ذلك رياءً وسمعةً، إظهار
غیر ما في الباطن(١).
الرياء اصطلاحًا:
العمل لرؤية الناس والسمعة لأجل سماعهم(٢) وقيل: الرياء هو أن يعمل المرء العمل
ظاهره أنه لله ولکنه في الباطن یرید به مدح الناس له.
الصلة بين الرياء والإخلاص:
أن الرياء من الألفاظ المقابلة للإخلاص، فالرياء يقصد منه إرضاء الناس، أما الإخلاص
يقصد منه ابتغاء وجه الله تعالى.
الشرك :
٤
الشرك لغةً:
هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا، عينًا كان ذلك الشيء، أو معنى(٣).
الشرك اصطلاحًا:
عبادة غير الله تعالى (٤)، وقيل: الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به أو
اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا
إليه (٥).
الصلة بين الإخلاص والشرك:
أن الشرك من الألفاظ المقابلة للإخلاص، فالشرك يعني عبادة غير الله تعالى معه، أما
الإخلاص فهو توجه العبد إلى ربه دون غيره.
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ١١٥، لسان العرب، ابن منظور، ١٠/ ٣٥٩.
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان عبد الوهاب، ص ٤٥٢.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٤٥١.
(٤) انظر: دحض شبهات على التوحيد، عبد الله بن خميس، ص ٣٣.
(٥) انظر: صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، محمد السهسواني، ص ١٦٠.
١١٠
القرآن الكريم

الأخوة
منزلة الإخلاص ودرجاته
حفل القرآن الكريم بالآيات العديدة
التي تتحدث عن الإخلاص، وبيان منزلة
المخلصين، والأجر الذي أعدہ لهم، كما
تحدث العلماء عن درجات الإخلاص
في العبادات ومنهم ابن القيم رحمه الله،
وسوف نتعرف في هذا المبحث على منزلة
الإخلاص ودرجاته في القرآن الكريم.
أولًا: منزلة الإخلاص
يعد الإخلاص من أهم أعمال القلوب
المندرجة في تعريف الإيمان، وأعظمها
قدرًا ومنزلة، بل إن أعمال القلوب عمومًا
أهم من أعمال الجوارح، ويكفي أن العمل
القلبي هو الفرق بين الإيمان والكفر،
فالساجد لله والساجد للصنم كلاهما قام
بالعمل نفسه، لكن القصد يختلف، وبناء
علیه آمن هذا و کفر هذا.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله في بيان
أهمية أعمال القلوب: ((وهي من أصول
الإيمان وقواعد الدين، مثل محبته لله
ورسوله، والتوكل على الله، وإخلاص
الدين لله، والشكر له والصبر على حكمه،
والخوف منه، والرجاء له، وما يتبع ذلك))(١).
فالإخلاص له منزلة عظيمة في كتاب
(١) أمراض القلوب وشفاؤها، ابن تيمية، ص
٣٦.
الله سبحانه وتعالى، فهو مضمون دعوة
الرسل وحقيقة الدين.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ﴾ [البينة: ٥].
يقول الإمام السعدي في تفسيره لهذه
الآية: ((قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة
والباطنة وجه الله))(٢).
وقال تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَّوَةَ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
[الملك: ٢].
قال الفضيل بن عياض في هذه
الآية: «أخلصه وأصوبه)»، قلت: ما أخلصه
وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا
ولم یکن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا
ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا
صوابًا، والخالص: إذا كان لله، والصواب:
إذا كان على السنة (٣).
وقال سبحانه وتعالى مخاطبًا نبيه صلى
الله عليه وسلم: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ
بالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الذِينَ
[الزمر: ٢].
أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع
الخلق إلى عبادته، وأعلمهم أنه لا تصلح
العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريكٌ ولا
عديلٌ ولا نديدٌ؛ ولهذا قال: ﴿أَلَا ◌ِلَّهِ الدِّينُ
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٩٣٢.
(٣) انظر: الكشف والبيان، الثعالبي، ٩/ ٣٥٦.
www. modoee.com
١١١

حرف الألف
اْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣].
أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه
العامل لله، وحده لا شريك له(١).
وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ, دِينِ
:[الزمر: ١٤].
قل إني أمرت بإخلاص الدين وأمرت
بذلك لأن أكون أول المسلمين، أي:
مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة،
ولمعنى: أن الإخلاص له السبقة في الدين،
فمن أخلص كان سابقًا(٢).
ثانيًا: درجات الإخلاص:
ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في
مدارج السالكين درجات الإخلاص (٣):
الدرجة الأولى: إخراج رؤية العمل عن
العمل والخلاص من طلب العوض على
العمل، ويقصد بهذه الدرجة تصفية العمل
من كل شوبٍ بحيث لا يخالط عمله أي
عرض من أعراض الدنيا الزائلة، أي: لا
يمازج عمله ما يشوبه من شوائب النفس
إما طلب التزين في قلوب الخلق، وإما
طلب مدحهم، والهرب من ذمهم، أو طلب
تعظیمهم، أو غير ذلك.
ويعرض للعامل في عمله ثلاث آفاتٍ:
رؤيته وملاحظته، وطلب العوض عليه،
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/ ٨٤.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٤ / ١١٨.
(٣) انظر: مدارج السالكين، ٩٣/٢.
ورضاه به وسكونه إليه.
ففي هذه الدرجة يتخلص من هذه
الآفات، فالذي يخلصه من رؤية عمله
مشاهدته لمنة الله علیه وفضله، وأنه بالله لا
بنفسه، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا
مشيئته هو، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُ ونَ إِلََّ
أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ [التكوير: ٢٩].
فالخير الذي يصدر منها إنما هو من الله
وبه، لا من العبد، ولا به، كما قال تعالى:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, مَا زَكَ مِنْكُم مِّنْ
أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَِّ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢﴾ [النور: ٢١].
فكل خيرٍ في العبد فإنما هو فضل الله
ومنته، فالذي يخلص العبد من هذه الآفة:
معرفة ربه، ومعرفة نفسه، والذي يخلصه
من طلب العوض على العمل: علمه بأنه
عبدٌ محضٍّ، والعبد لا يستحق على خدمته
لسيده عوضًا ولا أجرةً؛ إذ هو يخدمه
بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من
الأجر والثواب تفضلٌ منه وإنعام.
والذي يخلصه من رضاه بعمله وسكونه
إليه أمران:
الأول: مطالعة عيوبه وآفاته، وتقصيره
فیھا.
الثاني: علمه بما يستحقه الرب جل
جلاله من حقوق العبودية.
الدرجة الثانية: الخجل من العمل مع
مَوَسُورُ النفسية
القرآن الكريم
١١٢

الأخوة
بذل المجهود، وتوفير الجهد بالاحتماء من
الشهود، ورؤية العمل في نور التوفيق من
عين الجود.
﴿وَذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ
قال تعالى:
وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَّةً أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ
[المؤمنون: ٦٠].
٦٠
أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون،
فلا ينجيهم ما فعلوا من ذلك من عذاب الله،
فهم خائفون من المرجع إلى الله(١).
واشتملت هذه الدرجة على خمسة
أشیاء: عملٌ، واجتهادٌ فیه، وخجلٌ، وحياءٌ
من الله عز وجل، وصيانةٌ عن شهوده منك،
ورؤيته من عین جود الله سبحانه ومنه.
الدرجة الثالثة: إخلاص العمل بالخلاص
من العمل، تدعه يسير سير العلم، الكلام:
أنك تجعل عملك تابعًا لعلمٍ، موافقًا له،
ناظرًا إلى الحكم الديني الأمري، متقيدًا به
ناظرًا إلى ترتب الثواب والعقاب علیه سببًا
وكسبًا. ومع ذلك فتسير أنت بقلبك، مشاهدًا
للحكم الشرعي، فیکون قائمًا بالأمر والنهي
فعلًا وتركًا، سائرًا بسيره، وبالقضاء والقدر،
إيمانًا وشهودًا وحقيقةً، فهو ناظرٌ إلى
الحقيقة، قائمٌ بالشريعة.
قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
٢٩
٢٨
[التكوير: ٢٨-٢٩].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٩/ ٤٤.
أي: وما تشاءون الاستقامة أو غيرها، إلا
إذا شاءها وأرادها الله تعالى رب العالمين؛
إذ مشيئة الله تعالى هي النافذة، أما مشيئتكم
فلا وزن لها إلا إذا أذنت بها مشيئته تعالى (٢).
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل
مشيئة لا قيمة لها ولا وزن، إلا إذا أيدتها
مشيئة الله عز وجل .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ
أَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلاً * وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ
أَنْ يَشَآءَ اللّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾
[الإنسان: ٢٩- ٣٠].
(٢) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، ١٥/
٣٠٦.
www. modoee.com
١١٣

حرف الألف
صور الإخلاص
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه صورًا
متعددة للإخلاص؛ كإخلاص الدين لله
تعالى، والإخلاص في العقيدة، والعبادة،
والشعائر، والدعاء، والعلم والدعوة، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما
سنتحدث عنه في هذا المبحث.
١. إخلاص الدين لله.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥].
لما كان المراد الإخلاص الذي هو
أشرف الأشياء، عبر عنه بالوجه الذي هو
أشرف الأعضاء فقال: ﴿وَجْهَدُ﴾، أي:
الجهة التي يتوجه إليها بوجهه، أي: قصده
كله ﴿لِلَّهِ﴾ فلا حركة له وسكنة ولا عمل
ولا عبادة إلا فيما يرضاه، لكونه الواحد
الذي لا مثل له(١).
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ
بِالْحَقِّ فَأَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ أَذِينَ ﴾
[الزمر: ٢].
يقول الطبري في تفسيره: (( يقول تعالى
ذکره لنبيه محمد صلی الله عليه وسلم: إنا
أنزلنا إليك يا محمد الكتاب، يعني بالكتاب:
القرآن (بالحق) يعني بالعدل، يقول: أنزلنا
إليك هذا القرآن يأمر بالحق والعدل، ومن
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٤١٢/٥.
ذلك الحق والعدل أن تعبد الله مخلصًا له
الدين، لأن الدين له لا للأوثان التي لا تملك
ضرًا ولا نفعًا))(٢).
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوّا إِلَّ لِيَعْبُدُواْ اللّهُ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ﴾: إخلاص الدين له
يخرج على وجهين:
الأول: أن يخلص له الدین، ويصفى، لا
یشرك فيه غيره، ویکون من خلوصه وصفائه.
والثاني: الدين الخالص هو الدائم (٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبَُّا اللَّهُ
ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلَّا
تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِ كُمْ
تُوعَدُونَ ) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الْحَيَوْقِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا نَشْتَهِىّ
أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ
٣١
[فصلت: ٣٠-٣١].
﴿رَبَُّا اللّهُ﴾ وحدوا الله و﴿أَسْتَقَمُواْ﴾
على التوحيد أو على لزوم الطاعة وأداء
الفرائض، أو على إخلاص الدين والعمل
إلى الموت، أو استقاموا في أفعالهم
كما استقاموا في أقوالهم، أو استقاموا
سرًا كما استقاموا جهرًا ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلَبِكَةُ﴾ عند الموت، أو عند
الخروج من قبورهم ﴿أَلََّتَخَافُواْ﴾ أمامكم
(٢) جامع البيان، ٢١/ ٢٤٨.
(٣) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ١٠/
٥٩١.
مَوَسُو ◌َر الْبَشِد
القرآن الكريم
١١٤

لأخوة
﴿وَلَا تَخْزَنُوا﴾.
ثم بشرهم بالجنة؛ لأن الاستقامة على
منهاج الحق والخير وطاعة الله تعالی، دلیل
على الإخلاص في الدين، والانحراف عن
ذلك المنهاج أمارة واضحة على الجهالة
وقلة الوعي وضعف الإدراك، والجبن
والمهانة، والانصياع للذات والأهواء
والشهوات، فما استقام أحد إلا نجا وأفلح،
وكان متماسك الشخصية، قوي العزيمة
والإرادة، وما ضل أحد إلا هلك ودمر
نفسه، وكان خائر العزيمة، ضعيف الإرادة،
لذا كان الدين سبيلاً لخير الإنسان، وإبعاده
عن الشرور والآثام، فجاء القرآن الكريم
يحض على الاستقامة (١).
٢. إخلاص العقيدة.
إذا تأملنا القرآن الكريم، وسيرة الرسول
صلى الله عليه وسلم في الدعوة، نصل
إلى حقيقة واضحة كل الوضوح، أن غالب
آيات القرآن الكريم جاءت في تقرير عقيدة
التوحيد، توحيد الإلوهية، والربوبية،
والأسماء والصفات، والدعوة إلى إخلاص
العبادة والدين لله وحده لا شريك له،
وتثبيت أصول الاعتقاد.
ولقد قضی رسول الله صلی الله علیه
وسلم غالب وقته في تقرير الاعتقاد والدعوة
(١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، ٣/ ٢٣٠٤،
تفسير العز بن عبد السلام، ٣/ ١٣٠.
إلى توحيد الله تعالى بالعبادة والطاعة.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآْجُونَنَا فِ اللَّهِ وَهُوَ
رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ
وَغَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (٦)﴾ [البقرة: ١٣٩].
يقول ابن كثير: (( يقول الله تعالى مرشدًا
نبيه صلوات الله وسلامه عليه إلى درء
مجادلة المشركين: ﴿ قُلْ أَتُحَاْ جُونَنَا فِى الَّهِ ﴾
أي: أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص
له والانقياد، واتباع أوامره وترك زواجره
وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ المتصرف فينا وفيكم،
المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا
شريك له! ﴿وَلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾
أي: نحن برآء منكم، وأنتم برآء منا))(٢).
قال تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُوْلِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ
عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً )
[الكهف: ١١٠].
﴿فَ كَانَ يَرْحُواْلِقَآءَ رَبِّهِ ﴾ يقول: فمن يخاف
ربه يوم يلقاه، ويراقبه على معاصيه، ويرجو
ثوابه على طاعته ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾
يقول: فليخلص له العبادة، وليفرد له
الربوبية، ولا یجعل له شریگًا في عبادته(٣).
٣. إخلاص العبادة.
من صور الإخلاص التي لا بد للمسلم أن
يحرص على تحقيقها الإخلاص في العبادة،
فقد أمر الله سبحانه وتعالی نبیه أن يخلص
(٢) تفسير القرآن العظيم ، ١ / ٤٥١.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/ ١٣٥.
www. modoee.com
١١٥

حرف الألف
في عبادته لربه.
قال تعالى: ﴿فَأَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ
[الزمر: ٢] أي: فاعبد الله وحده
مخلصًا له في عبادتك، ولا تقصد بعملك
إلا الله ﴿أَلَِّلَّهِ الدِّينُّ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
أي: ألا فانتبهوا أيها الناس: إن الله تعالى
لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم؛
لأنه المتفرد بصفات الألوهية، المطلع
على السرائر الضمائر(١)، وقال تعالى:
﴿قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ
11
[الزمر: ١١].
أي: ((إنما أمرت بإخلاص العبادة لله
وحده لا شريك له))(٢)، وقد أمر الله سبحانه
وتعالى نبيه بإخلاص العبادة له، فقال
سبحانه: ﴿قُلِ اَللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِ )﴾
[الزمر: ١٤].
أمر بأن یعید التصریح بأنه یعبد الله وحده
تأكيدًا لقوله: ﴿قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصَا لَّهُ
الدِّينَ
لأنهما معًا تفيدان أنه لا يعبد إلا الله تعالى
باعتبار تقیید أعبد الله الأول بقید مخلصًا له
الدين، وباعتبار تقديم المفعول على أعبد
الثاني فتأكد معنى التوحيد مرتين ليتقرر
ثلاث مراتٍ، وتمهيدًا لقوله: فاعبدوا ما
شئتم من دونه (٣).
٤. إخلاص الشعائر.
يعتبر الإخلاص في الشعائر التعبدية التي
فرضها الله سبحانه وتعالى على عباده من
صور الإخلاص، فالمسلم إن أخلص في
صلاته وصيامه وحجه وزكاته، فإنه يبتعد
عن الرياء الذي يفسد العبادة، ويبقى في
معیة ربه وحفظه وتوفيقه، فلا بد أن تكون
حياة المسلم كلها ابتغاء وجه الله.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى
وَيَحْيَاىَ وَمَعَاقِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
لا
١٦٢
شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْشَتْلِمِينَ
[الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
يقول ابن عاشور: ((جعل صلاته لله دون
غيره تعريضًا بالمشركين؛ إذ كانوا يسجدون
للأصنام، ولذلك أردف بجملة لا شريك له،
والنسك حقيقته العبادة ومنه يسمى العابد
الناسك)» (٤).
﴾ [الزمر: ١١].
قال بعض العلماء: المراد بالنسك هنا
لأهميته، وإن كان مفاد الجملتين واحدًا؛ النحر؛ لأن الكفار كانوا يتقربون لأصنامهم
بعبادةٍ من أعظم العبادات: هي النحر، فأمر
الله تعالى نبيه أن يقول إن صلاته ونحره
كلاهما خالصٌ لله تعالى، ويدل لهذا قوله
تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاُنْحَرْ﴾﴾، وقال
بعض العلماء: النسك جميع العبادات،
(١) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، ٣/ ٦٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/ ٨٩.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٣/
٣٥٩.
(٤) التحرير والتنوير، ٨/ ٢٠١.
١١٦
مُؤَسُولَةُ الْبَقِيَّة
جوسو
القرآن الكريم

الأخوة
ويدخل فيه النحر، وقال بعضهم: المراد وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي: توجهوا
بقوله: وانحر وضع اليد اليمنى على اليسرى
تحت النحر في الصلاة (١).
ومن أخلص في صلاته ونسكه، استلزم
ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله.
وقوله: ﴿وَمَحْيَاىَ وَمَمَاقٍ﴾ أي: ما يفعل
الإنسان في حياته، وما يجريه الله علي،
وما يقدر علي في مماتي، الجميع ﴿للَّهِرَبّ
اٌلْعَلَمِينَ { لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في العبادة، كما أنه
ليس له شريك في الملك والتدبير، وليس
هذا الإخلاص لله ابتداعًا مني، وبدعًا أتيته
من تلقاء نفسي، بل ﴿وَيِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ أمرًا
حتمًا، لا أخرج من التبعة إلا بامتثاله ﴿وَأَنَا
أَوَّلُ الْشَُّلِمِينَ﴾ من هذه الأمة(٢).
٥. إخلاص الدعاء.
الدعاء صورة من صور الإخلاص
لله تعالى، ومن أسباب استجابة الدعاء
الإخلاص.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِى بِالْقِسْطِ
وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَّ كُمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾
[الأعراف: ٢٩].
يقول السعدي في تفسيره: ((﴿قُلْ أَمَرَ
رَبِّ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل في العبادات
والمعاملات، لا بالظلم والجور، ﴿وَأَقِيمُواْ
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ، ١/ ٥٤٩.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٢٨٢.
لله، واجتهدوا في تكميل العبادات،
خصوصًا ((الصلاة)) أقيموها، ظاهرًا وباطنًا،
ونقوها من كل نقص ومفسد، ﴿وَادْعُوهُ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: قاصدين بذلك
وجهه وحده لا شريك له. والدعاء يشمل
دعاء المسألة، ودعاء العبادة، أي: لا تراءوا
ولا تقصدوا من الأغراض في دعائکم سوی
عبودية الله ورضاه))(٣).
وقال تعالى: ﴿فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ ﴾ [غافر: ١٤].
هذا خطاب للموحدين يأمرهم تعالى
بالاستمرار على توحيد الله في عباداته
والإخلاص لله تعالى في كل أعمالهم،
ولو كره الكافرون ذلك منهم فإنه غير
ضائرهم(٤).
٦. إخلاص العلم والدعوة.
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ فِ اَلْكِنَبِ مُوسَىَّ إِنَّهُ.
كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا ﴾ [مريم: ٥١].
هذا أمر من الله عز وجل بذكر موسى بن
عمران عليه السلام على جهة التشريف له،
وأعلمه بأنه كان مخلصًا في دعوته وعبادته،
وقرأ ابن کثیر ونافع وأبو عمرو وابن عامر
((مخلصًا)) بكسر اللام وهي قراءة الجمهور
أي: أخلص نفسه لله، وقرأ حمزة والكسائي
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٢٨٦.
(٤) أيسر التفاسير، الجزائري، ٤ / ٥٢١.
www. modoee.com
١١٧

حرف الألف
وعاصم ((مخلصًا)) بفتح اللام وهي قراءة وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم في الشرف
والمنزلة؛ لأنهم القوامون بما بعثوا من
أبي رزین ویحیی وقتادة، أي: أخلصه الله
للنبوءة والعبادة(١).
أجله، وفيها: أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة
أن يحمدوا الله تعالى على ما أوتوه(٢).
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ
عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ
اَلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النمل: ١٥].
ولقد آتينا داود وسليمان علمًا أي:
أعطينا كل واحد منهما طائفة خاصة به من
علم الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما
يختص به كل واحد منهما، كصنعة الدروع،
ومنطق الطير. أو: علمًا لدنيا، وقالا أي:
كل واحد منهما، شكرًا لما أوتيه من العلم:
الحمد لله الذي فضلنا بما آتانا من العلم
على كثيرٍ من عباده المؤمنين. قال النسفي:
وهنا محذوف، ليصلح عطف الواو علیه،
ولولا تقدير المحذوف لكان الوجه: الفاء،
كقولك: أعطيته فشكر، وتقديره: آتيناهما
علمًا، فعملا به، وعرفنا حق النعمة فيه،
وقالا: الحمد لله الذي فضلنا على كثيرٍ،
والكثير المفضل عليه: من لم يؤت علمًا،
أو: من لم يؤت مثل علمهما، وفيه: أنهما
فضلا على كثير، وفضل عليهما كثير، وفي
الآية دليلٌ على شرف العلم، وتقدم حملته
وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم،
وأن من أوتيه فقد أوتي فضلًا على كثير من
عباده، وما سماهم رسول الله صلی الله علیه
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٤/ ٢٠.
والإخلاص في الدعوة إلى الله هو
تجريد القصد لله تعالى، وطلب مرضاته
دون سواه، وهو روح الأعمال وأساس
قبولها عند الله، ولا يتحقق الإخلاص في
الدعوة إلا عندما يتأكد الداعية أن قصده
رضا الله تعالى، ويتجرد من الانقياد وراء
حظوظ النفس ونوازع الهوى ومطالب
الذات، ويحرر نفسه من قيود الرياء، وطلب
الشهرة أو المدح أو الظهور أو السمعة، أو
حب التصدر والرئاسة والجاه، ويتخلص من
السعي خلف شهوة المال والجاه، وطلب
المنزلة في قلوب الناس واستقطابهم، أو
السعي وراء أي متاع من متع الدنيا وجعل
الدعوة وسيلة له.
٧. الإخلاص في الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَأُؤْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[آل
عمران: ١٠٤].
والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة
من الأمة متصدیةٌ لهذا الشأن، وإن كان ذلك
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة، ٤ / ١٨٠.
١١٨
مُوسُوبَة البقية
جوسى
القرآن الكريم

الأخوة
واجبًا على كل فردٍ من الأمة بحسبه(١).
کما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم:
(من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم
يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك
أضعف الإيمان)(٢).
ولابد للمسلم أن يحرص على أن يبتغي
من عمله هذا وجه الله، وأن يكون مخلصًا
لربه حتى يكون من الفائزين عند رب
العاملين.
قال تعالى: ﴿﴿لَاخیر فی ڪَثِیرِمِّن
نَّجْوَمُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ آبْتِغَآءَ
مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ تُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٥)﴾
[النساء: ١١٤].
لا خير في کثیر من نجوی الناس جميعًا
إلا من أمر بصدقة أو معروف، والمعروف:
هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال
البر والخير، أو إصلاح بين الناس، وهو
الإصلاح بين المختصمين، بما أباح الله
الإصلاح بينهما، ليتراجعا إلى ما فيه الألفة
واجتماع الكلمة، على ما أذن الله وأمر به، ثم
أخبر جل ثناؤه بما وعد من فعل ذلك فقال:
((ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف
نؤتيه أجرًا عظيمًا)»، يقول: ومن يأمر بصدقة
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٩١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب النهي عن المنكر ، ٥٠/١.
أو معروف من الأمر، أو يصلح بين الناس
((ابتغاء مرضاة الله»، يعني: طلب رضى الله
بفعله ذلك ((فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا)) (٣)،
أي: في الدنيا والآخرة.
(٣) جامع البيان، الطبري، ٩/ ٢٠١.
www. modoee.com
١١٩

حرف الألف
وسائل تحقيق الإخلاص
المؤمن بحاجة ماسة لوسائل عديدة
لتحقيق الإخلاص، فقد ذكر الله في كتابه
وسائل من خلالها يتحقق الإخلاص عند
المؤمن في عبادته وطاعته، ومنها تعظيم الله
سبحانه وتعالى، والدعاء في السر والعلن،
ومحاربة الهوى، والعبادات السرية،
ومخالفة الشيطان.
١. تعظيم الله عز وجل.
إن تعظيم الله سبحانه أساس الفلاح،
وكيف يفلح ويسعد قلب لا يعظم ربه
وخالقه وسيده ومولاه، ومن عظم الله
عرف أحقية الله عز وجل بالذل والخضوع
والخشوع والانكسار، وعظم شرعه، وعظم
دينه، وعرف مكانة رسله، ومن عظم الله
سبحانه وقدره حق قدره تحقق فلاحه
ونجاحه وسعادته في دنياه وأخراه، وهذا
التعظيم لله سبحانه يعد أساسا متينا يقوم
عليه دين الإسلام، بل إن أصل العبادة في
الإسلام هو التعظيم.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكِرَ اللّهِ
فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: ٣٢].
بعد أمر الله تعالى إبراهيم الخليل بالنداء
للحج، أوضح الله ثواب تعظیم أحكام الله
ومناسك الحج، وذلك هو المأمور به من
الطاعات في أداء مناسك الحج، وتعظيم
حرمات الله: وهي کل ما لا يحل هتكه،
ومن يعظم أحكام الله بتعلمها واجتناب
المعاصي والمحرمات، والتزام المأمورات
فله الثواب الجزيل، الشامل أمرين: فعل
الطاعة في حد ذاتها، واجتناب المحظور
الحرام. وتعظيم شرائع الله خير محض
للإنسان (١).
ومن أسماء ربنا وخالقنا ومولانا
الحسنى (( العظيم (، وهو جل وعلا عظيم
في أسمائه، وعظيم في صفاته، وعظيم
في أفعاله، وعظيم في كلامه، وعظيم في
وحیه وشرعه وتنزیله، بل لا يستحق أحدٌ
التعظيم والتكبير والإجلال والتمجيد غيره،
فيستحق على العباد أن يعظموه بقلوبهم
وألسنتهم وأعمالهم، وذلك ببذل الجهد في
معرفته ومحبته والذل له والخوف منه، ومن
تعظیمه سبحانه أن یطاع فلا یعصی، ویذکر
فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ومن تعظيمه
وإجلاله أن يخضع لأوامره وشرعه وحكمه،
وأن لا يعترض على شيء من شرعه.
وهو جل وعلا عظيم مستحق من عباده
أن يعظموه جل وعلا حق تعظيمه، وأن
يقدروه جل وعلا حق قدره، قال الله تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَتَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِقَتْ
بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
٦٧
(١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، ٢/ ١٦٤٣.
مَنُوا
القرآن الكريم
١٢٠

الأخوة
[الزمر: ٦٧].
الخضوع والذل للرب العظيم والكبير
يقول ابن كثير في تفسيره: وما قدر المتعال، والخالق الجليل تعالى الله عما
يصفون، وسبحان الله عما يشركون، وهو
وحده المستحق للتعظيم والإجلال والتأله
المشركون الله حق قدره، حین عبدوا معه
غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر
شيءٍ تحت قهره وقدرته (١).
على كل شيءٍ، المالك لكل شيءٍ، وكل والخضوع والذل، وهذا خالص حقه.
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن
مسعودٍ، قال: «جاء حبرٌ إلی النبي صلى الله
عليه وسلم، فقال: يا محمد أو يا أبا القاسم
إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة
على إصبعٍ، والأرضين على إصبع، والجبال
والشجر على إصبعٍ، والماء والّثرى على
إصبع، وسائر الخلق على إصبعٍ، ثم يهزهن،
فيقول: أنا الملك، أنا الملك، فضحك
رسول الله صلی الله عليه وسلم تعجبًا مما
قال الحبر، تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا
اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ: يَوْمَ
اَلْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّتُ بَِمِينِهِ،
سُبْحَتَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ))))(٢).
فقد ذهبت عقول هؤلاء المشركين
حين صرفوا ذلهم وخضوعهم وانكسارهم
ورجاءهم و خوفهم ورغبهم ورهبهم وحبهم
وطمعهم إلى مخلوقات ضئيلة، وكائنات
ذليلة، لا تملك لنفسها شيئًا من النفع
والضر، فضلًا عن أن تملكه لغيرها، وتركوا
(١) تفسير القرآن العظيم، ٧/ ١١٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنة والنار، باب الفتنة، ٤/ ٢١٤٧.
فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره، أو
يشرك بينه وبين غيره فيه، ومن اتخذ الشركاء
والأنداد له ما قدر الله حق قدره، ولا عظمه
حق تعظيمه، سبحانه وتعالى الذي عنت له
الوجوه، وخشعت له الأصوات، ووجلت
القلوب من خشيته، وذلت له الرقاب، تبارك
الله رب العالمين، وإن من أعظم ما يعين
العبد على تحقيق عبودية التعظيم للرب:
أن يتفكر في مخلوقات الله العظيمة وآياته
- جل شأنه - الجسيمة الدالة على عظمة
مبدعها وكمال خالقها وموجدها.
يقول جل شأنه: ﴿مَّا لَكُوْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ
وَقَارًا( ٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَْوَارًا أَلَ تَرَوْاْ كَيَّفَ خَلَقَ
اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَفِنَّ نُورًا
وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاَللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ اْلْأَرْضِ
نَبَاتًا ، ثُمَّ ◌ُعِيذُ كُمْ فِيهَا وَ تُخْرِ جُكُمْ إِخْرَاجَان ◌ٌ وَاللَّهُ
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ® لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًا
فِيجَانَ قَالَ نُوحُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنٍ وَأَتَّبَعُواْ مَن لَّْ
يَزِدَّهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلََّ خَسَارًا﴾﴾ [نوح: ١٣-٢١].
يقول النسفي في تفسيره: ما لكم لا
ترجون لله وقارًا، أي: لا تخافون لله
www. modoee.com
١٢١

حرف الألف
عظمة (١).
العظيمة ومخلوقاته الباهرة تهدي قلبه
وتسوقه إلى تعظيم خالقه، تفكر في هذه
الأرض التي تمشي عليها والجبال المحيطة
بك، إن نظرة منك متجردة إلى هذه الأرض
متفكرًا فيها تجد أنها مخلوقات عظيمة؛
عظمة تبهر القلوب، فإذا ما وسعت النظر
ونظرت فيما هو أعظم من ذلك.
وتأملت في السماء المحيطة بالأرض
تتضاءل عندك هذه العظمة؛ عظمة الأرض
بالنسبة إلى عظمة السماء، ثم إذا تأملت فيما
هو أعظم وهو السماوات السبع المحيطة
بهذه الأرض يزداد الأمر عظمة.
ثم إذا تأملت في ذلكم المخلوق العظيم
الذي قال الله عنه في أعظم آية في كتاب
الله.
قال جل شأنه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضَّ وَلَا يَتُودُهُ، حِفْظُهُمَا وَهُوَ اَلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ
[البقرة: ٢٥٥].
عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة
الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على
عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس
أكبر مخلوقات الله تعالی، بل هنا ما هو أعظم
منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي
عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل
وإن تفكر المؤمن وتأمله في آيات الله الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول
الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها،
والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما
أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض
أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا
قال: ﴿وَلَا يَتُودُهُ﴾ أي: يثقله ﴿حِفْظُهُمَا
وَهُوَ الْعَلِىُّ﴾ بذاته فوق عرشه، العلي بقهره
لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال
صفاته ﴿اَلْعَظِيمُ﴾ الذي يتضاءل عند
عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب
جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له
العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر
والغلبة لكل شيء(٢).
وإن تعظيم الله جل شأنه فرع عن
المعرفة بالله جل وعلا؛ فكلما كان العبد
أعظم معرفة بالله کان أشد لله تعظيمًا وأشد
له إجلالا وأعظم له مخافة وتحقيقًا لتقواه
جل شأنه، وإذا عظم القلب ربه خضع له
سبحانه وانقاد لحكمه وامتثل أمره وخضع
يقول السعدي: وهذا يدل على كمال له جل شأنه، وجميع صنوف الانحرافات
وأنواع الأباطيل والضلالات في جميع
الناس منشؤها من ضعف التعظيم لله أو
انعدامه في القلوب، وسیندم جميع هؤلاء
يوم لقاء الله، فهو يوم عصيب لمن كان لا
يؤمن بالله العظيم.
(١) مدارك التنزيل، ٣/ ٥٤٤.
موسوبر التشيك العضوي
القرآن الكريم
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ١١٠.
١٢٢

الأخوة
قال تعالى: ﴿وَأَّمَّا مَنْ أُوِيَ كِنَبَهُ بِشِمَالِهِ،
من فنون إحسانه تعالى، المتعلقة بالأنبياء
المذکورین، أي: کانوا یبادرون في کل باب
من الخير. وإيثار (في) على (إلى) للإشارة
فَيَقُولُ يَيْنَنِى لَمْ أُوْتَ كِنَلِيَهْ { وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابَةْ
يَلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٧) مَآ أَغْنَى عَنِّى مَاِيَّةٌ
٢٨
هَلَكَ عَنِى سُلْطَيِيَهْ { خُذُوهُ فَغُلُوهُ ، ثُرَّ إلى ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير.
الْبَحِيمَ صَلُّوَهُ ، ثُرَ فِ سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا لأن (إلى) تدل على الخروج عن الشيء
فَاسْلُكُوهُ ﴾﴾ [الحاقة: ٢٥-٣٢].
وسبب سوء العاقبة والهلاك والعذاب
عدم إيمانه بعظمة الله.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ
﴾ [الحاقة: ٣٣].
٣٣
٢. الدعاء.
الدعاء أحد الوسائل المعينة على تحقيق
الإخلاص، حيث يتوجه العبد إلى ربه
طلبًا للعون والمساعدة والنصرة، وقد جاء
الدعاء على لسان كثير من الأنبياء والرسل
عليهم السلام، فهذا نبي الله زكريا توجه لربه
وأخلص في دعائه فسرعان ما ا الاستجابة.
قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا
لَهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ,
زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ
الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّهُ وَكَانُواْ لَّنَا
خَشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فاستجبنا له، أي: دعاء زكريا عليه
السلام، ووهبنا له یحیی وأصلحنا له زوجه،
أي: أصلحناها للولادة بعد عقرها، معجزة
وكرامة له، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ﴾ تعليل لما فصل
والتوجه إليه ويدعوننا رغبا ورهبا، أي: ذوي
رغب ورهب، أو راغبين في الثواب راجين
للإجابة. وكانوا لنا خاشعين، أي: مخبتين
متضرعين (١).
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ قَوْجٌ كَالظَّلِ
دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّنُّهُمْ إِلَى الْبَرِّ
فَمِنْهُمْ مُقْنَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِعَايَئِنَآ إِلَّا كُلّ خَتَّارٍ
كَفُورِ (٣)﴾ [لقمان: ٣٢].
وذكر تعالى حال الناس، عند ركوبهم
البحر، وغشيان الأمواج كالظل فوقهم، أنهم
يخلصون الدعاء لله والعبادة: ﴿فَلَمَّا نَّنُهُمْ
إِلَى الْبرّ ﴾ انقسموا فریقین:
فرقة مقتصدة، أي: لم تقم بشكر الله
على وجه الکمال، بل هم مذنبون ظالمون
لأنفسهم.
وفرقة كافرة بنعمة الله، جاحدة لها، ولهذا
قال: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِشَايَتِنَّا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ﴾ أي:
غدار، ومن غدره، أنه عاهد ربه، لئن أنجیتنا
من البحر وشدته، لنكونن من الشاکرین،
فغدر ولم يف بذلك، ﴿گمُورٍ ﴾ بنعم الله،
فهل یلیق بمن نجاهم الله من هذه الشدة، إلا
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٧/ ٢٢٠.
www. modoee.com
١٢٣

حرف الألف
القيام التام بشكر نعم الله (١).
في هذا الموقف والسفينة تشرف على
الغرق یکون الإنسان في حالة من الإخلاص
التام لله عز وجل، وتأمل معنى هذه الآية
التي تلخص لنا الأحاسيس التي يمر بها من
يركب السفينة منذ أول لحظة وحتى اللحظة
التي تسبق الغرق: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَيِّكُ فِ اَلْبِرّ
وَالْبَحْرِّ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيج
طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَءَتُهَا رِيحُ عَاصِفٌ وَجَاءَ هُمُ
الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
دَعَوُ اَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ،
◌َتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ ﴾ [يونس: ٢٢].
﴿هُوَ الَّذِى يُسِگ﴾﴾ یجریکم ویحملکم،
وقرأ أبو جعفرٍ وابن عامٍ: ((ينشركم)) بالنون
والشين من النشر وهو البسط والبث،
أَلْبَرِ﴾، على ظهور الدواب، ﴿وَالْبَحْرِ﴾
على الفلك، ﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ﴾ أي:
في السفن، تكون واحدًا وجمعًا ﴿وَجَرَيْنَ
بم ﴾ يعني: جرت السفن بالناس، رجع من
الخطاب إلى الخبر، ﴿بِيج طَيِّبَةِ﴾ لينةٍ،
﴿وَفَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: بالريح، ﴿جَاءَ تُهَا رِيحُ﴾
أي: جاءت الفلك ربح، ﴿عَاصِفٌ﴾ شديدة
الھبوب، ولم يقل ربحُ عاصفةٌ، لاختصاص
الريح بالعصوف. وقيل: الريح تذكر
وتؤنث. ﴿وَجَآءَهُمُ﴾ يعني: ركبان السفينة،
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٦٥٢.
﴿الْمَوْجُ﴾ وهو حركة الماء واختلاطه،
وَمِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ﴾ أيقنوا ﴿أَنَهُمْ أُحِيطَ
بِهِمْ﴾ دنوا من الهلكة، أي: أحاط بهم
الهلاك، ﴿دَعَوُا ◌َللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي:
أخلصوا في الدعاء لله ولم يدعوا أحدًا
سوى الله. وقالوا: ﴿لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا ﴾ يا ربنا، ﴿
مِنْ هَذِهِ﴾ الريح العاصف، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ
الشَّكِرِينَ﴾ لك بالإيمان(٢).
وإذا أراد المؤمن أن يستجيب الله دعاءه
فلا بد أن يخلص في الدعاء، وإذا أراد أن
يتقبل عبادته فليخلص هذه العبادة لله،
هكذا أمر الله نبيه بقوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ
٢)﴾ [الزمر: ٢].
٣. مخالفة الهوى.
تعتبر مخالفة الهوى وسيلة من وسائل
تحقيق الإخلاص، والمتأمل في کتاب ربنا
يجد أن الله سبحانه وتعالى لم یذکر الهوى
إلا مذمومًا، فاتباع الهوى سبيل المضلين،
ومخالفة الهوى درب المخلصين.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَّعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
فأخبر أن من اتبع هواه أضله ذلك عن
سبيل الله، وهو هداه الذي بعث به رسوله،
وهو السبيل إليه.
وقد حذر الله سبحانه وتعالى أنبياءه من
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٤ / ١٢٨.
مُتَوَةُ التَّسيد
القرآن الكريم
١٢٤