Indexed OCR Text
Pages 681-700
O a 00 الفضل على إبراهيمَ بن النبيِّ صلى الله عليه .. إلا مثلُ فضلِهِ على الكلاب والخنازيرِ والحيَّاتِ والعقارب والذُّبَّان فيها ؛ لأن التفضُّلَ على الجميع يجبُ أن يكونَ سواءٌ !(١) وكان أبو الهذيل ومَعْمَرٌ وأبو كَلَدَةً وأتباعُهم من القدريَّة يزعمون : أن جميعَ ما خَلقَ الله عزَّ وجلَّ من السباع والبهائمِ والحشراتِ والهَمَجِ .. نوعان : فما كان منها حسنَ المنظر : فإنها تَلَذُّ في الجنَّة ، ويَلَذُّ بها أولياءُ الله عزَّ وجلَّ بالنظر إليها ، دون تسخيرها والأكلٍ منها . وما كان منها قبيحَ المنظر مؤذياً في الدنيا : جعلَهُ الله عزَّ وجلَّ عذاباً لأهل النار في النار ، من غير أن يلحقَها ألمُ النار . ويلزم هؤلاء : أن يقولوا فيما مات في الدنيا من أولاد السباع قبل إيلامها أحداً في الدنيا : إنها تكونُ في الجنَّة ، وآباؤها وأمهاتُها في النار ! واختلف هؤلاء الذين قالوا : بإدخال ما قَبُحَ منها - نظراً وعقلاً - النارَ .. في التذاذها بالنار : فمنهم من قال : إنها تَستلذُّ بالنار كما تَستلذُّ الآن ديدانُ الخلِّ بالخلِّ ، وكما ينامُ الآن السَّمَنْدَلُ في النار(٢)، وكما تبتلعُ النعامةُ الحديدةَ المحمَّاةَ بالنار فلا تؤذيها (٣) (١) انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص ١٤٥). (٢) السمندل : طائر بالهند يزعمون أنه إذا دخل النار لا يحترق بها ، يهادون الملوكَ بقِطَعِ من جلده لأجل هذه الميزة . (٣) قال الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (١٠/٣): (وجائز أن يقال للذكر: ((نعامة))= ـد 00000 A 00000 محرة ومنهم من قال : إن الله عزَّ وجلَّ يُحدِثُ لأبدانهم علَّةً تمنعُ من وصول ضررِ النار إليهم ، ويُنعِّمُ قلوبَهم وأبدانَهم من وجهٍ آخرَ ، وقاسوه على احتيال قومٍ بأدوية يَطلُونها على أيديهم ، فيُدخِلونَها النارَ ، فلا تضرُّهم تلك النارُ حينئذٍ . وكلُّ من اختارَ من القدريَّة بعضَ هذه الأقوالِ التي حكيناها عنهم. أوجبَ على الله عزَّ وجلَّ فعلَ ما اختارَهُ من مذهبه ، وزعم أنه لو فعلَ خلافَ ذلك لم يكن حكيماً ؛ كأنه سبحانه تحت حَجْرهم وأمرهم ! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . وأما الكلامُ في إحياء الملائكةِ والجنِّ والشياطين فإنَّا نقول: إن الله عزَّ وجلَّ قد قضى على جميعهم أن يموتوا ، وهو يحييهم إذا أحيا الناسَ . والخلافُ في هذا الباب مع فرقٍ : إحداها : دهريَّةٌ منكرةٌ لوجود الملائكةِ والجنِّ والشياطينِ . والفرقةُ الثانيةُ : فرقةٌ من الصابئينَ والفلاسفةِ أثبتوا الملائكةَ، وزعموا : أنها جواهرُ عقليَّةٌ أحياءٌ بأنفسها ، لا يجوزُ عليها الموتُ(١) وقد حكى أهلُ المقالات : أن أفلاطنَ وأتباعَهُ من الفلاسفة زعموا : أن عالماً عقليّاً ليس هو عالَمَ الحسِّ الذي نراه من الفَلَكِ وما حواه ، وأن الذين فيه أحياؤهم جواهرُ بسائطُ غيرُ مركّبةٍ (٢)، وهي أحياءٌ بأنفسها، مُدبِّرةٌ لِمَا بالهاء ، وكذلك الأنثى يقال لها : نعامة ) . (١) انظر ((تهافت الفلاسفة)) (ص٢٢٤)، و((معيار العلم)) (ص٣٨٩). (٢) وهي المعروفة بالجواهر الروحانية . 00000 1 100000 في هذا العالم ، وهي كلُّها ملائكةٌ لا يجوزُ عليها الموتُ ؛ لأنها أحياءٌ بأنفسها(١) وقالوا : ليس في عالم الحسِّ منها شيءٌ إلا النفسُ الناطقةُ، وهي تُدبِّرُ بعضَ ما فيه ، وباقي تلك الجواهرِ العقليّة تُدبّرُ عالمَ الحسِّ وليست فيه . والفرقةُ الثالثةُ : قومٌ من المعتزلة أثبتوا الملائكةَ ، وأجازوا عليها الموتَ والإحياءَ بعد الموت ، وأنكروا ما يثبتُهُ المسلمونَ من وجود الجنِّ والشياطينِ في البراري ، ورؤية بعضٍ الناس لهم في بعض الأحوال . وكان النظّامُ يتديَّنُ بهذا ولا يظهرُهُ ؛ خوفاً من السيف عند ظهورِ ضميرِهِ في هذا الباب . 00000 وحكى الجاحظُ في كتاب (( الحيوان )) عن النظّام أنه قال : ( قد يكونُ في النهار ساعاتٌ تُرَىُ فيها الشخوصُ الصغيرةُ في المَهامِهِ عِظاماً ، وتوجد فيها الأصواتُ الخافضةُ رفيعةً ، ويوجد لأوساط الفيافي والرمالِ في أنصاف النهار مثلُ الدويِّ من طبع ذلك الوقتِ وذلك المكانِ عندما يَعرِضُ له )(٢) قال : ( وزعم أن الذي تَذْكرُ الأعرابُ من عزيفة الجنِّ وتغوُّلِ الغِيلان ليس له حقيقةٌ(٣)، وأن الأصلَ فيه: أن القوم لمَّا نزلوا بلادَ الوَحْش عملت فيهم الوَحْشةُ، ومن انفردَ وطال مُقامُهُ في الخلاء والبُعد من الإنس .. (١) انظر ((معيار العلم)) (ص ٣٨٨ - ٣٨٩). (٢) انظر ((الحيوان)) (٢٤٨/٦) . (٣) العزيفُ: أصوات الجنَّ ولعبهم، وتغوُّلُ الغيلان: تلوُّنُهم للناس ألواناً وترائيهم لهم ؛ لتضلَّهم عن طرقهم وتهلكَهم. انظر ((العين)) (٣٦٠/١)، و((تهذيب اللغة)) (٨ /١٧٠ ). OO000 A 00000 KYO استوحشَ، والوحدةُ لا تُقطعُ أيامُها إلا بالمُنى والتفكُّرِ ، والفِكرُ ربما كان من أسباب الوسوسة ، فإذا توحَّشَ الإنسانُ واستوحشَ فربَّما تمثَّلَ له الشيءُ الصغيرُ في صورة الكبير، [وتفرّق] ذهنُهُ(١)، وانتقضت أخلاطُهُ، فرأى ما لا يرى ، وسمع ما لا يسمعُ، وتوهَّمَ الشيءَ على خلاف ما هو به ، ثمَّ جعل ما تَصوَّرَ له من ذلك شِعراً وحديثاً يتوارثُهُ قومُهُ . فإذا نشأ عليه الناشئُ منهم ازدادَ به إيماناً ، حتى إذا توسّطَ وحدَهُ مَهْمَهاً في ليلةٍ ظلماءَ ، وسمعَ صوتَ بُومٍ أو نحوِهِ .. ظنَّهُ [غُولاً، فعند ذلك يقول : رأيتُ الغيلانَ، وكلَّمتُ السَّعلاةَ])(٢). (١) ما بين المعقوفين في (أ): (ودق)، وفي (ب): (وبرق)، وفي (ج) : (ويرق)، والمثبت من كتاب ((الحيوان)) (٢٤٩/٦). (٢) ما بين المعقوفين مثبت من كتاب ((الحيوان)) (٦/ ٢٥٠) بتصرف . وثَمَّ سقطٌ في الكلام نيَّةَ عليه ناسخ ( أ) في الهامش فقال: ( سقط من الأصل ) ذهب معه تتمة هذه الفائدة ، وثلاثُ فوائد ترجم لها في أول الكلام على اسمه ( المحيي ) ، وجزء من الفائدة التي تليها ، والفوائد الثلاث هي: الكلام في الآجال ، والكلام في المقتول ، والكلام في إماتة مَنْ علم الله أنه لو أبقاه لآمن وتاب. انظر (٦٥٠/٢)، والكلام الساقط منها ليس في ( ب ، ج ) أيضاً . وإتماماً للفائدة إليك كلامَ المصنف في هذه المسائل من كتابه (( أصول الدين )) ( ص١٤٢) وما بعدها ؛ قال رحمه الله تعالى : ١ ١ ١ ٠ ١ ( أجمعَ أصحابُنا : على أن من مات حتفَ أنفه أو قتل .. فإنما مات بأجله الذي جعله الله عزَّ وجلَّ أجلاً لعمره ، والله قادرٌ على إبقائه والزيادة في عمره ، لكنه إذا لم يبقْهِ إلى مدة لم تكن المدة التي لم يبقَ إليها أجلاً له ، كما أن المرأة التي لم يتزوجها قبلَ موته لم تكن امرأةً له وإن أمكن أن يتزوَّجَها لو لم يمت . واختلفت القدريةُ في هذه المسألة : فقال أبو الهذيل فيها : مثلَ قولنا؛ وهو أن المقتول لو لم يقتل مات في وقت قتله بأجله ؛ لأن المدة التي لم يعشْ إليها لم تكن أجلاً له ولا من عمره . = ٦٨٣00000 00000 KiNGYO = وقال الجبائى أيضاً فيمن علم الله منه أنه يقتل لعشرين سنة : إن الوقت الذي يقتل فيه أجلٌ له ، وهو أجلُ موته ، ولا يجوز أن يكون له أجلٌ آخر إلا على تقدير الإمكان . وزعم الباقون من القدرية : أن المقتول مقطوعٌ عليه أجله ، فجعلوا العباد قادرين على أن ينقصوا ممَّا أجَّلَهُ الله عزَّ وجلَّ ووقَّتَهُ ، ولو جاز ذلك لجاز أن يزيدوا في أجل من قضى الله له أجلاً محدوداً ، وإذا لم يقدروا على الزيادة في أجل آخر لم يقدروا على النقصان منه . فأما قولُ نوح عليه السلام: ﴿وَيُؤَخَّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىَ﴾ [نوح: ٤] فإنه لم يقل : ويؤخركم إلى أجل لكم ، ونحن لا ننكر إمكان البقاء إن لو لم يمت المقتول ، ولكنَّا قلنا : إن المدة التي قُتِلَ قبلها لم تكن أجلاً له ) . ثم قال : ( ومن فروع هذه المسألة : اختلافُهم في المقتول : هل هو ميت أم لا ؟ وقد زعم الكعبي : أن المقتول غيرُ ميت ؛ لأن الموتَ من قِبَلِ الله ، والقتلَ من قِيَلِ القاتل . وقال أكثرُ القدرية : المقتولُ ميت ، وفيه معنيانٍ : أحدُهما : موتٌ من فعل الله عزَّ وجلَّ . والثاني : قتلٌ هومن فعلِ القاتل وقال أصحابُنا : القتلُ غيرُ الموت ، ولكن المقتولَ ميتٌ، والموت قائمٌ به، والقتلُ يقوم بالقاتل . ومن فروعها أيضاً : الشهادةُ . وقد زعمت القدريةُ : أنها الصبرُ على ألم الجراح ، والعزمُ على ذلك قبل وقوعِهِ ، ومنعوا تسميةً قتلِ الكافر للمؤمنين شهادةٌ . وقالت الكرامية : الشهادةُ : أن يصيبَ المؤمنَ من البلاء ما يوجبُ تكفيرَ ذنوبه كلِّها إذا لم يكن من الصِّدِّيقين ؛ لأن الصِّدِّيق لا يحتاجُ إلى تكفير ذنبه . وقال أصحابُنا : من قتل مظلوماً أو مات من بعض الأمراض المخصوصة ؛ كالحريق والغريق وموت المرأة في طَلْقِها ونحوٍ ذلك .. فهو شهيد ، ولو كانت الشهادة في تكفير الذنوب لم يكن مَنْ لا ذنب له شهيداً وإن قتلَهُ الكفرة في حربها . وإذا صحَّ لنا أن الشهادةَ ما ذكرنا فالشهداءُ عندنا نوعانِ : = COO٦٨ ٠ 00000 TODAY PAYO [ الكلامُ في السارقِ إذا قُطْعَتْ يدُهُ ثم تابَ ، وفي الكافرِ إذا قُطِعَ عضوٌ من أعضائِهِ ثم آمنَ ثم ماتَ ؛ ماذا يكونُ حكمُ المقطوعِ منهُ بعدَ الإحياءِ ] [واختلفوا في الأعضاء المقطوعة من الإنسان: فقال أصحابُنا : إنها في الآخرة مردودةٌ على أصحابها ؛ فالكافرُ الذي قد = أحدُهما : شهيدٌ يغسَلُ ويُصلَّى عليه؛ وهو الذي ماتَ حتفَ أنفه موتاً يوجبُ له الشهادةَ ، أو جرحَ في قتال الكفرة أو أهل البغْي وماتَ في غير المعركة . والثاني : شهيدٌ مقتول في المعركة ؛ فقد أجمعوا على أنه لا يغسَّلُ، واختلفوا في الصلاة عليه : فقال الشافعيُّ : لا يُصلى عليه . وقال أبو حنيفةَ : بالصلاة عليه ) . ثم قال رحمه الله تعالى في مسألة الأرزاق وتقديرها : ( زعمت القدرية : أن الله عزَّ وجلَّ لم يقسم الأرزاق إلا على الوجه الذي حكم به ؛ من استحقاق المواريث ، وما فرض من سهام الصدقات لأهلها ، وما فرض من الغنائم لذوي القُربى ومن ذكر معهم . وزعموا : أن الإنسان قد يفوتُهُ ما رزقَهُ الله عزَّ وجلَّ، وأنه قد يأكلُ رزقَ غيره إذا غصب شيئاً وأكله ، وأجازوا أن يزيد الرزق بالطلب ، وينقص بالتواني . وقال أهل الحق : أن كل من أكل شيئاً أو شربَ فإنما تناول رزقَ نفسه حلالاً كان أو حراماً ، ولا يأكل أحدٌ رزقَ غيره . ويجب على القدرية في قود أصلها : أن يقولوا فيمن غصب جاريةٌ فأولدها بالحرام ولداً ، وسقى ذلك الولد ألباناً مغصوبة حتى نشأ ، ثم أطعمه بعد ذلك من الحرام إلى أن بلغ ، وصار لصّاً ، فلم يأكل ولم يشرب طول عمره إلا من الحرام ، ثم مات على ذلك : إن الله ما رزقَهُ شيئاً! وكذلك الدابةُ من نتاج مغصوبٍ ؛ إذا لم تأكل من غير الحرام لم یکن الله رازقاً لها عندهم ا وهذا خلافُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]). CHON ٦٨٥٠٠٠٠ قطعت] يدُهُ(١)، ثمَّ آمنَ وأُدخِلَ الجنَّةَ .. رُدَّتْ عليه يدُهُ التي قُطِعتْ في حال كفره ؛ لأن المؤمنَ والكافرَ ليسا هما اليدَ والرجلَ (٢) وقال الكعبيُّ : تُجعَلُ يدُ المؤمن التي قُطِعتْ وهو كافرٌ لمن قُطِعتْ يدُهُ فمات مؤمناً ، لا يجوز غير ذلك ، فإن لم يتَّفَقْ ذلك جُعِلتْ يدُ المؤمن زيادةٌ في جسمٍ مؤمنٍ ، وكذلك يدُ الكافر تُجعَلُ زيادةً في جسم كافرٍ ، لا على صورةٍ يدٍ ثالثةٍ (٣)، وكذلك قوله في السِّمَنِ وزواله بالهُزال. (١) ما بين المعقوفين ليس في جميع النسخ، وهو مفادٌ من كلام الإمام المصنف في ((أصول الدين)) ( ص٢٦١) . (٢) حكاه الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) ( ص٢٥٢) عن قوم من المعتزلة ، ولعله عباد بن سليمان الصيمري ؛ فقد وافق أهل السنة في هذه المسألة ، كما نبه عليه الإمام المصنف في (( أصول الدين)) ( ص٢٦١). وأما مذهب الإمام الأشعري: فهو ما حكاه الأستاذ ابن فورك في (( مجرد مقالات الأشعري )) ( ص ١٤٥): (وكان يقول فيمن قُطعِتْ يدُهُ وهو مؤمن ثمَّ كفر، أو قُطِعتْ يدُهُ وهو كافر ثمَّ آمن مثلَ ذلك : إنه يجوز أن تُوصَلَ بصاحبها فتدخلَ النارَ أو الجنة ، وجائز ألا تعادَ ، وتُخلقَ له يد أخرى ) . ثم قال الأستاذ ابن فورك : ( وأصل هذا الكلام : هو راجع إلى تحقيق معنى المأمور والمنهي ، والمطيع والعاصي ، والحي القادر : فمن جعل الحكم للجزء الذي قامت به الحياة والقدرة .. أفرد للأجزاء حكمه ، فيكونُ محلُّ الكافر النار ، ومحلُّ المؤمن الجنة . ومن جعل الحكم للجملة من أصحابنا .. أجاز أن توصل به يده ، وأجاز أن توصل يد الكافر بالمؤمن ، ويد المؤمن بالكافر ، وأجاز ألا تعاد أيضاً ، فيُمَّمُ الخِلقتان بغير ذلك ؛ إذ لا حكم للأبعاض عندهم ؛ إذ الجملة هي الحية القادرة المأمورة المنهية ) . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٥٢)، و((أصول الدين)) للإمام المصنف (ص٢٦١)، والعبارة فيه: ( يد المؤمن التي قطعت في حال كفره قبل الإيمان لمن مات كافراً بعد قطع يده مؤمناً ، ويجعل يد هذا لذلك على البدل ، فإن لم يتفق البدل= وقال أبو هاشم : يجوزُ أن تعادَ له تلك اليدُ بعينها ، ويجوزُ أن تُبْدِلَ بأخرى . [ الكلامُ في الشهادةِ في القتلِ وحكمِها ] وأما الكلامُ في الموت على الشهادةِ والإماتة عليها : فمبنيٌّ على القول في معنى الشهادة ، وقد اختلفوا فيها : فقالت القدريَّةُ معتزلةُ الحقِّ : إن الشهادةَ هي الصبرُ على ما يَنالُ الإنسانَ ؛ من ألم الجراحِ والسقوطِ والغَرَقِ والهَدَمِ ونحوه ، وأنكروا أن تكونَ الشهادةُ راجعةً إلى قتل الكافر للمؤمن . وقالوا : لو كانت الشهادةُ ذلك لكان المؤمنون يتمثّونَ المعصيةَ إذا تمنَّوًا الشهادةَ ؛ لأن قتلَ الكافر للمؤمن معصيةٌ(١) وقال أصحابُنا : إن قتلَ الكافرِ للمؤمن شهادةٌ ، وموتَ المؤمنِ تحت الهدم وفي حَرَقٍ أو غَرَقٍ شهادةٌ ، وكذلك موتُ المرأة بجُمْعٍ(٢)، وفي علَّة = في ذلك جعلت يد الذي قطعت يده مؤمناً ثم كفر زيادةً في جسم مؤمن مات مؤمناً ، لا على أن يكون يداً ثالثة له ، ولكن زيادة في بدنه ، وكذلك يد قطعت من كافر ثم أسلم يصير زيادة في جسم كافر مات على كفره ) . (١) وحكى الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين» (ص٢٥٨) عن المعتزلة أربعة أقوال في معنى الشهادة ، منها هذا القول . (٢) يعني : تموت وفي بطنها ولد، أو تموت من الولادة ؛ يقال: ماتت بجُمْع ؛ أي : حاملاً أو غير مطموثة ، والجُمْعُ : بضم الجيم بمعنى المجموع ؛ كالزُّجْر بمعنى المزجور ، وكسرَ الكسائي الجيم. انظر ((فيض القدير)) (١٧٨/٤). البطنِ ، وفي الغُربَة ، وفي سائر ما وردَ به الخبرُ بتسمية الموت عليه شهادةً . والرجوعُ في هذا كلِّهِ إلى الأخبار الصحاح فيها (١) فأما تَمِنِّي المؤمنين الشهادةَ : فلاعتقادهم أن الموتَ لا يخلقُهُ القاتلُ ، ولا يقدرُ عليه أحدٌ إلا اللهُ عزَّ وجلَّ، فيتمنَّونَ أنه إذا أماتَهم أماتَهم على وجهٍ يكونُ لهم في موتهم أجرُ الشهداءِ . وليس إذا تمنَّى المؤمنُ أن يقتلَهُ كافرٌ وجب أن يكونَ مُتمنّاً للمعصية ؛ لأن الموتَ عَدْلٌ من الله عزَّ وجلَّ، فيسألُهُ أن يفعلَهُ عقيبَ فعلِ يقعُ من الكافر في نفسه(٢) ، وليس الموتُ معصيةً، وكيف وقد سأل موسى عليه السلام ربَّهُ أن يطمسَ على أموال قوم فرعونَ ، وأن يَشُدَّ على قلوبهم ، ولا يجوزُ أن يكونَ قد سألَ معصيةٌ ؟!(٣) OO 00 (١) روى أبو دواد (٣١١١)، والنسائي (١٣/٤)، وابن ماجه (٢٨٠٣) من حديث سيدنا جابر بن عتيك رضي الله عنه - في خبر طويل - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله : المطعونُ شهيد ، والغَرِقُ شهيد ، وصاحبُ ذات الجَنْبِ شهيد، والمبطونُ شهيد، وصاحبُ الحريق شهيد ، والذي يموت تحت الهدم شهيد ، والمرأةُ تموت بجُمْعٍ شهيد )) . (٢) روى الحاكم في ((المستدرك)) (٧٧/٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٠٨/١): أن سيدنا عبد الله بن جحش رضي الله عنه سأل الله تعالى ودعاه يوم أحد فقال : اللهم ؛ ارزقني غداً رجلاً شديداً حرده ، شديداً بأسه ، أقاتله فيك ويقاتلني ، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني ، فإذا لقيتك غداً قلت : يا عبد الله ؛ فيمَ جُدعَ أنفك وأذنك ؟ فأقول : فيك وفي رسولك ، فيقول : صدقت . (٣) قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَمُ زِينَةٌ وَأَنْوَلًا فِى الْحَوَةِ الذُّنَاْ رَبَّنًا لِمُسْلُواْ عَن سَبِيلِكْ رَبَّنَا أَلْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّ يَرُواْ الْعَذَابَ = CLON وهذا قولٌ من ركبَهُ .. نسبَ إلى الأنبياء الكفرَ والعصيانَ ، والحمد لله على العصمة عن بدعة القدريَّة وغيرها ، والله تعالى أعلم بالصواب . O o 00000 اٌلْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، والعذاب الأليم في الآية: الغرق، وليس سؤال الشدِّ على قلوبهم لذاته ، بل ليحصل لهم أشدُّ انتقام من الله تعالى ، ووقع في السورة نفسها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونٌ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَّا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦-٩٧]، فعلم سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام بطول صحبتهم وتجربته لهم أنهم لا يؤمنون ، فهو كلعن إبليس مع علمنا بلعنه ، وقيل غير ذلك . x ara CON 0 DO ذكر معنى (المعيد) من أسمائه عز وجل أجمعَ المسلمون : على أن الله عزَّ وجلَّ هو المبدئُ والمعيدُ ؛ ﴿ يَبْدَؤُّأ اْخَلَقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤]. واختلفوا في تأويل ذلك : فقال الجمهورُ : يُبدِىُّ الخلقَ بإيجاده أوَّلاً لا على مثالٍ سبقَ، ويعيدُهُ بعد إفنائه إيَّاهُ كما كان قبل الفَناءِ . ومنهم من قال : يُبدِىُّ الأبدانَ ويعيدُها تارةً بعد تارةٍ ؛ توكيداً للحجَّةِ . وقلنا بالفائدتين ، وحملنا الإعادةَ على المعنيينِ . وأصلُ الإعادة : من العَوْدِ ، وفي الحديث : ( إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يحبُّ الرجلَ القويَّ المُبدئَّ المعيدَ على الفرسِ المُبدِئِ المعيدِ )(١) ؛ قال أبو عبيد : ( هو الذي أبدأ في غزوةٍ وأعاد ؛ أي : غزا مرةً بعد مرةٍ )(٢) والفَرَسُ المبدئُّ المعيدُ : هو الذي قد رِيضَ وأُدِّبَ ، يصرفُهُ الفارسُ كيف شاء، لا يمنعُهُ ركابَهُ ، ولا يجمعُ عليه(٣) حـ أورده الهروي فى «الغريبين) (٤ /١٣٤١) . (١) (٢) انظر ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (٤٤/٣). (٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (٨٣/٣)، و((الغريبين)) (١٣٤١/٤). 00000 19 00000 00000 وقيل : هو الذي غزا عليه صاحبُهُ مرةً بعد مرةٍ(١) وفي بعضٍ الأخبار : ( الزمُوا تقوى الله واستعيدوها ) ؛ أي : اعتادوها(٢)، ويقال للشجاع: بطلٌ معاودٌ؛ لاعتياده القتالَ مرةً بعد ( (٣) أخرى وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿لَرَاتُكَ إِلَى مَعَادٍ ﴾ [القصص: ٨٥] أراد به: مبعثَهُ، ومَّةُ : معادُ الحجيج ؛ لأنهم يعودون [إليها] (٤) وقولُهُ عزَّ وجلَّ في الحكاية عن قوم شعيب أنهم قالوا له : ﴿ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآَ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] (٥) . فقد قيل : معناه : أو لتصيرُنَّ في ملَّتنا ؛ لأن شُعيباً ما كان على الكفر قط ؛ من قولهم: عادَ عليَّ من فلان مكروهٌ؛ أي: صار منه إليَّ مکرون (٦) وقيل : إنهم خاطبوا شعيباً وأرادوا به الذين آمنوا معه ، فإنهم كانوا كفاراً قبل إيمانهم به ، فأرادوا عَوْدَهم إلى ما كانوا عليه(٧) وإذا صحَّ ما قلناه في معنى الإعادة : (١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٨٣/٣)، و((الغريبين)) (١٣٤١/٤). (٢) انظر ((العين)) (١٨/٢)، و((الغريبين)) (١٣٤١). (٣) انظر ((الغريبين)) (٤ /١٣٤١). (٤) انظر ((الغريبين)) (١٣٤٠/٤)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( إليه ). (٥) وتمام الآية: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِ لَنُخْرِحَتَّكَ يَشُعَيْبُ وَإِلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ ... ﴾. (٦) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٥٥/٢)، و((الغريبين)) (١٣٤٠/٤). (٧) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٥٥/٢). ٠٥٥٥ ٦٩١ فقد أجمع أصحابُنا : على أن الله عزَّ وجلَّ يعيد الأحياءَ كلَّهم يوم الحشر ، كما بيَّنَّه قبل هذا في تفسير ( المحيي )(١) [ اختلافُهم في جوازِ إعادةِ الأعراضِ ] وأجمعوا : على أنه قادرٌ على إحياء الأجسام ، وعلى إعادتها بعد الفناءِ ، واختلفوا في جواز إعادة الأعراضٍ : فقال شيخُنا أبو الحسن رحمه الله : (تصحُّ إعادةُ الأعراض كلِّها كما تصحُّ إعادةُ الأجسام )(٢) وقال أبو العباس القلانسيُّ: ( إنما تصُّ إعادةُ الأجسام ؛ لأن المُعادَ يعادُ لمعنىّ يقومُ به ، فلا تصحُّ إعادةُ الأعراض ؛ لاستحالة قيام معنىّ بها بحالٍ )(٣) (١) انظر (٢ /٦٥٥). (٢) قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١١١) يحكي مذهب الإمام الأشعري في إعادة الأعراض : ( كان لا يأبى القول بجواز إعادة الأعراض كلُّها، ونصَّ على ذلك في كتابه ((الموجز)) وقال: (( كما يجوز إعادة الجواهر يجوز إعادة الأعراض كلها )))، ثم قال الأستاذ ابن فورك: ( وكان لا يراعي في ذلك ما يبقى منها دون ما لا يبقى )، وقال (ص١٢٢): ( لأن الدليل على إعادة الأجسام هو الدليل على إعادة الأعراض ) . (٣) انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص٢٣٤)، وقال الإمام الآمدي في ((أبكار الأفكار)» (٢٤٩/٤): (واختلفوا في إعادة الأعراض : فمنهم من منعَ منها ؛ لأن المُعادَ عنده مُعادٌ لمعنىّ، فلو عادت الأعراضُ لعادت لمعنىّ ، ويلزمُ منه قيامُ العرض بالعرض ، وهو محال . وذهبَ أكثرُهم وإليه ميلُ شيخنا : إلى جواز إعادتها مطلقاً ). 00000 ٦٩٢ 00000 وهذا مبنيٌّ على الخلاف في إحياء الأجسام بعد موتها : وكلُّ من أنكرَ إحياءها .. أنكرَ إعادةَ الفاني بعد فنائه(١) وكلُّ من أقرَّ بإحياء الأجسام [بعد] موتها(٢) .. أقرَّ بجواز إعادة الأجسام أن لو أفناها الله(٣) إلا الكراميَّةَ فإنهم زعموا : أن الله عزَّ وجلَّ إذا أعدمَ جسماً أو عرضاً ، ثمَّ أراد الإعادةَ .. فإنما يخلقُ مثلَهُ، ولا يكونُ الذي خلقَهُ ثانياً الذي خلقَهُ أوَّلاً (٤) وأحال الجاحظُ فناءَ الأجسام ، فالكلامُ في إعادتها محالٌ(٥) واختلف الباقون من المعتزلة في إعادة الأعراضٍ : (١) والمنكرون المعاد الجسماني: هم الدهرية والفلاسفة والتناسخية وبعض عبدة الأصنام وطوائفُ غيرهم. انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص٢٣٢)، و((أبكار الأفكار )) ( ٤/ ٢٦١ ) . (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( و) . ( إذ) بدل ( أن )، وإلى هذا القول ذهب أكثر المسلمين ، وخالف في ( ب ، ج ) : (٣) في ذلك عباد بن سليمان فقال : ( لا أقول: المُعادُ هو المُبتدَأ ، ولا أقول : هو غيره). انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٣٧٥). (٤) انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص٢٣٤)، وقال: ( وتأوَّلوا ما في القرآن من إعادة الخلق على معنى أنهم يُركَّبون ثانياً ، وأجسامهم لم تعدم ، وإنما تفرَّقت أجزاؤهم ، وتركيبها ثانياً هو الإعادة ، وكفَّرتهم الأمة كلها في هذا؛ لأنه ليس ما ذهبوا إليه قولاً لأحد من سلف هذه الأمة ) ، وفي علة التكفير تأقُلٌ . (٥) حكاه عنه ابن الراوندي ، وبه قال قوم من الكرامية. انظر ((أصول الدين )) للمصنف ( ص٢٣٠ ). وهو٥ ٦٩٣ ٢٨٥ فمنهم من قال : كلُّ ما جاز منها عليه البقاءُ جاز أن يُعادَ ، وما لم يَجُزْ بقاؤه منها فلا تصحُّ إعادتُهُ(١) وقال أبو الهذيل : كلُّ ما لا تُعرَفُ كيفيَتُهُ فلا يعادُ، وكلُّ ما تُعرَفُ كيفيُهُ فجائزٌ أن يعادَ(٢) وقال الجبائيُّ : ما لا يبقى من الأعراض فلا تجوزُ إعادتُهُ ؛ سواءٌ كان من فعلِ الله عزَّ وجلَّ أو فعلِ العبادِ ، وما جاز بقاؤه يُنظر فيه : فما دخلَ منه في مقدور العبادِ أو كان من جنسه .. فلا يُعادُ، وما لم يكن من جنس مقدورهم .. صحَّتْ إعادتهٌ(٣) وأجاز ابنه أبو هاشم : إعادةَ جميع الأعراض ، إلا ما يستحيلُ عليه البقاءُ وكان من مقدور العبادِ ، ولا يستحيلُ عنده إعادةُ ما هو من جنسٍ مقدورِ العباد إذا كان من فعلِ الله عزَّ وجلَّ . (١) وهو قول جعفر بن حرب الإسكافي من المعتزلة. انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص٣٧٤) . (٢) وحكى الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٧٤) عن أبي الهذيل عكس هذا القول فقال: (وقال قائلون : ما لا نعرفُ كيفيّه ؛ كالألوان ، والطعوم ، والأرابيح ، والقوة ، والسمع ، والبصر ، وما أشبه ذلك .. فجائزٌ أن يعاد ، وما يعرفُ الخلقُ كيفيّه ؛ كالحركات والسكون ، وما يتولد عنها ؛ كالتأليف والتفريق والأصوات وسائر ما يعرفون كيفيَّته .. فلا يجوز أن يعادَ، وهذا قول أبي الهذيل ) ، وهو الصواب، بل على هذه الصورة نقله المصنف في ((أصول الدين)) ( ص٢٣٤) حيث قال : ( وقال أبو الهذيل : كل ما أعرف كيفيته من الأعراض فلا يجوز أن يعاد ، وكل ما لا أعرف كيفيته فجائز أن يعاد ) . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٣٧٤). ٦٩٤/٥٥٥٥٥ 000000 ومنع الكعبيُّ : إعادةَ جميع الأعراض كما منع بقاءها ، وقال : بقاؤها محالٌ(١) وإعادتُها صحيحةٌ ، كما صحَّ ابتداؤها؛ لأن الإعادةَ ابتداءٌ ثانٍ(٢)، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم . V. ٢٠٧ (١) انظر ((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص ٢٤٠)، وما تقدم (١ /٦٨٤ ) . (٢) وبهلذا استدلَّ الإمام الأشعري في ((اللمع)) ( ص٢١)، وقال: ( وقد قال عز وجل : ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلَّا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ قَالَ مَن يُخِي الْمِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْبِيِهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَلَ مَرَّةٌ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ -٧٩]). COO00 DO TODAY.Y ذكر معنى (الملك) و(المالك) و(المليك) و(ماكن الملك) في أسماءالله عز وجل أجمع المسلمون على صحّة وصفِ الله عزَّ وجلَّ : بأنه مَلِكٌ ، ومَليكٌ ، ومَلْكٌ ؛ بسكون اللام ، ومالكٌ . وقد قال المبرِّدُ : ( إن جمعَ المَلِكِ في الكثير : ملوكٌ ، وفي القليل : أملاكٌ ، وجمعَ المالك : مالكونَ ومُلَّاكُ ومُلَّكٌ ؛ بضمِّ الميم وتشديد اللام ، وجمعَ المَلْكِ ؛ بسكون اللام وفتح الميم : أملاكٌ، وجمعَ ٥ المَليك : مُلَكَاءُ ) . ويقال : مَلِكٌ بَيِّنُ المُلْكِ، ومالكٌ بَيِّنُ المِلك(١) وأصلُ هذا كلِِّ في اللغة مأخوذ من قولهم : مَلَكْتُ العجينَ وأملكتُهُ ؛ إذا أنعمتُ عجنَهُ ؛ قال الفرَّاءُ : ( يقالُ للعجين إذا كان متماسكاً [متيناً: مملوكٌ] ومُمَلَّكٌ )(٢) (١) قال الأخفش في ((معاني القرآن)) (٢/ ٥٩٠): (تقول: مَلِكٌ بَيِّنُ المُلْكِ ؛ الميم مضمومة ، وتقول : مَالِكٌ بَيِّنُ المَلْكِ والمِلْكِ ؛ بفتح الميم وبكسرها ، وزعموا : أن ضم الميم لغة في هذا المعنى)، وانظر ((الغريبين)) (٦/ ١٧٧٥ ). (٢) أورده الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (١٥٢/١٠)، ورواه الهروي في ((الغريبين)) (١٧٧٥/٦ - ١٧٧٦)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: (متين ومملوك)، والمثبت من ((تهذيب اللغة))، ويجوز تخفيف اللام من ( مُمَلَّك). XYa 00000 79 7 00000 CON ويقال للمرأة : أَمْلِكي عجينَكِ، وأَمْلِكِيه ومَلِّكِيه(١) ومن هذا قول عمر : ( أملكوا العجينَ ؛ فإنه أحدُ الرَّيْعَيْن)(٢) فـ ( المَلِكُ) على هذا التفسير : هو الذي يحوزُ الشيءَ ، ويستولي عليه ، ويصرِّفُهُ كما يريد ؛ تقول العربُ : مَلَكْتُ زِمامَ امرأتي ؛ أي : تَصرُّفي كيف شئتُ ؛ لأنه يتصرَّفُ به الزوجُ فيها ؛ يقالُ منه : أملكَ المرأةَ يُمْلِكُها إملاكاً ؛ إذا أصدقَها صداقاً (٣). والله سبحانه وتعالى هو الذي يفعلُ في عباده ما يشاء ، فلذلك قال : ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. والمَمْلَكُ بفتح اللام : من المُلْكِ . والمَمْلُكُ بضمِّ اللام(٤): الوسطُ ؛ ومنه قولُ أنس : ( البصرةُ [إحدى] المؤتفكات ، فانزل في ضواحيها وإيّاك والمَمْلُكةَ)(٥) وقد يكون المُلْكُ بضمِّ الميم بمعنى : العهد ؛ كقوله عزَّ وجلَّ : (١) انظر ((الغريبين)) (١٧٧٦/٦)؛ يقال: ملكتُ العجين مَلْكاً، من باب ضَرَبَ؛ شددته وقويته . (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ( ٥٣٨٣)، ووقع في مطبوعته: ( الربعين ) بالباء ، وهو تصحيف، والرَّيْعَين: قال أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (٣٢٩/٣): ( الزَّيْعُ : الزيادةُ؛ فالريعُ الأوَّل: الزيادةُ عند الطَّخْن، والرَّيعُ الآخرُ: عند العجن). انظر (( تهذيب اللغة)) (١٠ /١٥٠). (٣) كذا ( المملُك) بدون هاء في آخرها؛ والذي في ((التهذيب)): ( المَمْلُكَةُ). (٤) (٥) أورده الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (١٥٢/١٠)، والهروي في ((الغريبين)) (١٧٧٦/٦)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( أحد) . ٦٩٧٠ 000 ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ أي: على عهده(١) [ اختلافُهم في قراءةِ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾] واختلفوا في قراءة: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدّينِ﴾ من (الفاتحة ) على سبعة أوجه : أحدُها : ( مَالكِ ) بإثبات الألف وجرّ الكاف على النعت . وبه قرأ : يعقوبُ الحضرميُّ، وخلفُ بن هشام البزَّارُ ، وعاصمُ بن أبي النَّجُود، وسليمانُ الأعمشُ ، وهي الروايةُ المشهورةُ عن الكسائيِّ(٢) 000 ورُويَ مثلُ ذلك عن : طلحةَ ، والزبيرِ ، وسعدٍ بن أبي وقّاص ، وعبدٍ الرحمن بن عوف ، وابن مسعود ، ومعاذِ بن جبل ، وابنِ عباس ، وأبي هريرةَ ، وأبي الدرداءِ ، وأنسٍ بن مالك(٣) (١) وتكون (على) حينئذ بمعنى (في). انظر ((تفسير الطبري)) (٤١١/٢)، و ((الغريبين)) (١٧٧٥/٦). (٢) انظر ((معاني القراءات)) للأزهري (ص١٠٩)، قال الإمام الجزري في (( النشر في القراءات العشر))٢٧١/١): (اختلفوا في ﴿ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: فقرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف : بالألف مداً ، وقرأ الباقون : بغير ألف قصراً ) . (٣) روى ابن أبي داود في ((المصاحف)) (ص٢٢٩) عن الزهري : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: ﴿مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وأبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وأبيَّ بن كعب ، وابن مسعود ، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم ) ، وانظر ((الكشف والبيان)) (١١٢/١)، وذكر الثعلبي فيه (١١٣/١) أن سيدنا أبا الدرداء رضي الله عنه قرأ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. 00000 194 00000 CON ٢٠٧١ وقرأ به من التابعينَ : عمرُ بن عبد العزيز ، والزهريُّ ، وعلقمةُ بن قيس ، والأسودُ بن يزيد ، وأبو عبد الرحمن السلميُّ ، وقتادةُ بن دِعامةَ ، وأبو رجاءِ العُطَارِدِيُّ، وبكرُ بن عبد الله المزنيُّ، وسعيد بن جبير، والحسنُ البصريُّ، ومحمدُ بن سيرينَ ، وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ ، وأبو رَزِين ، وطلحةُ بن مُصَرِّف(١) واختار هذه القراءةَ من النحويينَ : عيسى بن عمرَ الثقفيُّ ، ويحيى بن يَعْمَرَ، وأبو عبيدةَ معمرُ بن المثنَّى، وأبو الحسن سعيدُ بن مَسْعدةَ الأخفشُ، وأبو حاتم السِّجِسْتانيُّ ، وأحمدُ بن يحيى المعروف بثعلب(٢) واستدلَّ الأخفشُ على صحّة هذه القراءة : بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]، وقال: (وفي هذا دليلٌ أن الله عزَّ وجلَّ هو المالكُ وحدَهُ يومَ الدِّين ) . O واستدلَّ الفرّاءُ على هذه القراءة : بما رواه هو عن حازم بن الحسين البصريِّ ، عن مالك بن دينار ، عن أنس قال : ( قرأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمرٌ وعثمانُ: ﴿مَلِكِ﴾ بالألف)(٣) والوجهُ الثاني : ( مَلِكِ ) بحذف الألفِ وكسر اللام والكاف على النعت ؛ قال أبو عبيد القاسمُ بن سلام : ( هي قراءة أهلِ الحرمينِ ؛ منهم : انظر ((الكشف والبيان)) (١١٢/١-١١٣). (١) (٢) انظر ((الكشف والبيان)) (١١٣/١). (٣) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٣٩٣/٥٦)، وروى ذلك عن سيدنا أنس رضي الله عنه ابنُ أبي داود في ((المصاحف)) ( ص٢٢٦). 100000 199 000 CON