Indexed OCR Text
Pages 321-340
قيل : وقد تبطل القدرةُ عن الإنسان جملةً ، حتى لا يقدرُ على تحريكٍ ولا إيماء بوجهٍ وهو حيٌّ (١) ويقالُ لهم : ما أنكرتم أن الأقانيمَ عشرةٌ أو أكثرُ ؛ لأنا نقول : إن الإلكة سبحانه موجودٌ وحيٍّ وعالمٌ وقادرٌ ومريدٌ وسميعٌ وبصيرٌ ومتكلُّمٌ ، ولا يكونُ الموجود على هذه الأوصافِ إلا بوجودِ حياةٍ وعلم وقدرةٍ وإرادة وسمعٍ وبصر وكلام ؟ فإن قالوا : الكلامُ والإرادة فعلٌ من أفعال المتكلُّم المريد . قيل : العلم أيضاً قد يكون فعلاً من أفعال العالم(٢) فإن قالوا : قد يعلمُ بالعلم مَنْ لم يفعله . قيل : وقد يريدُ [بالإرادة] ويتكلَّمُ بالكلام من لم يفعلْهما(٣) فإن قالوا : هو حيٌّ بنفسه، ويصحُ علمُهُ بنفسه ووجود نفسِهِ (٤) ، فهذه الأوصافُ الثلاثة راجعةٌ إلى نفسه ، فصحَّ كونُها أقانيمَ ، وسائرُ صفاته بعد ذلك متعلِّقةٌ بأغيارِهِ ، فلم تكن أقانيمَ . 000 قيل : فهو قديمٌ بنفسه ، فقولوا : إن قدمَهُ أقنومٌ رابع له ، وكذلك هو جوهرٌ بنفسه(٥) ، فكونُهُ كذلك يجبُ أن يكون أقنوماً خامساً (٦) (١) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص٩٩). (٢) انظر ((تمهيد الأوائل )) (ص٩٩). انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص٩٩)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: (الإرادة ). (٣) كذا العبارة في جميع النسخ ، وقد تكون ( وموجودٌ بنفسه ) بدل ( ووجود نفسه ) . (٤) (٥) يعني : عندكم . (٦) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص ١٠٠). DO ويقال لهم : أخبرونا عن الجوهر العامِّ الجامع للأقانيم عندَكم : أهو تلك الأقانيمُ أم غيرُها ؟ فإن قالت اليعقوبيةُ والنُّسطوريةُ : ليس الجوهرُ غيرَ الأقانيم. قيل لهم : أفليس الجوهرُ غيرَ مختلف ، ولا خواصَ [له] متباينةُ المعنى من حيث كان جوهراً ؟(١) فإذا قالوا : بلى . قيل : أفليس الأقانيمُ مختلفةً من حيث هي خواصٌ متباينةَ المعنى ، ومن حيث إن الابن منها اتَّحدَ بجسد المسيح دون الروح والأب ؟ OO 0000 فإذا قالوا : بلى . قيل : فإذا كان الجوهرُ هو الأقانيمَ ، والجوهرُ غيرَ مختلف في المعنى ، والأقانيمُ مختلفةً في المعنى .. صار المختلفُ غيرَ مختلف، والمتَّحدُ غيرَ متَّحدٍ (٢) فإن قالت الملكيةُ وهم الرومُ : إن الجواهرَ غيرُ الأقانيم . قيل : فإذا كان الجوهرُ إلهاً، والأقانيم الثلاثةُ آلهةً والجوهرُ غيرَها .. فالإلهُ إذاً أربعةٌ ، وهذا نقضُ القول بالتثليث . (١) وعبارة القاضي الباقلاني في ((تمهيد الأوائل)) (ص١٠١): ( أفليس الجوهر غير مختلف من حيث كان جوهراً ، ومن حيث لم يكن معدوداً ، ومن حيث لم تكن له خواصُّ متباينة المعنى ؟) . (٢) انظر ((تمهيد الأوائل)) ( ص ١٠٠-١٠٢). 00000 ٣٢٢ 00000 ويقال للملكية أيضاً : إذا قلتم : ( إن الجوهر غيرُ الأقانيم ) فهل هو مثلُها أو خلافها ؟ .٢٨ فإن قالوا : ( مثلُها ) لزمَهم أن يكون الجوهر ابناً من حيث أشبه الابنَ ، وأباً وروحاً من حيث أشبهَ كلَّ واحد منهما ، وأن يكون الأبُ كالابن ؛ لأن كلَّ واحد منهما مثلُ الجوهر . فإن قالوا : هو خلافُها . قيل : فإذا كان هو إلهاً فخلافُهُ لا يكونُ إلهاً (١) فإن قالوا : قد قلتم أنتم في صفات الله: إنها لا توافقُهُ ولا تخالفه (٢) ، وكذلك نقول : إن الجوهر ليس مثلَ الأقانيم ولا خلافَها . oor قيل : إنما منعنا لفظَ الخلاف فيها ومعناها فيها صحيحٌ ؛ لأن حقيقةَ المختلفين ما لا يسدُّ أحدُهما مسدَّ الآخر (٣) ، وصفاتِ الإلله لا تسدُّ مسدَّهُ ؛ فلذلك لم نقل في صفاته : ( إنها آلهة ) ، وقد قلتم : ( إن الأقانيم إله) ، ولم نقل : (إن الصفاتِ إلهٌ) . 00000 فبانَ الفرقُ بيننا وبينكم من هذا الوجه ، ومن وجه آخر ؛ وهو أن الإلله قائمٌ بنفسه ، وصفاتِهِ لا تقومُ بأنفسها ، وكلُّ أقنوم عندكم قائمٌ بنفسه كما أن الإلله قائمٌ بنفسه ، ولولا قيامُ كلِّ أقنوم بنفسه عندكم ما نزلَ واحد منها من السماء ليتَّحدَ بجسد المسيح، ثم فارقَهُ ورجعَ إلى عند الأب(٤). (١) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص ١٠٢). (٢) بمعنى : أنها ليست عين الذات ، ولا غير الذات . (٣) انظر (٣٠٤/١) . (٤) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص ١٠٥). ذكرُ الكلام عليهم في معنى الاتحادِ الذي اذَّعَوهُ أما من زعم منهم : أن معنى الاتحاد : هو ظهورُ الابن في الجسد ظهورَ الوجه في المرآة والنقشِ في المطبوع ، من غير حلولِ الوجه في المرآة ، ومن غير انتقالِ النقش إلى الشيء .. فلا معنى لقوله؛ لأن الوجه ليس يظهرُ في المرآة ، ولا ينتقلُ إليها ، ولا فيها صورةُ مثلِهِ ، بل يدركُ الإنسانُ وجهَهُ عند مقابلة المرآةِ والشيءٍ الصقيل برؤيةٍ يخلقُها الله عزَّ وجلَّ في عينِهِ عند مقابلة الصقيل على جَزْي العادة(١)، ويصحُّ ألا يدركَهُ مع صحَّةِ الحاسَّةِ ووجودِ المقابلةِ عند نقض العادة (٢) ٥ وقد قال قومٌ : إن الذي يراه في المرآة مثالٌ له ، وهو غيرُهُ . وقال آخرون : إنه يرى نفسَهُ بانعكاس شعاع البصر منها إليه . وقال آخرون : إن ذلك تخييلٌ ، وليست برؤيةٍ على الحقيقة . 00 00 وكلُّ واحدٍ من هذه الأقوال خلافُ قول النصارى في الاتحاد ، فبطلً تشبيهُهم به . وأما ظهورُ النقشِ في المطبوع: فقد غَلِطُوا فيه ؛ لأنَّ النقشَ الذي على (١) إذ المرآة والشيءُ الصقيل لا يزيدُ عادةً على ردِّ عينٍ الشعاع المرئي المنعكس من المنظور إليه ، على أن الرؤية إنما هي بعد العين سيَّالةٌ عصبية يفسِّرُها الدماغ ، ولو شاء سبحانه لخلقها من غير شعاع ولا مقابلة كما ذكر الإمام المصنف ، وهذا شيء تظاهرت عليه العلوم التجريبية اليومَ . (٢) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص١٠٨ - ١٠٩)، و((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص ١٨٤). ـر GOVAT.Y الشيء المطبوع غيرُ النقش الذي في الطابَع ، وأحدُهما : نقشٌ حُفِرَ ، والآخرُ : نقشٌ ناتىٌّ وخارجٌ، وهؤلاء يقولون : إن الظاهرَ في الجسد المتَّحد به غيرُ الابن الذي هو أحدُ الأقانيم (١) وأما من زعم منهم : أن الاتحادَ ممازجةُ الكلمة بالجسد واختلاطُها به .. فيقال لهم: إذا جاز أن يكونَ القديمُ مُمازِجاً للجسم الحادث .. [فهل] يجوزُ أن يكونَ مُماسّاً له ومحاذياً له ؟(٢) . فإن منَعَ . . لم يجد فصلاً . وإن ركبَهُ راكبٌ منهم .. قيل : إذا جازت عليه المماسّةُ فهلًا جازت عليه الحركةُ والسكونُ وهو سابقٌ لها ؟!(٣) وما أنكرتم أن تكونَ سائرُ الأجسام الآن غيرَ خالية من الحوادث وهي سابقةٌ لها ؟! وهذا يوجبُ قدمَها ، وذلك خلافُ قولنا وقولكم (٤) ويقالُ لليعقوبيَّة : إذا جاز أن تتحدَ الكلمةُ التي ليست بلحمٍ ولا دمٍ بالإنسان الذي هو لحمٌ ودٌ وعصبٌ ، فيصيرَ ما ليس بلحم ودمٍ - بل هو خلافُ اللحم والدم - لحماً ودماً لنفسه بالاتحاد .. فما أنكرتُم أن يكونَ ما هو قديمٌ وخلافٌ للحوادث لنفسه مُحدَثاً ؛ لأجل اتحاده بالمُحدَث ؟! فإن فرَّقَ بينهما .. لم يجد إلى الفصل سبيلاً . (١) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص ١٠٩- ١١٠). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( ولا ) بدل ( فهل ) . (٣) في جميع النسخ: ( والسكون على القديم ) بدل ( والسكون) . (٤) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص١١٠). CoooooK وإن التزمَها .. يلزمُهُ أن يصيرَ القديمُ لنفسه مُحدَثاً لنفسه!(١) وأما من قال من الروم : إن الاتحادَ أن يصيرَ الكثيرُ قليلاً، و[الاثنان] واحداً(٢) فيقالُ لهم : إذا جاز أن يُخالِطَ القديمُ [المحدَثَ فيصيرا] واحداً(٣) .. [فما أنكرتم أن يتَّحدَ محدَثٌ بمحدَثٍ إذا خالطه ومازجه فيصيرا بذلك واحداً ؟!] (٤) ويقالُ للجميع : إذا كانت الأقانيمُ معانيَ في الأصل ، فكيف انَّحدَ واحدٌ منها بالإنسان المُحدَثِ حتى صار معه واحداً ، دون أن تكونَ الأقانيمُ في الأصل قد اتَّحدَ بعضُها ببعض فصار أقنوماً واحداً ؟! وكان هذا بالجواز أولى ؟!(٥) . OO ويقالُ لهم : لِمَ اتَّحدَتِ الكلمةُ بالمسيح دون أن تكونَ الكلمةُ اتَّحدَتْ بإبراهيمَ أو بموسى أو غيرهما من الأنبياء عليهم السلام ؟! فإن قالوا : لِمَا ظهرَ على عيسى من المعجزات ، فدلّتْ على أن كلمةَ الإلله اتَّحدَثْ به . قيل : يلزمُكم اتحادُ الكلمةِ بموسى ؛ لِمَا ظهرَ عليه من المعجزات . (١) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص١١١). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( الاثنين )، وهو قول جميع النصارى . انظر ((تمهيد الأوائل)) ( ص١١٢ ) . (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فيصيران ) . (٤) ما بين المعقوفين ليس في جميع النسخ، وأثبت من ((تمهيد الأوائل)) (ص ١١٢). (٥) وجهُ الأولويَّةِ : الاشتراك بالجنس . 00000 ,٣٢٦ 00000 فإن قالوا : إن موسى لم يخترع تلك المعجزاتِ ، وإنما أظهرَها الله عزَّ وجلَّ عليه بدعائه . قيل لهم : ما أنكرتُم مثلَ ذلك في عيسى عليه السلام ؟!(١) [ الردُّ على الطبائعيينَ ] وأما أهلُ الطبائع : فالشبهةُ التي عرضَتْ لهم قولُهم : لم نجد في العالم شيئاً يخلو من أن يكونَ حارّاً أو بارداً أو رَطْباً أو يابساً ، فوجبَ أن يكونَ العالمُ مَبْنيّاً من هذه الأصولِ الأربعة . فيقالُ لهم : بمَ تتفصلون ممَّن زعمَ : أن العالمَ مركَّبٌ من أكثر من أربعة أشياءَ ، وادَّعى بناءَهُ من حرارةٍ وبرودةٍ ، ورطوبةٍ ويُوسةٍ ، وثقلٍ وخفَّةٍ ، ولونٍ ، ورائحةٍ ، وحياةٍ وموتٍ ، وصوت ؛ لأن الأجسامَ لا تخلو من هذه الكيفيّات كلَّها ، كما لا تخلو من الحرارةِ والبرودةِ والرطوبةِ واليُيوسةِ ؟!(٢) فإن قالوا : إن الكيفيَّاتِ التي زدتموها على الأربعة التي ذكرناها ليست غيرَ الأجسام الحارَّةِ والباردة والرطبة واليابسة . قيل : انفصلوا ممَّن زعم : أن الحرارةَ والبرودةَ والرطوبةَ واليبوسةَ (١) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص١١٩-١٢٠)، وتقدم نحو هذا السياق (٣١٧/٣ -٣١٨). (٢) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص٥٨)، إذ المقرّر: أن الجوهر لا ينفكُّ عن عرضٍ أو مثله أو ضدِّهِ، ولهذا حكمنا أن كل حادث مدرك بأنواع الإدراك الخمسة وإن قصرت قُدَرُنا عن التعلُّق بها CC٣٢٧ ٠٠ OCOCO ULTHEYODAY ليست غيرَ الأجسام المتلوّنةِ ذواتِ الطعوم والأرابيح ، والثقلِ والخفّةِ ، والحياةِ والموتِ . فإن قالوا : قد وجدنا من الأجسام ما هو ثقيلٌ غيرُ خفيف ؛ كالأرض والماء ، ووجدنا فيها ما هو خفيفٌ غيرُ ثقيل ؛ كالنار والهواء ، ومنها ما لا حياةَ فيه ؛ كالجمادات ، ومنها ما لا موتَ فيه ؛ كالروحانيات ، ومنها ما لا صوتَ فيه ؛ كالنمل وسائر الحُكْلِ(١) ، فإذا كان كلُّ معنىّ من هذه المعاني يخلو منه بعضُ الأجسام .. لم يجزْ أن تكونَ الأجسامُ مركَّبةً ممَّا هو موصوفٌ بها . 000000000 قيل : انفصلوا ممَّن قال : وجدنا من الأجسام ما ليس بحارِّ ؛ كالأرض والماء ، ومنها ما ليس بباردٍ ؛ كالهواء والنار ، ومنها ما ليس برطبٍ ؛ كالنار ، ومنها ما ليس بيابسٍ ؛ كالماء ، فلا يجوزُ أن يكونَ العالمُ مركَّباً من هذه الكيفيات الأربع . فإن قالوا : إن الكيفيَّاتِ القديمةَ هي الحرارةُ والبرودةُ والرطوبةُ واليبوسةُ ، وما سواها من اللون والطعم والرائحة متولَدٌ من تلك الأربع باختلاف المزاج فيها . قيل : انفصلوا ممَّن يقول : إن الكيفيَّاتِ القديمةَ اللونُ والطعمُ والرائحةُ، والحياةُ والموتُ ، والسكونُ والحركةُ ، ومِنِ امتزاجِها أو امتزاجٍ ما هو كيفيَّاتٌ لها تتولَّدُ الحرارةُ والبرودةُ والرطوبةُ واليبوسةُ . (١) الخُكْل: ما لا يسمع صوته من الحيوان. انظر ((تهذيب اللغة)) (٦٣/٤)، و((تاج العروس )) (ح ك ل ) . CLON COOOOD ٣٢A 00000 ثم يقالُ لهم : بمَ تنفصلون من الثنويَّة إذا قالوا : إن النورَ والظلمةَ هما الفاعلان القديمان ؛ لأن كلَّ ما في العالم شيئانٍ خيرٌ وشرٌّ، ولكلٍّ واحد منهما فاعلٌ(١) فإن قالوا : إن الخيرَ والشرَّ لا يخلو [كلٌّ منهما] من أن يكونَ حارّاً أو بارداً أو رطباً أو يابساً . قيل : وكلُّ واحد من هذه الأربعةِ لا يخلو من أن يكونَ خيراً أو شرّاً . فإن قالوا : إن الحرارةَ والبرودةَ يفعلان تسخيناً وتبريداً ، وليس للضياء والظلام فعلٌ . قيل : انفصلوا من الثنويِّ إذا قال : إن الظلمةَ تمنعُ أبصارَ الناس من الإدراك ، والضياءَ يعينُ بعضَ الأبصار على الرؤية ، وليس للحرارة والبرودة مثلُ هذا الفعل . فإن قالوا : قد وجدنا من الحيوان ما يبصرُ في الظلمة ؛ كالخُفَّاش والبوم ، فلم تكن الظلمةُ مانعةٌ للبصر . قيل : وقد وجدنا من الحيوان ما ينامُ في النار ؛ كالسَّمَنْدَل ، ومنه ما يعيشُ في الثلج ؛ كدودهِ فلا يؤذيه(٢)، فبطل بهذا أن تكونَ الحرارةُ والبرودةُ فاعلتينِ . ويقالُ لهم : كما يقعُ التسخينُ بالنار الشديدة ، والتبريدُ بالثلج ؛ كذلك انظر قول الثنوية (٢٧٠/٣) وما بعدها . (١) (٢) انظر (٢/ ٦٨٠)، وتعرف هذه الدودة بدودة اليخ، واليخ: لفظه فارسية بمعنى الجليد . 0000,٣٢٩ CON يقعُ قبضُ الجلد بالحموضات ، وكسرُ الشيء بالشيء الثقيل ، فيلزمُكم على [هذا] أن يكونَ الثقلُ والطعومُ فاعلةً . ثم يقالُ لهم : احسُبوا أن العالمَ مركَّبٌ من الطبائع الأربع التي قلتم بها ، فما أنكرتُم أن تركيبَهُ منها هو الدليلُ على حدوثها ؟! وعلى أنَّ لها صانعاً ليس من جنسها ؟! لأنَّ الطبائعَ المتنافرةَ المختلفةَ لا تجتمعُ بأنفسها ، فلا بدَّ في تركيبها من قاهرِ قهرَها على ذلك(١) ، وهو صانعُها الذي ليس كمثله شيء ، وهو السميعُ البصيرُ ، الحكيمُ الخبيرُ ، الواحدُ القديرُ . [ الردُّ على المنجّمينَ والفلاسفةِ ] وأما الكلامُ على ملحدة المنجِّمينَ في دعواهم قدمَ الأفلاك والكواكب : فهو كالكلام على الدهريَّةِ في قدم العالم ، وما استدللنا به على الدهريّة في إثبات حدوث العالم .. فهو دليلٌ على حدوث جميع أجزائه ؛ من فلكٍ وكوكبٍ وغيرهما (٢) 0 (١) قال الإمام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٨٦) وهو يتحدَّث عن تجلّيات اسمه تعالى ( الجامع ) ، وأنه جمع سبحانه بين المتماثلات والمتباينات والمتضادات : ( وأما المتضادات : فكجمعه بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة في أمزجة الحيوانات ، وهي متنافرات متعاندات ، وذلك أبلغ وجوه الجمع ) . (٢) لا يقال: لعل بعض العالم غيرَ المشاهد يكون قديماً صانعاً لبعضه المشاهد ؛ لأن العالم الذي نتحدَّث عن حدوثه لا ينفكُّ عن الحركة والسكون والاجتماع والافتراق كيفما فُرضَ وتُخيّل ، وهذه الأكوان حادثة بضرورة المشاهدة في بعضه المشاهد ، وبهذا تعلم : أن قياس الغائب على الشاهد هنا .. قياس قطعي . وأما فرضُ كون بعض العالم غير المشاهد منفكاً عن هذه الأكوان ، والصيرورة إلى= 00000 ٠ ٣٣ 00000 CLON Y مـ وأما دعواهم(١) : في أن اختلافَ الناس في أجسامهم وألوانهم وأخلاقِهم إنما هو لاختلاف مساكنهم في مجاورة خطّ الاستواء ، وفي محاذاة طريقٍ بعضِ الكواكبِ على رؤوسهم ، وأن شدَّةَ سوادِ الزنج وجعودةَ شعورهم من أجل مرورِ الشمسِ على محاذاة سَمْتِ رؤوسهم ، ولقربهم من خطّ الاستواء ، وأن من قَرُبَ منهم من خطِّ الاستواء كان أشدَّ سواداً .. فدعوى فاسدة(٢)؛ لأن وراءَ الزنج موضعاً يُعرَفُ بـ (الصُّرُود) فيه زنجٌ بيضٌ (٣) ، ومسكنُهم فيما بين خطَّ الاستواء في محاذاة رأس السرطان ، وهذه العلَّةُ توجبُ عندهم تسويدَ الشعورِ وجعودتَها مع تسويدِ الجلودِ ، فما بالُ الشمس لم تُسوِّدْ جلودَهم ؟! ولأن بلادَ الحبشة أيضاً فيما بين ممرِّ رأس السرطان إلى خط الاستواء ، وألوانُهم بين السواد والبياض ، ومن بعض بلادها تُحمَلُ الجلودُ الملمَّعةُ ، وفيها جلودٌ صفرٌ لا سوادَ فيها ، وقد علمنا أن طلوعَ الشمس على ناسٍ في 00000 القول بالمجرَّدات مثلاً .. فالجواب : أن المجرَّدات لا دليل عليها، وإن ثبتت بالنقل = فالنقلُ ينفي ألوهيَّتها . (١) انظر تفاصيل هذه الدعوى في ((المطالب العالية)) (٣٣١/٤ - ٣٥٢). ويرجع الفساد باختصار : إلى أن هذه النجوم والكواكب متساوية في الماهية ، متخالفة (٢) في الصفات ؛ فهي بذلك مفتقرة إلى مخصِّص خصَّص بعضها بما لم يخصِّص به الآخر ، وهي أيضاً متحركة أو ساكنة ، وهما علامة الحدوث ، فافتقرت إلى محدثٍ أحدثها ودبَّرها ، وهي جوامد ، والمشاهد أن الجمادات غير عاقلة ، ومدَبَّرة لا مدبِّرة ، وهي اليوم متغيِّرة بالية فانية ؛ كما قُرِّرَ في علم الفلك الحديث ، فكيف تكون عالمة قادرة مدبِّرة ؟! (٣) انظر (( المسالك والممالك)) لابن حوقل (ص٤١). boc po هذه البقعة كطلوعها على أنعامهم وبهائمِهم، فما بالُها لم تُسوِّذ جلود بهائمها إن كانت العلَّةُ في تسويد الجلود ما ذكر تموه ؟! وأما دعواهم : أن بياضَ لون الصقالبةِ والروسِ من أجل بعدهم عن محاذاة ممرِّ الشمس ، وقربهم من محاذاة بنات نعشٍ الكبرى .. فيقالُ لهم فيها : إن كانت هذه العلَّةُ صحيحةً فما بالُ شعورهم حُمراً ؟! فإن قالوا : أصلُ الشعور السوادُ ، وانقلابُ الشعر إلى البياض بطيءٌ ، وإلى الحمرة أقربُ . قيل : إن الأمرَ على العكس مما قلتم ؛ لأنَّ الذين في إقليمنا إذا شابوا صارت شعورُهم السودُ بيضاً، ولم نجد من صار شعرُهُ الأسودُ أحمرَ إلا بخضابٍ يورثُهُ الحمرةَ . وأما دعواهم : أن العمارةَ في الأرض في الإقليم الرابع أكثرُ ؛ لقربه من الوسط ، وأقلُّ الأقاليم عمارةً الأوَّلُ والسابعُ ؛ لبعدهما من الوسط .. فخطأ(١) ؛ لأنهم إن أرادوا بالعمارة : كثرةَ البلدان والقرى .. فإن أصحابَ المسالك والممالك عَدُّوا من بلدان الإقليم الثالثٍ أكثرَ ممَّا عَدُّوهُ من بلدان الإقليم الرابع . وإن أرادوا بالعمارة : كثرةً ازدحام الناس فيها .. فليس في العالم بلدةٌ يقصدها الناسُ من كلِّ فجِّ عميق مثلَ مكَّةَ والمدينةِ ، وهما مع ذلك من الإقليم الثاني مع بعده من الوسط . (١) انظر الكلام على تقسيم أقاليم الأرض في ((معجم البلدان)) (١/ ٧٥) وما بعدها . 0 COOO DOO وإن أرادوا بالعمارة : ما يحصلُ في موضعها من الجواهر والمعادنِ ، فإن الياقوتَ والماسَ ، ومغاصَ اللؤلؤ، ونباتَ العُود ، وشجرَ الكافور ، وغزلانَ المسك، وسائرَ أفاويه الطيب .. ليس شيءٌ منها في الإقليم الأوسط ، والذهبَ في أرض البجة (١) ، والزبرجدَ في ناحية من مفازة المغرب ، مع بُعدِ هـذينِ الموضعينِ عن وسط العمارة . وأما دعواهم : أنَّ الأنبياءَ والحكماءَ إنما خرجوا من أرض بابلَ ويونانَ لمرور الزُّهَرَةِ في بعض السنةِ على محاذاة رؤوسهم .. فيقال لهم : من الذين سمَّيتُموهم حكماءَ ؟ فإن أشاروا إلى الأنبياء الذين أقررنا بهم .. قيل : فقد كذَّتُموهم في دعوى نزول الوحي عليهم ، وفي دعائهم إلى صانع واحدٍ خالقِ الأفعال كلُّها ، وفي تكذيبهم دعاويَكم في نسبة وقوع الحوادث إلى اختلاف سَير الكواكب . فإن قالوا : إن هؤلاء كانوا حكماءَ في طلب الرئاسة ، واستتباع الخلقِ الكثيرِ بالخُيل والمخاريق ، وإن لم يكونوا رُسُلاً من إلله قديم . قيل : إن أردتم بالحكماء مَنْ هذا وصفُهُ فقد ادَّعى مُسَيْلِمَةُ وطُلَيْحةُ والعنسيُّ مثلَ هذه الدعوى، واستتبعوا الخلقَ الكثيرَ ، وادَّعى المقنَّعُ بأرض ما وراء النهر أعظمَ من هذه الدعوى، وتبعته المبيِّضَةُ على دعواه (٢) ، ولم (١) وتسمَّى بلادَ التبر أيضاً، وهي بين مصر والسودان باتجاه البحر الأحمر. انظر ((آثار البلاد)) ( ص١٨) . (٢) المقنع : هو عطاء بن حکیم أو هشام بن حکیم ؛ قصَّارٌ من أهل مرو ، کان یجید فن= 000 0000000000000000 يكن واحدٌ من هؤلاء من موضع تمرُّ بعضُ الكواكب السبعة على محاذاة رؤوسهم ، وكذلك ادَّعى ماني وتبعَهُ أهلُ الصين وبعضُ أهل الهند ، وكذلك القولُ في ديصانَ ومرقيونَ وزرادشت صاحبِ المجوس ، مع من تبعَهُ من العجم وملوكها . وإن أرادوا بالحكماء : من عرف الحسابَ أو الهندسةَ أو الكيمياءَ أو الموسيقا أو الطبَّ أو علمَ النجوم .. لزمَهم : إسقاطُ اعتلالهم ؛ لأن حارسيسَ الفيلسوفَ كان حاسباً مهندساً مُنجِّماً فيلسوفاً عندهم ، وهو من أرض صِقْلابَ ، وهي أبعدُ الأرض عن محاذاة الكواكبِ السبعة . وقد زعمتم أنَّ الحكماءَ بعد الإسكندر خرجوا من المدينة المعروفةِ بمقدونيةَ، ومنها خرج بطليموسُ الذي وضع لكم كتابَ «المَجَسْطي )) ، وهو عمدتُكم في تقويم الكواكب ، و[ليست] مقدونيةُ محاذيةً لممرٌّ كوكب من الكواكب السبعة (١) كذلك إقليدس وأرشمِيدِس وأكثرُ المهندسة لم يكونوا من يونانَ ولا من أرض بابلَ ، وإن كان منها بعضُ الفلاسفةِ ؛ مثلُ أرسطاطاليسَ ويُقراطَ وجالينوسَ وأمثالهم . وفي هذا : دليلٌ على أنه ليس للبقاع ولا لمحاذاتِها سُمُوتَ بعضٍ الكواكب في هذا الباب تأثيرٌ . الحيل والهندسة ، وكان على دين الرزامية بمروَ ، ثم ادعى الربوبية ، خرج أيام المهدي = ـة واستمرت فتنته أربع عشرة سنة . انظر (( الفرق بين الفرق)) (ص ٢٥٧ - ٢٥٨). (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( ليس ) . 00000 ٠٥٥٥٥ -٣٣٤ OO وأما إضافتُهم الأفعالَ الأرضيةَ إلى تدبيرِ الكواكب ، وتأثيرِ البروج باختلاف طبائعها ، واختلافِ سَيرِ الكواكب فيها ، واختلافِها في السعادة والنحوسة ، وقد شبّهَ ذلك بعضُهم بأن قال: إن ارتباطَ العالم السفليِّ بالأجرام العلويَّةِ كارتباط لُحمَةِ الديباج وسَداهُ من أعلاه بأسفله ، فيكونُ اختلافُ ما يحدث في أسفل الديباج وفي وسطِهِ وفي أعلاهُ من النقوش والصور .. على حسب تحريك الآلات العلويَّة واختلافٍ حركاتها ، كذلك اختلافُ الحوادث في العالم السفليِّ مربوطٌ باختلاف حركات الأجرام العلويَّة ؛ لارتباط ههذه بتلك . فيقالُ لهم : أخبرونا عن سَدى الديباج ولُحمتِهِ ، والآلاتِ التي رُبطَتْ بهما من أعلاه إلى أسفله ؛ لو حصل جميعُها لم يَحدثْ بين السَّدى واللُّحمَة تركيبٌ، ولا حدثَ فيهما نقشٌ ولا صورٌ . . إلا بناسج وصانع يُحرِّكُ تلك الآلاتِ ، ويُدخِلُ بها أجزاء السَّدى في خلال أجزاء اللَّحمة ، ثم إذا ظهرت الصورُ والنقوشُ في السَّدى واللُّحمة لم يكن شيءٌ منها من فعلِ السَّدى ولا من فعل اللُّحمة ، ولا من فعل الآلات المعلّقةِ بهما ولا من حركاتِها . 000 فما أنكرتُم على هذا القياس : أنَّ كلَّ ما يظهرُ في العالم من الحوادث ومن حيوان ونبات وجوهر [ومعادنَ] (١)، وإن اختلفت باختلاف حرکاتٍ الكواكبِ والبروجِ بزعمكم .. ليس شيءٌ منه من فعلِ الكواكب ، ولا من فعلِ البروج ، ولا من أفعال طباعها ؟! بل يجبُ أن يكونَ ذلك كلُّهُ من فعل صانعٍ مدبِّرٍ حكيمٍ هو الذي ركَّبَ الأفلاكَ والكواكبَ وحرّكَها . (١) ما بين المعقوفين في (أ، ب): ( معان)، وفي (ج): ( معاني). COODO ٣٣٥ 00000 ـد VAT.Y CDoo وأما استدلالُهم على تدبير الكواكبِ للعالم السفليِّ باختلاف الأزمنة ؛ لاختلاف حركات الشمس في البروج ، ويظهور الصِّبغ في الثمار بطلوع القمر عليها .. فاعتلالٌ فاسدٌ ؛ لأنه يوجبُ أن يُقضى به على كلِّ شيء حدثَ بعد حدوث غيره ؛ أن يكونَ الأوَّلُ مدبّراً للثاني ، وهذا يوجبُ أن تكونَ النارُ مدبِّرةٌ لِمَا يحدثُ عند حركاتها في الشيء من الإحراق ، ومن انعقاد ما ينعقدُ بها ، وأن يكونَ ما يحدثُ فينا من النشوء والنماء عند الاغتذاء والحركة ، وما يحدثُ فينا من الحياة والأسقام والشفاء عقيب جريان الأغذية والأدوية في أمعائنا .. أفعالاً لهذه الأدوية والأغذية، وأن تكونَ الأدويةُ والأغذيةُ بحركاتها فينا مدبِّرةً لنا . O فإن التزموا ذلك(١) .. أبطلوا إضافتَهم الحوادثَ الأرضيَّةَ إلى تدبير الكواكب والبروج . وإن امتنعوا منه .. نقضوا اعتلالَهم . وأما إضافتُهم البروجَ إلى الكواكب في حُكم البيتِ والشرفِ ، والهبوطِ والوبالِ .. فظنونٌ منهم مخالفةٌ لأصولهم ؛ وذلك أنهم زعموا : أن البروجَ في الفلك الثامنِ ، وليس فيه شيءٌ من الكواكب السبعة ، ولم يجتمع من السبعة كوكبانٍ في برج قط ، فكيف يكونُ برجٌ بيتاً لكوكب لم يدخلْهُ قط ! وقيل لهم : أيُّ قياس أوجبَ أن يكونَ لكلِّ واحد من الشمس والقمر بيتٌ واحدٌ ؛ وهما السرطانُ والأسدُ ، وأن يكونَ لكلِّ واحد من الكواكب الخمسة (١) على سبيل الربط بين العلة والمعلول، وهو قول الطبائعيين عموماً. ٥ ,٣٣٦oood الباقية بيتان ؟! وأيُّ قياس أوجب أن يكونَ الجَدْيُ والدَّلْوُ بيتي زحلّ دون غيرهما من البروج ؟! فإن قالوا : لأن زحلَ كوكبٌ باردٌ يابسٌ، والجَديَ باردٌ يابسٌ، فجعلَهُ ـيتَهُ لأنه يشاكلُهُ في طبعه . قيل : فلا تجعلوا الدَّلو بيتاً له ؛ لأنه حازٌ رَطْبٌ خلافَ طبع زحلَ ! وإن كان الجَدْيُ لزحلَ بيتاً له لأنه باردٌ يابسٌ كزحل .. فهلًّا كانت السنبلةُ والثورُ بيتينٍ له لأنهما باردان يابسانِ عندكم . وكذلك القولُ عليهم في بيتي المشتري ، وبيتي المِرِّيخ ، وبيتي الزُّهَرَةِ ، وبيتي عُطَاردَ . وقد استقصينا الكلامَ على المنجِّمينَ والفلاسفةِ وسائرِ الملحدين في كتابنا المعروف بكتاب (( الملل والنحل)) (١) ، وفيما ذكرنا منه في هذا الكتاب كفايةٌ ، والله أعلم . (١) وغاب هذا الاستقصاء عن مطبوع ((الملل والنحل)) للمصنف اليوم. 00000 ٣٣٧ 00000 0000000 الفصل الرابع من الكلام في بيان معنى التوحيد وبيان معجمز مخالفينا عن صحيح التوحية على أصولهه الفاسدة اعلمْ : أن مخالفينا من القدريَّةِ والنجاريَّةِ والمجسِّمةِ الكراميَّةِ والغلاةِ من الروافض .. متلقُّبونَ بأنهم موحّدةٌ ، وهم في التحقيق : ثنويَّةٌ مشبِّهةٌ من وجهٍ ، ودهريَّةٌ معطِّلةٌ من وجهٍ آخرَ . ونحن نبيِّنُ في هذا الفصل : فصولاً من تعجيزهم عن تصحيح توحيد الصانع على أصولهم . فتذكرُ أَلاً فصلاً : في بيان عجزِ المعتزلةِ عن ذلك . ثم نتبعُهُ بفصلٍ : في بيان تعجيزِ الكرامِيَّةِ عنه . ثم نذكرُ بعدَهُ فصلاً : في بيان توحيدِ الغلاةِ ، ونکشفُ عن عجزهم عن تصحيح أصولِ التوحيدِ ، إن شاء الله عزَّ وجلَّ . 00000 ,٨ ٣٣ 00000 OOOO فصل في بيان مجز المنزلة عن الصحيح التوجيه على أصولهم اعلمْ : أن المعتزلةَ لا يصحُّ استدلالُها بدلالة التمانع على توحيد الصانع من وجوه : منها : قولُهم : إن كلَّ حكمةٍ مرادةٍ فواجبٌ أن يكونَ الله سبحانه مريداً لها ، ولا يجوزُ أن يكونَ مريداً لخلافها على وجهٍ من الوجوه . 00 00 وإذا كان هذا أصلَهم .. لم يصحَّ اعتراضُهم على الثنويّة : أن أحدَ الصانعينِ لو أراد خلافَ مراد الآخر وجبَ عجزُهما أو عجزُ أحدهما ؛ إذ يلزمُهم في القديمينِ : ألا يصحّ أن يريدَ أحدُهما ضدَّ مراد الآخر؛ لاستحالة أن يريدَ أحدُهما غيرَ الحكمة(١) ولا يصحُّ جوابُهم عن هذا الإلزام : بقدرتهما على ما لا يصحُّ أن يريداه من التمانع الخارج عن الحكمة(٢)؛ لأنهم زعموا : أن الله سبحانه قادرٌ على (١) إذْ لا يتصوَّرُ التمانع في هذه الصورة حتى نلزمهم العجز، وقد يقال: ولا يتصوَّرُ التوارد أيضاً ؛ لأنه ليس من الحكمة إيجادُ ما أراد الشريك إيجادَهُ، فلا نلزمهم العجز على القول بالتوارد ! (٢) بمعنى: أن كلَّ واحد منهما قادر على فعل الآخر من حيث التعلُّق الصُّلُوحي، غير أنه لا تتعلَّق قدرتُهُ تنجيزاً مراعاةً للحكمة . 00000 ٣٣٩ 00000 أن يظلمَ ويكذبَ ، ولا تقتضي قدرتُهُ عليه لحوقَ نقصٍ به ، وإنما يقتضي ذلك فعلُهُ للظلم والكذب(١) وإذا كان كذلك : لم يمكنْهم أن يوجبوا نقصَ أحد القديمينِ بقدرة الآخر على منعه ، وإنما يجبُ ذلك بفعل الآخرِ مَنْعاً له ، كما أوجبوه في قدرة الإلله على ما لا تُوجِبُ قدرتُهُ عليه نقصَهُ ، وإنما يوجبُهُ إيقاعُهُ لذلك المقدور ! (٢) ومنها : أنهم أجازوا وقوعَ ما لا يريدُهُ الله عزَّ وجلَّ من أفعال نفسه ؛ وهو إرادتُهُ(٣) ، وقالوا: إنه لا يلحقُهُ بذلك نقصٌ؛ لأن الإرادةَ في نفسها مُحْكمةٌ ، وإذا كانت إرادةُ القديم محكمةً لم يحتجْ في فعله لها إلى أن يريدها (٤) وهذا أصلٌ لا يمكنهم معه أن ينفصلوا من ثنويٍّ يقول بقديمينِ لا يفعلانِ (١) وهو مذهب جمهور المعتزلة. انظر (١/ ٥١٩). (٢) مثاله بزعمهم : أن كلامه سبحانه لمَّا كان حادثاً عندهم ؛ لكونه حروفاً وأصواتاً ، وهو راجع إلى صفة القدرة .. جوَّزوا الكذب على الله تعالى ؛ لأن الصدق والكذب من جنس واحد ؛ وهو الكلام الحرفي الحادث ، إلا أنهم منعوا تعلُّق القادرية به ؛ لأنها لو تعلَّقت به للزم النقص في حقه تعالى . (٣) فإرادته تعالى عندهم حادثةٌ لا في محلِّ ، وهي مع ذلك من أفعاله سبحانه ، وليس بالضرورة أن تكون نافذةَ الحكمِ والتعلّق؛ فقد قال الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥١٤): (وكل المعتزلة إلا الفَضْلية أصحابَ فضل الرقاشي يقولون : إن الله سبحانه يريد أمراً ولا يكون ، وأنه يكون ما لا يريد ) ، وانظر ما تقدم (٣٥٢/١) . (٤) إذ الإرادات عندهم لا تتعلق بها الإرادة ، فلزمهم وجود حادث بغير إرادة ، فأرادوا التخلُّص من تسلسل الإرادة فوقعوا في هذه الطامة 00000 ٣٤٠ 00000