Indexed OCR Text

Pages 21-40

الآخذ
منها سواء كانت مسلمة أو كتابية، فالكتب
السماوية كلها توجب عفاف المرأة ولا
مجال لأي قول خلاف ذلك.
ولابد هنا من وقفة للتأكيد على شرط
الإحصان، وإضافة شرط آخر للزواج من
الكتابية.
إذا فقد شرط الإحصان في نكاح وسفيان.
الإحصان التي أباح الله بها للمسلم أن يتزوج
الكتابية في قوله تعالى: ﴿وَالْعُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة: ٥].
إذا فقدت؛ فذلك يدل على عدم جواز
زواج المسلم بالكتابية التي لا توجد فيها
صفة الإحصان، وقد اختلف في صفة
الإحصان هذه على قولين:
القول الأول: أن المراد بها العفة، فإذا
كانت الكتابية عفيفة لم تقارف الفاحشة جاز
نكاحها، وممن فسر الإحصان بالعفة عمر
بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه عندما کتب
إليه حذيفة بن اليمان: (أحرام هي- يعني
الكتابية - کتب إليه عمر قائلًا: لا، ولكني
أخاف أن تواقعوا المومسات منهن، قال أبو
عبيدة: يعني العواهر)(١).
(١) أخرجه الطبري في تفسيره، ٧١٦/٣،
والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب النكاح،
باب ما جاء في تحريم حرائر أهل الكتاب،
٠١٧٢/٧
وقال مطرف عن الشعبي في قوله تعالى:
﴿وَالْعُصَنَتُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾
[المائدة: ٥].
قال: (إحصان اليهودية والنصرانية: أن
تغتسل من الجنابة وأن تحصن فرجها)(٢)
.
وممن قال بذلك: السدي، ومجاهد
القول الثاني: أن المراد بالإحصان هنا
الكتابية.
لابد هنا من التأكيد على أن صفة الحرية، أي: يجوز نكاح الكتابية الحرة دون
الأمة وإن كانت قد أتت بفاحشة إذا تابت
منها، بشرط أن تكون بموضع لا يخاف
الناکح فیه علی ولده أن يجبر على الكفر.
وقد رجح هذا القول ابن جرير الطبري،
وذکر القائلين به في تفسيره(٣).
وعلى كلا القولين فإن الكتابية التي في
دار الكفر وليست في دار الإسلام يرجح
جانب الحذر منها، لما في بيئتها من الفساد
الواضح.
وكيف تكون عفيفة من توصم بالعار
والأمراض النفسية إذا بلغت سنًا معينًا، ولم
تجد من يعيش معها معيشة غير مشروعة،
کما یعیش الزوج مع زوجته؟
وكيف لا يخشى من عدم عفة امرأة
تختلط بالأجانب في الخلوة كما مضى؟ !!!
قال ابن كثير في تفسيره ٥٠٧/١: ((وهذا
إِسناد صحيح)).
(٢) أحكام القرآن، الجصاص ٢ / ٣٢٤.
(٣) جامع البيان، الطبري ٦ / ١٠٧ - ١٠٨.
www. modoee.com
٢٧

حرف الألف
أن تكون الولاية للمسلم إذا تزوج
الكتابية المحصنة.
والحاصل في هذا الزمان: أن من يتزوج
من بلدٍ کافر فإنه يتزوجهن وفق قوانينها،
فيطبقون عليه نصوص قوانينهم، وفيها من
الظلم والجور الشيء الكثير في هذا الباب،
ولا يعترفون بولاية المسلم على زوجته
وأولاده، وإذا ما غضبت المرأة من زوجها
هدمت بيته، وأخذت أولادها بقوة القانون،
فينشأ أولاده على الكفر.
وأيضًا فإن النبي صلی الله عليه وسلم
رغبنا بذات الدين من المسلمات، فلو كانت
مسلمة توحد الله لكنها ليست ذات دينٍ
وخلق فإنه لا يرغب بزواجها؛ لأن الزواج
ليس هو الاستمتاع بالجماع فقط؛ بل هو
رعاية لحق الله وحق الزوج، وحفظٌ لبيته
وعرضه وماله، وتربية لأولاده، فكيف يأمن
من يتزوج كتابية على تربية أبنائه وبناته على
الدين والطاعة، وهو تارڈٌ لهم بين يدي تلك
الأم التي تكفر بالله تعالى وتشرك معه آلهة؟
فعلى الإنسان المسلم العاقل أن يتخير
لنطفته أين يضعها، وأن ينظر نظرًا مستقبليًا
لحال أولاده و دینهم، وألا يعمیه عن النظر
الواعي شهوةٌ جارفةٌ، أو مصلحةٌ دنيويةٌ
عاجلةٌ، أو جمال ظاهري خادع، فإنما
الجمال جمال الدين والأخلاق(١).
(١) راجع في ذلك: حكم زواج المسلم المغترب
فلابد من إضافة هذا الشرط لشروط
نكاح المسلم من الكتابية، لأهميته وخاصة
مع فساد أحوال أهل الكتاب من اليهود
والنصارى فيه هذا الزمان.
المحصنات من سبايا الجهاد:
السبايا: هن النساء المتزوجات اللواتي
يقعن سبايا في ملك المسلمين في حرب
يدافعون بها عن الدين، وأزواجهن كفار
في دار الكفر، فحينئذ ينحل عقد زواجهن،
ويكن حلالًا للمسلمين بالشروط المعروفة
في كتب الفقه.
ويقول أبو حنيفة: إن من سبي معها
زوجها فلا تحل لغيره، لأنه لا بد من
اختلاف الدار بين الزوجين، دار الإسلام
ودار الكفر (٢).
ومذهب مالك أن السبي يهدم النكاح،
سواء سبي الزوجان الكافران معًا، أو سبي
أحدهما قبل الآخر، وقال ابن المواز: لا
يهدم السبي النكاح (٣).
لذا ورد أن الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ
النِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
نزلت في سبايا أوطاس، وهي وقعة كانت
بعد موقعة حنين، فسبى فيها المسلمون
من الكتابيات، فضل الله ممتاز، موقع الملتقى
الفقهي، السبت ٢٩ محرم ٢٢،١٤٣٦ نوفمبر
٢٠١٤.
(٢) أيسر التفاسير، أسعد حومد ١ / ٥١٧.
(٣) التسهيل، ابن جزي ١ / ٢٤٦.
٢٨
مُوسُورُ النَفيِ موضوي
جوبسبق
القرآن الكريم

الآخذ
النساء والذراري، فتحرج المؤمنون في التزوج بهن نزاع، بل في التزوج بها خلاف
مشهور، والقول بجواز التزوج بهن مع
المنع من التسري بهن لم يقله أحد ولا يقوله
فقيه(٢).
غشيان أولئك النسوة، ومنهم المتزوجات،
فأذن لهم في غشيانهن بعد أن تسلم إحداهن
وتستبرأ بحيضة، أما قبل إسلامها فلا تحل؛
لأنها مشركة (١).
إن الاستمتاع بالجارية بالوطء أو مقدماته
لا يكون مشروعًا، إلا أن تكون مملوكة
للرجل الحر ملگا تامًا کاملا، وهي التي لیس
له فيها شریك، وليس لأحد فيها شرط أو
خيار، ويشترط ألا يكون فيها مانع يقتضي
تحريمها عليه، كأن تكون أخته من الرضاعة،
أو موطوءة فرعه أو أصله، أو تكون متزوجة،
أو أختًا لأمة أخرى يطؤها، أو مشركة غير
كتابية. فإذا استوفت ذلك كله جاز له وطؤها
بملك اليمين لا بعقد الزوجية.
والجارية التي يتخذها سيدها للوطء
تسمى سرية، فإذا حبلت من سيدها وأتت
بولد، ولو سقط سمیت أم ولد، وعتقت بعد
موت سيدها.
أما وطء الأمة الكافرة بملك اليمين،
فإنها إن كانت كتابية فجمهور العلماء على
إباحة وطئها بالملك، لعموم قوله تعالى:
إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَّهُمْ
غَيْرٌ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون
ولجواز نكاح حرائرهم فيحل التسري
بالإماء منهم، وليس في وطئها مع إباحة
(١) الدر المنثور، السيوطي ٢ / ٤٧٨.
وقد أجمع العلماء على حل ذلك، ثم
إن حل نكاحهن يقتضي حل التسري بهن
من طريق الأولى والأحرى، وذلك أن كل
من جاز وطؤها بالنكاح جاز وطؤها بملك
اليمين بلا نزاع، وأما العكس فقد تنازع فيه
العلماء؛ وذلك لأن ملك اليمين أوسع(٣).
وأما إن كانت الأمة المملوكة له مجوسية،
أو عابدة وثن، ممن لا يحل نكاح حرائرهم؛
فجمهور العلماء على منع وطئها بملك
اليمين، قال ابن عبد البر: وعليه جماعة
فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وما خالفه
فهو شذوذ لا یعد خلافًا، ولم يبلغنا إباحة
ذلك إلا عن طاوس.
قال الشيخ عطية سالم رحمه الله في
تقييده لأضواء البيان: الذي يظهر من جهة
الدليل والله تعالى أعلم، جواز وطء الأمة
بملك اليمين، وإن كانت عابدة وثن أو
مجوسية؛ لأن أکثر السبايا في عصره صلى
الله عليه وسلم من كفار العرب، وهم عبدة
أوثان، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه حرم وطأهن بالملك لكفرهن
(٢) مجموع الفتاوى، ابن تيمية ١٨٣/٣٢.
(٣) المصدر السابق ٣٢/ ١٨٤.
www. modoee.com
٢٩

حرف الألف
ولو کان حرامًا لبینه، بل قال صلی الله علیه
وسلم: (لا توطأ حاملٌ حتى تضع ولا غير
ذات حملٍ حتی تحیض حيضةً)(١)، ولم
يقل حتى يسلمن، ولو كان ذلك شرطًا
لقاله، وقد أخذ الصحابة سبايا فارس وهن
مجوس، ولم ينقل أنهم اجتنبوهن حتى
أسلمن.
قال ابن القيم: ((ودل هذا القضاء النبوي
على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك
الیمین، فإن سبایا أوطاس لم یکن کتابیات،
ولم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم
في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه
إلا الاستبراء فقط، وتأخير البيان عن وقت
الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهد بالإسلام
ویخفی علیھم حکم هذه المسألة، وحصول
الإسلام من جميع السبايا، وكن عدة آلاف
بحيث لم يتخلف منهن عن الإسلام جارية
واحدة مما يعلم أنه في غاية البعد، فإنهن
لم يكرهن على الإسلام، ولم يكن لهن
من البصيرة والرغبة والمحبة في الإسلام
ما يقتضي مبادرتهن إليه جميعًا، فمقتضى
السنة وعمل الصحابة في عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم وبعده جواز وطء
المملوکات علی أی دین کن»(٢).
وقد أشار سيد قطب إلى حكمة هذا
التشریع عند حتمية وجود سبايا كوافر في
المجتمع المسلم، فكيف يصنع بهن؟ إن
الفطرة لا تكتفي بأن يأكلن ويشربن، فهناك
حاجة فطرية أخرى لا بد لهن من إشباعها
وإلا التمسنها في الفاحشة التي تفسد
المجتمع كله وتدنسه! ولا يجوز للمسلمين
أن ينكحوهن وهن مشركات، لتحريم
الارتباط الزوجي بين مسلم ومشركة، فلا
يبقى إلا طريق واحد هو إحلال وطئهن
بلا نكاح ما دمن مشركات، بعد استبراء
أرحام المتزوجات منهن؛ وانقطاع صلتهن
بأزواجهن في دار الكفر والحرب»(٣).
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب
في وطء السبايا، ٢١٣/٢، رقم ٢١٥٩، من
حديث أبي سعيد الخدري.
وصححه الألباني.
(٢) زاد المعاد، ١٢١/٥-١٢٠.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢ / ٨٦.
٣٠
مُؤَسُولَهُ النَّفسيد
جوبيبو
القرآن الكريم

الإحصان
إكراه المحصنات على البغاء
أجمع العلماء على حرمة فعل الجاهلية
من إكراه الفتيات على فاحشة الزنى، لقوله
تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآِ إِنْ أَرَدّنَ
تَصُّنَّا لِتَنَغُواْ عَرَضَ لْخَوَةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ
اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
ووجه الدلالة أن النهي صريح في الآية،
كما أنها تشمل حكمًا آخر هو أن الله تعالى
قد أسقط الإثم عمن أکرهت على الزنى.
ومن هنا اتفق العلماء على أنه لا حد على
امرأة مستكرهة؛ وذلك لأنها لم تقصد ولم
ترض بالزنى (١).
ويترتب على ذلك محو كل الآثار الضارة
المترتبة على هذا الإكراه، ومنها الكسب غير
المشروع، حیث حرمت الآية الكريمة کسب
المال، وتحصيله عن طريق امتهان فاحشة
الزنى والترويج لها، نظرًا لما فيها من تضييع
للنسل وإفساد للمجتمع، وفي هذا دلالة
على أن مصلحة المال متأخرة في الاعتبار
والأهمية، عن سائر الكليات الأخرى(٢).
والآية انتقال إلى نوع من التشريع من
شؤون المعاملات بين الرجال والنساء التي
لها أثر في الأنساب، ومن شؤون حقوق
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٠ / ١٨٣.
(٢) معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية
٠٤/١٨٦
الموالي والعبيد، وهذا الانتقال لمناسبة ما
سبق من حكم الاكتساب المنجر من العبيد
المواليهم وهو الكتابة فانتقل إلى حكم
البغاء.
وسبب نزول هذه الآية: أن جاريتين كانتا
لعبد الله بن أبي بن سلول المنافق يقال لهما
معاذة ومسيكة قد أسلمتا، فأمرهما بالزنى
لتكسبا له بفرجيهما، كما هي عادة أهل
الجاهلية قبل الإسلام، فشكتا ذلك لرسول
الله صلی الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتِّكُمْ عَلَى الْبِغَآِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصَُّّاً
لِبَنَغُواْ عَرَضَ لْحَوْقِ الدُّنْيَا﴾ [النور: ٣٣].
أي: لأجل مال قليل يعرض لكم ويزول
عنكم بسرعة (٣).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِمُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدٍ
إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النور: ٣٣].
أي: لهن رحيم بهن؛ لأن المكره لا إثم
عليه فيما يقول ولا فيما يفعل فامتنع المنافق
من ذلك (٤).
والبغاء مصدر: باغت الجارية، إذا
تعاطت الزنى بالأجر حرفة لها، فالبغاء
الزنى بأجرة، واشتقاق صيغة المفاعلة فيه
للمبالغة والتكرير ولذلك لا يقال إلا: باغت
الأمة، ولا يقال: بغت، وهو مشتق من البغي
بمعنی الطلب؛ لأن سيد الأمة بغی بھا کسبًا،
(٣) انظر: أسباب النزول، الواحدي ٢٢٠/١.
(٤) أيسر التفاسير، الجزائري ٣ / ٥٧٠.
www. modoee.com
٣١

حرف الألف
وتسمى المرأة المحترفة به بغيًا(١).
وقد كانت في المدينة إماء بغايا منهن
ست إماء شابات جمیلات لعبد الله بن أبي
بن سلول رأس النفاق، وهن: معاذة ومسيكة
وأميمة وعمرة وأروی وقتیلة، وکان یکرههن
على البغاء بعد الإسلام طلبًا لكسبهن، وفيه
نزلت الآيات الكريمة المتقدمة (٢).
قال ابن العربي: روى مالك عن الزهري
أن رجلا من أسری قریش في يوم بدر قد
جعل عند عبد الله بن أبي، وكان هذا الأسير
يريد معاذة على نفسها، وكانت تمتنع منه؛
لأنها أسلمت، وكان عبد الله بن أبي يضربها
على امتناعها منه، رجاء أن تحمل منه - أي:
من الأسير القرشي - فيطلب فداء ولده، أي:
فداء رقه من ابن أبي، ولعل هذا الأسير كان
موسرًا له مال بمكة، وكان الزاني بالأمة
يفتدي ولده بمائة من الإبل يدفعها لسيد
الأمة، وأنها شكته إلى النبي صلى الله عليه
وسلم فنزلت هذه الآية(٣).
اللواتي لم یکن لهن من يكفلهن، أو الحرائر
اللواتي لم يكن لهن بیت، أو أسرة تضمهن،
فكانت إحداهن تجلس في بيت، وتتفق
في آن واحد مع عدة رجال، على أن ينفقوا
عليها، ويقوموا على أمرها ويقضوا منها
حاجتهم، فإذا حملت ووضعت أرسل إليهم
حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم
الذي کان من أمرکم، وقد ولدت وهو ابنك
یا فلان، فتسمي من أحبت باسمه، فيلتحق
نسبه به، فهذا نوع من البغاء كان يتناكح به
أهل الجاهلية.
وقد أثبتت عائشة رضي الله عنها أن
الإسلام هدم أنكحة الجاهلية الثلاثة، وأبقى
النكاح المعروف، ولكنها لم تعين ضبط
زمان ذلك الهدم (٤).
وأما البغاء العام: فكان معظمه بواسطة
الإماء، وربما وقع من بعض الحرائر أيضًا
وهو أيضًا على وجهين:
الأول: أن بعض السادة كانوا يفرضون
والبغاء الذي كان منتشرًا في الجاهلية على إمائهم مبلغًا كبيرًا من المال يتقاضونه
منهن في كل شهر، فكن يكسبن بالفجور؛
لأنه لا يمكنهن أن يدفعن ما فرضه عليهن
الأول: البغاء في صورة النكاح.
سادتهن بحرفة طاهرة، فکن یحترفن البغاء.
الثاني: البغاء العام في الإماء والحرائر.
أما الأول: فكانت تحترفه بعض الإماء
والوجه الثاني: أن بعض العرب كانوا
يجلسون الفتيات الشابات من إمائهن في
کان على نوعين:
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٧/١٨.
(٢) تفسير آيات الأحكام، الصابوني ١ / ٣٩٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ /٣٥١،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠ / ٥٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب لا نكاح إلا بولي، ١٩٧٠/٥، رقم
٤٨٣٤.
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
٣٢

الإخلاص
الغرفات، وينصبون على أبوابهم رايات، الله هذه الآية، أي: وذلك قبل أن يتظاهر عبد
الله بن أبي بالإسلام.
تکون علمًا لمن أراد أن يقضي منهن حاجته،
وكانت بيوتهن تسمى المواخير، وكانوا
يستدرون من ورائهن المال، فإذا أبت
إحداهن أو تعففت عن ممارسة هذه الرذيلة
ضربها سيدها وأكرهها على مزاولة الحرفة،
حتى لا ينقطع عنه ذلك المورد الخبيث،
الذي کان یکسبه المال الوفير.
وکان بمكة تسع بغايا شهیرات یجعلن
على بيوتهن رايات مثل رايات البيطار
ليعرفهن الرجال، وهن كما ذكر الواحدي:
أم مهزول جارية السائب المخزومي، وأم
غليظ جارية صفوان بن أمية، وحية القبطية
جارية العاصي بن وائل، ومزنة جارية مالك
بن عميلة بن السباق، وجلالة جارية سهيل
بن عمرة، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان
المخزومي، وشريفة جارية ربيعة بن أسود.
وقرينة أو قريبة جارية هشام بن ربيعة، وقرينة
جاریة هلال بن أنس.
وقالوا: إن عبد الله بن أبي كان قد أعد
معاذة لإكرام ضيوفه، فإذا نزل عليه ضيف
أرسلها إليه ليواقعها إرادة الكرامة له،
فأقبلت معاذة إلى أبي بكر فشكت ذلك
إلیه، فذكر أبو بكر ذلك للنبي صلى الله عليه
وسلم، فأمر النبي صلی الله عليه وسلم،
أبا بکر بقبضها فصاح عبد الله بن أبي: من
يعذرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا، فأنزل
قال في التحرير والتنوير: وتقدم أن
من البغايا عناق ولعلها هي أم مهزول كما
يقتضيه كلام القرطبي في تفسير قوله تعالى:
﴿اَلَِّ لَا يَنْكِّحُ إِلَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَِّيَّةُ لَا
يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣].
ولم أقف على أن واحدة من هؤلاء
اللاتي كن بمكة أسلمت وأما اللائي كن
بالمدينة فقد أسلمت منهن معاذة ومسيكة
وأميمة، ولم أقف على أسماء الثلاث
الأخر في الصحابة فلعلهن هلكن قبل أن
يسلمن (١).
وجميع هذه الآثار متظافرة على أن هذه
الآية كان بها تحريم البغاء على المسلمين
والمسلمات المالكات أمر أنفسهن (٢).
ولا ريب أن الخطاب بقوله تعالى:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآِ﴾ موجه إلى
المسلمين، فإذا كانت قصة أمة ابن أبي
حدثت بعد أن أظهر سیدها الإسلام، و کان
هو سبب النزول فشمله العموم لا محالة،
وإن کانت حدثت قبل أن یظهر الإسلام فهو
سبب ولا يشمله الحكم؛ لأنه لم يكن من
المسلمين يومئذ، وإنما كان تذمر أمته منه
داعيًا لنهي المسلمين عن إكراه فتياتهم على
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٦/١٠.
(٢) المصدر السابق.
www. modoee.com
٣٣

حرف الألف
البغاء، وأيا ما كان فالفتيات مسلمات؛ لأن شديدًا على المسلم من مبدأ ظهور الإسلام،
المشركات لا يخاطبن بفروع الشريعة (١).
وقد کان إظهار عبد الله بن أبي الإسلام
في أثناء السنة الثانية من الهجرة فإنه تردد
زمنًا في الإسلام، ولما رأى قومه دخلوا في
الإسلام دخل فيه كارهًا مصرًا على النفاق،
ويظهر أن قصة أمته حدثت في مدة صراحة
کفره، لما علمت مما روي عن الزهري من
قول ابن أبي حين نزلت: من يعذرنا من
محمد يغلبنا على مماليكنا، ونزول سورة
النور كان في حدود السنة الثانية، فلا شك
أن البغاء الذي هو من عمل الجاهلية استمر
زمنًا بعد الهجرة بنحو سنة.
ولا شك أن البغاء يمت إلى الزاني بشبه،
لما فيه من تعريض الأنساب للاختلاط، وإن
كان لا يبلغ مبلغ الزنى في خرم كلية حفظ
النسب، من حيث كان الزنى سرًا لا يطلع
عليه إلا من اقترفه، وكان البغاء علنًا، وكانوا
يرجعون في إلحاق الأبناء الذي تلدهم
البغايا بآبائهم إلى إقرار البغي بأن الحمل
ممن تعينه. واصطلحوا على الأخذ بذلك
في النسب، فكان شبيهًا بالاستلحاق، على
أنه قد يكون من البغايا من لا ضبط لها في
هذا الشأن، فيفضي الأمر إلى عدم التحاق
الولد بأحد.
وكانت عقوبته فرضت في حدود السنة
الأولى بعد الهجرة، بنزول سورة النور.
ولا يعقل أن يكون البغاء محرمًا قبل
نزول هذه الآية؛ إذ لم يعرف قبلها شيء
في الكتاب والسنة يدل على تحريم البغاء؛
ولأنه لو کان کذلك لم يتصور حدوث تلك
الحوادث التي كانت سبب نزول الآية؛ إذ
لا سبيل للإقدام على محرم بين المسلمين
أمثالهم؛ ولذلك فالآية نزلت توطئة لإبطاله
كما نزل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ شُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]
توطئة لتحريم الخمر البتة، وهو الذي جرى
عليه المفسرون مثل: الزمخشري والفخر
بظاهر عباراتهم دون صراحة بل بما تأولوا
به معاني الآية، إذا تأولوا قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ
تَصُّنَا﴾ بأن الشرط لا يراد به عدم النهي
عن الإكراه على البغاء، إذا انتفت إرادتهن
التحصن، بل كان الشرط خرج مخرج
الغالب؛ لأن إرادة التحصن هي غالب
أحوال الإماء البغايا المؤمنات؛ إذ کن یحبین
التعفف، أو لأن قصة سبب نزول الآية كانت
معها إرادة التحصن (٢).
والداعي إلى ذكر القيد تشنيع حالة البغاء
في الإسلام بأنه عن إكراه، وعن منع من
ولا شك في أن الزنى كان محرمًا تحريمًا التحصن، ففي ذكر القيدين إيماء إلى حكمة
(١) السابق ١٨ / ١٧٩.
مَوَسُوعَةُ التَّفْسِيْ
القرآن الكريم
٣٤
(٢) السابق ١٨/ ١٨٠.

الإخلاص
تحريمه وفساده وخباثة الاكتساب به.
وذكر ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لحالة الإكراه؛
إذ إکراههم إِیاھن لا یتصور إلا وهن یابین
وغالب الإباء أن یکون عن إرادة التحصن،
هذا تأويل الجمهور ورجعوا في الحامل
على التأويل إلى حصول إجماع الأمة على
حرمة البغاء، سواء كان الإجماع لهذه الآية
أو بدليل آخر انعقد الإجماع على مقتضاه،
فلا نزاع في أن الإجماع على تحريم البغاء،
ولكن النظر في أن تحريمه هل كان بهذه
الآية.
أقول: إن ذكر الإكراه جرى على النظر
لحال القضية التي كانت سبب النزول.
والذي يظهر من كلام ابن العربي أنه
قد نحا بعض العلماء إلى اعتبار الشرط في
الآية دليلًا على تحريم الإكراه على البغاء
بقيد إرادة الإماء التحصن، فقد تكون الآية
توطئة لتحريم البغاء تحریمًا باتًا، فحرم على
المسلمين أن يكرهوا إماءهم على البغاء؛
لأن الإماء المسلمات يكرهن ذلك، ولا
فائدة لھن فیه، ثم لم يلبث أن حرم تحریمًا
مطلقًا، كما دل عليه حديث أبي مسعود
الأنصاري: (أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم نهى عن مهر البغي)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب ثمن الكلب، ٤٩٥/٥، رقم ٢٢٣٧،
ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب
تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر
فإن النهي عن أكله يقتضي إبطال البغاء،
وقد يكون هذا الاحتمال معضودًا بقوله
تعالى بعده: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ
إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
ونقل ابن عاشور عن الأصفهاني: وقيل
إنما جاء النهي عن الإكراه، لا عن البغاء؛
لأن حد الزنى نزل بعد هذا، وهذا يقتضي أن
صاحب هذا القول يجعل أول السورة نزل
بعد هذه الآيات، ولا يعرف هذا، وقوله:
﴿َّنَغُواْ عَرَضَ اْخَيَّوَةِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بتكرهوا
أي: لا تكرهوهن لهذه العلة، ذكر هذه العلة
لزيادة التبشيع كذكر ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾،
و﴿عَرَضَ الْخَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ هو الأجر الذي يكتسبه
الموالي من إمائهم، وهو ما يسمى بالمهر
أيضًا(٢).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ
إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فهو صريح في أنه
حكم متعلق بالمستقبل؛ لأنه مضارع في
حيز الشرط، وهو صريح في أنه عفو عن
إكراه.
وأما صورة الإكراه: فإنما يحصل الإكراه
متى وجد التخويف بما يقتضي تلف النفس
كالتهديد بالقتل، أو بما يوجب تلف عضو
من الأعضاء، وأما باليسير من الخوف فلا
تصير مكرهة. فحال الإكراه على الزنى
البغي، ١١٩٨/٣، رقم ١٥٦٧، ولفظه: (نهى
عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن).
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨١/١٨.
www. modoee.com
٣٥

حرف الألف
كحال الإكراه على الكفر، وقد قال تعالى
فيه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيْنٌّ
بِالْإِيمَنِ﴾ [النحل: ١٠٦].
وقد ذكر بعض المفسرين أن الله تعالى
إنما ذكر إرادة التحصن من المرأة؛ لأن ذلك
هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت هي
راغبة في الزنى لم يتصور إكراه.
وقال بعضهم: خرج مخرج الأغلب؛
إذ الغالب أن الإكراه إنما يكون عند إرادة
التحصن.
هذا المنکر الفظيع الذي کان یعمله أهل
الجاهلية، حيث كانوا يكرهوا الفتيات على
البغاء مع إرادتهن للتعفف (١).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ
بَعْدٍ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
قیل: غفور لهن.
وقيل: غفور لهم.
وقيل: لهن ولهم.
والراجح عفور لهن. وإلى ذلك ذهب
البغوي (٢)، القرطبي (٣)، ابن كثير (٤)،
البيضاوي، المحلي، الشوكاني، وابن
عاشور (٥)، والشنقيطي.
(١) تفسير آيات الأحكام، الصابوني ٣٩١/١.
(٢) مختصر البغوي ٢ / ٦٤٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٥/١٢.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٩/٣.
(٥) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢ / ٦٣، تفسير
وقال رحمه الله: ((وأظهرها أن المعنى
غفور لهن؛ لأن المكره لا يؤاخذ بما أكره
عليه، بل يغفره الله لعذره بالإكراه، كما
يوضحه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
وَقَلْبُهُ, مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
ويؤيده قراءة ابن مسعود، وجابر بن عبدالله،
وابن جبير: (فإن الله من بعد إكراههن لهن
غفور رحيم)(٦).
ذكره عنهم القرطبي (٧).
(٨)
عن ابن عباس
وذكره الزمخشري
والمقصود به التقبيح والتشنيع على رضي الله عنهم أجمعين، أن الموعود
بالمغفرة والرحمة هو المعذور بالإكراه دون
المكره؛ لأنه غير معذور في فعله القبيح،
وذلك البيان المذكور بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:
١٠٦]))(٩) .
قال ابن عاشور: «فلا يخطر بالبال أن الله
غفور رحيم لهم - أي المكرهين- بعد أن
نهاهم عن الإكراه؛ إذ ليس لمثل هذا التبشير
الجلالين، المحلي والسيوطي ص ٢٩٥، فتح
القدير، الشوكاني ٣٢/٤، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ١٨ / ١٨٢،١٨١.
(٦) وقد قدم الشنقيطي في ترجمة هذا الكتاب
المبارك أنه لا يبين القرآن بقراءة شاذة، وربما
ذكر القراءة الشاذة استشهادًا لقراءة سبعية كما
هنا، انظر: مقدمة أضواء البيان، الشنقيطي
٥/١.
(٧) الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٥٥.
(٨) الكشاف، الزمخشري ٣/ ٢٣٣.
(٩) أضواء البيان، ٦/ ٢١٩.
مُوسوبر البقية
جوبيبو
القرآن الكريم
٣٦

الإخلاص
نظير في القرآن، وأما الإماء المكرهات فإن
الله غفور رحيم لهن))(١).
وبناء على ما تقرر عند علماء الأصول (٢)
من أن صورة سبب النزول قطعية الدخول،
فإن الروايات الواردة في سبب نزول الآية
تدل على تعرض بعض الإماء للإكراه على
الزنى وشكاتهم ذلك إلى النبي صلى الله
عليه وسلم(٣)، وهذا يدل دلالة واضحة على
القول الراجح في الآية أن المغفرة لهن (٤).
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور
١٨ /١٨١-١٨٢.
(٢) انظر: البحر المحيط، الزركشي ٢١٦/٣،
شرح مختصر الروضة، الطوفي ٢/ ٥٠٥.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٣/١٨،
أسباب النزول، الواحدي ص٣٢٨، لباب
النقول، السيوطي ص ٢٩٣.
(٤) انظر: ترجيحات الشيخ محمد الأمين
الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان ١/ ٤٧.
من نماذج المحصنات في القرآن
أبرز نموذج ذكره القرآن الكريم هو:
مريم عليها السلام، مدحها القرآن بذلك،
بل وامتن الله عليها برعايتها وتربيتها منذ
نذرتها أمها وهي في بطنها إلى ربها، فأنبتها
الله عز وجل نباتًا حسنًا، وهيأها لهذا
العمل بإعدادها وتربيتها على حسن العبادة
والسجود والركوع والقنوت لله.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَيْكَةُ
يَمَّرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَتِكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتَكِ
عَلَى نِسَدِ اَلْعَلَمِينَ ا يَمَرْيَمُ أَقْنُتِىِ
لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ [آل
عمران : ٤٢ - ٤٣].
وتكرر فعل ﴿أَصْطَفَاكِ﴾؛ لأن
الاصطفاء الأول اصطفاء ذاتي، وهو جعلها
منزهة زكية، والثاني بمعنى التفضيل على
الغير. فلذلك لم يعد الأول إلى متعلق.
وعدي الثاني. ونساء العالمين نساء زمانها،
أو نساء سائر الأزمنة. وتكليم الملائكة
والاصطفاء يدلان على نبوءتها والنبوءة
تكون للنساء دون الرسالة.
وإعادة النداء في قول الملائكة:
﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى﴾ لقصد الإعجاب بحالها؛
لأن النداء الأول كفى في تحصيل المقصود
من إقبالها لسماع كلام الملائكة، فكان
النداء الثاني مستعملًا في مجرد التنبيه الذي
www. modoee.com
٣٧

حرف الألف
ينتقل منه إلى لازمه وهو التنويه بهذه الحالة
والإعجاب بها (١)؛ لذا وصوها بالمحافظة
على الصلاة بعد أن أخبروها بعلو درجتها
وكمال قربها إلى الله تعالى؛ لئلا تفتر ولا
تغفل عن العبادة (٢)، قال مجاهد: لما قيل
لها: ﴿يَمَرْيَهُ اقْنُقِ ﴾ قامت حتی ورمت
قدماها(٣).
هذا الإعداد الذي أعدها الله وهيأها به
لتكون وابنها آية للعالمين ﴿وَالَّتِى أَحْصَنَتْ
فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَهَا
وَأَبْنَهَاَ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١].
نحا بها نحو الكمال البشري، ففي
الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي
الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: (خير نسائها مريم
بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت
خويلد) (٤).
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (حسبك من
نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة
بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣ / ١٧٤.
(٢) جامع لطائف التفسير ١٣ / ١٥٦.
(٣) توفيق الرحمن، فيصل آل مبارك ١ / ٣٦١.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله
اصطفاك وطهرك) ٨ / ٥٣٨، رقم ٣٤٣٢،
ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة،
باب فضائل خديجة، ٧/ ١٣٢، رقم ٦٤٢٤.
امرأة فرعون) (٥).
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل
من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة
فرعون. وإن فضل عائشة على النساء كفضل
الثريد على سائر الطعام) (٦).
وهذا المذكور في الكتاب والسنة إثبات
لعفتها وطهارتها ونقائها.
قال ابن عطية: ((واختلف الناس في
الفرج الذي أحصنت مريم، فقال الجمهور:
هو فرج الدرع الذي كان عليها، وأنها
كانت صينة، وأن جبريل عليه السلام: نفخ
فيها الروح من جيب الدرع، وقال قوم من
المتأولين: هو الفرج الجارحة، فلفظة
﴿أَحْصَنَتْ﴾: إذا كان فرج الجارحة
متمكنًا حقيقة، والإحصان: صونه، وفيه
هي مستعملة، وإذا قدرنا فرج الدرع فلفظ
﴿آحصنَتْ﴾ فیه مستعارة من حیث صانته،
ومن حيث صار مسلكًا لولدها وهو مدح
بالكناية دلالة على الطهر والنقاء فالثوب
(٥) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب المناقب،
باب فضل خديجة رضي الله عنها، رقم
٣٨٧٨.
وصححه الألباني.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء،
باب قوله تعالى (إذ قالت الملائكة يا مريم
إن الله يبشرك بكلمة منه)، ٣/ ١٢٦٦، رقم
٣٢٥٠.
٣٨
جوبيبو
القرآن الكريم

الإخلاص
المحصن فتحاته أو جيوبه يدل ذلك على
نقاء و طهر صاحبه(١).
وفي رأيي أن القائلين بالفرج الجارحة
هنا على خطأ بيّن، فالقرآن الكريم عند تناوله
موضوع الفرج الجارحة يتناوله بطريقة عالية
من الأدب الراقي، من حيث استخدامه للرمز
ولا يمكن أن يخالف هنا، فيكون الكلام عن
نفخ في فرج حقيقي ظاهرًا مكشوفًا.
وما ذهبنا إليه هو ما رجحه في أضواء
البيان أن النفخ کان في جيب درعها فوصل
إلى جوفها، فصار بسببه حملها عيسى عليه
السلام(٢)، وبهذا فسر في الكشاف آية
(٣)
النفخ(٣).
وأوضح ابن تيمية أن نفخ جبريل في
جيب الدرع على أنه الفرج مخالف لصريح
القرآن، ورجح أنه نفخ في جيب الدرع
فوصلت النفخة إلى فرجها (٤).
وكذلك قال الله تعالى في حقها: ﴿وَمَريمَ
أَبْنَتَ عِمْرَنَ آَِّىَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ
مِن ◌ُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ،
وَكَانَتْ مِنَ الْقَئِنِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
فقوله: ﴿ وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ﴾ فعلى
الأرجح أنه نسبها إلى حال أهلها وعائلتها
من كونهم من القانتين، فهي من هؤلاء المالكية من ذلك أن المعرة إذا حصلت
(١) المحرر الوجيز، ٣٠٩/٥.
(٢) أضواء البيان ٣٩٠/٣
(٣) الكشاف، الزمخشري ٣/ ١٣٤.
(٤) مجموع فتاوى، ابن تيمية ٥/ ٢٦٧.
الموصوفين بالقانتين فاقتضى استخدام
جمع المذكر تغليبًا، وإشارة علی أن عبادتها
في نفس مستوى عبادة الرجال عمومًا.
قال أبو السعود في تفسيره: «﴿وَكَانَتْ
مِنَ الْقَئِنِينَ﴾ أي: من عداد المواظبين
على الطاعة، والتذكير للتغليب والإشعار
بأن طاعتها لم تقصر عن طاعات الرجال
حتی عدت من جملتهم، أو من نسلهم،
لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما
السلام» (٥) .
ولما حدثت المعجزة وولدت مريم
عيسى عليه السلام، عرض بنو إسرائيل
بالقذف، فقالوا: ﴿يَأْخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ
أَمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨].
فمدحوا أباها، ونفوا عن أمها البغاء،
وعرضوا لمريم بذلك، ولذلك سماه الله
بهتانًا.
قال تعالى: ﴿وَيَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ
بُهْتَنَا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦].
وكفرهم معروف، والبهتان العظيم هو
التعريض لها، والمعنى ما كان أبوك امرأ
سوء، وما كانت أمك بغيًا، وأنت خلافهما،
وقد أتيت بهذا الولد، لذلك أخذ فقهاء
بالتعريض وجب أن يكون قذفًا كالتصريح،
(٥) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٧٠/٨.
www. modoee.com
٣٩

حرف الألف
والمعول على الفهم (١).
والثابت في عقيدة المسلمين في مريم
عليها السلام أنها محصنة عفيفة طاهرة
مطهرة عذراء، خلق الله ابنها عيسى عليه
السلام بكلمة منه، دون أب، والله على كل
شيء قدير، فقد خلق آدم عليه السلام دون
أب وأم، وقد أراد الله إكرامها بأن تكون
مظهر عظيم قدرته في مخالفة السنة البشرية
لحصول حمل أنثی دون قربان ذکر، لیری
الناس مثالًا من التكوين الأول كما أشار إليه
قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ
ءَادَمِّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ﴾
[آل عمران: ٥٩](٢).
وكل معجزة ظهرت من عيسى عليه
السلام كما أنها نعمة في حقه، فكذلك
هي نعمة في حق أمه؛ لأنها تدل على براءة
ساحتها مما نسبوها إليه واتهموها به وحمل
مريم ما كان من الرجال كسائر النساء، وإنما
کان بروح منه(٣).
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ١٧٣.
(٢) التحرير والتنوير ١٧/ ١٠٠.
(٣) روح البيان، إسماعيل حقي ٢/ ٣٦٧.
عاقبة رمي المحصنات بالزنى
إشاعة الفاحشة ورمي المحصنات له
عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة، حيث
يقول جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ
الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ
الدُّنْيَا وَالْآَخِرَوَّ﴾ [النور: ١٩].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ
ويقول:
اٌلْفَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُّمِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
وَلَّمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢) يَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلَِّنَتُهُمْ
وَيْدِهِمْ وَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ { يَوْمَيدٍ
يُوَفِِّمُ اَللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَبَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٣ -٢٥].
ظاهر النصوص والواضح من منطوق
الآيات السابقة أن لحد القذف عقوبتين:
عقوبة في الدنيا هي إقامة الحد، وعقوبة
في الآخرة هي اللعنة والعذاب العظيم
والفضيحة بشهادة أعضائهم عليهم، علاوة
على الحسرة والندامة بجديد العلم من
أحوال الآخرة الظاهرة وما ينكشف من
أمرها عيانًا بيانًا وسنفصل الحديث في هذا
من خلال المطلبين التاليين:
أولًا: عاقبته في الدنيا:
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ ◌َرْ
يَأْتُواْبِأَرْبَعَةٍ شُهَدَُّ فَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوْ لَهُمْ
شَهِدَةً أَبَدًا وَأُوْلَتَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
أفاد بلفظه ثلاث عقوبات: عقوبة
جَوَسُولَةُ النَّفِي
القرآن الكريم
٤٠

الإخلاص
بدنية من إقامة الحد بجلده ثمانين جلدة،
وعقوبتان معنويتان بعدم قبول شهادته،
والحكم بفسقه.
١. الجلد.
أثبت الله عز وجل عقوبة القاذف ثمانين
جلدة، ويتبين لنا من هذه الآية الكريمة أن
المراد بالرمي في قوله: ﴿يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾،
هو الرمي بالزنى، أو ما يستلزمه كنفي النسب،
وأن عموم هذه الآية ظاهر في شموله لزوج
المرأة إذا رماها بالزنى، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾
من ألفاظ العموم، وقوله: ﴿الْمُحْصَنَتِ﴾
من ألفاظ العموم، فدخل فيهما كل قاذف
بالزنى (١)، وكل مقذوفة سواء أكانت زوجةً
أم لا، ولذلك لما قذف هلال بن أمية امرأته
عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك ابن
سحماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(البينة أو حد في ظهرك)(٢)، فأجرى عليه
النبي صلى الله عليه وسلم لفظ العموم،
وطالبه بالبينة، فقال هلال: والذي بعثك
بالحق، إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ
ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه:
وَالَّذِيْنَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآَةُ إِلَّ
(١) أيسر التفاسير، أسعد حومد ١ / ٢٦٧٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب إذا ادّعى أو قذف فله أن
يلتمس البينة وينطلق لطلب البينة ٩٤٩/٢،
رقم ٤٧٤٧، من حديث ابن عباس رضي الله
عنه.
أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ إِلَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
الصََّلِفِينَ ﴿ وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ
إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [النور: ٦-٧]. فوقعت
الملاعنة بينه وبين امرأته، ونص الحديث
أن الآية الأخرى وهي المخصصة نزلت
متراخيةً عن اللفظ العام في الآية الأولى،
وبين الله جل وعلا فيها أن زوج المرأة إذا
قذفها بالزنى خارج من عموم هذه الآية،
وأنه إن لم يأت الشهداء، تلاعنا، كما في
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَرْ يَكُنلَّمْ
شُهَدَلَةُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦](٣).
قال القرطبي: ((قال أبو جعفر النحاس:
من أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية إنه
عام لجميع الناس؛ القذفة من ذكر وأنثى،
ويكون التقدير: إن الذين يرمون الأنفس
المحصنات؛ فدخل في هذا المذكر
والمؤنث ... إلا أنه غلب المذكر على
المؤنث (٤).
ثم إن الله بین کونھن مؤمنات غافلات
لإيضاح صفاتهن الكريمة، وذلك في قوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَّفِلَتِ الْمُؤْمِنَاتِ
لُعِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَاْلَخِرَوِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴿ يَيْدٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ
أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُّبِينُ﴾ [النور: ٢٣ -٢٥].
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٥ / ٤٢٩.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ٢١٠.
www. modoee.com
٤١

حرف الألف
ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية
بکونھن غافلان ثناء علیھن بأنهن سلیمات
الصدور نقيات القلوب لا تخطر الريبة
في قلوبهن لحسن سرائرهن، ليس فيهن
دهاء ولا مكر؛ لأنهن لم يجربن الأمور فلا
يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر
والدهاء، وهذا النوع من سلامة الصدور
وصفائها من الريبة من أحسن الثناء، وتطلق
العرب على المتصفات به اسم البله مدحًا
لها لا ذمًا(١).
اتفق العلماء على وجوب الحد بالتصريح
بالقذف، واختلفوا في التعریض به، وحاصل
حجة من قالوا بأن التعريض بالقذف لا
يوجب الحد: أن التعريض محتمل لمعنى
آخر غير القذف، وكل كلام يحتمل معنيين
لم یکن قذفًا.
وذهب جماعة آخرون من أهل العلم
إلى أن التعريض بالقذف يجب به الحد،
وهو مذهب مالك وأصحابه. وروی الأثرم
وغيره، عن الإمام أحمد أن عليه الحد، يعني
المعرض بالقذف، قال: وروي ذلك عن
عمر رضي الله عنه، وبه قال إسحاق إلى أن
قال: وقال معمر: إن عمر کان یجلد الحد في
التعريض.
واحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما ذكره
القرطبي، قال: والدليل لما قاله مالك: هو
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٥ / ٤٣٠.
جَوَسُوع
القرآن الكريم
أن موضوع الحد في القذف، إنما هو لإزالة
المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، وإذا
حصلت المعرة بالتعريض، وجب أن يكون
قذفًا كالتصريح والمعول على الفهم (٢).
٢. عدم قبول شهادته.
ولما كان رمي المحصنات من أعظم
الإثم في النیل من عرضهن، وحيث لم يأتوا
بالبينة على رميهم لهن بالشهود، كان الجزاء
من جنس العمل؛ ألا تقبل لهم شهادة أبدًا،
لا في هذا الجانب ولا في غيره، فالشهادة
كل لا يتجزأ.
ذهب الشعبي والضحاك وغيرهم إلى
أن المحدود في القذف وإن تاب لا تقبل
شهادته(٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ
اَلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّلَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَءَ فَأَبْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ
جَلَّدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ شَدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَكَ هُمُ
اٌلْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: ٤].
واختلف الفقهاء اختلافًا كبيرًا في قبول
شهادة القاذف بعد التوبة، يراجع في كتب
الفقه وخلاصته: أن المقرر في أصول
المالكية، والشافعية والحنابلة أن الاستثناء
إذا جاء بعد جمل متعاطفات، أو مفردات
متعاطفات، أنه يرجع لجميعها إلا لدليل
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢ /
١٧٣ .
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٤؛
فتح القدير، الشوكاني ٤ / ١٣.
٤٢

الإخلاص
من نقل أو عقل يخصصه ببعضها(١)، والله كان عالمًا. ولا تصح في الولايات المالية،
عز وجل أمر بضرب شاهد الزور ثمانين كالنظر على الوقف، والوصية، والعمل
على الزكاة وخرص الثمار، وكذا الولاية
على النفس، وهكذا ولاية القضاء، لا تصح
ولایته، وإذا ولي وحکم لم ینفذ حکمه،
وعلى الإمام تعيين قاض آخر مكانه؛ يتصفح
قضاءه السابق، فما وافق الحق أمضاه، وما
جانبه نقضه. أما الولاية الكبرى فلا تصح
تولية الفاسق فيها، ولا العهد إليه بها،
وشهادة الفاسق مردودة مطلقًا سواء كان
فسقه بارتكاب كبيرة، أو ببدعة، وإذا قبل
الحاکم شهادته وحکم به لم يصح الحكم،
وكل هذا وغيره الكثير مظانه في كتب الفقه.
ثانيًا: عاقبته في الآخرة:
جلدة حدًا على شهادة الزور؛ وأمر أن لا
تقبل شهادته؛ وسماه فاسقًا؛ ثم استثنی حال
التوبة، والاستثناء في سياق الكلام يرجع
إلى أول الكلام وآخره؛ إلا أن يفرق بين
ذلك خبر، وقد روي قبول شهادة القاذف،
بعد توبته عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، وعن ابن عباس رضي الله عنه، وعن
عطاء وطاوس ومجاهد، وسئل الشعبي عن
القاذف فقال: يقبل الله توبته ولا تقبلون
شهادته؟!(٢). أما الإمام أبو حنيفة فيقول
برجوع الاستثناء للجملة الأخيرة فقط فينتفي
عنه الفسق حال التوبة ولا تقبل شهادته على
التأبيد(٣).
٣. الحكم عليه بالفسق.
وشأن الفاسق أن يعتزله الناس وينبذه
المجتمع، والمحدود في القذف ليس
من أهل الولاية ولا الشهادة عند الحنفية،
نفسقه مؤبد عندهم لا ترفعه توبته، وهو
بمثابة الفاسق قبل التوبة عند الجمهور، إلا
في مسألة واحدة وهي صحة حلفه أيمان
القسامة كالعد، وإذا ثبت فسق المرء لم يقبل
خبره في أمور الديانة، ولا تقبل فتاواه إن
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٥ / ٤٣١.
(٢) الأم، الإمام الشافعي ١٣٥/٢.
(٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٣١/٥.
ذكر الله عز وجل عاقبة رمي المحصنات
في الآخرة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ
اٌلْفَغِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
وَلَّمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢ يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
وَيْدِهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ن يَوْمَيِدٍ
يُوَفِِّمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ اَلْحَقُّ
الْمُبِينُ ﴾ [النور:٢٣ - ٢٥].
ولم يغلظ الله تعالى في القرآن في شيء
من المعاصي تغليظه في إفك ما رميت
به عائشة رضي الله عنها فأوجز في ذلك
وأشبع وفصل وأجمل وأكد وکرر، وما
www. modoee.com
٤٣

حرف الألف
ذلك إلا لأمر عظيم (١)، لم يذكر فيه توبة (٢)، عليه وسلم في الحديث: (اجتنبوا السبع
الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل
ثم رتب عليه اللعنة في الآخرة وهي الطرد
من رحمة الله، حیث یلعنهم اللاعنون من
المؤمنين والملائكة أبدًا(٣).
النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا،
وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف،
وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)(٥).
وفي هذه الآية دليل على كفر من سب،
أو اتهم زوجة من زوجات النبي صلى الله
عليه وسلم بسوء، ولهم مع ذلك عذابٌ
عظيم هائل لا يقادر قدره؛ لعظم ما اقترفوه
من الجناية، إن لم يتوبوا، فيعذبون (٤).
ومن العقوبة في الآخرة تقرير الحساب
وما يتم فيه من استنطاق واستجواب (٦) ومن
نوقش الحساب عُذب العذاب العظيم،
الذي لا تحيط العبارة بوصفه(٧). بالإضافة
واستحقاق هذا العذاب يدل على أن إلى الفضيحة بين يدي الخلائق يوم القيامة
والندم والحسرة.
جريمتهم من كبائر الذنوب، بل ومن السبع
الموبقات كما أخبر الرسول صلى الله
(١) البحر المديد، ابن عجيبة ٩٨/٥.
(٢) أخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني،
باب ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم،
عن ابن عباس أنه قرأ سورة النور ففسرها
فلما أتى على هذه الآية: إن الذين يرمون
المحصنات الغافلات قال: هذه في عائشة
وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجعل
لمن فعل ذلك توبة وجعل لمن رمى امرأة
من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى الله
عليه وسلم التوبة، ثم قرأ: إن الذين يرمون
المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء إلى
قوله: إلا الذين تابوا ولم يجعل لمن قذف
امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
توبة، ثم تلا هذه الآية: لعنوا في الدنيا والآخرة
ولهم عذاب عظيم. فهمَ بعض القوم أن يقوم
إلى ابن عباس فيقبل رأسه لحسن ما فسر.
انظر: الدر المنثور، ٦ / ١٦٥ التسهيل لعلوم
التنزيل ابن جزي ٢/ ٢٥٤.
(٣) التفسير الميسر، نخبة من علماء الأزهر
٢٢٧/٦.
(٤) البحر المديد، ابن عجيبة ٩٨/٥.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المحاربين من أهل الكفر والردة، باب رمي
المحصنات، ٧/ ١٦٢، رقم ٢٧٦٦، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر
وأكبرها، ٦٤/١، رقم ٢٧٢.
(٦) أيسر التفاسير، الجزائري ٣/ ٥٦١.
(٧) الوسيط، سيد طنطاوي ١ / ٦٣.
مَوَسُولَهُ الْبَشِير
القرآن الكريم
٤٤

الإخلاص
أثر الإحصان على الفرد والمجتمع
لا شك أن للإحصان بشقیه ومعانیه أثرًا
على الفرد وعلى المجتمع؛ لأنه مرتبط
بالغريزة الجنسية التي هي من أقوى الغرائز
وأعنفها، فما لم يكن لها متنفس عن طريق
نظيف شريف تمردت وطغت. ونزعت
بالإنسان إلى شر منزع (١).
ففي إحصان الرجم: جعل الإسلام
الزواج هو أقصر طريق لتحصن المسلم
وتحقيق العفة وأسلم طريقة لإرواء الغريزة
وإشباعها ليهدأ البدن من الاضطراب،
وتسكن النفس عن الصراع، ويكف النظر
عن التطلع إلى الحرام، وتطمئن العاطفة إلى
ما أحل الله لها، وتحصل بأكمل الجهات
وهو النكاح الصحيح فيعتبر حصولها من
كامل آيات الله (٢).
وهذا هو ما أشارت إليه الآية الكريمة:
وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ مَّوَدَّةً
وَرَحْمَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴾
[الروم: ٢١].
وبذلك يصلح أفراد المجتمع وينبثق من
هذا الصلاح مجتمع قوي متماسك نظيف
عفيف.
(١) روائع البيان في تفسير آيات الأحكام،
الصابوني ٣٩٣/١.
(٢) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٥ / ١٤٧.
شرع الله الزواج لحكم سامية، وغايات
نبيلة، وفوائد جليلة، ومنافع كثيرة دنيا
وأخرى، وهو من هدي القرآن للتي هي
أقوم(٣)، وأمر بتيسير أسبابه؛ لأنه هو الطريق
السليم للتناسل، وعمران الأرض بالذرية
الصالحة. ولم يشأ الله تبارك وتعالى أن
يترك الإنسان كغيره من المخلوقات. فيدع
غرائز تنطلق دون وعي. ويترك الاتصال بين
الذكر والأنثى فوضی لا ضابط له، كما هو
الحال عند الحيوان. بل وضع النظام الملائم
الذي يحفظ للإنسان كرامته، ويصون له
شرفه. فجعل اتصال الرجل بالمرأة اتصالًا
نظيفًا طاهرًا قائمًا على أساس التراضي
والتفاهم. وبهذا وضع للغريزة طريقها
المأمون، وحمى النسل من الضياع، وصان
المرأة أن تكون دمیةً بين أيدي العابثين أو
كلّا مباحًا لكل رائع.
ومن جمال التشريع القرآني أن ضبط
هذه الغريزة مرتبط بالإيمان؛ إذ الزنا عديل
الشرك فى القبح والإيمان قرين العفاف
والتحصن(٤).
مجتمع يقوم على هذا الأساس الأخلاقي
والتشريع السامي تنتشر فيه العفة، ويزكو فيه
الإحصان وتتماسك لبناته ويستعصي على
الاختراق من أعدائه، لذلك جاء التشريع
(٣) انظر: الأنوار الساطعات لآيات جامعات،
السلمان ٣ / ٢٦.
(٤) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١٣٤/٣.
www. modoee.com
٤٥

حرف الألف
بتيسير أسباب الزواج، وتسهيل طرقه،
لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها، وأمر
بإزالة جميع العقبات من وجهه، ولا يجوز
أن يكون الفقر عائقًا في طريق بناء البيوت،
وتحصين النفوس بالتزويج، وقد تكفل الله
عز وجل بإغنائهم إن هم اختاروا طريق العفة
النظيف ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِ.
وَاللّهُ وَمِعُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
ويجب على الأمة أن تعينهم على الزواج،
وأن تهيئ لهم أسبابه، وتبذل کل ما لديها من
جهودٍ حتى لا يبقى في المجتمع عضو أشل،
أو عضو غیر نافع(١).
وإلى أن تتهيأً للشباب فرصة الزواج، جاء
الأمر الإلهي لهم بالاستعفاف عن الحرام
حتى يغنيهم الله من فضله ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ
الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
[النور: ٣٣].
والاستعفاف طلب العفة، والمعنى
ليجتهد في العفة وقمع الشهوة، وفي الآية
إرشاد للعاجزين عن مبادي النكاح وأسبابه
إلى ما هو أولی لهم وأحری بهم بعد بيان
جواز مناكحة الفقراء، والعفة حصول
حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة،
والمتعفف المتعاطي لذلك بضرب من
الممارسة والقهر.
(١) روائع البيان في تفسير آيات الأحكام،
الصابوني ١/ ٣٩٣.
(٢) روح البيان، إسماعيل حقي ٦ / ١٠٦.
ومن الكذب والزور ما يقوله بعض
أدعياء العلم اليوم من أن الكبت والحرمان
يولدان عن الإنسان عقدًا نفسية وأضرارًا
جسمية، وأن عليه أن يخفف طغيان الغريزة
بالاتصال الجنسي ولو عن طريق البغاء.
إنهم يجعلون الزنى ضرورة اجتماعية
لاتقاء الأمراض الجسدية والتخلص من
أضرار الكبت والحرمان ويزعمون أن هذا
هو الطريق السليم، لمعالجة طغيان الغريزة،
وحماية الإنسان من العقد النفسية، التي قد
تؤدي به إلى الجنون.
وهذا النهي عن إكراه الفتيات على البغاء
- وهن يردن العفة - ابتغاء المال الرخيص،
كان جزءًا من خطة القرآن في تطهير البيئة
الإسلامية، وإغلاق السبل القذرة للتصريف
الجنسي، ذلك أن وجود البغاء يغري
الكثيرين لسهولته ولو لم يجدوه لانصرفوا
إلى طلب هذه المتعة في محلها الكريم
النظيف (٣).
أما ما يقال من أن البغاء صمام أمن يحمي
البيوت الشريفة؛ لأنه لا سبيل لمواجهة
الحاجة الفطرية إلا بهذا العلاج القذر عند
تعذر الزواج، أو تهجم الذئاب المسعورة
على الأعراض إن لم تجد هذا الكلأ المباح،
أو ما يقال باسم الحرية الشخصية، فالتفكير
(٣) انظر: روائع البيان في تفسير آيات الأحكام،
الصابوني ٣٩٤/١.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
٤٦