Indexed OCR Text

Pages 401-420

فقال أصحابنا : حقيقةُ الظالم: مَنْ قام به الظلمُ(١)
وقالت القدريَّةُ : حقيقةُ الظالم : الفاعلُ للظلم دون من قام به(٢) ،
فأجازوا أن يكونَ الظالمُ غيرَ من قام به الظلمُ ، بل قالوا (٣) : إن الظلمَ يقومُ
ببعض الإنسان ، والجملةَ هي الظالمةُ به .
وهذا السؤالُ ساقطٌ على أصل شيخِنا أبي الحسن الأشعريِّ؛ لأن الظالمَ
عنده محلُّ الظلم دون الجملة (٤)
فأما على قول عبد الله بن سعيدٍ وأبي العبّاس القلانسيِّ ومن تبعهما من
أصحابنا : فإن الظالمَ هو الجملةُ التي قام الظلمُ ببعضها(٥)
ويجوزُ أن يقال : إن الظلمَ قائمٌ بالظالم وإن قام ببعضه ، كما يقال : إن
الساكنَ في الدار ساكنٌ فیها وإن سكن في بعضها
واعترضَتِ القدريَّةُ علينا أيضاً في حدِّ الظلم بأن قالوا : لو كان حدٌّ
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٤٨).
واعلمْ : أن هذه المسألة ترجع إلى أن الفاعل لا يعود إليه من فعله حكم ، ولا يتجدَّد له
بسببه اسم ؛ إذ لو أوجب الفعل لفاعله حكماً لكان الفعل قائماً بالفاعل ، والفاعل عند
أهل الحق ليس إلا الله سبحانه ، وفعله غير قائم به ، فامتنع أن يوجب له حكماً .
وكذا يقال في التسمية ، فكما لا يعود على الفاعل من فعله حالٌ فكذلك لا يعود إليه
بسببه اسم، إلا أن المعتزلة خالفوا في التسمية وإن منعوا من الوصف. انظر ((أبكار
الأفكار )) (٢ / ٣٧٣).
(٢) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٣٤٩-٣٥٠).
(٣) في ( ب، ج) : ( بأن) بدل ( بل ) .
(٤) وكذلك قوله في جميع الأوصاف. انظر (٣٣٨/١).
(٥) انظر (٣٣٨/١).
WATION

الظالم : مَنْ قام به الظلمُ .. لم يَعرِفْهُ ظالماً إلا من عرف الظلمَ حالاً فيه
قائماً به ، ونفاةُ الأعراض يعلمون أن في الدنيا ظالماً ضرورة ، ولا يعرفون
الظلمَ قائماً به .
فيقال لهم : لا يعرفُ الظالمَ ظالماً إلا مَنْ عرفَ قيامَ الظلم به ، فإن
اعتقدَهُ ظالماً ولم يَعرف قيامَ الظلم به .. فذلك الاعتقادُ غيرُ علمٍ (١)
ثم يُعكسُ هذا السؤالُ عليهم فيقالُ لهم : لو كان حدُّ الظالم : من فعلَ
الظلمَ ، وكذلك حدُّ الكافر : من فعلَ الكفرَ .. لوجب ألا يَعرِفَهُ ظالماً كافراً
إلا مَنْ عرفَهُ فاعلاً لظلمه وكفره .
فلمَّا [كانوا] هم وأصحابُنا كلُّهم يَعرفون أن في الدنيا ظالماً
بالضرورة(٢)، ولا يَعرفونَهُ فاعلاً لظلمه مُخترِعاً لكفره .. بطلَ أن تكونَ
حقيقةُ الظالم والكافر : من فعلَ الظلمَ والكفرَ
وكذلك عندهم أن المتكلِّمَ : من فعلَ الكلامَ ، وقد يُعلمُ المتكلِّمُ
بالضرورة مُتكلَّماً عند سماع كلامه ، ولا يُعلمُ بالضرورة أنه فاعلٌ لكلامه .
فبطل بذلك ما اعترضوا به علينا ؛ لأنه مِثلُ ما ألزمونا(٣)
واعترضوا علينا : بأنه لو كان حدُّ الظالم : من قام به الظلمُ .. لوجب أن
يكونَ المشجوجُ والمقتولُ والملطومُ ظالمينَ ؛ إذا كان ما حلَّهم من الشَّجَّةِ
والقتلِ واللطمِ ظُلماً .
-
(١) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٣٥١).
ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( كان ) .
(٢)
(٣) في (ب، ج): ( ألزمناهم ) بدل ( ألزمونا ) .
00000 8. 100000

٧٠٧
فيقالُ لهم : ليس [الظلمُ] الذي به كان لاطماً وشاجّاً وقاتلاً ما حلَّ
بالمقتولِ والمشجوج والملطوم(١)، لكنَّه ما قام باللاطم والشاجِّ [والقاتل]
من الاعتمادات والحركات التي حدث عندها الافتراقُ والضغطةُ في المقتول
أو المشجوج أو الملطوم ، كما أجمعَ الموخِّدون : أن الموتَ الذي يحلُّ
بالمقتول عند جَرح الجارحِ له لا يكون ظُلماً من الجارح ولا من غيره ،
وإنما يكونُ ظلمُ الجارح ما حدثَ فيه من الحركات التي حدثَ عقيبَها تفريقُ
أجزاء المقتول في موته .
واعترضوا أيضاً علينا بأن قالوا : لو كان الظالمُ محلَّ الظُّلم في الجملة ..
لكان الكافرُ أيضاً محلَّ الكفرِ ، والمؤمنُ أيضاً محلَّ الإيمان ، ولو كان
كذلك لجاز أن يكونَ بعضُ الإنسان مؤمناً وبعضُهُ كافراً .
فيقالُ لهم : ليس ما جاز وجودُهُ في المقدور كان جائزاً في الوجود(٢)؛
إذا كان فيه خرقُ العادة ، ألا ترى أن أهلَ العقول قد أجازوا كونَ إنسانٍ
برؤوسٍ وأيدٍ وأرجلٍ وأعينٍ وقلوبٍ يعتقدُ بكلِّ قلب منها دِيناً غيرَ الدين الذي
يعتقدُهُ بالقلب [الآخر]، ومنعوا من وجوده ؛ لِمَا فيه من خرق العادة ؟!
ثم يقالُ لهم : قد يجوزُ عند أهل التوحيد أن يجعلَ الله عزَّ وجلَّ من
الإنسان جُمَلاً يختصُّ في كلِّ واحدٍ منها بدِينِ من الأديان خلافِ الدين
الآخر ، ويوصلَ بعضَها ببعض ، [ولم] يكن جوازُهُ في المقدور مُوجِباً
تصحيحَهُ في الوجود على نقض العادة (٣) ، وقد يجوزُ وجودُ أربعة أولاد في
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( اللطم ).
(٢) يعني : داخلاً في الوجود العيني الخارجي .
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( لم ) .
00000

بطنها وأكثرَ ، ولا يجبُ تصحيحُ كونهم مختلفينَ في الاعتقاد في تلك
الحالة .
وممَّا يدلُّ على إبطال قولهم : إن الظالمَ : من فعلَ الظلمَ ، والكافرَ :
من فعلَ الكفر .. اتفاقُهم معنا - سوى من قال منهم بقول النظام والأسواريُّ -
أن الله عزَّ وجل قادرٌ على أن يخلقَ في قلب العاقل جهلاً به ، والجهلُ بالله
كفرٌ، فيكونُ الله عزَّ وجلَّ فاعلاً له، والكافرُ الجاهلُ به غيرَ [فاعلٍ](١)
وفي هذا نقضُ قولهم في حدِّ الكافر والظالم .
ولأنه لو كان كذلك لكان من عرفَ الله عزَّ وجلَّ في الآخرة بالضرورة غيرَ
مؤمنٍ ؛ لأنه لم يفعل معرفةٌ ولا طاعةً مأموراً بها في الآخرة .
O
O
0
وإذا بطل بهذا أن يكونَ المؤمنُ من فعلَ الإيمانَ .. بطلَ أن يكونَ الكافرُ
من فعلَ الكفر ؛ لأنه لو كان الظالمُ من فعلَ الظلمَ دون من قامَ به .. لكان
الزاني أيضاً من فعلَ الزنى ، ولو كان كذلك لكان من جمعَ بين الرجلِ
والمرأةِ بالقهر على وجهٍ لو اجتمعا عليه طوعاً كانا زانيين(٢) .. يجبُ أن
یکونَ هو الزاني دونهما !
000000
فإن سَمَّوه زانياً .. لزمَهم : إيجابُ حدِّ الزنى عليه، ولزمَهم : إيجابُ
الغُسلِ عليه ! وذلك خروجٌ عن أحكام الملَّةِ .
وإن امتنعوا منه .. نقضوا تحديدَهم الظالمَ : بمن فعلَ الظلم .
(١) ما بين المعقوفين في (أ): (الفاعل)، وسقطت من (ب، ج). انظر ( شرح
الأصول الخمسة)) (ص٣١٣ - ٣١٤)، وانظر (٤٧٤/٢) وما بعدها
(٢) في جميع النسخ: ( لكان بين من جمع بين الرجل ... )، وسقط من (ج).
700000 ٣ ٠ ٤ =00000

ولأنه لو كان الظالمُ من فعل الظلمَ .. لكان المصلِّي من فعلَ الصلاةَ .
وقد أجمعنا معهم : أن الله عزَّ وجلَّ قادرٌ على أن يفعلَ في الإنسان جنسَ
أفعال الصلاة .
وإذا بطلَ ذلك في الصلاة وسائر الطاعات .. بطلَ أيضاً أن يكونَ الظالمُ
من فعلَ الظلمَ .
ويدلُّ على فساد قولهم : إن الظالمَ فاعلُ الظلمِ ، والمطيعَ فاعلٌ
الطاعةِ .. قولُهم: إن مريدَ الطاعةِ مطيعٌ (١)، مع قولهم: إن الله قادرٌ على
أن يخلقَ في غيره إرادةَ الطاعة ضرورةً ، فيكونُ من جملته تلك الإرادةُ مطيعاً
بها وهو لم يفعلها(٢)، وإن لم يكن مُريداً بها فقد حصَلَ مريدُ الطاعة غيرَ
مريدٍ ، فما يؤمنُهم أن مريدَ السَّفَهِ غيرُ سفيهٍ ، ومريدَ المعصية غيرُ عاصٍ ؟!
وذلك خلافُ أصلهم(٣)
فإذا بطلَ أن يكونَ حدُّ الظلم : من فعلَ الظلمَ .. صحَّ أنه : من قامَ به
الظلمُ ، كما ذكرناه قبل هذا(٤)
DO
00000
انظر ((المغنى فى أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٦/ ١٠١).
(١)
(٢)
كذا العبارة فى (أ)، وسقط السياق من ( ب، ج ).
انظر (( أصول الدين)) للمصنف (ص ١٣٢ - ١٣٣ ).
(٣)
قال العلامة الامدى فى ((أبكار الأفكار)) (٣٧٣/٢): ( وبالجملة : فحاصل النزاع في
(٤)
التسمية راجعٌ إلى اللغة التي لا ثبوت لها بغير النقل عن أهل الوضع ، وقد بحثنا فلم
نجد نقلاً تقوم الحجة به عن العرب يدلُّ على أن من فعل الظلم أو العدل يُسمَّى ظالماً أو
عادلاً لكونه فاعلاً للظلم أو العدل ، فمن ادَّعى ذلك يحتاج إلى الدليل ) .

₪10
الفصل الثالث
في بيان أمثلة من باب التعديل والتجوير
يكثر الكلام فيا
اعلمْ : أن الخلافَ بين المُثبتَةِ والقدريَّةِ في باب التعديل والتجوير إنما
يقعُ من أجل صورٍ قضى بها أهلُ القدر من غير معرفةٍ لعِلَلِها ، ثم إنهم قاسوا
عليها صوراً زعموا أنها مُشبهةٌ لها(١)
وإحدى تلك الصور أنهم قالوا : وجدنا في الشاهد من أرادَ من عبده
خدمتَهُ، أو أراد منه عقوقَهُ، ففعل عبدُهُ ما أراد السيدُ منه .. قَبُحَ منه
تعذيبُهُ، ولو عذَّبَهُ لكان ظالماً في تعذيبه(٢)
000
00
والصورةُ الثانيةُ أن قالوا : لو حملَ الواحدُ منَّا عبدَهُ إلى موضعٍ أراد
انتقالَهُ إليه(٣)، ثم عذَّبَهُ مع كونه فيه .. كان خارجاً عن الحكمة (٤)
(١) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٣٤١/٦)، وهذا مبني على
أصلهم الذي فشا عندهم ؛ وهو قياس الغائب على الشاهد .
(٢) يسلّم أهل السنة أنه قبيح عادة ، أما عقلاً فمن أين لهم بذلك ؟! وأما شرعاً فهو قبيحٌ
لورود الشرع بذلك ، والعقلُ مجوِّزٌ أن يرد الشرع بحسنه ، على أن التسليم لهم بهذا
الأصل هو الذي يفتح باب الوجوب على الله تعالى عن قولهم علوّاً كبيراً .
(٣) الحمل هنا بمعنى أمره بذلك ودفعه إليه .
(٤) يقال فيها ما قيل في التي قبلها ؛ من فتح باب الوجوب على الله .

OO
والصورةُ الثالثةُ : أن الواحدَ منَّا لو أراد من عبده وجودَ أمرٍ ، فأمرَهُ
بخلافه .. كان سفيهاً في أمره إيَّه بما أرادَ منه خلافَهُ(١)
وجعلتِ القدريَّةُ هذه الصورَ أصولَهم في تركيب القُبح والحُسنِ عليها ؛
قالوا : لو كان القديمُ سبحانَهُ مريداً لجميع ما كان من الكفر والمعاصي ، أو
كان خالقاً لها ، أو أمر عبيدَهُ بخلاف ما أرادَهُ منهم .. لكان حكمُهُ حكمَ من
وصفناهم قبل هذا(٢)
2
وكذلك زعموا : أنه يريدُ ما لا يكونُ، ويكونُ ما لا يريدُ(٣)، ولا يأمرُ
إلا بما يريدُ(٤)، وليس له في أكساب عبادِهِ صنعٌ ولا تقدير(٥)
ثم وقعَ بينهم على اعتبار هذه الصورِ الثلاث أنواعٌ من الخلاف تؤدِّي إلى
تكفير بعضهم بعضاً :
فزعم بعضُهم : أن قُبحَ إعطاءِ الإله عبدَهُ الآلاتِ المُعينةَ على ما كرة
000
(١) وأرادوا من وراء هذه الصورة مساواة الإرادة بالأمر، والتسليمُ لهم بههذه الصورة يفتح
باب تخلُّف الإرادة القديمة ، وإثبات خالقٍ للأفعال إيجاداً لا اكتساباً لغيره سبحانه .
(٢) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٤٣١)، قال الإمام الأشعري في ((مقالات
الإسلاميين)) (ص٥١٢): (وزعمت المعتزلة كلها غير أبي موسى المردار : أنه
لا يجوز أن يكون الله سبحانه مريداً للمعاصي على وجه من الوجوه أن يكون موجوداً) ،
وانظر ما تقدم (٢/ ٤٠٠) تعليقاً بأن الفاعل لا يعود إليه من فعله حكم .
(٣) قال الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥١٤): ( وكل المعتزلة إلا
الفَضْلية أصحاب فضل الرقاشي يقولون : إن الله سبحانه يريد أمراً ولا يكون ، وأنه
يكون ما لا يريد)، ونسبه الإمام المصنف في (( أصول الدين)) ( ص١٠٣) إلى بصرية
المعتزلة ، وانظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص ٤٣٤) .
(٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥١٢) .
(٥) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٢١٥/٦ -٢١٦).
20000 ٦ ٤٠ ٠٥٥٥٥)

منه .. أوجب كونَهُ سفيهاً؛ لقُبح ما ذكرناه من الصور(١)
فإن قالوا بههذا .. وجب ألا يكونَ القديمُ سبحانَهُ خالقاً للقدرة على
المعصية ، وإن كانت صالحةٌ للإيمان ، ولا للحياة (٢)
وزعموا : أن الأجسامَ هي التي تخلقُ القدرةَ والحياةَ بطباعها .
وركبوا من أجل ذلك القولَ : بأن الله عزَّ وجلَّ لم يخلق شيئاً من
الأعراض ، وأن الأعراضَ كلَّها من فعل الأجسام ؛ إما طِباعاً ، وإما اختياراً .
وهذا قولُ مَعمَرٍ ومن تبعَهُ(٣)
وزعم آخرون منهم : أن قُبحَ تركِ المنع من الكفر والفسقِ مع القدرةِ
عليه ، والكراهيّةِ لكونه ، والنهي عن فعلِهِ .. كقُبحٍ ما ذكروه من الصور
الثلاث ، وأوجبوا لذلك : ألا يكونَ الله عزَّ وجلَّ قادراً على منع الناس من
فعلٍ ما نهاهم عنه ؛ إذ لو كان موصوفاً بالقدرة عليه ثمَّ لم يفعلُهُ .. لكان
خارجاً من الحكمة .
o
C
وهذا قولُ النظّام منهم(٤)
ثم إن البغداديينَ منهم زعموا : أن القديمَ لا يقدرُ على [صلاحِ] أصلحَ
(١)
انظر ((أبكار الأفكار)) (١٣٩/٢).
(٢) قوله : ( ولا للحياة ) يعني: ووجب ألا يكون سبحانه خالقاً للحياة أيضاً ؛ لأنها سببٌ
أيضاً في وجود المعصية من العبد، وقال الإمام الأشعري في (( مقالات الإسلاميين !
(ص٥٦٤ ): ( قال معمر : لا يوصف الله سبحانه بالقدرة على أن يخلق قدرة لأحد ،
وما خلق الله لأحد قدرة على موت ولا حياة ، ولا يجوز ذلك عليه ) .
(٣) انظر (٦٢٦/١).
(٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٥٥٥، ٥٦٤).
00000 ٤ . V 700000

مـ
ممَّا فعلَهُ بعباده(١)، وقالوا: لو كان قادراً عليه ثمّ لم يفعلُهُ بهم مع غناه
عنه .. لكان قد قطعَهُم عن المنفعة وأرادَ فسادهم(٢)، ووجبَ به من السفه
ما يجبُ بالصور المتقدِّمة .
وسرقت اليهودُ هذه الصورَ من القدريَّة ؛ فقالت في إنكارها النسخَ(٣):
إنَّا وجدنا الحكيمَ إذا أمر عبيدَهُ بشيءٍ ، وحسَّنَهُ لديهم ، ووعد الثوابَ على
[فعلِهِ](٤) .. لم يَحسُنْ منه الرجوعُ عنه، والأمرُ بخلافه ، والوعيدُ على تركه ،
إلا أن يبينَ له أن ما أمرَ به لم يكنْ حكمةً منه، وإذا لم يَجزْ ذلك على القديم
سبحانَهُ لم يَجزْ منه نسخُ الشرائع ، وإن فعلَهُ لزمَهُ ما يلزمُ بالصور المتقدِّمة(٥)
وكذلك البراهمةُ نسجَتْ على سؤال القدريَّة فقالت(٦): إنه لا يَحسنُ من
الحكيم أن يبعثَ من يريدُ إكرامَهُ رسولاً إلى من يعلمُ أنه يستخفُّ به .
وبهذه الصور أنكروا النبؤَّاتِ ، وقالوا بتكذيب الرسل عليهمُ السلامُ ،
وزعموا : أن الله عزَّ وجلَّ إنما كلَّفَ العبادَ من طريق العقول ، وجعلَ دليلَ
ما أباح لهم خلقَ الشهوة ، ودليلَ ما حظرَهُ عليهم نفورَ النفس عنه(٧)
00000
(١) ما بين المعقوفين في (أ): (إصلاح)، وهي ساقطة من ( ب، ج) .
(٢) انظر (٢/ ٦٣ - ٦٤) تعليقاً.
(٣) يعني : في الكتب الحكمية المؤلفة من قِبَلِهم بعد وجود القدرية ، أو أنها عبارة للتشنيع
عليهم ، والمراد هنا فرقة من اليهود ؛ إذ الشمعونية منهم تجوز نسخ شريعة سيدنا موسى
على نبينا وعليه الصلاة والسلام من طريق العقل. انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص ١٨٧).
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( قوله )، وسقط من (ج) .
(٦) قوله : ( نسجَتْ) غير منقوطة في (أ)، وسقط السياق من ( ب، ج).
(٥)
انظر (( تمهيد الأوائل)» ( ص ١٨٧ ).
(٧) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص١٢٦ -١٢٧، ١٤٤-١٤٥)، وتباين الشهوات والنفورات
تُظهر بأنهم أكذبُ مَنْ دبَّ ودرج .

ثُمَّ إن أهلَ التناسخ أيضاً قالوا للقدريَّة : إن الصورَ التي ذكر تموها كلُّها
قبيحةٌ، ومثلُها في القبح : أنه لو خلقَ الحكيمُ عبادَهُ في دار المحنة وألزمهم
[بالعبادة .. لقَبُحَ منه ذلك](١)؛ لِما تقرَّر في العقول من قبح الابتداء
بالضرر .
وأوجبوا بهذه العلَّةِ : أن يكونَ الحكيمُ قد خلق عبادَهُ في الجنَّة ابتداءً ،
وأزال عنهم العلّةَ، وسؤَّى بينهم في جميع أنواع النعم ، ووضع في عقولهم
شكرَ المُنعم ، فمن شكرَهُ أبقاه على حاله ، ومن كفرَهُ نسخَ روحَهُ في بعض
هذه القوالب ؛ ليعذَّبَهُ على كفرانه، وينقلَهُ من قالَبِ إلى قالَبٍ ، إلى أن
يستوفيَ ما استحقَّهُ من العقوبة، فإذا استوفاها ردّهُ إلى الجنَّة(٢)
وقالت الدهريَّةُ لإخوانهم من القدريَّة : إن الصورَ التي ذكر تموها كلُّها
قبيحةٌ ، ومثلُها في القبح : التخليةُ من الحكيم بين عباده بعضِهم في بعض ،
ليقتلَ بعضُهم بعضاً ، وينكرَ أكثرُهم نعمَهُ التي أنعم [بها] عليهم ، مع علمه
بأنهم يفعلونَ ذلك ، وقدرتِهِ على منع البعض عن ظلم بعض
000
وأوجبوا بذلك : ألا يكونَ الصانعُ ؛ لأنه لو كان ثُمَّ لم يمنعْهُم من
الفساد ؛ مع قدرته عليه ، وكراهيتِهِ له ، ونهيهِ عنه .. لوجب أن يلزمَهُ من
السفه ما لزم بالصور المتقدِّمة .
XY
ولمَّا وردت هذه الأمثلةُ على الجبائيِّ فرَّق [بين] ما يفعلُهُ القديمُ فيحسُنُ
(١) ما بين المعقوفين في ( أ): ( أن العباد) وهي ساقطة من ( ب، ج) .
G
(٢) وذهب إلى هذا القول الحدثيةُ والخابطية ؛ أصحاب أحمد بن خابط والفضل الحدثي ،
وهما من أصحاب النظام ، وزادا عليه ثلاث بدع ؛ منها قولهم السابق في التناسخ . انظر
((الملل والنحل)) (٦٠/١).
400000 ٩ ٤٠ 00000
ACOM

OO
TACO
منه، وبين ما يفعلُهُ الواحدُ منَّا في الشاهد؛ لِمَا يعودُ إلينا من الضرر والألم
باستعجال الغمّ(١)، فليس بحكيمٍ من تعجَّلَ الغمَّ لنفسه أو فعل سبَّبَهُ،
والقديمُ سبحانه لا يجوزُ عليه الاغتمامُ ، فلم تقبح منه أمثالُ هذه الصور .
فقيل له في الصور الثلاثةِ التي بنى عليها الحسنَ والقبحَ : ما أنكرت أنها
إنما قَبِحَتْ منَّا لاستعجالنا بها الغمّ لأنفسنا ، وأن الله عزَّ وجلَّ لا يجوزُ عليه
الاغتمامُ فحسُنَ منه جميعها ؟!
فما أجابَ بأفصحَ من السكوت .
وبانَ بذلك : أن اعتبارَ العدلِ والجَورِ ليس بالصور ، وإنما هو ما قالَهُ
أصحابُنا من التصرُّف في المُلْكِ وفي غيره ، فمن تصرّفَ في مُلْكِهِ من الوجه
الذي مَلِكَهُ .. كان ذلك منه عَدْلاً ، ومن تصرَّفَ في غير مُلْكِهِ أو في مُلْكِهِ
على غير الوجه الذي مَلكَهُ .. كان تصرّفُهُ جَوراً منه .
واعترضت القدريَّةُ علينا في هذا الباب بأن قالوا : لو كان القديمُ يتصرَّفُ
في مُلْكِهِ كما شاء بلا اعتراضٍ عليه ولا منعٍ منه لوجود القبح والحُسن ..
لصحَّ أن يُرى الحقُّ باطلاً والباطلُ حقّاً ، ولو كان كذلك لم تأمنوا أن تكونوا
مبطلينَ وإن ظننتم أنكم محقُّونَ(٢)
فقيل لهم : لو كان لا أمانَ لمن قال : إن الله عزَّ وجلَّ يخلقُ للإنسان
اعتقاداً لشيءٍ على خلاف ما هو به ، فيظنُّ الحقَّ به باطلاً والباطلَ حقّاً ..
لكان لا أمانَ لمن يزعمُ أنه يخلقُ لنفسه اعتقاداً للشيء على ما هو به يظنُّ به
(١) في (ب): (على ما) بدل ( لما) .
(٢) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٣٤٩/٦).
00000 .00000

الحقَّ باطلاً والباطلَ حقّاً فيما يعتقده ! وصار السؤالُ لازماً لسائله .
فإن قالوا : إنَّا وإن زعمنا أنَّا فاعلون لههذا الاعتقادِ .. فإن لنا مع ذلك
أصولاً نرجعُ إليها ، وتلك الأصولُ لا يقعُ فيها الغلطُ ، فنبني فروعنا
عليها .
قيل : إذا جوَّزتُم الغلطَ على أنفسكم في رجوعكم إليها .. فما يُؤْمِنُكم
أنكم تظنّونَ أنكم قد رجعتُم إليها وأنتم قد ضللتم عنها ، وخلقتُم لأنفسكم
الظنَّ بأنكم راجعون إليها ؟!
واعترضَتْ علينا بأن قالت : لو جاز أن يفعلَ القديمُ ضلالَ الضالِّينَ ..
لصحَّ منه الأمرُ به .
قيل : لو أمرَ به لم یکن ضلالاً
وقالوا : إن كان كذلك فجوِّزوا أن يأمرَ بالكذب ، وبتكذيب الأنبياءِ ،
وبالكفر به !
قيل : إن أردتُم الأمرَ بلفظ ذلك فلا نأبى، وإن أردتُم به الأمرَ باعتقاد
الكفر به على صفتِهِ في وجوب أمره مع الأمرِ بسقوط أمره .. [فذلك] جمعٌ
بين ضدَّينِ ، لا يصحُّ ورودُ الأمرِ به بحال(١)؛ لأنه لا يلزمُهُ إلا أمرُ من كان
إلهاً ، فإذا أمرَ بالكفر فقد أمرَ بأن يعتقدَهُ إلهاً تلزمُهُ طاعتُهُ ، وأن يعتقدَ أنه
ليس بإلهٍ، والاعتقادان متضادَّان لا يصحُّ الجمعُ بينهما ، وبالله التوفيق.
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (وذلك ) .

ذكر معنى (العزيز) في أسماءالله عز وجل
يقعُ في تفسيرِ هذا الاسم فصلان :
أحدُهما : في بيان معنى ( العزِّ ) و( العزيزِ) و(العزَّةِ) في اللغة .
والثاني : [في] بيانِ معنى وصفِ الله عزَّ وجلَّ بذلك ، وذكرِ ما يجبُ
لهذا الاسمِ من الفوائدِ .
وسنذكرُ في كلِّ فصلٍ من هذين الفصلينِ مقتضاهُ إن شاءَ الله تعالى .
000000000
2000 ٤١٢
ءُ

Ox
الفصل الأول
في ذكر معنى (العزيز) و(العز)و (العزة) في اللغة
العزيزُ في اللغة : قد يكونُ بمعنى الغالبِ ؛ من قولهم : قد عزَّ فلانٌ
فلاناً يَعُزُّهُ - بضمٌ العين من المستقبل - عَزّاً؛ إذا غلبَهُ، ومنه قولُهُ عزّ وجلَّ :
﴿ وَعَّنِ فِي الْخِطَابِ﴾ [صَ: ٢٣]؛ أي: غلبني(١)، وقُرِئَّ: (عازَّني في
الخطاب)(٢) ؛ أي: غالبَني(٣)؛ قال جرير (٤):
[من الوافر]
وعزَّ عنِ الطريقِ بمنكبيهِ كما ابتركَ الخليعُ عنِ القداحِ
وقال عمرُ بن أبي ربيعةً(٥):
[من المتقارب]
هنالكَ إِمَّا تَعُزُّ الهوى وإمَّا على [إثرِهم] تَكمَدُ
(١) انظر ((العين)) (٧٦/١)، و((تهذيب اللغة)) (٦٤/١)، و((الغريبين))
( ٤ / ١٢٦٩ ) .
(٢) قال العلامة السمين الحلبي في ((الدر المصون)) (٩/ ٣٧٠): (وقرأ عبد الله والحسن
وأبو وائل ومسروق والضحاك: (( وعازَّني )) بألف مع تشديد الزاي ) .
(٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (٦٤/١).
(٤) انظر (( ديوانه)) (٨٨/١)، وهو بيت من قصيدته في مدح عبد الملك بن مروان التي مطلعها:
أتصحر أم فؤادك غير صاحِ عشيَّةَ هِمَّ صحبُكَ بالرواحِ
وعزَّ: غلب ؛ فجملُهُ يغلب الإبلّ على لزوم الطريق ويسبقها ؛ كما يلحُّ المقمور من ماله
المخلوع منه على ضرب القداح يسترجعُ ماله .
(٥) انظر «ديوانه)) (ص ٧٢)، وفيه: ( تُعزِّي الفؤاد ) بدل ( تَعُزُّ الهوى)، ولا شاهد=
200

معناه : إما تغلبُ الهوى(١)
[من الطويل]
وقال الآخرُ (٢):
وفيهم [لتَّيْمِ] اللهِ طودٌ يَعُزُّهُ جبالٌ إذا سارَتْ حنيفةُ أو عِجْلُ
ومن ذلك قولهم في الأمثال : مَنْ عزَّ بزَّ ؛ أي : مَنْ غَلَبَ سَلَبَ .
قال : ومن هذا قولُهم : إذا عزَّ أخوك فهِنْ؛ أي : إذا غلبَكَ ولم
تقاومْهُ فهِنْ ؛ أي : لِنْ له ؛ فإن الإصرار يزيدُكَ خَبالاً(٣)
ومنه قولُهُ تعالى: ﴿صَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةِ وَشِقَاقٍ﴾
[ص: ١-٢]؛ أي: في مغالبة (٤)
وقد يكون العزيز بمعنى المنيع ، والعزَّةُ : المنعة .
وقد تأوّلوا على ذلك قولَهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ بَلِ اٌلَّذِينَ كَفَرُواْ فِ عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾؛
أي : في ممانعة (٥)
وقولَهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ ﴾ [النساء: ١٣٩]؛ أي :
المنعة(٦)
عليه ، وما بين المعقوفين ساقط من جميع النسخ .
(١)
انظر ((الزاهر)) (٧٩/١) .
(٢) أورده الأزهري في ((الزاهر)) (٧٩/١)، وفيه: (بعزِّه) بدل ( يعزُّهُ) ، وما بين
المعقوفين في جميع النسخ: ( يتيم ) ، وتيم الله وحنيفة وعجل : بطونٌ من بكر بن وائل.
(٣) انظر ((الغريبين)) (١٢٦٨/٤).
(٤)
انظر (( الغريبين)) (١٢٦٨/٤ ).
(٥)
انظر (( الغريبين)) (١٢٦٨/٤).
(٦) انظر ((الغريبين)) (١٢٦٨/٤)، وزاد: ( وشدة الغلبة ) .
قـ
CON

COoo
وقولَهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لِّيَكُونُوْ لَهُمْ عِزَا﴾ [مريم: ٨١]؛
أي : أعواناً ومنعةً (١)
وقد يكون العزيزُ : الأَنِفَ ، والعزَّةُ : الأَنَفَةَ .
ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْرَّ ﴾
[البقرة: ٢٠٦]؛ أي: الأنفةُ (٢)
وقد يكون العزيزُ بمعنى الصُّلْب الشديدِ القويِّ؛ يقال منه: عزَّ يَعَزُّ بفتح
العين ؛ إذا اشتدَّ، ويقال منه : يَعَزُّ عليَّ أن أراك بحالٍ شدَّةٍ ؛ أي: يشتدُّ
علىَّ(٣)
ويقال للعليل إذا اشتدَّتْ به العلَّةُ : قد استُعِزَّ به ، وفي الحديث :
( فاستُعِزَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم )؛ أي: اشتدَّ به المرضُ وأشرفَ
على الموت (٤)
ويقال : فلانٌ مِعْزَازُ المرض ؛ أي : شديدُ المرض .
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه: إنكم لمُعزّزٌ بكم (٥) ؛ أي: مشدَّدٌ
عليكم ؛ وذلك أن قوماً اشتركوا في قتل صيد وهم محرمون أو في
(١) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٣٤٥/٣)، و((الغريبين)) (١٢٧٠/٤) وزاد :
( يعني : الأولاد ) .
(٢) انظر ((الغريبين)) (١٢٦٨/٤)، وفيه: ( الامتناع والغلبة).
(٣)
انظر ((الغريبين)) (٤ /١٢٦٩).
(٤) الخبر رواه بنحوه أبو داود (٤٦٦٠) عن سيدنا عبد الله بن زمعة رضي الله عنه ، وانظر
((الغريبين)) (١٢٦٩/٤).
(٥) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٨٣٥٧)، والبيهقي في (( السنن الكبرى)) (٢٠٤/٥).
AT 10
00000,٤١٥ 00000

الحرم(١)، فقالوا: على كلِّ واحد منَّا جزاءٌ - كما ذهب إليه أبو حنيفةً في
إيجابه على كلِّ واحد من المحرِمينَ جزاءً كاملاً إذا اشتركوا في قتل صيدٍ - ،
فسألوا ابنَ عمر عن ذلك ، وذكروا له قولَهم : ( على كلِّ واحدٍ منَّا جزاء ) ،
[فقال: إنه لمعزَّزٌ بكم، بل عليكم جزاءٌ] واحد، وهذا مذهبُ الشافعي
رحمه الله تعالى (٢)
ويقال من هذا : عزَّزْته ؛ أي : قوَّيتُهُ وشددتُهُ ، قال الله عز وجل :
◌ْ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]؛ أي: شددناهما وقويناهما(٣)
والعَزَاز : الأرضُ الصلبة الشديدة .
وفي كتاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((على أن لهم عَزَازَها))(٤) ؛ أي
ما صَلُبَ من الأرض (٥)
وفي بعض الآثار : النهْيُ عن البول في العَزاز(٦)، وهو مأخوذٌ من
قولهم : قد تعزّزَ لحمُ الناقة ؛ إذا اشتدَّ وصَلُبَ .
وقيل : العَزَازُ من الأرض : أطرافُها(٧)
وفي حديث الزهري : كنت آخذٌ من عبيد الله بن عبد الله بن مسعود ،
(١) وكان هذا الصيدُ ضَبُّعاً.
انظر («غريب الحديث)) لابن قتيبة (٣٠٨/٢)، و((الغريبين)) (١٢٦٩/٤)، وما بين
(٢)
المعقوفين زيادة مفادة من الأصول يقتضيها السياق .
(٣) انظر ((الغريبين)) (١٢٦٩/٤).
X
أورده ابن قتيبة في (( غريب الحديث)) (٥٤٨/١)، والكتاب كان لوفد من همدان .
(٤)
(٦) لئلا يترشَّشَ عليه البول. انظر (( النهاية في غريب الحديث)) (٣٢٩/٣).
(٥)
انظر ((الغريبين)) (٤ /١٢٦٩).
انظر («الغريبين)) (١٢٦٩/٤)، ولم يذكر حديث النهي عن البول في العزاز .
(٧)

فقدرت ــ أي : استوفيتُ - ما عنده ، فلمَّا خرج لم أقمْ له ، فقال: إنك في
العَزاز فقمْ ؛ أي : إنك بعدُ في الأطراف من العلم ، لم تتوسطهُ (١)
ويقال : قد أعززنا ؛ أي : وَقَعْنا في الأرض العَزَازِ (٢)، كما يقال:
أنجدنا ؛ أي : دخلنا نجداً
والعَزُوزُ : الشاة الضيقةُ الإحليل ، وهذا أيضاً من الشدة ؛ لأن اللبن
يخرجُ منها بشدة ، وقد تعزَّزَتِ الشاةُ؛ إذا صارت كذلك(٣)
وقد يكون العزيز بمعنى الشيء الذي لا نظير له ؛ يقال : قد عزَّ كذا
وكذا ؛ إذا قلَّ وجودُ مثله ، فهو يَعِزُّ بكسر العين عِزَّةً
(١) انظر ((الغريبين)) (١٢٧٠/٤)، وإليك لفظ الخبر؛ لطرافته وعبرته ، قال الزهري :
( كنت أختلف إلى عبيد الله بن عبد الله بن مسعود، فكنت أخدمه، فقَدّرْتُ أن
استنطقت ما عنده ، فلمَّا خرج لم أقم له ، ولم أظهر من تكريمه ما كنت أظهر من قبل ،
قال : فنظر إليَّ فقال : إنك في العزاز فقمْ) ، وأما اليوم فلا مطمع في العزاز من
العلم ؛ فقد جاء أشراطُها .
0000
(٢) انظر (( الصحاح )) (ع زز).
(٣)
انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (٣٧٦/٤).
(٤) وعبارة الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٦٤/١): (وقيل : هو الذي ليس كمثله
شيء)، وهذه العزة تثبت معها ثلاثة معانٍ؛ فقد قال الإمام الغزالي في ((المقصد
الأسنى)) (ص١٤١): ( العزيز : هو الخطير الذي يقلُّ وجود مثله، وتشتدُّ الحاجة
إليه ، ويصعب الوصول إليه ، فما لم تجتمع هذه المعاني الثلاثة لم يطلق اسم
(العزيز)" عليه، فكم من شيء يَقِلُّ وجوده ولكن إذا لم يعظم خطرُهُ ويكثر نفعه لم
يُسمَّ عزيزاً ، وكم من شيء يعظم خطرُهُ ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره وللكن إذا لم يصعب
الوصول إليه لم يُسمَّ عزيزاً؛ كالشمس مثلاً ؛ فإنه لا نظير لها ، والأرضُ كذلك ،
والنفع عظيم في كل واحدة منهما ، والحاجة شديدة إليهما ، لكن لا يوصفان بالعزَّةِ؛
لأنه لا يصعب الوصول إلى مشاهدتهما ، فلا بد من اجتماع المعاني الثلاثة ) .
٤١٧٦٠٠٠

o
وقد جاء في العزِّ أمثال كثيرة :
قولُهم : إذا عزَّ أخوك فهُنْ ، فقد ذكرنا معناه(١)
[ومنها] قولُهُ(٢): مَنْ عزَّ بزَّ؛ أي: مَنْ غَلَبَ سَلَبَ ؛ يقال منه: قد بزَّ
فلانٌ فلاناً يَبُزُّهُ بزّاً ؛ إذا سلبَهُ(٣)
وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في عمرٍو بن عبد وُدُّ(٤): [من الكامل]
كالجِزْع بينَ دَكادكٍ وروابي
فصدَدْتُ حينَ رأَيْتُهُ متقطُّراً
كنتُ المقطَّرَ بزَّني أثوابي
[وعففتُ] عن أثوابِهِ ولوَ أنَّنِي
معناه : سلبني أثوابي(٥) ؛ يقال منه: رجل حسنُ البَزِّ والبِزَّةِ ؛ أي :
حسنُ الثياب .
ومنها قولهم : أعزُّ من بيض الأَنُوقِ، والأنوقُ : الرَّخَمُ ، وعِزُّ بيضِها :
أنه لا يُظْفَرُ به ؛ لأن أوكارَها في رؤوس الجبال والأماكنِ البعيدة (٦).
(١) انظر (٤١٤/٢)، وقوله ( فهُنْ) هو أمرٌ من الهوان الذي بمعنى الذلِّ، قال تعالى:
﴿أَفِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وهي أنسب في مقابلة العزِّ، ومن قال: ( فهِنْ)
بكسر الهاء كما تقدَّم للمصنف .. جعله من الهين بمعنى اللين ؛ يعني : لِنْ له . انظر
(( شرح الفصيح)) للخمي (٢١٥/١).
ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( ومنه ) .
(٢)
انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (١٥٩/٢)، و((تهذيب اللغة)) (٦٥/١).
(٣)
البيتان ضمن قطعة شعرية روى خبرها الحاكم فى ((المستدرك)) (٣٢/٣)، وما بين
(٤)
المعقوفين في جميع النسخ: ( وعضضت)، والمتقطّر : المقطوع ، والجزع :
منعطف الوادي ومنحناه ، والدكادك : جمع دكدك ؛ وهو ما انبسط من الرمل وتلبَّدَ ،
والروابي : جمع رابية ؛ وهي ما علا منه ، والمقطَّر: المقطَّع .
(٥) انظر ((الزاهر)) (٣٥٢/١).
(٦) انظر ((تهذيب اللغة)» (٢٤٤/٩)، و((الأمثال)) للهاشمي (ص٥)، والرَّخَمة : =
XY
DO000 ٤١٨00000
O

وقالوا أيضاً : أعزُّ من الأبلقِ العَقُوق ؛ لأنه شيءٌ لا يكون أصلاً ؛ لأن
العَقوقَ الحاملُ ، والأبلقَ الفرسُ الذكر ، فكأنهم قالوا : أعزُّ من الذكر
الحامل، وإنما يُضرَبُ بهذا المثل فيما لا يوجدُ أصلاً (١)، ومثلُهُ من
أمثالهم فيما لا يكون أصلاً :
قولُهم : وقع فلانٌ في سلا جملٍ ؛ لأن هذا أيضاً ممَّا لا يكون ؛ إذ
السلا للناقة دون الجمل(٢)، والعرب كانت تُسمِّ [الوفاءَ]: الأبلقَ
العَقوق(٣)
00000
0000
وقالوا أيضاً : أعزُّ من الغرابِ الأعصم ، وهذا أيضاً في طريق الأبلق
العقوق أنه لا يوجدُ ؛ لأن الأعصمَ الذي تكون إحدى رجليه بيضاءَ ،
والغرابُ لا يكون كذا(٤) ، وفي الحديث : أن عائشةَ رضي الله عنها كانت
في النساء كالغرابِ الأعصم ؛ أي : لا يوجدُ في النساء مثلُها(٥)
وقالوا : أعزُّ من كُلَيبٍ وائلٍ ؛ لأنه بلغَ من عزِّهِ أنه كان يحمي الكلأَ فلا
يُقْرَبُ حِماه ، ويجير الصيدَ فلا يُهاجُ، ويَعمِدُ إلى الروضة تعجبُهُ فيكتعُ
قوائمَ كلِهٍ ويلقيه في وسط الروضة ، فحيث بلغَ عُواءُ الكلبِ كان حمىّ
العُقاب ، وهي تضع بيضها في نيق الجبل ؛ وهو حرفُهُ من أعلاه .
(١) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٦٤/٢)، و((مجمع الأمثال)) (٤٣/٢).
(٢) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٣٣٦/٢)، وقال: ( والسلا: هو الذي يلتفُّ فيه ولد
الناقة ) .
(٣) انظر (( جمهرة الأمثال)) (٦٤/٢)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ ساقط ،
وعبارة العسكري : ( والعرب كانت تسمِّي الوفاءَ : الأبلقَ العقوق ؛ لعزَّة وجوده ) .
(٤) انظر ((الأمثال)) للهاشمي (ص٢٤)، و((مجمع الأمثال)) (٤٤/٢).
(٥) انظر ((النهاية في غريب الحديث)) (٢٤٩/٣).
٤١٩٨ %٥٥٥٥٥