Indexed OCR Text

Pages 1-20

صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الإِحْصَان
عناصر الموضوع
مفهوم الإحصان
٨
الإحصان في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
أنواع الإحصان
١٢
شروط نكاح المحصنات
١٧
إكراه المحصنات على البغاء
٣١
من نماذج المحصنات في القرآن
٣٧
عاقبة رمي المحصنات بالزنى
٤٠
٤٥
أثر الإحصان على الفرد والمجتمع
المجلدالثانى

حرف الألف
مفهوم الإحصان
أولًا: المعنى اللغوي:
تدور مادة (حصن) في المعاجم اللغوية حول معاني المنع والحفظ والحياطة والحرز
والحماية والعناية سواء الحسي منها أو المعنوي، وقد تجتمع هذه المعاني في الشيء
الواحد حسيًا ومعنويًا. فكل ما أحرز وحفظ ومنع فهو محصن وكل ما أحرز وحفظ ومنع
فهو محصن، ومنها: المرأة والرجل والأمة: وامرأة حصانٌ، بفتح الحاء: عفيفةٌ بينة الحصانة،
والحصن بالضم العفة وكذا الإحصان(١). وحاصنة الرجل: امرأته؛ والضاد لغة فيه (٢)،
والمحصنات: العفائف من النساء.
والأمة: إذا زوجت جاز أن يقال قد أحصنت؛ لأن تزويجها قد أحصنها، وكذلك إذا
أعتقت فهي محصنة؛ لأن عتقها قد أعفها. وكذلك إذا أسلمت فإن إسلامها إحصانٌّ لها.
وعليه فالمرأة تكون محصنة بالإسلام والعفاف والحرية والتزويج.
والرجل: ورجلٌ محصنٌ: متزوج (٣)، وحكى ابن الأعرابي: أحصن الرجل تزوج، فهو
محصن، بفتح الصاد. رجلٌ محصن: أي عفيف، ومحصن: أحصنته امرأته.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
يختلف تعريفه في الاصطلاح بحسب نوعيه: الإحصان في الرجم، والإحصان في
القذف.
إحصان الرجم: الحال التي يستغني بها المكلف عن الوقوع في الزنى وتوجب عليه
الرجم فيه.
إحصان القذف: الحال التي تثبت بها عفة المقذوف مع ما يستوجب تحقق الفرية
واستحقاق الحد على القاذف (٤).
(١) لسان العرب، ابن منظور ١٣/ ١١٩.
(٢) المغرب في ترتيب المعرب، المطرزي ١/ ٢٠٧
(٣) لسان العرب، ابن منظور ١٣/ ١٢١
(٤) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٧/ ٣٧، التعريفات، الجرجاني ص ٤٠، دستور العلماء، القاضي
نكري ١/ ٣٨.
٨
مُؤْمَنُوالَهُ النَّسِيَّة
القرآن الكريم

الإحصان
الإحصان في الاستعمال القرآني
وردت مادة (حصن) في القرآن الكريم (١٨) عشرة مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
﴿وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]
الفعل المضارع
٩
﴿لَكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]
اسم الفاعل
٤
﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]
اسم المفعول
٩
﴾ [النساء: ٢٤]
وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَاً
مصدر
١
[النور:٣٣]
اسم
١
﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اَللَّهِ ﴾ [الحشر: ٢]
وجاء الإحصان في القرآن الكريم على أربعة أوجه (٢):
أحدها: العفة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرَّحَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]. أي: عفت عن
الفاحشة(٣).
والثاني: الحرية: ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾
[النساء: ٢٥]. المراد بهن الحرائر (٤).
والثالث: التزوج: ومنه قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٢٤]. أي: المتزوجات(٥).
والرابع: الإسلام(٦): ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥](٧).
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٢٠٦.
(٢) انظر: الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ١/ ٤١٧.
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣/ ٤٦٩.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٢٣٢.
(٥) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١ / ٥١٦.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري، ٨/ ١٩٥.
(٧) وهو أحد القولين، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وأنس، وغيرهم.
www. modoee.com
١٩

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
الزواج:
١
الزواج لغةً:
(زوج) الزاء والواو والجيم أصلٌ يدل على مقارنة شيءٍ لشيءٍ، من ذلك الزوج زوج
المرأة، والمرأة زوج بعلها، وهو الفصيح، ويقال: لفلانٍ زوجان من الحمام، يعني: ذكرًا
وأنثى(١).
الزواج اصطلاحًا:
هو: عقد يقصد به حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر وائتناسه به طلبًا للنسل على
الوجه المشروع، أو هو: عقد يرد على ملك المتعة قصدًا(٢)، أو هو: عقد يفيد حل استمتاع
كل من العاقدين بالآخر على الوجه المشروع(٣).
الصلة بين الإحصان والزواج:
الزواج هو وسيلة الإحصان المشروعة في الشريعة الإسلامية.
٢
العفة:
العفة لغةً:
(٤)
قال ابن منظور: ((العفة: الكف عما لا يحل ويجمل
.
العفة اصطلاحًا:
قال الراغب: ((العفة حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف المتعاطي
لذلك بضرب من الممارسة والقهر)»(٥).
الصلة بين الإحصان والعفة:
من لم يستطع الإحصان بالزواج فعليه لزوم العفة.
انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٢٢٨.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣/ ٣٥.
(٢) انظر: كنز الدقائق، النسفي ١٧٤/٢ مع شرحه النهر الفائق.
(٣) انظر: الأحوال الشخصية، أبو زهرة، ص١٧.
(٤) لسان العرب، ابن منظور ٩/ ٢٥٣.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ٢/ ٤٤٠.
مَوَسُولَة النفسية
جوبيـ
القرآن الكريم
١٠

الإحصان
الزنا:
٣
الزنا لغة:
زناً في الجبل إذا صعد، والزناء: الضيق والضيق جميعًا، وكل شيءٍ ضيق زناءٌ(١)، والزنا
يمد ويقصر: زنى يزني زنىَ، مقصور، وزناءً ممدودٌ، والمرأة تزاني مزاناةً وزناء أي: تباغي (٢).
الزنا اصطلاحًا:
هو اسم لوطء الرجل امرأةً في فرجها من غير نكاحٍ ولا شبهة نكاح بمطاوعتها. أو هو:
إدخال فرجٍ في فرجٍ مشتهى طبعًا محرمٍ شرعًا(٣).
الصلة بين الإحصان والزنا:
يختلف عقوبة الزاني المحصن وغيره في الشريعة الإسلامية؛ تغليظًا وتخفيفًا.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١ / ٩١
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٠٢٦/٣، لسان العرب، ابن منظور ١٨٧٥/٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ١٥٩، التفسير المنير، الزحيلي، ١٣٢/١٨.
www. modoee.com

حرف الألف
أنواع الإحصان
قسم العلماء الإحصان إلى نوعين:
إحصان الرجم، وإحصان القذف، وقد
عرفنا كلا منهما فيما سبق، والفرق بين
إحصان الرجم وإحصان القذف، أن الأول
حال للجاني، والثاني حال للمجني علیه.
وعليه فالمحصن في حد الزنى غير
المحصن في حد القذف(١).
ويترتب على هذا الفرق أنه لا يتحقق
حال الإحصان في حد الزنى إلا بوجود
النكاح الصحيح، والوطء، والتكليف حال
الوطء، كما لا يتحقق حال الإحصان في حد
القذف إلا بالعفة عن الزنى، وسنفصل القول
عن هذين النوعين من خلال النقاط الآتية:
أولًا: إحصان الرجم:
ذكرنا فيما سبق أن إحصان الرجم يعني
الحال التي يستغني بها المكلف عن الوقوع
في الزنى وتوجب عليه الرجم فيه، وهذا
يعني ما أجمع عليه العلماء أن الرجم لا
یکون إلا على من زنی وهو محصن.
ويفسر التعريف السابق لمعنى إحصان
الرجم بأن يكون المكلف البالغ الحر
العاقل قد جامع في عمره، ولو مرة واحدة،
في نكاح صحيح، والرجل والمرأة في هذا
سواء، وكذلك المسلم، والكافر، والرشيد،
(١) المطلع على ألفاظ المقنع البعلي ص ٤٥٣.
والمحجور عليه لسفه.
وأجمع أهل العلم علی أن من زنی، وهو
محصن یرجم، ولم نعلم بأحد من أهل القبلة
خالف في رجم الزاني المحصن، ذکرًا کان
أو أنثى، إلا ما حكاه القاضي عياض وغيره
عن الخوارج، وبعض المعتزلة كالنظام
وأصحابه، فإنهم لم يقولوا بالرجم، وبطلان
مذهبهم واضح من النصوص الصحيحة
الصريحة الثابتة عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه بعده(٢).
وقد روى الشيخان في صحيحيهما: أن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة سمع عبد الله
بن عباس يقول: قال عمر بن الخطاب، وهو
جالس على منبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إن الله قد بعث محمدًا صلى الله
علیه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان
مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها
وعقلناها، فرجم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ورجمنا بعده، فأخشی إن طال بالناس
زمان، أن يقول قائل: ما نجد الرجم في
کتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله،
وإن الرجم في کتاب الله حق على من زنی
إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت
البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف)(٣).
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٧٢/٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود،
باب الاعتراف بالزنى، ٨/ ١٦٨، رقم ٦٨٢٩،
٦٨٣٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
١٢
مُوَسُولَةُ النَِّية
جوبيه
القرآن الكريم

الاختلاف
قال الشنقيطي رحمه الله: فهذا الحديث بالمعنى الذي ذكرناه سابقًا، ولما ارتبط
هذا المعنى بتلك الحال سمي هذا النوع من
الإحصان إحصان الرجم.
الذي اتفق عليه الشيخان، عن الخليفة
الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، دليل صريح صحيح على أن
الرجم ثابت بآية من كتاب الله، أنزلت على
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأها
الصحابة، ووعوها، وعقلوها وأن حكمها
باق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله
والصحابة رضي الله عنهم فعلوه بعده(١).
وقد ثبت الرجم بفعل النبي صلى الله
عليه وسلم کما ثبت بقوله، و کذلك بإجماع
الصحابة والتابعين فقد ثبت بالروايات
الصحيحة التي لا يتطرأ إليها الشك،
وبطريق التواتر أن النبي صلى الله عليه
وسلم أقام حد الرجم على بعض الصحابة
كماعز، والغامدية، وأن الخلفاء الراشدين
من بعده قد أقاموا هذا الحد في عهودهم،
وأعلنوا مرارًا أن الرجم هو الحد للزنى بعد
الإحصان.
ثم ظل فقهاء الإسلام في كل الأعصار
وفي کل الأمصار مجمعین علی کونه حكمًا
ثابتًا، وسنة متبعة وشريعة إلهية قاطعة، بأدلة
متضافرة لا مجال للشك فيها أو الارتياب(٢).
هذا الرجم الثابت شرطه الإحصان
باب رجم الثيب في الزنى، ٣/ ١٣١٧، رقم
١٦٩١ واللفظ له.
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٧٢/٥.
(٢) تفسير آيات الأحكام، الصابوني ١ / ٢٩٧.
وشروط الإحصان أقصد إحصان
الرجم، الذي يجب على من توفرت فيه
وزنى إقامة الحد، هي: الإسلام، والبلوغ،
والعقل، والحرية، والعقد الصحيح، والوطء
المباح الذي لا شبهة فیه، وعبر بعضهم عن
الأخیرین بالتزوج بنکاح صحیح، و دخول
(٣)
معتبر (٣).
وزاد بعضهم: أن لا يبطل إحصائهما
بالارتداد، وأن يكون كل واحد من الزوجين
مساويًا للآخر في شروط الإحصان، فلو
تزوج الحر المسلم البالغ العاقل أمة أو صبية
أو مجنونة أو کتابیة ثم دخل بها فلا يصير
محصناً، وهو بعيد (٤).
وقال بعضهم في شرط الإسلام: بل
یرجم الكافر لحديث اليهودیین اللذين زنيا
بعد الإحصان ورجمهما رسول الله صلى
الله عليه وسلم(٥)، وقصة رجمهما مشهورة
مع صحتها؛ كما هو معلوم.
ولا يشترط الإحصان في الرقيق، فيقام
(٣) البحر المديد، ابن عجيبة الحسني ٧٣/٥.
(٤) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٨/ ٨٠.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد
١ / ٤٤٦، رقم ١٣٢٩، و٤٥٥٦، عن ابن
عمر رضي الله عنهما.
www. modoee.com
١٣

حرف الألف
الحدعلی من أحصن، ومن لم یحصن منهم،
لقول علي رضي الله عنه: (يا أيها الناس،
أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم
ولم يحصن، فإن أمةً لرسول الله صلى الله
عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا
هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها
أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلی الله علیه
وسلم فقال: أحسنت)، وفي رواية قال له:
اتركها حتى تماثل(١).
ثانيًا: إحصان القذف:
وأما إحصان القذف فهو المذكور في
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ
بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةٍ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ
شَدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ) إِلَّا الّذِينَ
تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[النور:٤-٥].
يخبر الله جل ثناؤه بأن الذين ينتهكون
حرمات المؤمنين، فيرمون العفائف
الشريفات الطاهرات بالفاحشة، ويتهمونهن
بأقدس وأثمن شيء لدى الإنسان فينسبونهن
إلى الزنى، ثم لم يأتوا على دعواهم بأربعة
شهداء عدول، يشهدون عليهن بما نسبوا
إليهن من الفاحشة فاجلدوا الذين رموهن
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب تأخير الحد عن النفساء، ٣ / ١٣٣٠
١٧٠٥، وانظر: روح المعاني ٨٢/١٨.
وتفسير سورة النور ١/ ١٤.
بذلك ثمانين جلدة، لأنهم فسقة كذبة
يتهمون الأبرياء، ويحبون إشاعة الفاحشة،
وزيدوا لهم في العقوبة بإهدار كرامتهم
الإنسانية، فلا تقبلوا شهادة أي واحد منهم
ما دام مصرًا على بهتانه، وأولئك عند الله
من أسوأ الناس منزلة وأشدهم عذابًا،
لأنهم فساق خارجون عن طاعة الله عز
وجل، لا يحفظون كرامة مؤمن، ويقعون في
أعراض الناس شأن أهل الضلال والنفاق،
الذين يسعون لتهديم المجتمع الإسلامي
وتقويض بنيانه، وأما إذا تابوا وأنابوا وغيروا
سيرتهم وأصلحوا أحوالهم، ورجعوا عن
سلوك طريق الغي والضلال فاعفوا عنهم
واصفحوا، واقبلوا اعتذارهم، وردوا إليهم
اعتبارهم، فإن الله غفور رحيم، يقبل توبة
عبده إذا تاب وأناب وأصلح حاله (٢).
وقد نصت هذه الآية على بيان حكم
القاذف المحصنة، وهي: الحرة البالغة
العفيفة، وأنه يترتب على قذفه هذا ثلاثة
أمور، وذلك إذا لم يأت بأربعة شهداء
يشهدون برؤيتهم الواقعة:
الأول: أن يجلد ثمانين جلدة هو ومن
معه إذا لم يتموا أربعة شهداء.
الثاني: أن ترد شهادته أبدًا.
الثالث: أنه فاسق ليس بعدل لا عند الله،
(٢) تفسير آيات الأحكام، الصابوني ١ / ٣١٦.
١٤
القرآن الكريم

الاختلاف
ولا عند الناس(١).
وإن كانت الآية قد نصت على قذف
الذكور للإناث، إلا أن الإجماع منعقد على
أن قذف الرجل داخل في الآية بالمعنى،
فقذف الذكور للذكور، أو الإناث للإناث،
أو الإناث للذكور لا فرق بينه وبين ما
نصت عليه الآية، للجزم بنفي الفارق بين
الجمیع(٢).
وذكر الله تعالى في الآية النساء لأنهن
أهم، ورمیهن بالفاحشة أشنع، وأنکر
للنفوس (٣).
وللقذف عند العلماء شروط تسعة:
شرطان في القاذف وهما:
١. العقل.
٢. البلوغ.
وشرطان في المقذوف به:
١. وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه حد؛
كالزنى واللواط.
٢. أو بنفي الولد عن أبيه.
وخمسة في المقذوف:
١. العقل.
٢. البلوغ.
٣. الإسلام.
(١) انظر: تفسير سورة النور، ابن تيمية ص ٣٧،
٣٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٤/٣.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٨٩.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٧٢/١٢.
٤. الحرية.
٥. الإحصان وهو بمعنى العفة عن
الفاحشة التي رمي بها، كان عفيفًا من
غيرها أم لا (٤).
واتفق العلماء على أنه إذا صرح بالزنى
كان موجبًا للحد، فإن عرض وكان يفهم
منه معنى القذف فهمًا واضحًا من القرائن
فإن صاحبه يحد؛ لأن الجناية على عرض
المسلم تتحقق بكل ما يفهم منه ذلك فهمًا
واضحًا، ولئلا يتذرع بعض الناس القذف
بعضهم بألفاظ التعريض(٥).
ومن حرص شريعة الإسلام على الستر
وعدم إشاعة الفاحشة في المجتمع المسلم،
أن الزنى هو الحكم الوحيد الذي يفتقر إلى
أربعة شهداء دون سائر الحقوق؛ رحمة من
الله بعباده وسترًا لهم (٦).
ويشترط في الشهود الأربعة على واقعة
الزنى أن يكونوا جميعًا رجالًا، ولا شهادة
للنساء في الحدود لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُواْ
عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ [النساء: ١٥](٧).
وأن يروا الفرج في الفرج كالمرود(٨) في
(٤) انظر: المصدر السابق نفسه.
(٥) انظر: المصدر السابق ١٧٣/١٢ - ١٧٤،
أضواء البيان ٦/ ٩٤ - ٩٩.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٧٦/١٢.
(٧) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٠٨/١٨
(٨) المرود: هو الميل الذي يوضع في المكحلة.
انظر: عون المعبود على سنن أبي داود لشمس
www. modoee.com
١٥

حرف الألف
المكحلة، وأن تكون رؤيتهم في موطن
واحد، وإن اضطرب أحدهم في شهادته
جلد الثلاثة الباقين، كما فعل عمر رضي
الله عنه في قصة المغيرة، حيث شهد عليه
أبو بكرة الثقفي، وأخوه نافع، وشبل بن معبد
وزياد بن أبيه بالزنى، فلما استشهدهم عمر
اضطرب زياد، فلم يشهد بصراحة الزنى،
فجلد عمر الباقين (١).
واتفق أهل العلم على أن الاستثناء في
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥] لا يرجع على
الجلد؛ لأنه قد حصل، واختلفوا هل يرجع
الاستثناء على عدم قبول الشهادة والفسق،
فإذا تاب قبلت شهادته ورفع عنه الفسق،
فیرفع عنه الفسق، ولکن لا تقبل شهادته
أبدًا.
نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، وأن الضمير
يعود لأقرب مذكور، والصواب قول
الجمهور (٢).
وحد القذف لا يقام على القاذف إلا إذا
طلب المقذوف إقامة الحد عليه؛ لأنه حق
له(٣).
ومن قذف جماعة بكلمة واحدة فعليه
حد واحد؛ لأن الحد إنما وجب بإدخال
المعرة والنقص على المقذوفين، فإذا حد
حدًا واحدًا ظهر كذب القاذف، وزالت
المعرة، وحصل به شفاء الغيظ بحده، أما من
رمی جماعة بكلمات، فإنه يتعدد عليه الحد
بعدد الكلمات التي قذف بها؛ لأنه قذف کل
واحد قذفًا مستقلا لم يشاركه فيه غيره، ولو
أم أن الاستثناء يعود على الجملة الأخيرة، حد حدًا واحدًا لم يظهر به كذبه على الثاني،
ولا تزول عنه به المعرة (٤).
.
قال بالأول الجمهور، وبالثاني أبو
حنيفة، واستدل للجمهور بأن تخصيص
التقييد بالجملة الأخيرة دون ما قبلها مع
كون الكلام واحدًا في واقعة شرعية من
متكلم واحد خلاف ما تقتضيه لغة العرب،
وبأن التوبة تجب ما قبلها، والزاني نفسه إذا
تاب قبلت توبته.
واستدل من خالفهم بقوله تعالى:
وَلَا
الحق العظيم آبادي ١٢/ ٧٢.
(٢) انظر: تفصيل المسألة في: الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ١٧٨/١٢ - ١٧٩، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥، فتح
القدير، الشوكاني ٤ /١٣، ١٤، أضواء البيان،
الشنقيطي٦ /٨٩- ٩٢.
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨٤/٥ (٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٠١/٦.
و ١٧٨/١٢.
(٤) انظر: المصدر السابق ١٠٤/٦ - ١٠٧.
مُوسُو ◌َر النفسية
القرآن الكريم
١٦

الاختلاف
شروط نكاح المحصنات
الشروط العامة للنكاح تنقسم إلى أقسام
نذكرها ملخصة للإفادة، ومظانها في كتب
الفقه، وهي تنقسم إلى أربعة أقسام:
١. شروط الانعقاد: وهي الشروط الخاصة
بأركان العقد وبها يوجد العقد وبدونها
ينعدم ويعتبر باطلًا، وهي شروط في
العاقد والمعقود عليه وصيغة العقد.
٢. شروط الصحة: وهي الشروط التي
يصح بها العقد ويترتب عليه آثاره،
وبدون هذه الشروط يفسد العقد،
مثل: التأبيد في العقد، ووجود الولي
والشهود، وعدم الإكراه، وأن تحل
المرأة للرجل.
٣. شروط اللزوم: وهي الشروط اللازمة
لبقاء العقد واستمراره، وبدونها يكون
العقد جائزًا، ويقع خيار الفسخ لمن له
حق الخيار، مثل: الكفاءة والصداق.
٤. شروط النفاذ: وهي التي بها تترتب
الآثار على العقد، وبدونها یکون العقد
موقوفًا على إجازة من له حق الإجازة،
وهي خاصة بزواج الفضولي، ومن
ليس له ولاية على الزوجين.
الكتاب وسبايا الجهاد، سنعرض لذلك كله
من خلال المطالب الآتية:
أولًا: المحصنات من المؤمنات:
١. شروط نكاح الحرائر.
أما الشروط التي حددها الشرع في جواز
زواج المسلم من المسلمة الحرة فهي على
النحو التالي:
الشرط الأول: الإحصان.
العفيفات
حصنات، أي:
المحصنات لفروجهن، فوجود العفة في
المرأة شرط للزواج منها.
قال الله عز وجل: ﴿مُخْصِنِينَ غَيْرَ
مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٌّ أَخْدَانِ ﴾ [المائدة: ٥].
والخَدِين: الخليل الذي يزني بالمرأة
تحت أي اسم.
وقال عز وجل: ﴿اَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَاِيَةٍ
أَوْ مُشْرِكَةُ وَالََِّةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].
فاقتضى هذا أن الزاني لا يطأ إلا مثله من
الزواني أو المشركات، كما أنه لا يطأ الزانية
أو المشركة إلا زانٍ مثلها أو مشرك، وقد
حرم الله الزنى على المؤمنين والمؤمنات،
فلا يتزوج زانٍ امرأة عفيفة، إلا بعد أن يتوب
إلى الله التوبة النصوح بشروطها المعلومة،
لكن الذي يعنينا هنا الشروط الخاصة
المنبثقة من آيات نكاح المحصنات من
ولا يتزوج زانية من عفيف إلا بعد توبتها
المؤمنات الحرائر والإماء ومن نساء أهل التوبة النصوح بشروطها المعلومة.
www. modoee.com
١٧

حرف الألف
الشرط الثاني: إذن الولي.
والمراد أن يكون النكاح بإذن من له
الولاية على المرأة، والأصل فيه قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما
امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل،
فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) (١).
الشرط الثالث: وجوب الصداق للزوجة
ما لم تهبه لزوجها.
والأصل في وجوبه قول الله تعالى:
﴿وَءَاتُواْ أَلْنِسَآءَ صَدُقَئِنَّ ◌ِلَةٌ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَنْ
شَىْ ءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنْيَنَّامَّيِّئًا﴾ [النساء: ٤].
وقوله عز وجل: ﴿فَمَا أُسْتَمْتَعْثُمْ بِهِ، مِنْهُنَّ
فَشَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ فَرِيضَةً ﴾ [النساء: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ
إِذَا ءَ انَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. يعني:
صداقهن.
ویدل بمفهومه أن النكاح بدون الأجور
فيه جناح، وأما وقد جاء النص بهذا المفهوم
في قوله تعالى: ﴿وَمَةَ مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ
نَفْسَهَا لِلنَّبِّ إِنْ أَرَادَ النَِّىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةٌ
لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
فهبة المرأة نفسها بدون صداق خاص
به صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى:
﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا يحله
إذا
لغيره صلى الله عليه وسلم، وقوله:
(١) أخرجه أبو داود في سننه، کتاب النكاح، باب
لا نكاح إلا بولي، ١ / ٦٣٤ رقم: ٢٠٨٣.
قال الألباني: صحيح.
ءَانَيْتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ظاهر في أن النكاح لا
يصح إلا بإتيان الأجور.
وقد جاء ما يدل على صحة العقد بدون
إتيان الصداق كما في قوله تعالى ﴿لَّاجُنَاحَ
عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ
لَهُنَّ فَرِيضَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وقد ذكر الفقهاء حكم المفوضة أنه إن
دخل بها فلها صداق المثل، ويدل لإطلاق
الأجور على الصداق قوله تعالى في نكاح
الإماء لمن لم يستطع طولًا للحرائر: ﴿فَمِن
مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُم مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ؟
﴿فَأَنْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ
إلی قوله:
وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. وفي
نكاح أهل الكتاب قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ
مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَتُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ
مُسَفِحِينَ ﴾ [المائدة: ٥].
وقوله تعالى للرسول صلى الله عليه
وسلم: ﴿ يَكَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ
الَّتِىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
وبهذا كله يرد على من استدل بلفظ
الأجور على نكاح المتعة في قوله تعالى:
﴿فَمَا أُسْتَمْتَعْثُم بِهِ، مِنْهُنَّ فَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُرَ
فَرِيضَةٌ﴾ [النساء: ٢٤](٢).
وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن
المقصود بالأجور المهور خلافًا للإمامية
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٨ / ١٠١ - ١٠٢.
مَوَسُو عَبُ النَفسِير
القرآن الكريم
١٨

الاختلاف
الذين يستدلون بذلك على جواز زواج
المتعة، وهو التفسير الذي نعارضه استنادًا
إلى تحريم زواج المتعة عام خيبر وأبيح
بعدها، ثم حرم وجدد الرسول صلى الله
علیه وسلم النهي عنه وأكده يوم الفتح ویوم
أوطاس وفي حجة الوداع (١).
٢. شروط نكاح المملوكات.
أباح الله تعالى نكاح الإماء المملوكات
بثلاثة شروط: اثنان منها فى الناكج، والثالث
فى المنكوحة.
فأما اللذين في الناكح:
١. عدم القدرة على نكاح الحرة بألا يجد
مهر حرة، ولا ثمن أمة.
قال في التحرير: «وكان نكاح الإماء
المسلمات مشروطًا بالعجز عن الحرائر
المسلمات»(٢).
قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا
أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن
مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾
[النساء: ٢٥].
والآية تفيد بمضمونها أنه لا يحل الزواج
من الإماء، إلا إذا كان المسلم الحر ليس
فى قدرته أن يتزوج امرأة حرة، ومذهب
الشافعي أن يكون غير واجد لما يتزوج به
الحرة المؤمنة من الصداق، وهو معنى قوله:
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٨٠.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٦١/٣.
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ
الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النساء: ٢٥].
فعدم استطاعة الطَول عبارة عن عدم ما
ينكح به الحرة، كما يقول الرجل: لا أستطيع
أن أحج إذا کان لا يجد ما یحج به (٣).
فإن قيل: الرجل إذا كان يستطيع التزوج
بالأمة يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن
أين هذا التفاوت؟
قلنا: كانت العادة في الإماء تخفيف
مهورهن ونفقتهن، لاشتغالهن بخدمة
السادات، وعلى هذا التقدير يظهر هذا
التفاوت.
٢. خوف العنت.
وهو المذكور فى آخر الآية وهو قوله:
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء:
٢٥].
أي: بلغ الشدة في العزوبة، أو خوف
الزنى، وهذا قول ابن عباس والشعبي وابن
جبير ومسروق ومكحول وأحمد ومالك
والشافعي، وقد روي عن علي والحسن
وابن المسيب ومجاهد والزهري، قالوا:
ينكح الأمة وإن كان موسرًا (٤).
وأما الشرط الذي في المنكوحة:
أن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة(٥)؛ لقوله:
﴿مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النساء: ٢٥].
(٣) غرائب القرآن، النيسابوري ٢/ ٣٩٤.
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٥٨/٢ - ٥٩.
(٥) لباب التأويل، الخازن ١/ ٥١١.
www. modoee.com
١٩

حرف الألف
﴿مِّن
فالقيد الأول مستفاد من قوله:
فَنَيَتِگُمُ﴾ أي: من فتيات المسلمین، لا من
فتيات غیر کم، وهم المخالفون في الدین،
والقيد الثاني من وصف الفتيات بالمؤمنات.
أما فائدة القید الأول فهي أن الولد تابع
للأم في الحرية والرق، وحينئذٍ يعلق الولد
رقيقًا على ملك الكافر(١).
وهو قولٌ جائزٌ، وبه قال طاوس وعمرو
بن دينار، وإليه ذهب مالكٌ والشافعي
وأحمد، فإن الأمة إذا كانت كافرة كانت
ناقصة من وجهين: الرق والكفر، ولا
شك أن الولد تابع للأم في الحرية والرق،
وحينئذ يعلق الولد رقيقًا على ملك الكافر،
فيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه
ملكًا للكافر (٢)، وما ذكرناه هو المطابق
لمعنى الآیة، ولا يخلو ما عداه عن تكلف لا
يساعده نظم الآية (٣).
اجتماع النقصانين الكفر والرق.
وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن
ومذهب مالك والشافعي، وجوز أصحاب
الرأي للحر نكاح الأمة (٤).
أما أبو حنيفة فإنه يقول بجواز نكاح الأمة
ولو كانت كتابية، إن لم يكن عنده زوجة
(١) غرائب القرآن، النيسابوري ٢ / ٤٧٧.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ١٤٢٤.
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٢٦٣/٥.
حرة، فإن كان متزوجًا بحرة؛ فإنه لا يجوز
له أن يتزوج أمة مطلقًا لا مسلمة ولا كتابية،
وإن عقد عليها كان عقده باطلًا.
وقد بنى حكمه هذا على أساس تفسيره
للطَول بأنه الزواج بحرة، وعنده أن نكاح
الأمة المؤمنة أفضل من الكتابية، فحمل
التقييد في الآية على الفضل، لا على
الوجوب، قياسًا على جواز نكاح الحرة
الكتابية، بالإجماع مع وصف الحرائر أيضًا
بالمؤمنات(٥).
ومعظم علماء الإسلام على أن هذا
الوصف جريًا على الغالب، ولعل الذي
حملهم على ذلك أن استطاعة نكاح الحرائر
الکتابیات طول، إذ لم تکن إباحة نكاحهن
مشروطة بالعجز عن الحرائر المسلمات،
وكان نكاح الإماء المسلمات مشروطًا
بالعجز عن الحرائر المسلمات، فحصل
وأما فائدة القيد الثاني، فالحذر من من ذلك أن يكون مشروطًا بالعجز عن
الكتابيات أيضًا بقاعدة قياس المساواة.
وعلة ذلك أن نكاح الأمة يعرض الأولاد
للرق، بخلاف نكاح الكتابية (٦).
وأما المالكية والشافعية فقد قالوا:
الطّول: السعة والقدرة على المهر والنفقة،
فمن عجز عن مهر الحرة ونفقتها وهو قادر
على الزواج من أمة فإنه يجوز له الزواج بها،
(٥) غرائب القرآن، النيسابوري ٢ / ٤٧٨.
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٦/ ٣١٩. (٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣ / ٤٦١.
مَوْسُو ◌َرُ النَّيِّ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٠

الاختلاف
ولو كانت عنده زوجة حرة.
نکاح إماء أهل الكتاب:
ويتصل بهذا الشرط مسألة نكاح إماء أهل
الكتاب، ففي قوله عز وجل: ﴿وَاَلْمُحْصَنَتُ
مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَاَلْتُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِنَبَ
مِن قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة: ٥].
الإحصان في هذه الآية بمعنى الحرية
وأجازوا نكاح كل حرة، مؤمنة كانت أو
کتابیة فاجرة كانت أو عفيفة، وحرموا إماء
أهل الكتاب أن يتزوجهن المسلم بحال،
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ
مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ﴾
[النساء: ٢٥].
فشرط في نكاح الإماء الإيمان.
وقال آخرون: إنما عنى الله تعالى
بالمحصنات في هذه الآية العفائف من
الفريقين إماءً كن أو حرائر، فأجازوا نكاح
إماء أهل الكتاب بهذه الآية، وحرموا البغايا
من المؤمنات والكتابيات، وهذا قول أبي
ميسرة والسدي.
والنصرانية أن تغتسل من الجنابة، وتحصن
فرجها(١).
وتخصيص جواز نكاح الإماء بالمؤمنات
لغير واجد طول الحرة، هو مذهب أهل
(١) الكشف والبيان، الثعلبي ٢٢/٤.
الحجاز. فلا يجوز له نكاح الأمة الكتابية،
وبه قال: الأوزاعي، والليث، ومالك،
والشافعي. وذهب العراقيون أبو حنيفة
وأبو يوسف وزفر ومحمد والحسن بن زياد
والثوري ومن التابعين الحسن ومجاهد إلى
جواز ذلك. ونكاح الأمة المؤمنة أفضل،
ذهب مجاهد وأكثر الفقهاء إلى أن فحملوه على الفضل لا على الوجوب كما
بینا من قبل. واستدلوا على أن الإیمان ليس
بشرط بكونه وصف به الحرائر في قوله:
﴿أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾
[النساء: ٢٥].
وليس بشرط فيهن اتفاقًا، لكنه أفضل(٢).
استدل من أباح نكاح الإماء بلا شرط،
ونكاح العبد الحرة، بعموم الآية: ﴿وَأَنكِحُواْ
اُلْأَمَ مِنكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُهُ وَإِمَّ بِكُمْ
إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَسِعُ
عَلِيمٌ﴾
[النور: ٣٢].
وأنت تعلم أنها لم تبق على العموم،
والذي أميل إليه أن الأمر لمطلق الطلب،
وأن المراد من الإنكاح المعاونة والتوسط
في النكاح، أو التمكين منه، وتوقف صحته
وقال الشعبي: إحصان اليهودية في بعض الصور على الولي يعلم من دليل
آخر (٣).
وجوز أبو حنيفة ذلك لعموم قوله:
﴿فَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَلَةِ﴾ [النساء: ٣].
(٢) البحر المحيط، أبو حيان، ٣ / ٢٢٩.
(٣) روح المعاني، الألوسي ١٨ / ١٤٨.
www. modoee.com
٢١

حرف الألف
وقوله: ﴿وَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ وَالصَِّحِينَ
مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّا بِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
وقوله: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾
[النساء: ٢٤].
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَتُ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ ﴾ [المائدة: ٥].
والمراد بهذا الإحصان العفة.
والجواب أن آيتنا خاصة، والخاص
مقدم على العام؛ ولأنها دخلها التخصيص
فیما إذا كان تحته حرة، واتفقوا على أنه لا
.
يجوز وطؤها بملك اليمين
ظاهر قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا
أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن
مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُمْ مِّن فَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾
[النساء: ٢٥].
يقتضي كون الإيمان معتبرًا من الحرة،
فعلى هذا لو قدر على طول حرة كتابية، ولم
يقدر على طول أمة مسلمة؛ فإنه يجوز له أن
یتزوج بالأمة، وأكثر العلماء على أن ذکر
الإيمان ندب في الحرائر، ولا فرق بين الأمة
المؤمنة والكتابية في كثرة المؤمنة وقلتها(٢).
ونلاحظ هنا:
أن التعبير عن الإماء بقوله: ﴿فَمِن مَّا
مَلَكَتْ أَيْمَنْكُم مِّن فَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾
[النساء: ٢٥].
(٢) المصدر السابق ٦ / ٣٢٠.
تكريم لهؤلاء الأرقاء، وإعزاز
الإنسانيتهن، وتعليم للمسلمين أن يلتزموا
الأدب فى مخاطبتهم لأرقائهم، ولذا ورد
فى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (لا یقولن أحدکم عبدي وأمتي،
ولكن ليقل: فتاي وفتاتي)(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ
بَعْضُّكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥].
جملة معترضة سيقت بين إباحة النكاح
من الإماء المؤمنات وبين صورة العقد
عليهن تأنيسًا للقلوب، وإزالة للنفرة عن
ناكح الإماء ببيان أن مناط التفاخر إنما هو
الإيمان لا التباهي بالأحساب والأنساب (٤)،
فقد تكون الأمة أشد أيمانًا وأعظم ديانة من
غيرها.
وهذا التشريع الإسلامي ما هو إلا
تسهیل من الله ورفعٌ للحرج(٥) ومن رحمة
الله تعالی بعباده وهو إباحة نكاح الإماء عند
العجز عن الحرائر لمن خشي الضرر على
نفسه.
يصبح المعنى التشريعي بعد هذا
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق،
باب التطاول على الرقيق، ٢ /٩٠١، رقم
٢٤١٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الألفاظ
من الأدب وغيرها، باب حكم إطلاق لفظ
العبد والأمة ٢ / ٩٠١، رقم ٢٢٤٩، من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٦ / ٣١٩. (٤) الوسيط، سيد طنطاوي، ١ / ٩١٦.
(٥) تيسير التفسير تفسير القطان ١ / ٢٨٣.
٢٢
القرآن الكريم

الإحصان
البيان السابق: فمن لم يستطع منكم نكاح مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
الحرائر المؤمنات فله أن يتجاوزهن إلى ما
يستطيع من المملوكات المؤمنات، والله
أعلم بحقيقة إيمانكم وإخلاصكم، ولا
تستنكفوا من نکاحهن، فأنتم وهن سواء فى
الدین، فتزوجوهن بإذن أصحابهن، وأدوا
إلیهن مهورهن التي تفرضونها لهن، حسب
المعهود بينكم فى حسن التعامل وتوفية
الحق، واختاروهن عفيفات، فلا تختاروا
زانية معلنة ولا خليلة، فإن أتين الزنى بعد
زواجهن فعقوبتهن نصف عقوبة الحرة،
وإباحة نكاح المملوكات عند عدم القدرة
جائز لمن خاف منكم المشقة المفضية إلى
الزنى، وصبركم عن نكاح المملوكات مع
العفة خير لكم، والله كثير المغفرة، عظيم
الرحمة(١).
ثانيًا: المحصنات من أهل الكتاب:
اتفق العلماء على أنه لا يجوز تزويج
المسلمة للكافر مطلقًا، وأنه لا يجوز تزويج
المسلم للكافرة إلا أن عموم هذه الآيات
خصصته آية ((المائدة))، فأبانت أن المسلم
يجوز له تزوج المحصنة الكتابية خاصة؛
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ حِلٌ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ ◌َُّمْ وَالْمُحْصَنَتُ
مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
(١) المنتخب في تفسير القرآن، لجنة من علماء
الأزهر ١ / ٠١٣٣
فقوله تعالى عاطفًا على ما يحل
للمسلمين: ﴿وَلْعُصَنَتُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
مِن قَبْلِكُمْ ﴾ صريح في إباحة تزويج المسلم
للمحصنة الكتابية، والظاهر أنها الحرة
العفيفة، أي: العفيفات من أهل الكتاب،
وهذا قول جمهور العلماء، وبه قال الأئمة
الأربعة (٢).
فالحاصل أن التزويج بين الكفار
والمسلمين ممنوع في جميع الصور، إلا
صورة واحدة، وهي تزوج الرجل المسلم
بالمرأة المحصنة الكتابية، والنصوص الدالة
علی ذلك قرآنية، كما رأيت.
والمعنى الإجمالي للآية: وأحل لكم أيها
المؤمنون نكاح المحصنات، وهن الحرائر
من النساء المؤمنات، العفيفات عن الزنى،
وكذلك نكاح الحرائر العفيفات من اليهود
والنصارى إذا أعطيتموهن مهورهن، وكنتم
أعفاء غير مرتكبين للزنى، ولا متخذي
عشيقات، وأمنتم من التأثر بدينهن. ومن
یجحد شرائع الإيمان فقد بطل عمله، وهو
يوم القيامة من الخاسرين (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيْمَى مِنْكُرْ
وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّيِكُمْ إِن يَكُونُواْ
فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾
(٢) تفسير آيات الأحكام ١ / ١٢٥.
(٣) التفسير الميسر، نخبة من علماء الأزهر ٢ /
١٧٩.
www. modoee.com
٢٣

حرف الألف
[النور: ٣٢].
يدل على لزوم تزويج الأيامى من مما يشعر بأن وصف الكفر يشمل كلًا من
المملوكين الصالحين، والإماء المملوكات،
وظاهر هذا الأمر الوجوب؛ لما تقرر في
الأصول (١).
وقوله تعالى ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ آلْكَوَاِ﴾
[الممتحنة: ١٠].
أمر المؤمنين بفك عصمة زوجاتهم
الكوافر فطلَق عمر بن الخطاب يومئذ
زوجتین، وطلَق طلحة بن عبيد الله زوجته
أروى بنت ربيعة، وعصم الکوافر عام في کل
كافرة، فيشمل الكتابيات لكفرهن باعتقاد
الولد لله، كما حققه الشيخ الشنقيطي رحمة
الله تعالى، ولكن هذا العموم قد خصص
بإباحة الكتابيات في قوله تبارك وتعالى:
﴿وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾
[ المائدة: ٥].
أي: الحرائر، وبقيت الحرمة بين المسلم
والمشركة بالعقد على التأبيد(٢).
وفي قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّيْنَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبَيْنَةُ
(٥ رَسُولُ مِّنَ اللَّهِ يَثْلُواْ مُفًا مُطَهَّرَةً فِيَهَا
كُنُبٌ قَيِّمَةٌ ، وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ لَهُمُ اَلْبِهِنَةُ﴾ [البينة: ١ - ٤].
ذكرهنا ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ثم جاءت ﴿مِنْ
وجاء بعدها ﴿أَهْلِ اُلْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ
أهل الكتاب والمشركين، كما يشعر مرة
أخرى أن المشركين ليسوا من أهل الكتاب،
لوجود العطف، وأن أهل الكتاب ليسوا من
المشركين.
وهذا المبحث معروف عند المتكلمين
وعلماء التفسير، واتفقوا على أن أهل الكتاب
هم اليهود والنصارى، وأن المشركين هم
عبدة الأوثان، والكفر يجمع القسمين،
وأهل الكتاب مختص باليهود والنصارى،
ولكن الخلاف هل الشرك يجمعهما أيضًا
أم لا؟
فبين الفريقين عموم وخصوص، عموم
في الكفر، وخصوص في أهل الكتاب
اليهود والنصارى، وخصوص في المشركين
لعبدة الأوثان.
ولكن جاءت آيات تدل على أن مسمى
الشرك يشمل أهل الكتاب أيضًا، كما في
قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ
اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِّ
ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضَهِقُونَ
قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَنَلَهُمُ
اَللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) أَّخَذُوا
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ
اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا
إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدًّاً لََّ إِلَهَ
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٥/ ٥٢٩.
(٢) المصدر السابق ٨/ ١٠٠.
مَوَسُو ◌َرَ النَفسِير
القرآن الكريم
٢٤

الآخذ
إِلَّا هُوَّ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[التوبة: ٣٠-٣١].
فجعل مقالة كل من اليهود والنصارى
إشراگا، وجاء عن عبد الله بن عمر منع نکاح
الكتابية، وقال: وهل کبر إشراگا من قولها:
﴿أَّخَذَ اُللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ٤].
فهو وإن كان مخالفًا للجمهور في منع
الزواج من الكتابيات، إلا أنه اعتبرهن
مشركات.
ولهذا الخلاف والاحتمال وقع النزاع في
مسمى الشرك هل يشمل أهل الكتاب أم لا؟
مع أننا وجدنا فرقًا في الشرع في معاملة أهل
الكتاب، ومعاملة المشركين فأحل ذبائح
أهل الكتاب، ولم يحلها من المشركين،
وأحل نكاح الكتابيات، ولم يحله من
المشركات، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا
الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَاِ﴾
[الممتحنة: ١٠].
وقال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهْ وَلَا هُمْ يَحِلُونَ لَّ)
[الممتحنة: ١٠].
﴿وَالْخُصَنَكُ
بين ما في حق الكتابيات قال:
مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَاَ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ ﴾ [المائدة: ٥].
فكان بينهما مغايرة في الحكم.
وقد جمع الشيخ محمد الأمين رحمه
الله تعالى بين تلك النصوص في دفع إيهام
الاضطراب عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ
اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ ﴾ [التوبة: ٣٠].
مفاده أن الشرك الأكبر المخرج من الملة
أنواع وأهل الكتاب متصفون ببعض دون
بعض إلى آخر ما أورده رحمه الله (١).
ولعل في نفس آية: ﴿ وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ
عُزَيْرُ ابْنُ اَللَّهِ ﴾ فيها إشارة إلى ما ذكره رحمة
الله تعالی من وجهين:
الأول: قوله تعالى: ﴿يُضَهِقُونَ قَوَّلَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: ٣٠].
أي: يشابهونهم في مقالتهم وهذا القدر
اتصف به المشركون من أنواع الشرك.
الثاني: تذييل الآية التالية بعد حكاية
فعلهم الشنيع بصيغة المضارع ﴿سُبْحَنَهُ.
عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: ٣١].
بينما وصف عبدة الأوثان في سورة البينة
(٢).
بالاسم ﴿ وَالْمُشْرِكِينَ
وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ
طَوْلًاً أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ
فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُم مِّن فَنَيَنْتِّكُمُ
اُلْمُؤْمِنَتِ﴾ [النساء: ٢٥].
فظاهره أن الأمة لا يجوز نكاحها، ولو
عند الضرورة إلا إذا كانت مؤمنة بدليل
قوله: ﴿مِّنْ فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾، فمفهوم
(١) انظر: دفع إيهام الاضطراب، الشنقيطي ص
١٥٩ - ٠١٦٠
(٢) انظر: تتمة أضواء البيان، عطية سالم ٩ /٣٩-
٤٠.
www. modoee.com
٢٥

حرف الألف
مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا بينهم وبين مشركي العرب.
إباحة نساء أهل الكتاب متأخر:
يجوز نكاحهن على كل حال، وهذا المفهوم
يفهم من مفهوم آية أخرى وهي قوله تعالى:
﴿وَالْخُصَنَتُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾
[المائدة: ٥].
فإن المراد بالمحصنات فيها الحرائر
على أحد الأقوال، ويفهم منه أن الإماء
الکوافر لا یحل نکاحھن، ولو کن کتابیات،
وخالف الإمام أبو حنيفة رحمه الله فأجاز
نكاح الأمة الكافرة، وأجاز نكاح الإماء لمن
عنده طول ينكح به الحرائر؛ لأنه لا يعتبر
مفهوم المخالفة كما عرف في أصوله رحمه
الله(١).
ثبوت الشرك في أهل الكتاب مع حل
نسائهم:
وأما کون أهل الكتاب فیھم شرك كما
ذكره الله فهذا متفق عليه بين المسلمين
كما نطق به القرآن، كما أن المسلمين
متفقون على أن قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّاُلنَّاسِ
عَدَوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ
وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى﴾ [المائدة: ٨٢].
أن النصارى لم يدخلوا في لفظ
(الذين أشركوا)، كما لم يدخلوا في لفظ
(اليهود)(٢)، وإن كان فيهم الشرك للتمييز
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ١ / ٢٣٨.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٤/ ١٣٢، الجواب
الصحيح، ابن تيمية ١١٦/٣.
إذا قدر أن لفظ ((المشركات)) و ((الكوافر»
يعم الكتابيات: فآية المائدة خاصة وهي
متأخرة نزلت بعد سورة البقرة والممتحنة
باتفاق العلماء، والخاص المتأخر يقضي
على العام المتقدم باتفاق علماء المسلمين؛
لکن الجمهور یقولون: إنه مفسر له.
فتبين أن صورة التخصيص لم ترد باللفظ
العام. وطائفة يقولون: إن ذلك نسخ بعد أن
شرع. وإذا فرضنا النصين خاصين، فأحد
النصين حرم ذبائحهم ونكاحهم، والآخر
أحلهما. فالنص المحلل لهما هنا يجب
تقديمه؛ لأن سورة المائدة هي المتأخرة
باتفاق العلماء فتكون ناسخة للنص
(٣)
٠
المتقدم
شروط الزواج من الكتابيات:
أما الشروط التي حددها الشرع في جواز
زواج المسلم من الكتابية هي نفسها الشروط
التي ذكرناها في شروط زواج المسلم من
المسلمة الحرة، وهي: الإحصان بمعنى
العفة، وإذن الولي، ووجوب المهر.
فشرط الإحصان الأصل فيه قول الله
تبارك تعالى في الآية السابقة: ﴿وَالْعُصَنَتُ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
فوجود العفة في المرأة شرط للزواج
(٣) مجموع الفتاوى، ابن تيمية ٢١٥/٣٥.
٢٦
جوبيو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ