Indexed OCR Text

Pages 341-360

TODAYSAY 000000
إلا الحكمةَ ، مع كونهما غيرَ مريدينٍ لشيء منها ؛ إذ كانت حكمةُ أفعالهما
تغني عن إرادتهما !
كما زعموا : أن كونَ إرادة الإلله حكمةً مُحكمةً مع كونها شرطَ
أفعاله .. تغني عن إرادته لها وكراهيَّتِهِ لغيرها (١)، مع كونٍ الإرادات أجناساً
مختلفةً ، فإذا استغنَتْ مع اختلاف أجناسها عن الإرادة لها .. صحَّ وجودُ
سائر ما يفعلُهُ القديمُ من جميع أنواع الحكمة من غير إرادةٍ ، وإن افتقرَ جمیعُ
المرادات الحادثة إلى الإرادات .. وجب افتقارُ الإرادات الحادثةِ إليها ، كما
افتقرتِ المراداتُ والإراداتُ في حدوثها إلى كونه قادراً عليها ، حتى لو صحّ
حدوثُ الإرادة من غير قادرٍ عليها .. لصحَّ حدوثُ المراد من غير قادرٍ عليه !
وهذا الأصلُ الذي أَصَّلوهُ في الإرادة يمنعُهم عن الاستدلال على
الثنويَّةَ : بأن أحدَ القديمينِ كان يصحُ أن یریدَ خلافَ مرادِ الآخر
وللثنويَّة أن تقولَ لهم : ما أنكرتُم من قديمينِ كلُّ واحد منهما يفعلُ
أفعالاً مُحْكمةٌ يصحُ أن يكونَ مريداً لها ، ولا يصحُّ أن يريدَ أحدُهما خلافَ
مراد الآخر ؛ فلا يقعُ بينهما تمانعٌ !
ومنها : قولُهم : إن إرادةَ الإلله سبحانه حادثةٌ لا في محلٌّ ، مع قولهم
معنا : إن الإرادةَ لم تكن إرادةً للمريد بها من أجل أنه فاعلُها(٢)
فيقالُ لهم : ما أنكرتُم من قديمينِ لا يتمانعان ولا يختلفانِ في الإرادة ،
(١) الضمير في ( لها، لغيرها) راجعٌ إلى أفعاله المتضمِّنةِ لحِكَمِهِ سبحانه.
(٢) انظر («المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٤٧/٦، ١٤٩)، وما تقدم
(١ / ٤٢٢ ) .
00000
٠0000 ٣٤١

بل إذا فعلَ أحدُهما إرادةً لتحريك جسم لا في محلٌّ (١) .. وجب أن يكونا
مريدينِ بها [لتحريكِهِ] (٢)، ولم يكن أحدُهما بأن يريدَ بتلك الإرادة أولى من
الآخر ؛ لأنها لم تقمْ بواحد [منهما](٣) ، فلم يختصَّ بها فاعلُها ؛ لصحّة
كونِ المريد منَّا مريداً بإرادة [ليست] من فعله (٤)، وإذا أراد القديمانِ بإرادة
واحدةٍ فكلُّ ما يريده أحدُهما يريده الآخرُ ، ولا يتمانعان في إرادةٍ ولا في
مرادٍ ؟!
ونظيرُ هذا : ما قاله أصحابُ الفناء منهم في قولهم : إن فناءَ الأجسام
إذا حدث لا في محلٌّ فنيَ به جميعُ الأجسام ، ولم يكن بعضُها بأن يفنى أولى
من بعضٍ ؛ لأن الفناءَ لم يقم بواحد منها(٥) ، فلزمهم مثلُ ذلك في الإرادة
الحادثة لا في محلٌّ، حتى يريدُها كلُّ من صحَّ كونُهُ مريداً ، فلا يقعُ حينئذٍ
تمانعٌ في المرادات .
00
ومنها : قولهم : إن إرادةَ القديم لبعض أفعاله تحدثُ مع مراده(٦).
،
فكيف يصحُّ على هذا الأصل دعوى تمانع القديمينِ في المراد ؟!
بل يجبُ على هذا الأصل : حصولُ مرادِ كلِّ واحد منهما مع إرادته ،
فلا يصحُّ من الآخر ممانعتُهُ فيما قد حصل ، وهو المذهبُ في تحقيق قول
C
(١) قوله : (لا في محلٌّ) صفةٌ للإرادة .
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( لتحريكها ).
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( منهم ) .
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( ليس ) .
(٥) وهو قول أبي علي وأبي هاشم الجبائيين. انظر (٦٨٩/١).
(٦) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٨٨/٦).
٣٤٢٫٥٥

البغداديينَ منهم : إن القديمَ غيرُ مريد لشيء على الحقيقة(١)، وإن معنى
قولنا : يريدُ أن يفعلَ شيئاً .. هو أنه فاعلٌ له، [فكيف] يصحُّ التمانعُ في
المراد وهو لم يرده؟!(٢)، وكيف التمانعُ في الفعل لشيءٍ قد فعلَهُ وهو
حاصلٌ ؟!
كذلك إذا كان من أصل البصريينَ منهم : أن إرادتَهُ لفعله تحصلُ مع
مراده(٣) .. لم يصحّ التمانعُ مع حصول المراد، وإنما كان يصحُّ لو تقدَّمت
الإرادتان من المريدَينِ ؛ تمَّ مراد أحدهما أو لم يتمَّ مراده ؛ حتى يكونَ الذي
يتمُّ مراده مانعاً للآخر عن إتمام مراده .
ومنها : قولهم : إن الإلله سبحانه قد أراد من عباده مراداتٍ كثيرةً ، فلم
يتمَّ مرادُهُ منهم ، ولم يلحقْهُ بذلك صفةُ ضعفٍ ونقصٍ (٤) .
فما أنكرتُم من الثنويَّة إذا قالت : إن القديمينِ إن لم يتمَّ مرادُ أحدهما لم
يلحقْهُ نقصٌ ولا ضعفٌ ؟!
00000000
000000
ولا معنى للفرق بين المرادينِ ؛ بأن أحدهما من فعلِهِ ، والآخرَ من فعلٍ
غيره ، كما أن أحدَ المرادينِ لو وقع بغير علمه وجبَ له من النقص ما كان
(١) وبه قال النظام والعلاف وأبو القاسم الكعبي والجبائي. انظر (( مقالات الإسلاميين))
(ص٤١٨)، و(( شرح الأصول الخمسة)) (ص٤٣٤)، و((الفرق بين الفرق))
( ص١٨١ ) .
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( كيف ) .
(٣) ومذهبهم: أن الإرادة قد تحصل مقارنة للمراد أو سابقة عليه . انظر ((مقالات
الإسلاميين)) (ص٤١٩)، و((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) ( الإرادة )
(٨٩/٦ ) .
(٤) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٢٧٥/٢) وما بعدها .
xra
401
00000,٣٤٣ 00000

COOO
AYO
يجبُ لو وقع الآخرُ بغير علمه، ولو جاز وقوعُ أحدهما من غير علمه به من
غير نقصٍ يعودُ عليه .. كان في الآخر مثلُهُ ؛ كذلك القولُ في وقوع المراد
بخلاف الإرادة ؛ سواءٌ كان المرادُ من فعلِهِ أو من فعلٍ غيره .
ولا معنى لقولهم : إن الإلله وإن لم يتمَّ مرادُهُ من بعض عباده لا يلحقُهُ
نقصٌ ؛ لأنه قادرٌ على إلجائه إلى مرادِهِ(١)؛ لأنه إذا أراد من العبد الإيمانَ
طوعاً واختياراً فلم يفعلْهُ إلا مُكرَهاً عليه .. لم يتمَّ مرادُهُ من اختيار
العبد للإيمان ومن فعلِهِ اختياراً
على أن الإلجاء إن أرادوا به : فعلَ الإيمان في العبد .. فذلك خلافُ
أصلهم في دعواهم : أن الله لا يخلقُ إيمانَ العباد وطاعاتِهم ، ولأن من
أصلهم أن فاعلَ الإيمان والطاعة هو المؤمنُ المطيعُ دون الله ، ولم يتمَّ
ءُ ھ
مرادُهُ .
000
وإن أرادوا بالإلجاء إلى الإيمان : سلبَ قدرة الكفر والعصيان ..
يلزمْهم : أن يكونَ المُلجَأُ حينئذٍ مسلوبَ القدرة على الإيمان والطاعة ؛ لأن
القدرةَ عندهم على الشيء قدرةٌ على جنس ضدِّهِ(٢) ، ولا يقدرُ على جنسٍ
(١) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٢٥٦/٦) وما بعدها، وإنما
نفَوا تعلُّق القادرية بالإلجاء إثباتاً للعدل بزعمهم ، على أن القول بالإلجاء يوهم كون
قدرتي الله تعالى والعبدِ من جنس واحد ، وأنه وقع بينهما تفاوتٌ فقط !
(٢) وهذا وإن كان قولَ السادة الماتريدية فهو مباين لمذهب القدرية؛ إذ التساوي احتاج إلى
مرجِّحٍ ، والمرجِّحُ عند القدرية إرادة العبد الحادثة ؛ فإن كان المرادُ خيراً وافقت
إرادة الله وخلق الطاعة ، وإن كان المرادُ شرّاً وقع ما لا يريده سبحانه بزعمهم ، وأما
الماتريدية فقد جعلوا الترجيح بالجزء الاختياري ، وأرجعوه إلى الاعتبار ،
والاعتباريات لا تتعلَّق بها القدرة ، على أن هذا القول ليس بشيء عند محققي =
٣٤٤٠٠٠٥٥ ٠٥٠٥٥

من لا يقدرُ على جنس ضدِّهِ ، فلا يصحُّ من المُلجَأ على هذا الأصل
ما أرادَهُ الله عزَّ وجلّ ولا ضدُّ مراده .
وإن أرادوا بالإلجاء : إظلالَهُ إِيَّاهُ بعذابٍ يُخوِّفُهُ به وقوعَهُ فيه إن لم يفعل
ما أمرَهُ به .. فإنه إن كان في تلك الحال عارفاً بأن ذلك العذاب من قِبَلِ الله
عزَّ وجلَّ بالضرورة .. زال التكليفُ معه؛ لأنه لا يجوزُ تكليفُ إيقاع المعرفة
بالله عزَّ وجلَّ مع حصولها ضرورةً .
وإن كان شاكاً في ذلك ، وأجاز أن يكونَ ما ظهر له سِحْراً أو تخييلاً ..
لم يكن مُلجَأْ إلى الإيمان به ، وأمكنَ منه أن يَثبُتَ على كفره مع قدرته
عليه ، لا سيَّما إذا اعتقد أنه إن صبرَ على ذلك العذاب ساعةً، وقطع المقدَّرَ
عن مراده .. خرج عن أن يكونَ إلاهاً، وبطلَ حينئذٍ تحقيقُ العذاب .
DO
ولا معنى [لتشبيههم] (١): بمن فاجأه الأسدُ في طريقه، وهو قادرٌ على
دخول حصن يمنعه منه ، فيكونُ مُلجَأً إلى الفرار من الأسد وإلى دخول
الحصن ؛ لأن هذا الفِرارَ إنما يفعله من عرفَ الأسدَ بالضرورة عِياناً ، وعلمَ
بالضرورة أنه لا يطيقُهُ، فأما إذا ظنَّ أنه أقوى من الأسد ، وأنه يقاومُهُ ..
فإنه يُقدِمُ عليه طلباً؛ لينوِّهَ بذلك نفسَهُ في مقاومة الأسد أو في ظفره به .
كذلك الذي أظلَّهُ الله بعذاب إنما يكونُ مُلجَأْ إذا علمَ أن ذلك العذابَ
من الله عزَّ وجلَّ، ومن عرفَ ذلك لم يكن مُلجَأً إلى فعل المعرفة ، وإن
الأشاعرة ؛ لرجوع هذا الجزء وأثره إلى قدرة الله إن قلنا بتأثيره تعلُّقاً، ولعدم اعتباره إن
=
قلنا بنفي أثره أصلاً .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( لشبههم) .

شكّ في ذلك لم يُؤمَنْ منه أن يظنَّ أنه تخييلٌ ومَخْرَقةٌ ، وأنه إن صبرَ على
مقابلته أفادَ نفسَهَ اسماً وتنويهاً ، فلا يتُّ حينئذٍ مرادُ الإلله منه على هذا
الأصل .
وبه تبطلُ دعوى المعتزلة تصحيحَ دَلالةِ التمانع على أصولها ، وهذا كلُّهُ
على أصول المقرِّين منهم بإثبات الإرادة لله عزَّ وجلَّ .
وأما البغداديون منهم : فلا يصحُّ الاستدلالُ منهم على توحيد الصانع
بدَلالة التمانع مع قولهم : إن القديمَ لا يصحُّ أن يكونَ مريداً على الحقيقة ،
فكيف يصحُّ على هذا الأصل : أن القديمينِ لو أراد أحدُهما خلافَ مراد
الآخر لكان كيت وكيت ؟!
وما ينكرون من ثنويٌّ يقول بقديمينٍ صانعينٍ كلُّ واحد منهما يفعل أفعالاً
غيرَ أفعال صاحبه ، ولا يكون أحدُهما مريداً خلافَ مراد الآخر ، بل كلُّ
واحد منهما يُوقعُ أفعالَهُ بلا إرادة ، فلا يكونُ بينهما تمانعٌ ؟!
000
ثم إن المعتزلةَ بأسرها أحالت أن يكونَ لله سبحانه صفةٌ قديمةٌ(١)،
وقالت : لو كان له صفةٌ قديمةٌ لوجب أن تكونَ مثلَهُ ؛ لأن الشيئينِ إذا
اشتركا في صفة القدم لم يجز أن يختلفا بوجهٍ ، وقد أفسدوا بههذا المذهب
على أنفسهم طريقَ دَلالةِ التمانع على توحيد الصانع .
فيقال لهم : إذا لم يجز اختلافُ القديمينِ بوجهٍ .. فما أنكرتم من
صانعينٍ قديمينِ لا يجوز اختلافُهما ولا تمانعُهما مع كونهما قادرينِ
(١) يعني: صفة ثبوتية قديمة؛ كالعلم والقدرة والإرادة والحياة، وإلا فهم يثبتون صفاتٍ
التنزيه العدمية ؛ كالقدم والبقاء .
LON
00000 ٣٤٦

OO
لأنفسهما(١)، ومع كون مقدورِ كلّ واحدٍ منهما مقدوراً للآخر، ويستحيلُ
اختلافُهما في المراد ؛ لأن اختلافَهما في المراد يؤدي إلى أن يكونَ أحدُهما
قادراً على ما لا يقدرُ عليه الآخر ، وذلك غيرُ جائز في القديمينِ ، كما
زعمتم : أنه لا يجوزُ اختلافُ القديمينِ ؛ بأن يكونَ أحدُهما صفةً ، والآخرُ
موصوفاً بها ؟!
كذلك ما أنكرتم من قديمينِ قادرينٍ لا يجوزُ اختلافُهما ؛ بأن يريدَ
أحدُهما ما يريدُهُ الآخرُ؟! وإذا استحال التمانعُ بينهما بطلَ استدلالُكُم بدلالة
التمانع .
وقد كان للمعتزلة شيخٌ قديمٌ في ضلالته يُعرَفُ بمَعْمٍ يزعمُ : أن الإللة
سبحانه لم يخلق شيئاً من الأعراض ، ولا يوصفُ بالقدرة على خلق شيء
منها(٢)
00
00000
000
وعلى هذا الأصل : كيف يصحُّ الاستدلالُ بدَلالة التمانع ، وبناؤها : على
أن يريدَ أحدُ القديمينِ خلافَ مراد الآخر ، والمريدُ لا يكون مريداً بإرادة ؟!
00
ولا يصحُّ عند مَعْمَر أن يكونَ للقديم إرادةٌ لا من فعلِهِ ولا من فعلٍ
غيره ، ولا أن تكونَ الإرادةُ صفةً قائمةً به ؛ لأنه لا يقول بإثبات الصفات لله
عزَّ وجلَّ ، فلا يصحُّ [استدلالُهُ] على التوحيد بالتمانع في المراد (٣)
وكان لهم شيخٌ آخرُ في الضلالة يُعرَفُ بالنَّظَام يزعم : أن الأعراضَ كلَّها
يعني : لا بقدرة ، بل بصفة نفسية أو بحال .
(١)
(٢) انظر (٦٢٦/١).
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( استدلالهم) .
00000 ٣٤٧ 100000

YOOO
جنسٌ واحدٌ (١)، وأن الإيمانَ من جنس الكفر!(٢) وقد علمنا أن التمانعَ في
المراد إنما يكونُ باختلاف المرادين في الجنس ، وإذا تماثلا لم يقع بين
المريدينِ اختلافٌ ، فلم يصحَّ له الاستدلالُ بدَلالة التمانع .
وكان لهم شيخ آخرُ يُعرَفُ بالأسواريِّ يزعم : أن الله تعالى لا يقدرُ على
ما علم أنه لا يكونُ، ولا يلحقُهُ بذلك عجزٌ ولا نقصٌ(٣).
فيقال له على هذا الأصل : ما أنكرتم من قديمينٍ يتمُّ مرادُ أحدهما
لعلمه بأنه يكون ، ولا يتمُّ مرادُ الآخر لعلمه بأنه لا يكون ، ولا يقدرُ على
إتمام مراده الذي علمَ أنه لا يكونُ ، ولا يصيرُ بذلك عاجزاً ولا منقوصاً ؟!
كما زعمتَ أن الإلهَ سبحانه لا يقدرُ على إيقاع ما علمَ أنه لا يوقعُهُ ،
ولا يكونُ بذلك عاجزاً ولا منقوصاً !
فقد بانَ بما ذكرناه عجزُ المعتزلة عن تصحيح التوحيدٍ على أصولها ، مع
دعواها العدلَ والتوحيد !
(١) وإنما الأعراض يجمعها جنسٌ بعيد هو العرضية المفتقرة في ظهورها إلى محل وجوهر ،
وللكنها بعد ذلك متباينة في أجناس كثيرة ؛ كجنس الروائح ، وجنس الألوان ، وجنس
الحركة ، وجنس السكون ؛ إذ يستحيل أن تكون الحركة والسواد تحت جنس قریب واحد .
وقال الإمام المصنف في (( الفرق بين الفرق)) (ص٣٢٩): ( واتفق أهل السنة على
اختلاف أجناس الأعراض ، وأكفروا النظام في قوله : إن الأعراض كلها جنس واحد ،
وإنها كلها حركات ؛ لأن هذا يوجب عليه أن يكون الإيمان من جنس الكفر ، والعلم
من جنس الجهل ) .
(٢)
يعني : عن طريق الإلزام.
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٠٣).
CON

3
OO
فصل
في مجز الكرامية
عن صحيح دلائل التوحيد على أصولهم الفاسدة
قد صحَّ أن دلائلَ الموحِّدينَ على التوحيد مبنيّةٌ على صحّة التمانع بين
القادرينِ ، وإنما تصحُّ هذه الدَّلالةُ على أصلٍ من يقول: إن كلَّ واحد من
القادرينِ يقدرُ على أن يفعلَ في غيره فعلاً .
وإذا كان من أصل الكراميّة : أن الإللهَ لا يقدرُ أن يفعلَ فعلاً في غيره ،
وإنما يقدرُ على الفعل الذي يحدثُ في ذاته ، وقدرتَهُ لا تتعلَّقُ بما لا يكونُ
في محلٌّها (١) . . لم يصحَّ وقوعُ التمانع بين القادرينِ لو كانا قديمينٍ ، كما
لا يصحُ وقوعُ التمانع بين القادرينِ منَّا إذا كان فعلُنا لا يتعدّى محلَّ القدرة
عليه .
000000
فإن قالوا : إنَّ الفعلَ الذي يحدثُ فيه بقدرته سببٌ مُوجِبٌ لحدوث فعلٍ
في غيره ، فلا يُنكَرُ أن يتمانعَ مراداهما المسبَّبان عن السببينِ الحادثينِ
فيهما .
قيل : هذا باطلٌ على أصلكم ؛ لأن فعلَ القديم عندكم سببٌ مُوجِبٌ
المسبَِّهِ ، فإذا فعل أحدُهما سببَ مفعولِهِ امتنع فعلُ الآخر وموجَبُهُ ،
(١) انظر (٤١٨/١).
00000
٥٥٥٥٥ ٣٤٩
CON

Oc
OO
ولا يكون به ممنوعاً للآخر ، ولا يدلُّ ذلك على عجزه ، كما أنه إذا فعلَ هو
أحدَ سببي مفعولٍ به في الضدَّينِ لم يكن ممانِعاً لنفسه ؛ لأن التمانعَ إنما يقع
في فعلينِ متنفُّرَى الوقوع(١) ، ليس لواحد منهما سببٌ موجِبٌ ، فإذا اختلفا
فيهما استُدِلَّ حينئذٍ بتمام مراد أحدهما على عجز الذي لم يتمَّ مرادُهُ ، وإذا
كان لِمَا يفعلُهُ كلُّ واحد منهما في غيره سببٌ موجِبٌ .. لم يصحَّ منه منعُ
صاحبه عمَّا قد فعلَ سببَهُ الموجِبَ .
ولا يصحُّ على أصولهم أيضاً توحيدُ ذات الصانع مع قولهم : بأنه جسمٌ
يَلقى صفيحةَ العرش من فوقه، ويجوز أن يلاقيَ جميعَ ما تحتَهُ(٢)، فكيف
يصحُّ على هذا الأصل أن تكونَ ذاتُهُ شيئاً واحداً ، وليس الذي يَلقى منه
بعضَ الأجسام ما يلقى منه جسماً آخر ؟! لأنَّ الشيءَ لا يلاقي جسمينٍ وأكثرَ
من جهة واحدة .
ويقال لهم : ما الدليلُ على أنه ليس هو الفلكَ ، وما يؤمنُكم أن يكونَ
هو الفلكَ ؛ لقولكم : بأنه جسمٌ يجوز عليه مجاورةُ الأجسام وملاقاتها ،
ومع قولكم : بأن له حدّاً ونهايةً، ومع ذلك قولُكم : بأنَّ ذاتَهُ تقبلُ حلولَ
الحوادث فيه ؟!
فإن قالوا : إن الفلكَ متحرِّكٌ ، والكواكبَ متحرّكةٌ، والقديمَ غيرُ
متحرّك(٣)
(١) في (أ): ( منتظري) بدل ( متنفِّري)، والمراد : أن التمانع يكون بين فعلينٍ
لا يجتمعان في محلٌ ووقت واحد .
(٢)
انظر (( الفرق بين الفرق)» (ص٢١٦).
(٣) هذا محضُ فَرْضٍ؛ لأن الكرامية ممن جوَّزوا الحركة والانتقال والنزول في حقه تعالى=
00000 0. 00000

G YOTALY.N.
COO
قيل : إنما يقول الفلاسفةُ بحركة الأفلاك ، فأما على أصول المسلمينَ
في سكون السماء فلا يصحُّ على هذا الجوابُ ، على أنه إن كان الفلكُ
متحرّكاً فما الذي أحال حركةَ القديم عندكم ؟! وما أنكرتُم أنه هو الفلكُ ،
وأن حركاتِهِ أسبابٌ لِمَا يحدث في العالم ؟!
فإن قالوا : إن الفلكَ متلوِّنٌ ، ولا يصحُّ قيامُ اللون بالقديم .
قيل : ما يؤمنکم من جواز حدوثِ اللونِ فيه ، ومن جواز حدوثٍ سائرٍ
الأعراضٍ فيه ، مع كونه سابقاً لها ؛ كما زعمتم : أن الإرادةَ والقولَ
والملاقاةَ والتسمُّعَ والتبضُّرَ أعراضٌ تحدثُ فيه وهو سابقٌ لها ؟!
وإذا جاز كونُهُ في مكانٍ وملاقاتُهُ لمكانٍ بعينه .. فما الذي منعَ من وصفه
بالسكون والحركة ، حتى لا يُؤْمَنَ أن يكونَ هو الفلكَ أو بعضَ النجوم ؛ كما
ذهب إليه من قال بذلك ؟!
وفي هذا : دليلٌ على أنَّ توحيدَ الإلله سبحانه [في ذاته] ، وتوحيدَهُ في
صفاته واختراعاتِهِ .. لا يصحُّ على أصول الكراميّة بوجهٍ من الوجوه ، وإنما
يصحُّ ذلك على أصولِنا بحمد الله ومنِّهِ وحسن توفيقه .
7
OAK'S
عن قولهم. انظر (( الشامل)) لإمام الحرمين (ص٥١١)، و(( أبكار الأفكار))
=
(٩٤/٥)، وهم على فرض أنهم لم يصرِّحوا بذلك فهو لازم مذهبهم .
CON
ura

TO
فصل
في بيان مجز الإمامية وغلاة الروافض
عن أصول التوحيد
اعلمْ : أنهم أبعدُ الناس عن التوحيد ، وعن تصحيح دلالة التمانع على
توحيد الصانع(١)
أما البيانيَّةُ منهم ؛ أصحابُ بيانٍ بن سمعانَ : فإنهم إذا زعموا : أن الله
تعالى على صورة الإنسان ، وأنه يَهلِكُ إلا وجهَهُ، وأجازوا الفناءَ على
بعضه(٢) .. فما الذي آمَنَهم من جواز العجز عليه ؟! وما يُؤْمِنُهم من صانعينِ
أحدُهما يَعجزُ عن إتمام مراده ، ولا يخرج بذلك عن الإلهيّة ، كما زعموا
أنَّ فناءَ بعضِ الإلله لا يخرجُهُ عن إلهيته ؟!
والمغيريَّةُ منهم إذا زعمت : أن الإلهَ رجلٌ من نور على رأسه تاجٌ ، وله
من الأعضاء مثلُ حروف ( أبي جادٍ ) ، وأن الألفَ على صورة قدميه ، وأنه
كتب بإصبَعِهِ على كفِّهِ أعمال العباد ، فغضبَ من المعاصي فعرِقَ ، واجتمع
من عرقه بحرانٍ ؛ أحدُهما : مِلْحٌ مظلمٌ، والآخرُ: عذبٌ نيٌّ ، ثم الطَّلِعَ
في البحر فأبصر ظلَّهُ، فانتزع عينيه وخلقَ منه الشمس والقمرَ ، ومحقَ باقيَ
(١) سيعرض الإمام المصنف أقوال غلاة الروافض فقط، ويتوجَّه على الإمامية غير الغالية
ما قيل في حق المعتزلة .
(٢) انظر (٣٢٤/١).

COO
الظلِّ!(١) .. فكيف يصحُ توحيدُ ذاته على هذا الأصلِ مع كونه ذا أعضاءٍ
وجوارحَ ؟!
وإذا لم يَعرف ما يكونُ حتى يغضب ويعرقَ .. فلِمَ لا يجوزُ عليه الجهلُ
والعجزُ عن تمام مراده ، فلا يكونَ في تمام مرادِ ضدِّهِ وخصمِهِ عليه نقصٌ
بالإلهيّةِ ؟!
ومن زعم من الخطَّبيَّةِ: أنَّ [جعفراً] هو إله(٢)، أو أن أبا الخطّاب هو
الإللهُ، مع إقراره بموته أو قتله !(٣) .. فما الذي يمنعُهُ من كون إلهينٍ، مع
جواز العجز أو الجهلِ على أحدهما ؟!
وكلُّ من قال منهم بتناسخ روحِ الإلله في الأنبياء والأئمّة ، وأجاز عليه
الانتقالَ من جسدٍ إلى جسدٍ (٤) .. لا يصحُّ امتناعُهُ من جواز العجز أو الجهل
عليه ، كما لم يمتنعْ من جواز الحركةِ والسكونِ عليه ، فلا يمكنُهُ مع ذلك
الاستدلالُ بالعجز في أحد الصانعينِ على إبطال إلاهيته .
وإذا زعمت الشريعيَّة منهم : أن الإلله في خمسة أشخاص ؛ في النبيِّ ،
وعليٍّ، وفاطمةَ، والحسنِ ، والحسين عليهم السلام، وأن هؤلاء الخمسةَ
آلهةٌ!(٥) .. فكيف يستحلُّ عاقلٌ نسبةَ توحيد الصانع إلى هذه الطائفة ؟!
(١) انظر (٣٢٥/١)، وتقدم: ( فانتزع عين ظلُّهِ) بدل ( فانتزع عينيه) ، وهو أليق
بالضمير ( منه ) ، أو يقال : ( منهما) .
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( جعفر ) ، مع جوازه على قول .
(٣)
انظر (٣٢٨/١) .
(٤)
انظر (٣٢٥/١) .
(٥) انظر (( مقالات الإسلاميين)) (ص١٤).

٢٠
ومن زعم من الغلاة : أن الله فوَّضَ الأمرَ إلى محمد ، وأقدرَهُ على خلق
الدنيا فخلقها ودبَّرَها(١) .. فقد أثبت صانعين ؛ أحدُهما : صانعُ محمد ،
والثاني : صانعُ الدنيا ، فكيف تصحُّ نسبةُ توحيد الصانع إليه ؟!
وكذلك القولُ فيمن قال مثلَ ذلك في عليّ (٢).
وقد أبطلت الهشاميَّةُ من الروافض على أنفسها توحيدَ صانعها في ذاته
بدعواها : أنه جسمٌ له حدٌّ ونهايةٌ، وأنه سبعةُ أشبار بشبر نفسه (٣).
وكذلك من قال منهم بقول هشام بن سالم الجواليقيِّ في دعواه : أن
معبودّهُ على صورة الإنسان له وَفْرةٌ، وهو نورٌ أسودُ ، وله [خمسُ]
حواسّ(٤).
ومن قال منهم بقول يونسَ بن عبد الرحمن القُمِّيِّ: إن حملةَ العرش
يحملون ربَّهم كما يحملُ الكُركيَّ رِجْلاه(٥) .
10000000
00000
كلُّ هؤلاء قد أبطلوا على أنفسهم القول بالتوحيد في ذات معبودهم .
ومن قال منهم بقول زُرارةً بن أعينَ : إن الله لم يزل غيرَ سميعٍ ولا بصيرٍ
ولا عليمٍ حتى خلق لنفسه هذه الصفاتِ .
وكلُّ من أجاز البَداءَ على الله منهم يلزمُهُ: ألا ينكرَ وجودَ صانعينٍ مَنْ يُِمُّ
(١) انظر (٢ / ٦٦٢).
(٢)
انظر (٢ / ٦٦٢ ).
(٣)
انظر (٣٢٢/١).
(٤) انظر (٩٣/٣)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ ( خمسة ).
(٥) انظر (٩٣/٣).
٠0000 ٣٥٤ ٥٠٠٠٥

مرادَ أحدهما دون الآخر (١)؛ إذا لم يعلم الذي لم يَتِمَّ مرادُهُ بفعل الآخر أو
غفلَ عنه ، وإذا جازت الغفلةُ عليه فما الذي أحال عليه العجزَ ؟!
تعالى الله عزَّ وجلَّ عن قول جميع أهل البدع علوّاً كبيراً .
وقد بانَ بما ذكرناه في هذا الفصل : أن توحيدَ الصانع إنما يصحُّ على
أصول أصحاب الحديث ، والحمدُ لله على التوفيق والعصمة .
O
0000000
000000
(١) في (ب، ج): ( صانع ) بدل ( صانعين ) .
CON

COO
ذكر معنى (الورود) في أسماء الله عزوجل
O
قال ابنُ الأنباريِّ: ( الودودُ : المُحِبُّ ؛ من قولهم : وَدِدْتُ الرجلَ أوَدُّهُ
وَدّاً وَوِداداً ووُدّاً .
والوَدُّ بفتح الواو : يكونُ اسماً للصنم المذكور في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا
نَذَرُنَ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا﴾ [نوح: ٢٣])(١)
وقال : ( ويقال أيضاً : وَدِدْتُ الرجلَ وَداداً [ووِداداً، ووَدادةٌ]
ووِدادةٌ(٢) ، قال الشاعر(٣):
[من الوافر]
وَدِدْتُ وَدادةٌ لو أنَّ حظِّي
مِنَ الخُلَّانِ ألا يصرمُوني
00000
وقال آخرُ(٤):
[من الوافر]
تمنَّاني فيلقاني قبيسٌ وَدِدْتُ وأينَما مِنِّي وَدادي
40
(١) انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) له (٨٨/١).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (ووداً ) .
(٣) أورده أبو زيد في ((النوادر في اللغة)) (ص٥٦٤)، وابن السكيت في ((الألفاظ))
(ص٣٣٩) من غير نسبة .
(٤) البيت لسيدنا عمرو بن معدي كرب رضي الله عنه. انظر (( ديوانه)) ( ص ١٠٦)،
وصدر البيت فيه :
تمثَّاني ليلقاني أُبَيِّ
00000 ٣٥٦

Door
XY.N.
[من مشطور الرجز]
ويقال : ودِدتُ الرجلَ مَوَّدَّةً ؛ قال العجَّاجُ في بنيه(١) :
إِنَّ بَنيَّ لَلِئْامُ زَهَدَهُ
ما ليَ في صدورِهِم مِنْ مَوْدَدَه
أرادَ : من مَوَدَّة ، فأظهر الدالينِ لضرورة الشعر .
فأجابه ابنُهُ رؤبةُ وكان أصغرَ أولاده(٢): [من مشطور الرجز]
إنَّ بنيكَ لكرامٌ مَجَدَهْ
ولو دعوتَ لأتّوكَ حَفَدَهْ
عجَّاجُ ما أنتَ بأرضِ مَأْسَدَهْ
أي : ما أنت بأرضٍ ذات أُسْدٍ، فيلزمونك ولا يفارقونك )(٣)
(١) روى المعافى بن زكريا في ((الجليس الصالح)) (٨٧/٤) بسنده عن الأنباري أنه قال
( حدثني أبي قال : حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن آدم العبدي : قال العجاج :
سقط خبائي - في ((المطبوع)) : خبالي - ، فاستغثت بولدي ، فلم يجبني أحد منهم ،
ثم جاءني رؤبة وهو صبي صغير ، فقلت له ) ، وذكر الخبر ، وهذا الرجز مما يستدرك
على طبعات ((ديوان العجاج)).
(٢) هو من تمام الخبر الذي رواه المعافى بن زكريا في ((الجليس الصالح)) (٨٧/٤)،
وهو أيضاً مما يستدرك على (( ديوان رؤبة))، وزاد في الخبر: ( قال العجاج : فضممته
إليَّ وقلت : ابني سيكون ) ، أراد : سيكون له شأن في الرجز مثله .
(٣) انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (٨٩/١)، وقوله: ( فيلزمونك
ولا يفارقونك ) كذا في جميع النسخ ، والأصل حذف النون بعد فاء السببية ، ويجوز
الرفع مع بقاء معنى السببية وبناء ما بعد الفاء على مبتدأ محذوف ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا
يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] فالفاء هنا عاطفة على الفعل قبلها فقط ؛ قال ابن
مالك في (( شرح التسهيل)) (٣١/٤): ( تقديره : فهم يعتذرون ، والمعنى: فكيف
يعتذرون ) .
00002 ٣٥٧
000

00
وقال الزجَّاج : ( الودودُ: الشديدُ الحبِّ)(١)
وقوله عزَّ وجلّ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وَذَا﴾ [مريم: ٩٦]؛ أي: محبةً في
قلوب الصالحين (٢)
وقوله تعالى: ﴿وَدُّواْ مَا عَنْتُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ أي: أحبَّ المنافقون
ما عَنِتَ المؤمنون في دينهم(٣)
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَوَدُّأَحَدُهُمْ﴾ [البقرة: ٩٦]؛ أي: يحبُّ ويتمتَّى(٤)
فهذا معنى ( الودِّ) و(الودودِ ) في اللغة .
وعلى هذا : يكونُ معنى وصف الله عزَّ وجلَّ بأنه الودودُ ؛ أي :
المحبُّ لعباده المؤمنين .
2000
00000
وقال بعضُ أهل اللغة : يجوز أن يكون ( ودودٌ) فَعُولاً بمعنى
المفعول ، فهو إذاً ودودٌ بمعنى مَوْدُودٍ ؛ ومعناه : أن المؤمنين يَوذُّونه
ويحبُّونه(٥) ، وهذا كما يقال : رَكُوبٌ بمعنى مركوبٍ ، وحَلوبٌ بمعنى
مَخْلوبٍ .
(١) انظر ((معاني القرآن)) له (١٥٢/٥).
قاله سيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنهما. انظر ((تفسير الطبري)) (١٨/ ٢٦٣)،
(٢)
و((الغريبين)) (١٩٨١/٦)، يقال: عَنِتَ فلانٌ؛ إذا دخلت عليه مشقة، وأعنته
غيره .
(٣) قاله ابن جريج. انظر ((تفسير الطبري)) (١٤٤/٧)، و((الغريبين)) (٦/ ١٩٨٠).
(٤)
انظر ((الغريبين)) (١٩٨٠/٦).
(٥) قاله الزجاج. انظر (( تفسير أسماء الله الحسنى)) (ص٥٢) .
٣٥٨00000 ٢100000

[ اختلافُ متكلِّمي أهلِ السنَّةِ في معنى ( الودودِ )]
واختلف المتكلُّمونَ من أصحابنا في معنى هذا الاسم :
فقال أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله : الودُّ والمحبَّةُ والرضا : من صفاته
الأزلية ، ومعناها : إرادتُهُ للإنعام على عباده المؤمنين(١)
وقال آخرون من أصحابنا : إن ذلك أجمعَ من صفات الفعل ، غيرَ
الإرادة ؛ فإنها أزليَّة، وتأوَلَ هؤلاء الودّ من الله عزَّ وجلَّ لعباده ومحبَّتَهُ لهم
ورضاه عنهم : على معنى إنعامه عليهم ، وثوابِهِ لهم، وتفضُّلِهِ عليهم (٢)
وقد حُكِيَ عن عبد الله بن سعيد أنه تأوّل رضا الله عن عبده وودّهُ له : على
معنى علمه بأنه من أوليائه ، وسخطَهُ وغضبَهُ : على معنى علمه بأن مَنْ
غضب عليه مِنْ أعدائه .
وعلى هذا المذهب أيضاً : يكون الودُّ من صفاته الأزليّة ؛ لأنَّ علمَهُ
صفةٌ له أزليَّةٌ .
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٥١)، وهو مذهب الأستاذ القشيري أيضاً ؛ قال
في (( رسالته)) (ص٦٤٩): ( فمحبةُ الحق سبحانه للعبد : إرادته لإنعام مخصوص
عليه ، كما أن رحمته إرادة الإنعام ؛ فالرحمة خاصٍّ من الإرادة ، والمحبة خاصٌّ من
الرحمة ) .
(٢) وهو مذهب الإمام القلانسي وابن كلاب وابن فورك ؛ قال الأستاذ ابن فورك في (مجرد
مقالات الأشعري)) ( ص٤٨) بعد نقله مذهب الإمام الأشعري في معنى المحبة
والرضا : ( وكان ينكر قول من قال من أصحابنا : إن المحبة والرضا من الله تعالى
فعلٌ ، وكذلك السخط والعداوة ، وهو الذي أختاره في هذا الباب ، وهو مذهب
عبد الله بن سعيد )، وانظر ما تقدم (٢٣٦/٢ - ٢٣٧) .
CON

ومن قال : ( إن الودودَ بمعنى المَؤْدود ) فلا بدَّ له من منع هذا الاسم
في الأزل ؛ لأن العباد الوادِّينَ له لم يكونوا في الأزلِ (١)
[ محبةُ اللهِ تعالى ومودَّتُهُ عندَ الصوفيةِ ]
وتكلمت الصوفيّةُ في محبّة العبد لربِّهِ وموذَّتِهِ له :
10/₪
فقال ذو النون المصريُّ : ( المحبَّةُ : خوفُ عدم المحبَّةِ)(٢)
وقال أبو عليٍّ الرُّوذْباريُّ: ( المحبَّةُ: الموافقةُ)(٣)
وقال أبو العباس بن عطاء : ( المحبَّةُ : الغَيْرةُ ) .
0000000
(١) فهو من صفات فعله؛ لأن محبة المؤمنين له سبحانه فعلٌ له تعالى، وهو أحد قولي
الإمام الأشعري؛ قال الأستاذ ابن فورك في (( مجرد مقالات الأشعري)) ( ص٥١)
حكاية عنه: (وأما معنى وصفه بأنه ((ودود )) ففيه معنيان أيضاً : أحدهما : أن يكون
بمعنى مودود ؛ أي : هو محبوب ؛ لأن الود هو الحب ، وهو محبوب المؤمنين
ومودودهم)، ثم قال: ( والثاني: بمعنى أنه مُحِبٌّ ، ويكون مبالغة من الودِّ ، والله
تعالى وادِّ للمؤمنين ومُحِبُّ لهم) .
0000
وَثَمَّ أقوال أُخَر، منها ما ذكره الأستاذ القشيري في «رسالته)) ( ص ٦٥٠) إذ قال:
( وقومٌ قالوا : محبة الحق للعبد: مدحُهُ له ، وثناؤه عليه بالجميل ، فيعود معنى محبته
على هذا القول إلى كلامه ، وكلامه قديم ) .
وقال : (وقومٌ من السلف قالوا : محبتُهُ من الصفات الخبرية ، فأطلقوا اللفظ ،
وتوقّفوا عن التفسير ) .
(٢) أورد الخركوشي في (تهذيب الأسرار)) (ص٥٦) عن ذي النون أنه قال : ( المحبة :
خوف ترك الحرمة ، مع إقامة الخدمة ) .
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٥٥)، والقشيري في (رسالته ))
( ص٦٥٣ ) .