Indexed OCR Text
Pages 1-20
جَوْ عَدُ النفسية الموضوع لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ الأَخْـ عناصر الموضوع مفهوم الأخذ ٧٢ الأخذ في الاستعمال القرآني ٧٣ الألفاظ ذات الصلة ٧٤ الأخذ في حق الله عز وجل ٧٧ سُنة الله في الأخذ ٨٨ أخذ الظالمين والمترفين ٩٤ المجلدالثانى حرف الألف مفهوم الأخذ أولًا: المعنى اللغوي: الهمزة والخاء والذال أصل واحد تتفرع منه فروعٌ متقاربة في المعنى، فالأصل حَوْز الشيء وجبْيُه وجمعه وتحصيله، وذلك تارةً بالتناول، وتارةً بالقهر، وهو خِلَافُ الْعَطَاءِ. ولفظة ((أخذ)) في اللغة لها اشتقاقات متعددة تتقارب في المعنى، فتأتي بمعنى الحصول على الشيء بالتناول أو القهر، والأخذ بالذنب بمعنى العذاب والعقاب والإهلاك، واتخذت بمعنى كسبت، والإخاذ الغُدُر وأيضًا تقال لمن يأخذ أرضًا ويتملكها، والأخيذ تقال للأسير وللشيخ الغريب، والأَخيذةُ ما اغْتُصِبَ من شيء فأُخِذَ وقد يأتي الأخذ بمعنى الرمد، ويقال: أخذ إخذهم، أي: سلك طريقهم ومنهجهم، وتطلق الأخذة على الرقية(١). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: يختلف معنى ((أخذ)) باختلاف السياق الذي ورد فيه المصطلح، ففي كل سياق يحمل معنى مختلفًا وفقًا للسياق الذي ورد فيه، وقد اتفق العلماء والمفسرون على معنى أخذ في السياق الواحد. ومن معاني الأخذ: وقوع العذاب والإهلاك والاستئصال والعقوبة نتيجة الشرك بالله تعالى، وجحود آياته، وتكذيب رسله، ونتيجة الظلم الشديد(٢). كما يأتي الأخذ بمعنى الحوز للشيء وتحصيله(٣)، فالأخذ إمّا أن يكون خلاف العطاء، وهو ما كان باليد كالعطاء، وإما أخذ قهر، ومنه أخذ الأرواح، وأخذ العهود والمواثيق، وهذا المعنى ظاهر، والمعنيُ هنا المعنى الأول، وكلاهما صفة لله تعالى (٤). «فمعنى الأخذ: أن تحتوي الشيء، واحتواؤك له معناه أنك أقوى من تماسكه في ذاته، أو استمساك غیره به، وقد یکون الأخذ بلا ذنب»(٥). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦٢/١، لسان العرب، ابن منظور، ٤٧٢/٣، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص ٣٣٠. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٧٤/١٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٩/ ٩٦. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٧، الفروق اللغوية، العسكري، ١٣٨/١، تاج العروس، الزبيدي، ٩/ ٣٦٣. (٤) انظر: صفات الله، علوي بن عبد القادر السَقَّاف، ١/ ٥٣. (٥) تفسير الشعراوي، ٨٠٢١/١٣. ٧٢ جوبيبو القرآن الكريم الإخلاص الأخذ في الاستعمال القرآني وردت مادة (أخذ) في القرآن الكريم (٩) مرات (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل المضارع ٩ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وجاء الأخذ في القرآن بمعنى العقوبة(٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُوَلِمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود:١٠٢]. والمفاعلة فيه للمبالغة(٣). (١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٨. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٦٠١/٢. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٦٠١/٢. www. modoee.com ٧٣ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة ١ الاتخاذ: الاتخاذ لغةً: أخذت الشيء آخذه أخذًا: تناولته، والمفعول متخذ، والاتخاذ: افتعال أيضًا من الأخذ، وهو مصدر من باب الافتعال، واستخذ أرضًا: اتخذها، والتأخاذ كالتذكار تفعال من الأخذ(١). الاتخاذ اصطلاحًا: أخذ الشيء لأمر يستمر فيه، مثل: الدار يتخذها مسكنًا والدابة يتخذها قعده ويكون الاتخاذ التسمية والحكم (٢). الصلة بين الأخذ والاتخاذ: الأخذ: مصدر جاء بمعنى العذاب والحصول على الشيء، والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر يستمر فيه، مثل: الدار يتخذها مسكنًا، والدابة يتخذها قُعدة، والاتخاذ التسمية والحكم (٣). التناول: ٢ التناول لغةً: النون والواو واللام أصل صحيح يدل على إعطاء، ونولته: أعطيته، ونالت المرأة بالحديث والحاجة: سمحت، أو همت، و(النوال) العطاء، و(النائل) مثله، يقال: (نال) له بالعطية من باب قال و(ناله) العطية، و(نوله تنويلا) أعطاه نوالًا، و(ناوله) الشيء (فتناوله)، وناولته فتناوله: أخذه(٤). التناول اصطلاحًا: النيل إدراك الشيء ولحوقه يقال: نالني من فلان معروف، أي: وصل إلي، وأما النول بالواو فمعناه التناول يقال: نلته، أي: تناولته(٥)، وقد يأتي التناول بمعنى آخر وهو الإهانة والتعرض بالأذى قولًا أو فعلًا، كقولك: فلما خرج تناوله بعض الخصوم، وتناولاه من الذكر (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦٨/١، لسان العرب، ابن منظور، ٤٧٢/٣، القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص ٣٣٠. (٢) الفروق اللغوية، العسكري، ١٣٨/١. (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ١٣٨/١. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٦٨٥/١١، القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص١٠٦٦. (٥) انظر: فتح البيان، القنوجي، ٢٨٣/٢ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكَرِيمِ ٧٤ الإخلاص عبثًا بما لم يكن أهلًا له(١). الصلة بين الأخذ والتناول: التناول أخذ القليل المقصود إليه، ولهذا لا يقال: تناولت كذا من غير قصد إليه، ويقال: أخذته من غير قصد (٢). البطش: ٣ البطش لغةً: الباء والطاء والشين أصل واحد، وهو أخذ الشيء بقهر وغلبة وقوة والتناول بشدة عند الصولة، والأخذ الشديد في كل شيء بطش، بطش يبطش ويبطش بطشًا (٣). البطش اصطلاحًا: البَطْشُ: الأَخذ الْقَوِيُ الشَدِيدُ، والبَطْشة: السَطْوة والأَخذُ بالعُنْف(٤). الصلة بين الآخذ والبطش: البطش هو إحدى طرق الأخذ، فهو الأخذ القوي الشديد، وقد يطلق الأخذ على تناول الشيء بدون شدة أو قهر، بخلاف البطش الذي لا يكون إلا بالشدة والقهر، فلفظة البطش تدل على مضمون الشدة والغلبة. الإهلاك: ٤ الإهلاك لغةً: الهاء واللام والكاف: يدل على كسر وسقوط، والهلاك: السقوط، ولذلك يقال للميت هلك، والهلك الشيء الهالك، واستهلك المال: أنفقه وأنفذه، والتهلكة: كل ما عاقبته إلى الهلاك (٥). الإهلاك اصطلاحًا: ((هلاك النفس، حالة الإنسان البعيد عن طريق الخلاص أو النجاة، أو المنغمس في (١) انظر: تكملة المعاجم العربية، رينهارت بيتر آن دُوزِي، ٣٣٨/١٠. (٢) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ١٣٩/١. (٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٦٢/١، مختار الصحاح، الرازي، ص ٣٦، لسان العرب، ابن منظور، ٢٦٧/٦. (٤) الصحاح، الجوهري، ٣/ ٩٩٦. (٥) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص٣٢٧، لسان العرب، ابن منظور، ٥٠٣/١٠ - ٥٠٨، القاموس المحيط، ص٩٥٨. www. modoee.com ٧٥ حرف الألف الرذيلة))(١)، والإهلاك يكون بافتقاد الشيء عنك وهو عند غيرك موجود، أو هلاك باستحالة وفساد (٢)، فهو حالة توحي بانتهاء الشيء واستنفاذه سواء كان دمارًا أو موتًا أو استهلاكًا ونفاذًا، وهو نهاية لكل من سلك طريقًا بعيدًا عن طريق الحق والنجاة. الصلة بين الأخذ والإهلاك: يشترك الإهلاك مع الأخذ في معنى وقوع العقوبة والعذاب والاستئصال في حق أهله، وحصول ذلك يكون لنفس السبب، وهو: الشرك بالله والظلم وجحود آيات الله وتكذيب رسله. (١) تكملة المعاجم العربية، رينهارت بيتر آن دُوزِي، ١٩/١١. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٣٣٨/٥. ٧٦ مَوسُور البقية القرآن الكريم الإخلاص الأخذ في حقّ الله عز وجل يتناول هذا المبحث الأخذ في حقه تعالى، ومن ذلك نفي استيلاء السِنَة والنوم عن الله، كما تناول المواثيق التي أخذها الله على بني آدم، والمواثيق التي أخذها الله على الأنبياء بتبليغ رسالاته بأمانة وصدق، والمواثيق التي أخذها الله على أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأن يؤمنوا برسله وكتبه وأن يبلغوا ما في كتبه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وعدم تحريفها، إلا أنهم نقضوا هذه المواثيق إلا من عصمه الله منهم. أولًا: تنزيه الله عن السِنَة والنوم: قال تعالى: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ اَلْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. نفى الله عز وجل في هذه الآية أن تأخذه سِنَة ولا نوم، ولم يقل: لا ينام؛ لأن النوم يكون باختيار، والأخذ يكون بالقهر، والنوم من صفات النقص التي اتصفت به المخلوقات، فهي تحتاج إلى النوم من أجل الاستراحة من تعب سبق واستعادة القوة لعمل مستقبل، ولما كان أهل الجنة كاملي الحياة، كانوا لا ينامون (١)، ((والسِنَة والنوم من الأوصاف المستحيلة في حق (١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، ص٧٦. الله تعالى، فإن النوم أخو الموت، ومن تأخذه السِنَّة والنوم لا يكون قيومًا دائمًا بنفسه، مقيمًا لغيره، فإن السنة والنوم يناقض ذلك))(٢)، والسِنَة ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نومًا، وقال السدي: السِنَة: ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان، وهي أول النوم، والنوم معروف وهو فتور يعتري أعصاب الدماغ من تعب إعمال الأعصاب من تصاعد الأبخرة البدنية الناشئة عن الهضم والعمل العصبي، فيشتد عند مغيب الشمس ومجيء الظلمة فيطلب الدماغ والجهاز العصبي الذي يدبره الدماغ استراحة طبيعية فيغيب الحس شيئًا فشيئًا وتثقل حركة الأعضاء، ثم يغيب الحس إلى أن تسترجع الأعصاب نشاطها فتكون اليقظة. ونفي استيلاء السِنَة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير، وإثبات لكمال العلم، فحیاہ النائم في حالهما حياة ضعيفة، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس، وفي هذه الجملة تأكيد لما قبلها، وإقرار لمعنى الحياة والقيومية الدائمة الكاملة، وفي لفظ الأخذ غلبة ما، فلذلك حسنت في هذا الموضع بالنفي. (٢) لوامع الأنوار البهية، السفاريني الحنبلي، ص٢٦٣. www. modoee.com ٧٧ حرف الألف فالله عز وجل لا يأخذه نعاس ولا نوم وهو تأكيد للقيوم؛ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيومًا، فهو الدائم على حال، والقيوم على جميع الأنام، ولو نام كان مغلوبًا مقهورًا؛ لأن النوم غالب النائم وقاهره، ولو وسن لكانت السماوات والأرض وما فیھما دگًا؛ لأن قیام جميع ذلك بتدبيره وقدرته، والنوم شاغل المدبر عن التدبير، والنعاس مانع المقدر عن التقدير بوسنه ، وهذا توكيد لقيامه سبحانه على كل شيء، وقيام كل شيء به، ولکنه توکید في صورة تعبيرية تقرب للإدراك البشري صورة القيام الدائم، في الوقت الذي تعبر فيه هذه الصورة عن الحقيقة الواقعة من مخالفة الله سبحانه لكل شيء(١). جاء في الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتھی إليه بصره من خلقه)(٢). (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٨٩/٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٧٢/٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٩/٣. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قوله عليه السلام: (إن الله لا ينام)، رقم وينبغي أن يُعلم أن النفي لیس فیه مدحٌ ولا كمال إلاّ إذا تضمّن إثباتًا ، فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدحٍ كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ، سِنَةٌ وَلَا نوم ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. فإنه يتضمن كمال الحياة والقيام(٣)، فالله عز وجل لا ينام، أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، وإلا لكان ذلك نقصًا في حیاته وقیومیته. ولهذا أردف هذين الاسمين بنفي السِنَّة والنوم، بل هو قائم على كل نفس بما کسبت شهید علی کل شيء ولا یغیب عنه شيء، وجل عن أن يشبهه الأنام في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله؛ لأن الصفات تابعة لموصوفها فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقات (٤). ((وفي ذلك نفي النقائص عن الله المتضمن لإثبات الكمالات)»(٥). فحياة الله عز وجل غير قابلة للزوال ولا للنقص ولا للابتداء، بخلاف حياة الإنسان فإنه وإن حاول أن يمتنع عن النوم فلابد أن يأخذه النوم أو يهلك، فالحاصل ٢٩٤. (٣) العواصم والقواصم، ابن الوزير، ٤/ ١٣٤. (٤) انظر: معارج القبول، حافظ الحكمي، ٢٠٨/١. (٥) تقريب التدمرية، ابن عثيمين، ص١٥. صَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٧٨ الإخلاص أن الله له الحياة الكاملة أزلًا: ابتداء وانتهاء واستمرارًا، فابتداء حيث لم تسبق، وانتهاء حيث لا يلحقها زوال، واستمرارًا حيث إنها حياة كاملة لا يعتريها سِنَة ولا نومًا ولا نقصًا بأي نوع من أنواع النقص(١). ثانيًا: أخذ الميثاق: ١. أخذ ميثاق النبيين. بعد أن اصطفى الله تعالى الأنبياء كلفهم بتبليغ رسالته لأقوامهم، وأخذ منهم ميثاقًا غليظًا أن يبلغوا هذه الرسالة بأمانة وإخلاص، وأن يصدق بعضهم بعضًا، فجميعهم يحملون الرسالة نفسها، فأقروا على ذلك الميثاق، وشهد الله معهم على ذلك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللّهُ مِيثَقَ النَّبْنَ لَمَا ءَاتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِّنُنَّبِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ. قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَأْ قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشََّهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. تتحدث الآية عن أخذ الله ميثاق النبیین صلوات الله عليهم فيخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر وقت أخذه تعالی لمیثاق الأنبياء. (١) انظر: شرح العقيدة السفارينية، ابن عثيمين، ص١٧١. وقد اختلف في تفسير الميثاق على أقوال: الأول: أن الله أخذ ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً بالإيمان، ويأمر بعضهم بعضًا بذلك، فهذا معنى النصرة له، والإيمان به. وهو ظاهر الآية، فحاصله أن الله أخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر وينصره. والقول الثاني: أن الله أخذ ميثاق الذين مع النبيين. والثالث: أن في الكلام حذفًا، والمعنى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمن الناس لما جاءكم من كتاب وحكمة ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا. وقوله: ﴿وَأَقْرَرْتُمْ﴾ هو من الإقرار، سمي العهد إصرًا لما فيه من التشديد والمعنى: وأخذتم على ذلك عهدي، قَالُواْ أَقْرَرْنَا ويستأنف الحديث بقوله: وكأنه أراد القول: ماذا قالوا عند ذلك؟ فقيل: قالوا: أقررنا. وإنما لم يذكر أحدهم الإصر اكتفاء بذلك (٢). قوله: ﴿فَأَشْهَدُواْ﴾ أي: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار. وقيل: الخطاب فيه للملائكة. ﴿وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ﴾ أي: وأنا من (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١ / ٥٣٧. www. modoee.com ٧٩ حرف الألف الشاهدین على إقراركم ذلك. وإدخال (مع) على المخاطبين، لأنهم المباشرون للشهادة حقيقة، وفيه من التأکید والتحذير مالا يخفى. الميثاق ليسألهم يوم القيامة عند تواقف الأشهاد المؤمنين الذين صدقوا عهدهم ووفوا به، فيشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا عهدهم وشهادتهم وكانوا مؤمنين، أو ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم؛ لأن من قال للصادق: صدقت، كان صادقًا في قوله، أو ليسأل الأنبياء ما ﴿فَمَنْ تَوَلَ﴾ أي: أعرض عما ذكر بعد ذلك الميثاق، والتوكيد بالإقرار والشهادة، المتولون المتصفون بالصفات لَكَ قبيحة ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الخارجون الذي أجابتهم به أممهم، وتأويل مسألة الرسل: تبکیت الكافرين بهم، وقدم ذكر عن الطاعة من الكفرة (١). رسول الله صلی الله علیه وسلم على نوح فمما سبق يتبين لنا أن الله سبحانه أخذ موثقًا جليلًا كان هو شاهده وأشهد عليه رسله، موثقًا على كل رسول، أن صدق الأنبياء الذين سبقوه وكتبهم فهي جميعها من عند الله، أن يؤمن به وينصره، ويتبع دینه، فجميعهم من المنبع نفسه، وجعل هذا عهدًا بینه وبین کل رسول. ومن بعده؛ وذلك لبيان فضيلة الأنبياء الذين هم مشاهيرهم وذراريهم، فلما كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء المفضلين: قدم عليهم لبيان أنه أفضلهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه، وقال: مِيثَاقًا غَلِيظًا؛ للدلالة على عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه، وقيل: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبْنَ مِشَقَّهُمْ وَمِنكَ وَمِنْ تُوجِ وَإِبْزَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَقًّا غَلِيِظًا﴾ [الأحزاب: ٧]. الميثاق الغليظ: اليمين بالله على الوفاء بما حملوا، وقد أكد الله على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين، وعقاب الكافرين، فقد أعد للمؤمنين جنات النعيم كما أعد للكافرين عذابًا أليمًا (٢). يخاطب المولى عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم قائلًا: واذكر حين أخذنا من النبيين جميعًا ميثاقهم، ومنك يا محمد خصوصًا، ومن نوح وابراهيم وعیسی عليهم السلام، وقد أخذ الله ذلك فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، ونحن نشهد أن الرسل قد بَلَغُوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٥٤/٢. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٣/ ٥٣٢. ٨٠ القرآن الكريم الاختلاف وأفصحوا لهم عن الحق المبين، الواضح الجلي، الذي لا لبس فيه، ولا شك، ولا امتراء، وإن كذبهم مَنْ كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين، فما جاءت به الرسل هو الحق، ومَنْ خالفهم فهو على الضلال(١). ٢. أخذ ميثاق بني آدم. خلق الله عز وجل بني آدم، وكرمهم على سائر المخلوقات، وجعلهم مستخلفين في الأرض، لإعمارها وإفراده بالعبادة، فأخذ عليهم الميثاق وهم في عالم الذر بأنه هو ربهم وهو وحده المستحق للعبادة والطاعة، وأشهدهم على ذلك، لتكون حجة عليهم يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَآدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَىّ شَهِدْنَاْ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. يخاطب المولى عز وجل في هذه الآية نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم قائلًا له: واذكر يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم، فقررهم بتوحيده، وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك، وإقرارهم به. ولهذه الآية تأويلان: (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٠٣٨٣/٦ أحدهما: قول البعض: وإذ أخذ ربك من بني آدم عليه السلام من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فقال الله وملائكته شهدنا علیکم بإقراركم بأن الله ربكم کیلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. والثاني: قال آخرون: ذلك خبر من الله عن قِيل بعض بني آدم لبعضٍ حين أشهد الله بعضهم على بعض، وقالوا: معنى قوله: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وأشهد بعضهم على بعض بإقرارهم بذلك(٢). واختلف في هذه الآية، هل هي خاصة أو عامة، فقيل: الآية خاصة؛ لأنه تعالى قال: ﴿مِنْ بَيِّ ءَآدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، فخرج من هذا الحديث من كان من ولد آدم عليه السلام لصلبه. وقيل: هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء. وقيل: بل هي عامة لجميع الناس؛ لأن كل أحد يعلم أنه كان طفلًا فغذي وربي، وأن له مدبرًا وخالقًا. فهذا معنى ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾. ومعنى ﴿قالوا بلى ﴾ أي: إن ذلك واجب علیھم. وقوله تعالى: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم، (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٣ / ٢٢٢. www. modoee.com ٨١ حرف الألف وليس لآدم في الآية ذكر بحسب اللفظ. ووجه النظم على هذا: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذریتھم، وإنما لم یذکر ظهر آدم عليه السلام؛ لأن المعلوم أنهم كلهم بنوه، وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره. فاستغنى عن ذكره لقوله: ﴿مِنْ بَفِيّ ءَآدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ بالجمع؛ لأن الذرية لما كانت تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد فجمع لتخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يشركها فيه شيء وهو الجمع؛ لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذريات كثيرة متناسبة، أعقاب بعد أعقاب، لا يعلم عددهم إلا الله، فجمع لهذا المعنى(١). والقول في ﴿قَالُواْ بَلَى﴾ لدلالة حالهم على الاعتراف بالربوبية لله تعالى. وحاصل المعنى: أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية، وجعل في فطرة حركة تفكير الإنسان التطلع إلى إدراك ذلك، وتحصيل إدراكه إذا جرد نفسه من العوارض التي تدخل على فطرته فتفسدها. والمقصود من قصة أخذ العهد تذكير المشركين بما أودع الله في الفطرة من التوحید. وهذا الأسلوب هو من تحويل الخطاب (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣١٦/٧. عن مخاطب إلى غيره، وليس من الالتفاف لاختلاف المخاطبین، والمعنى: أن ذلك لما جُعل في الفطرة عند التكوين كانت عقول البشر منساقة إليه، فلا يغفل عنه أحد منهم فيعتذرَ يوم القيامة إذا سئل عن الإشراك، بعذر الغفلة؛ فهذا إبطال للاعتذار بالغفلة، ولذلك وقع تقدير حرف نفي أي: أنْ لا تقولوا، وعُطف عليه الاعتذار بالجهل دون الغفلة بأن يقولوا: إننا اتبعنا آباءنا وما ظننا الإشراك إلا حقًا، فلما كان في أصل الفطرة العلمُ بوحدانية الله بطل الاعتذار (٢) ٣. أخذ ميثاق أهل الكتاب. بعد أن أرسل الله النبيين إلى أهل الكتاب، وأنزل عليهم الكتب السماوية بما فيها من تشريع، أخذ على أهل الكتاب ميثاق تبيينها للناس وتعليمهم إياها، ولكنهم قاموا بتحريف الكتب السماوية؛ وفقًا لأهوائهم، وتركوا شريعة الله السليمة وراء ظهورها ورفضوا الاحتكام لها، كما أخذ علي بني إسرائيل ميثاقًا بعدم الشرك بالله وعدم تكذيب الأنبياء، ولكنهم كعادتهم لا عهد لهم ولا ذمة، وخير دليل على ذلك قتلهم للأنبياء ومعاداتهم لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وما يفعلونه من معاداة للإسلام والمسلمين اليوم في فلسطين، واعتدائهم (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٥/٩. جَوَبُوالَهُ النَّقِيَّة القرآن الكريم ٨٢ الأخوة على حرمات بيوت الله، وسعيهم الحثيث من الدلائل الدالة على نبوته فكانوا يحرفونها و يذكرون لها تأويلات فاسدة، لهدم المسجد الأقصى، فلا أمان لهم إلى يوم القيامة، وكذلك أخذ المواثيق على النصارى باتباع عيسى عليه السلام ولكنهم أشرکوا بالله واتخذوا من المسیح إلهًا لهم، فألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. أما عن كيفية أخذ الميثاق كان ذلك من خلال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث أوردوا الدلائل في جميع أبواب التكاليف وألزموهم قبولها، فالله سبحانه وتعالى إنما أخذ الميثاق منهم على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فذلك التوكيد والإلزام هو المراد بأخذ الميثاق. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُّبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ. فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاً فَأْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. تحدثت الآيات السابقة عن شُبه اليهود التي حاولوا من خلالها الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فرد عليها ثم أتبعه بهذه الآية؛ وذلك لأنه تعالى أوجب في التوراة والإنجيل على أمة موسى وعيسى عليهما السلام أن يشرحوا ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على صحة دین محمد صلی الله عليه وسلم وصدق نبوته ورسالته، والمراد منه التعجب من حالهم، کأنه قیل: کیف یليق بكم إيراد الطعن في نبوته و دینه مع أن کتبكم ناطقة ودالة على أنه يجب عليكم ذكر الدلائل الدالة على صدق نبوته و دينه. وكان أهل الكتاب يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وكان من طرق إيذائهم له أنهم كانوا يكتمون ما في التوراة والإنجيل والمراد من البيان ذكر تلك الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، والمراد من النهي عن الكتمان أن لا يلقوا فيها التأويلات الفاسدة والشبهات المعطلة، وظاهر هذه الآية وإن كان مختصًا باليهود والنصارى فإنه لا یبعد دخول المسلمین فیه أيضًا؛ لأنهم أهل القرآن وهو أشرف الكتب(١)، فنبذ أهل الكتاب هذا الميثاق وراء ظهورهم، بدلوا به ثمنا قليلا من حطام الدنيا الفانية، فكانوا في هذه الصفقة مغبونين، حيث جعلوا العَرَضَ الفاني بدل النعيم الباقي في الآخرة، فبئس الشراء شراؤهم، وبئست هذه المبادلة، وقد قال النبي: صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار)(٢). (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٠٥/٩. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في كتمان العلم، رقم ٢١٣٥، ٣٣٦/٢. www. modoee.com ٨٣ حرف الألف وإذا أخبر العالم الديني بحكم شرعي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم، وإقامة الصلاة تكون بأدائها بحقوقها الواجبة عليكم فيها، ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ﴾ وذلك لإصلاح شئون المجتمع، فقد كان يجب عليهم زكاة في أموالهم. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ◌ِنكُمْ وَأَنْتُم مُعْرِضُونَ﴾. هذا خبر من الله عن يهود بني إسرائيل، أنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له، بأن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلى الآباء والأمهات، ويصلوا الأرحام، ويتعطفوا على الأيتام، ويؤدوا حقوق أهل المسكنة إليهم، ويأمروا عباد الله بما أمرهم الله به ويحثوهم على طاعته، ويقيموا الصلاة بحدودها وفرائضها، ويؤتوا زكاة أموالهم فخالفوا أمره في ذلك كله، وتولوا عنه معرضين، إلا من عصمه الله منهم، فوفی لله بعهده ومیثاقه(٢). ثم أتبع ذلك بالنهي عن سفك بعضهم دم بعض، وإخراج بعضهم بعضاً من ديارهم وأوطانهم بعبارة تؤكد معنى وحدة الأمة، وتحدث في النفس أثرًا شريفًا يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب یشعر، ووجدان يتأثر، فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه، حتى قال الترمذي: ((حدیث صحیح)). (١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، ١/ ٢٧١. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٩٢/٢. مُوسُوبَةُ التَّقِين جومبو القرآن الكريم ٨٤ فعليه أن يكون أمينًا في نقله حاذقًا في فهمه، فلا یحرفه ولا یبدله، ولا یبتر منه شيئًا، ولا يدلس ويعمي الأمور ويغطي الحقائق، ولا يطلب الثناء على ما فعل من بيان الخبر المشوه أو الحكم المبدل، وهو في هذا كاذب دجال(١). قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَّهِ يلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ اُلَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُم مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ وِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ [البقرة: ٨٤،٨٣]. الخطاب للنبي صلی الله عليه وسلم والمعنى: واذكر أيها النبي حين أخذنا ميثاق بني إسرائيل، بأن ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانًا، وأن تصلوا رحمه، وتعرفوا حقه، وأن تتعطفوا على اليتامى بالرحمة والرأفة، وبالمساكين: أن تؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم، ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وفي ذلك بيان حقوق سائر الأمة، وهي النصيحة لهم، الأخوة إذا سفکه کان کأنه بخع نفسه وانتحر بیده، فهذه الأحکام لا تزال محفوظة عند الإسرائيليين في الكتاب وإن لم يجروا عليها في العمل. قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ قوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ فيه إِنَّا نَصَرَىّ أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا وجهان: أحدهما: أنه يخاطبهم بما كان من اعتراف سلفهم بالمیثاق وقبوله، وشهودهم الوحي الذي نزل به على موسى عليه السلام. ثانيهما: أن المراد الحاضرون أنفسهم، أي: أنكم أيها المخاطبون بالقرآن قد أقررتم بهذا الميثاق وتعتقدونه في قلوبكم، ولا تنكرونه بألسنتكم، بل تشهدون به وتعلنونه، فالحجة ناهضة علیکم به(١). ولكن اليهود اعتادوا الغدر، واستماتوا في حب المادة، أعرضوا قصدًا وعمدًا عن تنفيذ الأوامر الإلهية، وعن العمل بالميثاق. فهذا هو طبع بني إسرائيل القتل والغدر والخيانة وعدم الوفاء بالعهود وتحريف الكتب السماوية، وذلك منذ أن خلقوا مرورًا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم ووصولًا إلى زماننا هذا فطبعهم وأخلاقهم الفاسدة لا تتغير. (١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ٣٠٨/١. فلا بد أن يحرص المسلمون على معرفة طبائعهم ومكائدهم حتى يتحرزوا الوقوع فيها. ◌ِمَّا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤]. لما أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه، الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل، وذكرهم نعَمَه عليهم الظاهرة والباطنة، فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع یبین لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتاب: اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنًا منه لهم، وطردًا عن بابه وجنابه، وحجابًا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع والعمل الصالح. قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَّ أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ﴾، أي: ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم عليه السلام، وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود www. modoee.com ٨٥ حرف الألف والمواثيق على متابعة الرسول الكريم، وسال من دمائهم على أيدي ومناصرته، ومؤازرته واقتفاء آثاره، بعضهم البعض ما لم يسل من حروبهم مع غيرهم في التاريخ کله، سواء كان ذلك بسبب الخلافات الدينية حول العقيدة، أو بسبب الخلافات على الرياسة الدينية، أو بسبب الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. والإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، أي: ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق ونقضوا العهود(١)، فألصقنا بهم العداوة وسلطنا بعضهم على بعض. ﴿وَالْبَغْضَآءَ ﴾ أشار بهذا إلى اليهود والنصارى لتقدم ذكرهما، وقيل: أشار إلى افتراق النصارى خاصة، لأنهم أقرب مذكور؛ وذلك أنهم افترقوا إلى اليعاقبة والنسطورية والملكانية؛ أي: كفَر بعضهم بعضاً. ومن أحسن ما قيل في معنى ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ﴾ أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإیغاضھا؛ لأنهم کفار. وقوله: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّتُهُمُ اللَّهُ ﴾ تهديدٌ لهم؛ أي: سيلقون جزاء نقض الميثاق(٢). ((ولقد وقع بين الذين قالوا: إنا نصارى من الخلاف والشقاق والعداوة والبغضاء في التاريخ القديم والحديث مصداق ما قصه الله سبحانه في كتابه الصادق (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦٤/٣. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٦/ ١١٧. وفي خلال القرون الطويلة لم تسكن هذه العداوات والخلافات ولم تخمد هذه الحروب والجراحات، وهي ماضية إلى يوم القيامة))(٣). ثالثًا: أخذ نواصي الدواب: قال تعالى: ﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ؟ ◌ِنَاصِيَنْهَاْ إِنَّ رَبِى عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]. أي: أنه ليس من شيء يدب على الأرض، إلا والله مالكه، وهو في قبضته وسلطانه ذليلٌ له خاضعٌ. والناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس، ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته. والمعنى: هي في قبضته وتنالها بما شاء قدرته، فهو آخذ بناصيتها يحييها ويميتها، وهو مالكها والقادر عليها، ويقهرها؛ لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته. وإنما خص الناصية؛ لأن العرب تستعمل (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٦ / ٨٦٠. جُوبُوالَهُ النَفسِير القرآن الكريمِ ٨٦ الأخوة ذلك إذا وصفت إنسانًا بالذلة والخضوع فيقولون: ما ناصية فلان إلا بید فلان. أي: أنه مطیع له یصرفه کیف شاء، فخاطبهم بما يعرفون في كلامهم، وهي صورة محسوسة للقهر والقدرة تصور القدرة آخذة بناصية كل دابة على هذه الأرض، بما فيها الدواب من الناس، وهذه صورة حسية تناسب الموقف، وتناسب غلظة قوم هود وشدتهم، وتناسب صلابة أجسامهم وینیتهم، وغلظ حسهم ومشاعرهم. وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الاستعلاء وسر ذلك التحدي، الذي كان عليه نبي الله هود عليه السلام، فهو يجد هذه الحقيقة واضحة. إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر، وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهرًا. إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة في نفسه، لا تدع في قلبه مجالًا للشك في عاقبة أمره ولا مجالًا للتردد عن المضي في طريقه. إنها حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب الصفوة المؤمنة أبدًا. إن ربي على طريق الحق يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بمعصیته، ولا يظلم أحدًا، ولا يقبل إلا الإسلام. فلا یضیع عنده معتصم ولا يفوته ظالم، ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل، فهو لا یخفی علیه مستتر، ولا یفوته هارب(١). (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٦٣/١٥، الكشف والبيان، الثعلبي، ١٧٤/٥، الوجيز، الواحدي، ص٥٢٤. www. modoee.com ٨٧ حرف الألف سُنة الله في الأخذ يتناول هذا المبحث بيان سُنة الله في الأخذ، فیظهر عدله ورحمته، فجل شأنه لا يؤاخذ بالنسيان والخطأ الغير متعمد، ولا يؤاخذ بأيمان اللغو، وإنما يؤاخذ الإنسان على ما كسب قلبه من عزم ونية، وعلى أيمانه المنعقدة، كما أنه تعالى لا يؤاخذ الإنسان إلا بعد إقامة الحجة عليه، وإزالة الأعذار، ولا يؤاخذ إلا بعد انتهاء الأجل المحدد، فيؤخرهم إلى أجل معلوم عنده لیحاسبهم، فيغفر لمن تاب وأناب، ويعذب من جحد وعاند. أولًا: أسباب الأخذ: ١. يؤاخذ بالأيمان المنعقدة. قال تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُ رَقَّبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّاءٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: ٨٩]. بعد أن بينت الآية الكريمة أن الله عز وجل لا يؤاخذنا على اللغو في الأيمان؛ بينت أن الله يؤاخذنا على الأيمان المنعقدة، فقال تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ اَلْأَيْمَنَ﴾ فمعناه: يؤاخذكم ويحاسبكم على ما أكدتم من الأيمان، فمن قصد الأمر فحلف بالله وعقد على اليمين قلبه متعمدًا فعندها تلزم فيه الکفارة إذا حنث بإجماع، وكفارة حنث اليمين هي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. والمُكفِر في اليمين مُخيّر بين هذه الثلاث، فمن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام وهي الكفارة التي يعاد إليها في اليمين المعقودة عند عدم استطاعة الكفارات الأخرى، ثم أمر الله بحفظ الأيمان وذلك بمعنى لا تكثروا من الحلف، واحفظوها عن الحنث إذا لم يكن ما حلفتم عليه خيرًا، لئلا یذهب تعظیم اسم الله عن قلوبكم، یبین الله لكم آياته وشرائعه لعلكم تشكرون نعمته فیما یعلمكم ويسهل عليكم المخرج(١). ((فعلى المؤمن أن يحترم عهد الله وميثاقه، ويعظم ذات الله وجلاله، فيبتعد عن كل مظاهر الإخلال بهيبة الله وقدسيته، وإذا حلف بالله تعالى وجب عليه صون يمينه إذا كان الأمر المحلوف عليه قربة أو طاعة، وجاز له مخالفة مقتضى اليمين بل يجب إذا كان المحلوف عليه معصية) (٢). (١) انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب، ٣/ ١٨٥٠، الوجيز، الواحدي، ٣٣٣/١. (٢) التفسير الوسيط، الزحيلي، ١/ ٤٩٢. ٨٨ مَوَسُو ◌َ النَّفِيه القرآن الكريم الأخوة ٢. يؤاخذ بما كسبت القلوب. قال تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. بعد أن بين الله عز وجل أنه تعالى لا يؤاخذ باللغو في اليمين، بَيَنَ تعالى أن المؤاخذة تكون على ما قصده القلب وعزمه، وكسب القلب هو العقد والنية، وفي هذا دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال، كما هي معتبرة في الأفعال. والله غفور لمن حنث و کفر بيمينه، حليم حیث رخص لكم في ذلك ولم یعاقبکم، غفور لعباده فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر أنه لا یؤاخذکم علیھا. ولو شاء آخذهم وألزمهم للكفارة في العاجل والعقوبة عليها في الآجل. حَلیم یعني في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة. يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل ولا عصيان عاص ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحليم، إنما الحليم الصفوح مع القدرة على الانتقام المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة (١). (١) انظر: تفسير السمر قندي، ١٤٨/١، النكت والعيون، الماوردي، ٢٨٧/١. ٣. يؤاخذ بعد إقامة الحجة وإزالة العذر. قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدٍ إِمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيْنٌ ◌ِآلْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌّ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْكَفِرِينَ ﴿ أُوْلَبِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ وَأُوْلَِّكَ هُمُ الْغَفِلُونَ ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ ١٠٩ [النحل: ١٠٦- ١٠٩]. أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به أن عليه غضبًا من الله، وذلك لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، ولهم عذاب عظيم في والحليم ذو الصفح والأناة الذي لا الدار الآخرة؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة؛ لأجل الدنيا. أولئك طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فلم يفهموا المواعظ ولا سمعوها، ولا أبصروا الآيات التي يستدل بها على الحق، فهم غافلون عما يراد بهم، فلا غفلة أعظم من غفلتهم هذه لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون. وأما قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ. www. modoee.com ٨٩ حرف الألف مُظْمَيْنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ فهو استثناء ممن كفر يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكم أمره بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا لما ومعصيتكم إياه دافع، وحكيم فيما يفعل أصابه من ضرب وأذى، ولكن قلبه يأبى ما بكم من عقوبته على معصيتكم إياه، بعد إقامته الحجة عليكم، وفي غيره من أموره، یقول، بل مطمئن بالإيمان بالله ورسوله. فهو لا ينتقم إلا بالحق(٣). قال أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟) قال: مطمئنًا بالإيمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإنْ عادُوا فَعُدْ)(١). وقد أجمع العلماء على أنه من أكره على الكفر إكراهًا ملجيًا يجوز له أن يتلفظ بما أُكره عليه مطمئنًا قلبه بالإيمان بهذه الآية(٢). قال تعالى: ﴿فَإِن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدٍ مَا جَآءَنْكُمُ الْبَيْنَتُ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾ [البقرة: ٢٠٩]. يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أخطأتم الحق، فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه، من بعد مجيء الحجج الباهرة والبراهين القاطعة على أنه حق، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التي قطعت عذر کم أيها المؤمنون، فاعلموا أن الله ذو عزة، غالب قادر على أنواع الانتقام، ولا (١) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٠٤/١٧. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤ / ٦٠٥، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٥٠. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدٍ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اُلْمُؤْمِنِينَ نُوَلَّهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. رتب الله عز وجل الثواب العظيم على الموافقة، كما رتب العقاب الشديد على المخالفة والمشاققة، ووكل المخالف إلى نفسه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: ومن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم، ویعانده فيما جاء به ﴿مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ بالدلائل القرآنية والبراهين النبوية، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ وسبيلهم هو طريقهم في عقائدهم وأعمالهم ﴿تُوَلّهِمَا تَوَلَّ﴾ أي: نتركه وما اختاره لنفسه، ونخذله فلا نوفقه للخير، لكونه رأى الحق وعلمه وتركه، فجزاؤه من الله عدلًا أن يبقيه في ضلاله حائرًا ويزداد ضلالًا إلى ضلاله. ويدل مفهومها على أن من لم يشاقق الرسول، ويتبع سبيل المؤمنين، بأن كان قصده وجه الله واتباع رسوله ولزوم جماعة المسلمین، ثم صدر منه من الذنوب أو الهم (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٥٩/٤. مَشَ ابَةُ الْبَشِيّة القرآن الكريم ٩٠