Indexed OCR Text

Pages 301-320

000
أضافوا الحوادثَ بعدها إلى الأجسام ، فزعموا : أنها هي المحدثةُ
للأعراض في المستقبل من الدهر .
ومن الفلاسفة من مالَ إلى قول أهلِ الطبائع ، وافترقوا فيها كافتراقٍ
أهلها .
ومنهم من قال بقول المنجّمين ، على ما حكيناه من اختلافِهم في إضافة
أنواع الحوادث إلى الأفلاك والكواكب ، وتأثيراتها في العالم السفليِّ
بحركاتها(١)
فهذا بيانُ الوجه الأولِ من وجوه الكلام(٢)
[ أدلَّةُ الموحّدينَ على توحيدِ الصانع ]
وفي هذا الفصل بيانُ أدلة الموحدين على توحيد الصانع (٣):
فممَّا يدلُّ على ذلك : أنه إذا ثبتَ لنا حدوثُ العالم ، وثبت أنه لا بدَّ له
من محدِثٍ ؛ لاستحالة وجود فعل بلا فاعل ؛ كاستحالة وجود ضربٍ بلا
ضارب ، ووجود نسجٍ وكتابة بلا ناسج ولا كاتب .. كان إثباتُ محدِثٍ
(١) وقد عقد العلامة الشهرستاني في ((الملل والنحل)) (١١٦/٢) باباً ذكر فيه أقوال
الفلاسفة ومذاهبهم .
(٢) تنبيهٌ: المذكورون في هذا الوجه عبدوا كما رأيت أكثرَ من إلهٍ، أما بشأن الاختلافات
التي وقعت بين الموحِّدين فقد قال العلامة السعد في (( شرح المقاصد)) ( ٦٤/٢):
( المعتزلة إنما يبالغون في نفي تعدُّد القديم ، وأهل السنة في نفي تعدُّد الخالق ، والكلُّ
متفقون على نفي تعدُّد الواجب المستحقِّ للعبادة ، والموجِدِ للجسم ) .
(٣) انظر كلام الحافظ الزبيدي وهو يصف إبداعَ الإمام المصنف في هذا الفصل (٦٩/١).
XTO
00000
٥٥٥00 ٣٠٠

واحد لجميع الحوادث صحيحاً ، وكانت الأعدادُ ما زادَ عليه متعارضة ، فلو
جازَ أن يكون للعالم صانعانٍ لجاز أن يكون له ثلاثةُ صانعينَ، ولجاز أربعةٌ
وأكثرُ منها لا إلى نهاية ، ولا يلزمُنا على هذا الدليل إذا أوجبنا صانعاً واحداً
أن نجيز أكثرَ منه ؛ لأن الواحدَ أوجبَهُ الدليل بوجود الصنع وظهورِ
الحوادث ، والزيادةَ على الواحد لا يوجبُها دليل ؛ لأن الصنع لا يقتضي أكثرَ
من صانع واحد (١)
ودليلٌ آخرُ : وهو أنه لو جازَ أن يكون للعقلاء والجمادات وسائرٍ
الحوادث صانعانِ أو أكثرُ من صانع واحد .. لم يصلِ الواحدُ من العقلاء إلى
معرفة صانعه بعينهٍ ؛ ليعبدَهُ بعينه ويشكره على إنعامِهِ عليه ، ولم يكن صانعُهُ
قادراً على تعريفه إيّاهُ ، وأنه هو الذي صنعَهُ دون غيره ؛ لأن غيره قد يصنعُ
مثلَ صنعه ، وفي هذا تعجيزُ الصانع عن تعريف مصنوعِهِ العاقل ما يدلُّهُ
عليه ، والعاجزُ لا يكون إلهاً صانعاً (٢)
0000000000
دليلٌ ثالث : وهو أنه لو كان للأجسام صانعانٍ أو أكثرُ لم يخلُ : أن يكون
كلُّ جزء من العالم فِعْلَهما جميعاً ، أو يكونَ بعضُ العالم فعلَ أحدِهما
وبعضُهُ فعلَ الآخرِ .
ويستحيلُ حدوثُ كلِّ واحد من فاعلين محدِثَينٍ له ؛ لأنه باختراع
(١) ويمكن أن نعبّرَ عن هذا الدليل: بأن الواحد الذي قام عليه الدليل كافٍ ، والثاني
لا دليل عليه. انظر «شرح المقاصد)) (٦٣/٢).
(٢) وهذا الدليل مبنيٌّ على أن ما أدّى إلى محالٍ فهو محالٌ، والتعدُّد أدَّى إلى عجز الآلهة
عن تعريف مربوياتها لها ، والعجز في حقُّ الإلله محالٌ؛ فما أدَّى إليه - وهو التعدُّد -
محالٌ .
00000,١ ٣٠ 00000

أحدهما يوجدُ ، فلا معنى لاختراع الآخرِ منهما ؛ لأن قدرةَ كلِّ واحد منهما
إن كانت لا تصلحُ لاختراع الشيء إلا مع قدرة الآخرِ .. استحالَ صلاحُهما
مجموعتينٍ لاختراعه ؛ لأن ما لا يصلحُ للاختراع مع ما لا يصلحُ
للاختراع(١) .. لا يقعُ بهما الاختراع؛ لأن ما استحالَ في الآحاد لم يتغيَّرْ
بالاجتماع ، وما وجبَ في الآحاد لم يتغيَّرْ بالاجتماع .
وليس كالحجر يحملُهُ الجماعة ولا يحملُهُ كلُّ واحد منهم(٢)
ولا كجواز الكذب على الآحاد وانتفائِهِ عن أهل التواتر ؛ لأن هذا من باب
الجوازٍ في الآحاد(٣)، وما كانَ في الآحاد على طرفي جوازٍ جاز أن يتغيَّرَ
حكمُهُ في الاجتماع ، وما لزمَ في الآحاد طريقةً واحدة لم يتغيَّرْ بالاجتماع
والكثرة (٤)
وإن كان كلُّ واحد من الصانعينِ فاعلاً لبعض العالم دون بعضٍ لم
يخلُ : من أن يكون فعلُ كلِّ واحد منهما من جنس فعل الآخر ، أو
خلافِهِ .
فإن اختلفَ فعلاهما ؛ مثلُ أن يكون أحدُهما فاعلاً للأجسام ، والآخر
فاعلاً للأعراض .. لم يجزْ اختصاصُ قدرة أحدِهما بالأجسام دون الأعراض
إلا بمخصِّصٍ يخصُها بها ، وهذا يقتضي حدوثَ قدرتيهما ، والقدرةُ
(١) يعني : منفرداً، وهو الفَرْضُ المذكور .
(٣) إذ يتصوّر عقلاً صدق الآحاد ، كما يتصوَّر أيضاً حمل الحجر الثقيل دون الجماعة .
(٢)
يعني : منفرداً .
(٤) كالحادث لا يقدر على إخراج شيء من العدم إلى الوجود ، واجتماع الحوادث كلُّها
لا يغيِّرُ من هذا الحكم .
٣٠٢٥٥
٥

المحدثةُ لا تحدُثُ في ذات الإلله القديم ؛ لأنَّ القديم لا يجوزُ أن يكون
محلّاً للحوادث .
O
وإن كان فعلُ كلِّ واحد منهما من جنس فعل الآخر ، وقَدّرَ كلُّ واحد
منهما على مقدورِ الآخر من الأجسام والأعراض .. لم يخلُ : من أن يكون
مقدورُ كلِّ واحد منهما مقدورَ الآخر ، أو غيرَهُ وإن كان من جنسه .
فإن كان مقدوراتُ كلِّ واحد منهما هي بعينها مقدوراتُ الآخر ، وهما مع
ذلك يجوزُ أن يتَّفقا في إرادة إيقاع مقدورٍ واحد .. لوجب حدوثُهُ منهما،
ويستحيل وقوعُ حادث مِنْ محدِثينِ ؛ كما يستحيلُ وقوعُ حركة واحدةٍ من
متحرِّكينٍ .
O
000
وإن كان مقدوراتُ كلِّ واحد منهما غيرَ مقدورات الآخر مع كونِها من
جنسها .. فهو محالٌ ؛ لأن كلَّ شيئين من جنسٍ واحد متماثلانِ ، يصحُ على
كلِّ واحد منهما ما يصحُّ على الآخر ، وهذا يقتضي إذا كان مقدورُ أحدهما
بقدرتِهِ أن تتعلَّقَ قدرةُ الآخر أيضاً به ، وأن تتعلَّقَ قدرتُهُ بمقدور الآخر ؛ لأنه
من جنس مقدوره المتعلَّقِ بقدرته ، وإذا وجبَ هذا ، وآلَ الأمرُ إلى
اشتراكهما في المقدورات كلُّها .. أدَّى إلى ما أفسدناهُ من حدوث مقدورٍ
واحد بقدرتينٍ .
00
وليس ذلك كما نجيزُ وقوعَ كسب المكتسِبِ بقدرتِهِ ، وحدوثِهِ بقدرة
الإللهِ سبحانه؛ لأنا لم نقلْ : إنها مكتسبة بقدرتين ، بل قلنا : إن
حدوثَهُ كان بقدرة واحدةٍ ؛ وهي قدرةُ الإلله ، واكتسابَهُ بقدرةٍ واحدة ؛
وهي قدرةُ المكتسِبِ له ، وكان يصحُّ حدوثُهُ بقدرةِ إلهٍ [غيرِهِ] مكتسِبٍ
٥0000 ٣٠٣

لمكتسِبِهِ (١) ، فبانَ الفرقُ بينهما(٢)
دليلٌ رابع : وهو أنه لو كان للعالم صانعانٍ ، وكان كلُّ واحد منهما قادراً
على إحداثٍ كلِّ ما يحدثُهُ الآخر .. فلا يخلو إذا أحدثَ أحدُهما جسماً أو
عرضاً : أن يكون الآخرُ قادراً على إحداثِهِ كما قَدَرَ عليه قبل حدوث ذلك
الحادثِ ، أو لا يكون قادراً عليه .
فإن قدرَ عليه فقد قدرَ على إحداثٍ ما هو موجودٌ حادث ، وهذا
محالٌ .
وإن خرجَ عن كونه قادراً عليه فصاحبُهُ هو الذي منعَهُ من إيجاد مقدورِهِ ،
وأخرجَهُ عن القدرة عليه ، وهذا يُوجِبُ أن يكون ممنوعاً ، والممنوعُ
العاجز لا يكون إلهاً صانعاً ، ولا يلزمُ على هذا وجودُ المقدور الواحد ؛
لأن الواحدَ لا يكون ممنوعَ نفسِهِ ، وقد يكون ممنوعَ غيرِهِ ، كما لا يصحُّ أن
يريد خلافَ مراد نفسِهِ ، ويجوزُ أن يريد خلافَ مرادٍ غيره ، والتمانعُ إنما
يصحُ من الاختلافِ في المراد (٣)
0
دليلٌ خامس : وهو أنه لا بدَّ للصانع من أن يكون حيّاً قادراً عالماً مريداً
(١) كذا العبارة في (ب، ج)، ونقْلِ الحافظ الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين)
(١٢٩/٢)، وفي ( أ): ( وكان يصح حدوثه بقدرةٍ غير مكتسبةٍ لمكتسبه ) ، وما بين
المعقوفين في جميع النسخ : ( غير ) .
(٢) وما يدور عليه هذا الدليل: أن ما افتقر إلى مخصِّص فهو محدَثٌ، والمحدث لا يكون
إلهاً ؛ كما أن العاجز في وقت ما لا يكون إلهاً .
(٣) وهذا الدليل راجعٌ للدليل المعروف بدليل التمانع والتوارد ، ومبدؤه أيضاً: أن ما أدَّى
إلى محال فهو محال .
DO000 ٤ ٣٠ 00000

DC
6
والشرط الثاني : هو العلمُ بأن التمانعَ بين القادرينِ إنما يقعُ في مخالفة
أحدهما صاحبهُ في المراد ؛ بأن يريدَ ما يكرهُهُ صاحبُهُ ، فيكونَ حينئذٍ مَنْ
لم يتمَّ مرادُهُ منهما ممنوعاً عن إيقاع مراده .
وزعم بعضُ القدرية : أن التمانع يقعُ في الفعلين المقدورينِ لقادرين ؛
بأن يفعل أحدهما مقدورَهُ في محلٌّ يمتنعُ به القادرُ الآخر عن إيقاع مقدوره
فيه ، ويلزمُهم على هذا الأصل : أن يكون البارئُ سبحانه ممنوعاً عن فعل
السكون في محلٌّ قدَّرَهُ فعلُ غيرِهِ عندهم فيه حركةً (١) ، وهذا فاسدٌ ، فما
یؤدِّي إليه مثلُهُ(٢)
rx
والشرطُ الثالث : أن الحيَّينِ القادرين المتصرِّفين بإرادتينٍ لا يستحيلُ
منهما أن يريد أحدُهما ما يكرهُهُ الآخر ؛ لأن الذي ينفي إرادةَ أحدهما ليس
هو النافيَ لإرادة الآخر ؛ لأن الشيئين لا يتضادّانِ في محلَّين ، ولولا جوازٌ
اختلاف المريدَينِ في المراد لما صحَّ التمانع بينهما .
DO
والشرطُ الرابع : أن التمانعَ بين القادرينِ لا يصحُّ إلا بعد أن يكون محلٌّ
(١) كذا العبارة في جميع النسخ ، ولو قال : ( قدره غيره ) بدل ( قدره فعل غيره ) لكان
أوضح .
(٢) قال إمام الحرمين في (( الشامل)) (ص٣٥٧): ( لا يُتصوَّرُ التمانع بين المحدّثينِ،
ولا يُتصوَّرُ من أحدهما منعُ الثاني)، فوقوفُ الواحد منَّا في محلِّ يمنع منه وقوفَ
الآخر .. ليس تمانعاً ؛ لأن مقدور الأول في محلِّ ، ومقدور الثاني في محلِّ آخر ،
ولا تمانع عندنا إلا في المحل الواحد .
وقد نصَّ المعتزلة على أنه تعالى قد يريد ما لا يقدر عليه ، وقد يقدر على ما لا يريده ،
ثم إن دلالة التمانع عندهم كما رأيت فاسدة. انظر (( الانتصار في الرد على المعتزلة))
(٣٣٤/٢) .
٥0000 ٣٠٦

فعلهما واحداً ، لولا ذلك لصحَّ من أحدهما أن يوقعَ في محلٌّ فعلاً ، ويوقعَ
الآخرُ خلافَهُ في محلِّ آخر ؛ لأنَّ المتضادين لا يتضادانِ في محلَّينِ ؛
كالسواد والبياضِ في محلَّين(١)
والشرطُ الخامس : العلمُ بأن إرادة أحدهما يجب أن تكونَ بحيث
لا يصحُّ وجود إرادة الآخر فيه؛ إذ لو كان محلُّ إرادتيهما واحداً لوجب أن
يصيرا جميعاً مريدَينٍ بإرادة واحدة ، ولم يختلفا حينئذٍ في المراد ؛ لوجوب
كون كلِّ واحد مريداً لما يريدُهُ الآخر بإرادته .
والشرطُ السادس : العلمُ بأن إرادةَ كلِّ واحد منهما يجبُ أن تكون غيرَ
مراده ؛ لأنه لو كانت الإرادةُ هي المرادَ لكان كلَّما أراد أحدُهما شيئاً حصل
مرادُهُ في حال كونه مريداً ، ولم يصرْ ممنوعاً عن مراده بحال .
والشرطُ السابع : العلمُ بأن المتمانعينِ يجبُ أن تكون إرادةُ كلِّ واحد
منهما قبل مراده ؛ لأن إرادتهُ لو حصلت مع مراده لما صحَّ منعُهُ عن مراده ؛
لأن الحيَّ لا يكون ممنوعاً من فعل ما قد وُجِدَ ، ولا يقعُ التمانعُ بين
المتمانعينٍ في المراد ممنوعاً عن إتمام مرادِهِ عاجزاً عنه ، والعاجزُ لا يجوزُ
أن يكون قديماً .
والدليلُ على استحالة وجود قديم عاجز : أن الفاعل القديمَ القادر قد
وجب حصولهُ بدلالة الحوادثِ علیه ، فلو صحّ کون قدیم عاجزٍ معه - وقد
صحَّ من أصلنا : أن القادر يكون قادراً بقدرة والعاجزَ يكون عاجزاً بعجز -
لوجب أن يكون اختصاصُ أحدهما بالقدرة والآخر بالعجز بعد استوائهما في
(١) انظر ((الشامل)) لإمام الحرمين (ص٣٥٦).
٢٨
00000 ٠ ٣ V 00000

DOO
الوجودِ والقدم والحياةِ والقيام بالنفس وسائرِ الأوصاف التي استحقَّاها
لأنفسهما .. بمخصِّص خصَّصَهما أو خصَّ أحدَهما بإحدى الصفتين ،
وذلك يقتضي قيامَ معنىّ حادثٍ بأحدهما ، وأن يكون محدِثُ الحوادث
محدثاً غيرَ قديم .
فهذا وجهُ بيان دلالة التمانع على التوحيد(١).
[الردّ على مَنِ ادَّعى تعدُّدَ الآلهةِ]
[ الردُّ على الثنويَّةِ ]
فأما الثنويةُ المضيفة إيقاعَ الحوادث إلى النور والظلمة فيقالُ لهم : لِمَ
زعمتم أن تركيبَ الأجسام من نور وظلمة قديمينٍ ؟ وما أنكرتم أن الأجسام
جنسٌ واحد ، والنورَ والظلمة عرضان حادثانٍ في الأجسام ؟
ويقالُ لهم : لو كان النور والظلمة جسمينٍ فما أنكرتم أنهما محدثانٍ ؛
لأنهما لا يخلوانِ من الاجتماع والافتراق ، والحركةِ والسكون ، وسائرٍ
الأعراض الحادثة ؟ فلا تخلو من الحوادث ولا تسبقُها ، فتكون محدثةً
مثلها (٢)
000000
ويقال لهم : إذا كان النورُ من طبعه التصاعدُ ، وكانت الظلمةُ ثقيلةٌ تَسفُلُ
أبداً .. فكيف امتزجا وكان من الواجب ألا يزدادا إلا بعداً؟!(٣)
(١) أنظر ((إتحاف السادة المتقين)) (١٢٨/٢ - ١٣١).
(٢) والأليق بالسياق أن يقال : ( فلا يخلوان ، ولا يسبقانها فيكونان محدثينٍ ).
(٣) انظر («التوحيد)» للإمام الماتريدي (ص ١٥٧).
00000 ٨ ٠ ٣ 00000

000000
وقد استدلَّتِ الثنويةُ على أن الأشياء مركبةٌ من نور وظلمة بأن قالت :
وجدنا الأجسامَ على ضربين : أحدهما : ذو ظلِّ، والآخرُ : لا ظلَّ له ،
فما له ظلٌّ من جنس الظلمة الساترة ، وإذا طرحَتْ ظلّاً فقد نفت النورَ ،
ولا ينفي النورَ إلا ضدُّهُ، وما ليس له ظلٌّ فهو من جنس النور ، وإذا أشرفَ
نفى الظلمةَ ، والنورُ لا ينفي ما يكون من جنسه ، وإنما ينفي ما هو ضدُّهُ .
فيقالُ لهم : يلزمُكم على هذا الاعتلالِ أن تكون الأجسام كلُّها من جنس
الظلمة إلا الشمسَ والقمر ؛ لأن ما سواهما [من] ذواتِ الأظلال تنفي
النور ، فإن امتنعوا من ذلك نقضوا اعتلالَهم ، وإن أجابوا إليه بطل قولُهم
٠
( وإن ذواتِ الأظلال من الأجسام مركبةٌ من نور وظلمة ) .
واستدلُّوا أيضاً بأن قالوا : إن جميعَ ما في العالم المحسوسِ لا يخلو من
أن يكون نافعاً أو ضارّاً ، فلا بدَّ من أن يكون لكلِّ واحد منهما أصلٌ غيرُ أصل
الآخر ، وأن يكون لكلِّ واحد من الخير والشرِّ فاعلٌ غيرُ فاعل الآخر ،
ولا يجوزُ أن يقعَ من الجوهر الواحد خيرٌ وشرٌّ وحكمة وسَفَهٌ؛ كما لا يقعُ
من النار تسخين وتبريد ، ولا من الثلج تسخينٌ وتبريد .
00
فيقال لهم : انفصلوا ممَّنْ زعمَ أن النور لا يصحُّ منه ممازجةٌ وتباين ،
ولا حركة وسكون ، وكذلك من الظلمة ؛ لأنه لا يصحُّ وقوعُ الضدين من
جوهر واحد ؛ كما لا يقعُ من النار تسخين وتبريد .
فإن قالوا : قد وجدنا الجسمَ يتحرَّكُ مرَّةً ويسكن أخرى .
قيل : قد وجدنا الحيَّ يصدقُ مرَّةً ويكذب أخرى ، ويعدلُ تارة ويجور
أخرى .
٩00000 ٣٠ 100000

5000
ويقال لهم : قد وجدنا النار تحُلُّ وتعقِدُ؛ لأنها تحُلُّ الجَمْدَ وتعقِدُ
البيض ، ووجدنا الدواء ينفعُ في شيءٍ ويضرُّ في غيره ، فقد صحَّ ظهورُ
الخير والشرِّ والنفع والضرِّ من أصلٍ واحد ، وصحَّ وجودُ ضدَّينٍ من أصل
واحد .
واستدلَّتِ الديصانية على دعواها أن النور حيٌّ فاعل بالاختيار ، وأن
الظلمة مواتٌ تفعل بالطبع .. بأن قالت : إن الظلمة ضدُّ النور ، فإذا كان
النور حيّاً وجبَ أن يكون ضدُّها مواتاً .
فيقال لهم : ومن سلَّمَ لكم أن النور حيٌّ حتى تبنوا عليه دعواكم أن
الظلام موات ؟ وإن سُلُّمَ لكم حياةُ النور فلِمَ يجب أن يكون الظلامُ مواتاً ؟
فإن قالوا : لأنه ضدُّ النور .
فيقال لهم : فقولوا : إنه محدَثٌ ، وإنه لا يقومُ بنفسه ؛ لأنه ضدُّ النور
الذي هو عندهم قديمٌ قائم بنفسه(١)
فإن قلتم : إنهما مع تضادِّهما قديمان قائمانٍ بأنفسهما .. فقولوا أيضاً :
إنهما مع تضادِّهما حيَّانِ مختاران كما قالت المانويةُ منكم .
ويقال للمرقيونيةِ : أخبرونا عن الأصل الثالث المتوسِّطِ بين النور
والظلمة عندكم(٢) : ما طبعُهُ ؟ وما فعلُهُ ؟
فإن قالوا : هو خيرٌ كلُّهُ .
قيل : فلِمَ صارَ دون النور ؟!
(١) انظر (٢٧٥/٣).
(٢) الذي سمَّوه بالهمامة والمعدل. انظر (٢٧٧/٣) تعليقاً.
٢٨
٣١٠/٥٥٥٥٥

COOOOOCK
وإن قالوا : إنه شرّ كلُّهُ .. فلم صارَ فوق الظلمة ؟!
وإن قالوا : إنه يفعلُ الخير والشرَّ معاً
قيل : فلِمَ أثبتم أصلينِ أحدُهما يفعل الخيرَ والآخرُ يفعل الشرَّ؟! فهلا
نسبتم الأفعال كلَّها خيرها وشرَّها إلى صانع واحدٍ كما قاله الموحّدون ؟!
وقد سئلت الثنوية عن جانٍ تابَ واعتذرَ من جنايته ، وقال : أنا الذي
جنيتُ وتبتُ ، فقالوا لهم : من هذا التائبُ المعتذر ؟
فإن قالوا: ( هو النورُ) لزمَهم أن يكون [كاذباً، وإن](١) قالوا: ( هو
الظلمة ) لزمَهم أن يكون صادقاً ، وفي هذا نقضُ قولهم : إن الكذبَ لا يقعُ
من النور ، والصدقَ لا يقعُ من الظلمة (٢)
وسئلوا أيضاً عن قائل قال : ( أنا ظلامٌ وأنا شريرٌ كاذبٌ ظالم ) ممَّ هو ؟
فإنْ زعموا أنه النور .. أضافوا إليه الكذب ، وإن زعموا أنه الظلمة ..
أضافوا إليها [الصدق]، وهذا خلافُ قولهم(٣)
000
[ الردُّ على المجوسِ ]
وأما المجوس فيقال لهم : قد زعمتم أن بعضَ الإلله صارَ ظلاماً وعقوبةً
تولَّدَ منها شيطانٌ ، فإذا جاز عندكم أن يصيرَ بعضُهُ عقوبة وظلاماً فلِمَ
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( صادقاً ، وفي هذا نقض قولهم : إن الكذب
لا يقع من النور ) .
(٣) انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص٣٢٩).
(٢)
انظر (( أصول الدين)) للمصنف (ص٨٦).
CON
00000 ٣١١7

O
لا يجوزُ أن يصير [جميعُهُ] ظلاماً حتى ينقلب الإلهُ ظُلمةً ويصير
شريراً ؟!(١)
ويقال لهم : إذا أمكن أن يصير بعضُ النور على وصف يتولَّدُ منه نورٌ
يكون ضدَّهُ ومنازعَهُ(٢).
ويقال لهم : إنكم تنسبون الآلامَ والمضارَّ إلى فعل الشيطان ، ثم
لا تمتنعون مع هذا من قتل كثيرٍ من الحيوانات وأكل لحومِها ، ولا تفرّقون
من قتل الحيوان بين ما هو من فعل الشيطان عندَكم وبين ما هو من جعل
الإلهِ وخلقِهِ ؛ لقتلكم السباعَ والحيَّاتِ والعقاربَ ؛ لأنها من فعل الشيطان
عندكم ، وقتلِكم معها الأنعامَ التي اتفقنا معكم على أنها من خلْقِ الإللهِ
تعالى ، وترون صيدَ الطير وقتلَها وأكلها ، وإذا حَسُنَ هذا منكم فهلا
استحسنتم من الإلله سبحانه أن يؤلمَ الحيوانَ ويمرضَهُ ويرسلَ عليه الأسبابَ
التي تهلكُهُ ، كما استحسنتم ذلك من أفعالكم ؟!
DO
وقد استحسنتم من ملوككم معاقبةً اللصوصِ وأهلِ الجرائم بالضرب
والقطع والقتل ، فإن كان الإللهُ قد أمرَهم بذلك فهلا جازَ منه أن يفعلَ مثلَهُ ؛
لأن ما جاز الأمرُ به كان حسناً ، وإن كان قد نهى عن ذلك فإنَّ فعلَهُ
معصيةٌ(٣) ، ولزمكم تفسيقُ من فعلَ ذلك .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( جميعها ).
(٢) كذا العبارة في جميع النسخ، ويظهر أنه قد ألمَّ بها سقط أذهب معناها ، ولعل المعنى:
كيف أمكن أن يصير بعضُ النور على وصف يتولَّدُ منه شرٌّ يكون ضدَّهُ ومنازعه ؟!
(٣) يعني : فعْلَ الضرب والقتل والقطع، أو تكون العبارة: ( فإن فعلهم معصية ) ، ويعود
الضمير على الملوك .
٥0000 ٣١٢

ويقال لهم : إذا أضفتم فعلَ الأجساد الضارَّةِ إلى الشيطان لزمَكم إضافةُ
خلْقِ أرواحها أيضاً إليه ؛ لأنَّ أجسادَها لا تعمل الشرّ مع فقد أرواحِها ، وإن
كان النورُ هو الخالقَ للأرواح فهو الفاعلُ لأسباب الفساد .
فإن قالوا : إن الإللهَ خلقَ الأرواحَ، ثم ركَّبَها الشيطانُّ في الأجساد .
قيل لهم : إن كان هذا الجواب صحيحاً فهلا قلتم إن الإلله خلقَ
الأرواح مفردةً والأجسادَ مفردة ، ثم ركَبَهما الشيطانُ، فتولَّدَ من تركيبه
الشرور ؟!
[ويقالُ] لهم(١) : هل حدثَ الشيطانُ من فكرة الإلله بقصدٍ أو بسهو ؟
فإن قالوا : بقصدٍ وإرادة .. وصفوهُ بإرادةِ الشرور .
وإن قالوا : بسهوٍ .. قيل : إذا جاز عليه السهوُ مرَّةً فِلِمَ لا يجوزُ أن يسهوَ
ألف مرة، ويتولَّدَ من كلِّ سهو وفكرة منه شيطانٌ آخرُ مثلَ الشيطان الأول أو
شرّاً منه ؟!
000
ويقال لهم في دعواهم : أن الشيطان حاربَ الله ثلاثةَ آلاف سنة ، وأنه
هادنَهُ وصالحه(٢): إن جازَ هذا فلِمَ لا يجوزُ أن يحاربَهُ وأن يغلبه مراراً
كثيرةٌ .
قيل لهم في صلحهما : إذا صح الغدر والنكث من الشيطان فما يؤمنُكم
أنه إلى الساعة قد غدر ونكثَ ، وأنه ظفرَ بالإلله وقتلَهُ ؟!
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( يقال ) .
(٢) قال الإمام الرازي في ((اعتقادات فرق المسلمين والمشركين)) (ص٨٧): (هذا
الكلام غير لائق بالعقلاء ، لكن المجوس متفقون على ذلك ) .
00000 ٣١٣ 00000

[ الردُ على الصابئةِ ]
وأما الصابئةُ الذين نسبوا وقوعَ الحوادث في العالم إلى تدبير الفلكِ
والكواكب السبعةِ .. فيقال لهم : إذا كان الفلكُ وما فيه من الكواكب يفعلون
الأعمارَ والأرزاق والألوانَ والطعوم والروائحَ .. فما أنكرتم أنها تخترعُ
الأجسامَ ؟
فإن قالوا بذلك أبطلوا قولَهم بإثبات صانعٍ قديم .
وإن امتنعوا منه فلا فرق بين اختراع الأجسام وبين اختراع الألوان
والطعوم والروائح والأعمار والأرزاق .
OC
ويقالُ لهم : إذا زعمتم أن المشتريَ والزُّهَرَةَ من الملائكة ؛ لأنهما
سعدانٍ يدلَانٍ على السعادة والخير .. فهلا زعمتم أن [زُحَلَ] والمِرِّيخ
شيطانانٍ(١) ؛ لأنهما عندكم نحسانٍ يدلَانٍ على النحوس والشرور .
[ الرءُ على النصارى ]
وأما النصارى فيقال لهم : لم وصفتم المسيحَ عليه السلام بصفةٍ إلاهيّة ؟
فإن قالوا: لأنه ولدَ من غير أبٍ .. [فيلزمهم] على هذا أن يكون آدمُ
عليه السلام أحقّ منه بهذه الصفة(٢)؛ لأنه لم يولد من أمِّ ولا أب، وحواءُ
O
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( زحلاً)، وتقدم أنه ممنوع من الصرف .
(٢) قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( فيلزمكم).
00000
٠0000 ٣١٤

كانت بلا أمّ، فهل لها حظٍّ في الإلهية؟!(١).
ويقال لهم : إنا وجدنا حيواناتٍ متناسلةً من ذكور وإناث ، ومن جنسهم
ما يوجدُ ابتداءً من غير أبٍ ولا أمِّ ؛ كالضفادع تتناسلُ في الماء ، ثم إنَّ
المطر إذا وقعَ في وَهْدةٍ من الأرض ودام أياماً ظهرَتْ فيها الضفادعُ من غير
تناسل ، ولا يجبُ بذلك أن تكون تلك الضفادعُ من غير جنسٍ ما يتناسلُ
منها ، وكذلك العقاربُ توجد تحت الآجرِّ من دقاق التبن في الأرض النديَّةِ
وهي من جنسٍ ما تناسل منها ، ووجدنا فأرةً تُخلقُ من الطين بلا أبٍ ولا أمِّ
وهي من جنس الفأرِ المتناسل ، ووجدنا حيَّةً تخرجُ من الكمأة العفنةِ وهي
من جنس المتناسلة لا فضلَ لها على جنسها(٢) ؛ فما أنكرتم أيضاً : أن
المسيحَ عليه السلام وإن وُلِدَ بلا أبٍ فإنه من جنس الناس المتناسلين ؛
لمشاركته إيَّهم في الصورة والتركيبِ وسائر الصفات الدالّةِ على حدوث
000
DO
0000
(١) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص١٢٢)، وفيه: ( لأنها خلقت من ضلع آدم من غير ذكر
ولا أنثى ) .
(٢) لا خلافَ عند أهل الحقِّ أنه ما من حادثٍ إلا وهو مخلوق من غير واسطة من قبله سبحانه
وتعالى ؛ فلا افتقار إلى مادة ولا إلى آلة ، غير أن سنّتَهُ سبحانه في ظهور خلقه جرت
على عاداتٍ لا تتخلّف إلا لحكمة ، ومن جملتها : أن الحيوانات خلقها الله ابتداءً ، ثم
جعل نسلَها منها ظهوراً ؛ كخلق الإنسان ابتداءً من طين ، ثم جعل سبحانه نسلَهُ من
سلالة من ماء مهين .
وما ذكره الإمام المصنف هو باعتبار مشاهداتٍ عابرة ، أو أخبارٍ سائرة ، حكى الجاحظ
كثيراً منها في كتابه (( الحيوان )»، والمصنف قد أفاد منه ، ولو شاء سبحانه وتعالى
لكانت بغير مين ، إلا أننا نعلم يقيناً اليوم أن لههذه المذكورات أسباباً عادية في ظهورها
لم تعد خافية ، مع أن ما ذكره المصنف جائزٌ عقلاً ، وما حكاه عن الفرق المنحرفة
محالٌ عقلاً ، فالخطبُ يسير .
٣١٥,٥٥ ٢00000

O
الناس وسائرِ الأجسام ، مع ولادته من امرأةٍ محدَثةٍ مخلوقة سابقةٍ له في
الولادة ؟!
وإن قالوا : إنما كان عيسى إلهاً لأنه أحيا الموتى .
قيل : فإبراهيمُ صلواتُ الله عليه أحيا الطيور التي ذبحَها ، وجعل على
كلّ جبل منهنَّ جزءاً، ثم دعاها فأتينَهُ سعياً (١) ، وكذلك حِزْقِيلُ أحيا أهلَ
مقبرة(٢) ، فيلزمُّكم على اعتلالكم أن يكون إبراهيمُ وحزقيلُ إلاهينِ.
وأنتم تزعمون أنه كان في الحواريين من تلامذة عيسى عليه السلام من
طُلِبَ منه إحياءُ الموتى ، فأحيا بعضَ الموتى ، فهلا كانت تلامذةُ المسيح
آلهةً .
فإن قالوا : إن هؤلاء دعَوا إللهَهم وسألوه إحياءَ الموتى ، فأجابَهم عند
دعائهم .
قيل : فما أنكرتم أن المسيحَ عليه السلام طلبَ من إلهِهِ إحياءَ الموتى ،
وهكذا كانت قصَّتُهُ في إحياء الموتى ؟
(١) قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إَِّهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنَّ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ
لَيَطْمَيِنَّ قَلْبِىّ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ أَدْعُهُنَّ
يَأْتِينَكَ سَعْيَاً وَاَ عْلَمْ أَنَّاللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
(٢) انظر ((سفر حزقيال)) (١/٣٧-١٠)، وقد قال الإمام الماتريدي في ((التوحيد)) (ص
٢١١): (فإن قيل: استحقَّ ذلك بإحياء الموتى لا غير .. قيل: قد أحيا حزقيل
إنساناً ) .
وخبر هذه المقبرة قيل: إنه المقصود بقوله جلَّ وعزَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن
دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوُفُّ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَخِيَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. انظر
( تفسير الطبري)) (٢٦٧/٥) .
CON
00000
٥٥٥٥٥ ,٣١٦

فإن قالوا : إن المسيح نزلَ من السماء ، وتدرَّعَ جسداً ، ثم عرجَ إلى
السماء ، ولا يقدرُ على الصعود إلى السماء والنزولِ منها إلا إلهُ العالم .
قيل : ومن سلَّمَ لكم أنه نزلَ من السماء وتدرَّعَ جسداً ؟! وهل نوزعتم
إلا في هذا؟! على أنكم إن أقررتم بالملائكةِ ونزولِها وصعودِها لزمَكم
القولُ بأنها آلهةٌ على حكم اعتلالكم ، وإن لم تقرُّوا بالملائكة فقد أقررتم
بأن الله سبحانه يقدرُ على أن يخلقَ في السماء إنساناً وينزلَهُ إلى الأرض ،
ولا يكونَ مع ذلك إلهاً ولا نبيّاً ، فليس إذاً في نزول المسيح عليه السلام من
السماء دليلٌ على دعواكم فيه .
ويقال لهم : إذا أقررتم أن الأبَ لم يزل ، وأن الأب لم يسبقِ الابنَ ،
والابنَ لن يتأخَّرَ عنه .. فما جعل الابنَ بأن يكون ابناً أولى من الأب ؟!
وما جعل الأبَ باسم الأبوَّةِ أولى من الابن ؟! ومن شرطِ الأبِ تقدُّمُهُ على
الابن ، ومن شرط الابن تأخّرُهُ عن الأب ، فإذا لم يتقدَّمْ أحدُهما ولم يتأخّرٍ
الآخرُ لم يكن أحدُهما بالأبوَّةِ ولا بالبنوَّةِ أولى من الآخر .
00
ويقال لهم : لِمَ قلتم : إن كلمةَ الله انَّحدَتْ بجسد المسيح دون جسدٍ
موسى وإبراهيمَ وغيرهما من الأنبياء ؟
فإن قالوا : لأجل ما ظهرَ على يدِ عيسى من المعجزات التي لا يقدرُ
الناسُ على اختراع أمثالها ؛ من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ،
والمشي على الماء ، ونحوٍ ذلك .
قيل : قد ظهرَتِ المعجزاتُ على يد إبراهيمَ وموسى ؛ فإن النارَ لم
تُحرِقْ إبراهيم وهي محرقةٌ لغيره من الناس ، وفلق موسى البحرَ ، وقلب
00000
٣١٧٫٥٥

العصا حيَّةً، وأخرج اليد [بيضاءَ] من غير سُوء (١)، وأظهر الطوفانَ والقمَّلَ
والضفادع وغيرها من الآيات ، فيجبُ على اعتلالكم أن يكون هؤلاء الأنبياء
آلهةً، وأن تكون الكلمةُ متَّحدةً بهم(٢)
فإن قالوا : إن موسى لم يخترعْ هذه الآياتِ ، إنما دعا اللهَ فيها فأظهرَها
له .
VAC10
قيل : فما أنكرتم من مثل ذلك في المسيح عليه السلام ؟
فإن قالوا : قولنا : ( مسيحٌ) اسم لمعنيين : أحدُهما : لاهوتٌ هو
الإلله ، والآخرُ : ناسوتٌ هو الإنسان ؛ فما كان من تضرُّع ودعاء منه فهو
من الناسوتِ ، وما كان من إظهار معجِزِ فهو من اللاهوتِ .
boo
قيل : فما أنكرتم أن موسى كان كذلك ؛ فما كان من دعائه فمِنْ
ناسوتِهِ ، وما كان من معجزاته فمِنْ لاهوتِهِ ؟
00000000
فإن قالوا : إنما قلنا : ( إن المسيح إله) لأن الله عزَّ وجلَّ سمَّاهُ
بذلك ، وقال في كتابه : ( إن العذراء تلدُ ابناً ويُدعى اسمُهُ إلهاً)(٣)
قيل : لم يقل : ( إنه إلهٌ)، وإنما أخبر أنه يدعى باسم الإلله ؛ لعلمِهِ
بأن قوماً يدعونَهُ بهذا الاسم .
فإن قالوا: إنما سميناه إلهاً لأنه قال في ((الإنجيل)): ( أنا
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( البيضاء ) .
(٢) انظر (( تمهيد الأوائل)) (ص١١٩) .
(٣) انظر ((سفر إشعياء)) (١٤/٧)، و((إنجيل متَّئ)) (٢٣/١)، ولفظه: (هو ذا
العذراء تحبلُ وتلدُ ابناً ، ويدعون اسمه عمانوئيل ، الذي تفسيره : الله معنا ) .
CLON
0000 ١٨ ٣ 00000

O
rAYO
وأبي واحدٌ)(١)، و(من رآني فقد رأى أبي)(٢)
قيل : ما أنكرتم أنه أراد بأبيه آدم عليه السلام ؛ لأن كلَّ واحد منهما
لا أبَ له ، وإن كان آدمُ أباه من جهة أمِّهِ ؟
وقوله : ( من رآني فقد رأى أبي ) ؛ أي : من علم وجودي بلا أبٍ
فكأنه رأى وجودَ آدَمَ بلا أبٍ ولا أمِّ ، ولو كان أراد بالأبِ الإلله سبحانه ،
وأشار إلى أنه الأبُ الإلهُ .. لوجبَ أن يكون القتلُ والصلب عندهم قد حلَّ
بالأب كما حلَّ بالابن ، وأن يكون الحمل والولادة بالأب كما هما
بالابن(٣)
وإن قالوا: إنه قد قال في ((الإنجيل)): ( أنا قبل إبراهيمَ )(٤)، وهو
إنسانٌ من ولد إبراهيم ، فعلمنا أنه أرادَ أنه قبلَهُ بلاهوته ، وإن كان ابنَهُ
بناسوته .
قيل : ما أنكرتم أن معنى هذه الكلمةِ : أنه قبل إبراهيمَ في البعثة في
المحشر ؛ لأنه ينزلُ من السماء قبل الحشر والنشر ؟(٥)
(١) انظر ((إنجيل يوحنا)) (٣٠/١٠).
(٢) انظر ((إنجيل يوحنا)) (٩/١٤).
(٣) انظر (( تمهيد الأوائل)) (ص ١٢٣).
(٤) انظر ((إنجيل يوحنا)) (٥٨/٨)، وعبارته: (الحقَّ الحقَّ أقول لكم : قبل أن يكون
إبراهيم أنا كائنٌ ) .
(٥) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص١٢٤)، ومن احتمالاته على التسليم به : تقدُّم تشريعاته
على لسان بعض الرسل قبله ، أو أنه مكتوب عند الله ومعروف من قبل الملائكة .
C10

ذكرُ الكلام عليهم في الأقانيمِ
يقال لهم : لِمَ زعمتم أن الله ثلاثةُ أقانيمَ دون أن تزعموا أنه أربعةُ أقانيمَ
أو عشرةٌ أو أكثرُ ؟
فإن قالوا : لأنه قد ثبتَ أنه موجودٌ وحيٍّ وعالم ، فوجب أن يكونَ ثلاثةً
أقانيمَ ؛ موجودٌ ، وعلمٌ ، وحياةٌ .
قيل لهم : فما أنكرتم أن يكون أربعةَ أقانيمَ ؛ لأنه موجودٌ حِيٌّ عالمٌ
قادرٌ ؛ لأن القادرَ مَنْ له قدرةٌ، فيجب أن تكون قدرتُهُ أقنوماً رابعاً ؟(١)
فإن قالوا : القدرةُ هي الحياةُ ، فهما أقنومٌ واحد .
قيل : فما أنكرتم أن يكون العلمُ هو الحياةَ، فيكون الإلهُ
أقنومينٍ ؟(٢)
000000
فإن قالوا : قد ينقصُ العلمُ ويزيد ، ويوجدُ ويعدم ، والحياةُ بحالها ،
فوجب أن العلمَ ليس من الحياة في شيء
قيل : وكذلك قد تنقص القدرةُ وتزيد ، وتوجد وتعدم ، والحياة
بحالِها ، فلا تكون القدرةُ من معنى الحياة في شيءٍ(٣)
فإن قالوا : قد يبطل العلمُ جملةً في حال النوم والغشيةِ والإنسانُ حيٌّ
ـة
(١) فعلَّةُ التخصيص لا تصحّ. انظر ( تمهيد الأوائل)) (ص٩٨).
(٢) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص٩٨ ).
(٣)
انظر (( تمهيد الأوائل)) ( ص٩٨).
COODD ٣٢٠ 00000