Indexed OCR Text

Pages 321-340

COOx
وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ [الكهف: ٢٨]!
أي : اثبُتْ معهم ، ودُمْ على صحبتهم .
٢٠
وإذا صحَّ هذا فالصَّبُورُ : مبالغةٌ من الصابرِ ، والصبَّارُ: أكثرُ مبالغةً من
الصبور ، كما أن الغفورَ : مبالغةٌ من الغافر، والغفَّارَ: أكثرُ مبالغةً منه(١)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] ؛ أي : كثيرِ الصبرِ
على طاعة الله عزَّ وجلَّ ، كثيرِ الصبرِ عن معاصيه(٢)
وقال ابن مسعود : ( الإيمانُ نصفانِ: نصفُهُ صبر، ونصفُهُ شكر)(٣).
ثُمَّ تلا قولَهُ عزَّ وجلَّ : ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
000
[ اختلافَهم في إطلاقِ اسم ( الصَّبُورِ ) عليهِ سبحانَهُ ]
وإذا صحَّ ما ذكرناه : فقد اختلفوا في إطلاق اسم ( الصبورِ ) على الله عزَّ
وجلَّ :
فامتنعَ منه أكثرُ القدريَّة ؛ لدعواهم : أن الصبرَ احتمالُ المكارهِ
(١) وعبارة الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (١٢٠/١٢): (أما الصبور: فالمقتدر على
الصبر ؛ كما يقال : قتول وضروب ؛ أي : فيه قدرة على ذلك ، والصبّار : الذي يصبر
وقتاً بعد وقت ) .
(٢)
انظر (( تفسير الطبري)) (١٦ / ٥٢٣) .
(٣) روى البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٢٦٤) هذا الخبر مرفوعاً من حديث سيدنا أنس
رضي الله عنه، وروى البيهقي أيضاً في ((شعب الإيمان)) ( ٤٧ ) من حديث سيدنا ابن
مسعود رضي الله عنه موقوفاً : ( الصبر نصف الإيمان ، واليقين الإيمان كله ) ، ثم
قال : ( وقد روي هذا من وجه آخر غير قوي مرفوعاً ، وروينا عن ابن مسعود من أقواله
في هذا المعنى شواهدَ )

DOO
والمشاقُ التي لا تجوزُ على القديم .
وقال جمهورُ الأمَّة بإطلاق هذا الاسم (١)؛ لأنه قد جاء في حديث
صفوان بن صالح عن أبي هريرة ، وهو من الأحاديث التي أجمع أصحابُ
الحديث على صحَّتها(٢) ، ولِمَا رواه أبو عبد الرحمن السلميُّ عن
أبي موسى الأشعريِّ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( ما أحدٌ أصبرُ
على أذىَ مِنَ اللهِ ؛ إنَّهُ يُشْرَكُ بهِ ويُجعَلُ له ولدٌ، وهو يرزقُهم ، ويدفعُ
عنهم ، ويعافيهم)) (٣)
واختلف المثبتونَ لهذا الاسم في معناه :
فمنهم من قال : معناه : الحليمُ(٤)؛ لأنه لا فرقَ بين أن يقالَ: حَلُمتُ
عن فلانٍ فيما أتاه ، وبين قولك : صَبرْتُ على سوء فعلِهِ فيما أتاه ، والله
تعالى حليمٌ ، وصبورٌ على معنى : أنه حليمٌ(٥)
00000
00
(١) قال العلامة ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (١٣٣/٢): ( قال علماؤنا
رحمة الله عليهم : لسنا نقطع بههذه التسمية ، وإن جوَّزناها على معنىّ دون معنىّ ، وقد
ذكروا أمثالها مما لم يرد به قرآن ولا سنة ولا خبر صحيح ، وقد استعملوا ما فيه أثرٌ
ضعيف )، وتقدم (١ /٤٤٨) أن المصنف يرى صحة أثر سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه ،
وإن قيل بالضعف فشواهدُ القرآن والسنة المشتقةُ دالة على صحة إطلاق هذا الاسم .
(٢) يعني: حديثَ ((إن لله تسعة وتسعين اسماً))، وقد تقدم (١/ ٤٤٧).
(٣) رواه بنحوه البخاري (٧٣٧٨)، ومسلم (٢٨٠٤)، وقوله : ( أصبر ) بالنصب هو
خبر ( ما) الحجازية ، وبالرفع على عدم الإعمال هو روايةُ أبي ذر. انظر (( إرشاد
الساري)) ( ١٠/ ٣٦٢).
(٤)
انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٥٦).
(٥) قاله أبو إسحاق الزجاج. انظر ((تهذيب اللغة)) (١٢٢/١٢)، وقال ابن الأثير في
(النهاية في غريب الحديث)) (٧/٣): (والفرق بينهما: أن المذنب لا يأمن العقوبة=
٣٢١٫٠٠
LON

ومنهم من قال : فائدةُ وصفنا له بالصبر : نفيُ ضدِّهِ عنه ، كما أن فائدةَ
الحليم : نفيُ ضدِّهِ ؛ فالحِلْمُ : ينفي الطيشَ ، والصبرُ : ينفي الجزعَ ، والله
سبحانَهُ حليمٌ صبورٌ ، غيرُ طائشٍ ولا جازعٍ .
ومنهم من قال : معنى وصفنا له بأنه صبورٌ: يفيدُ أنه دائمٌ باقٍ، ووصفُهُ
بالبقاء والدوام صحيحٌ .
وقد جاء في اللغة: اصطبارٌ بمعنى الاقتصاص(١)
وفي حديث عثمانَ رضي الله عنه : أنه عُوتِبَ على ضربه عمَّارَ بن ياسرٍ
فقال: ( هذه يدي لعمَّارٍ فليصطبر )(٢)؛ معناه: فليقتصَّ.
يقالُ : صَبَرَ فلانٌ فلاناً لفلان، وأصبرَهُ منه، واصطبرَ ؛ أي : حبسَهُ ،
وأقصَّهُ منه ، فاقتصرَّ(٣)
= (٣)
في صفة الصبور ، كما يأمنُها في صفة الحليم ) .
=
وقال الحافظ البيهقي في (( الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد)) (ص١١٣ ) :
( الصبور : هو الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة ، وهو قريب من معنى الحليم ، وصفة
الحليم أبلغ في السلامة من عقوبته ) .
(١) انظر ((المحيط)) لابن عباد (١٣٤/٨)، والاقتصاص: التمكين من القصاص؛
يقال : أقصَّهُ القاضي وأصبره .
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٨٨٤٦)، والتفسير الآتي هو لأبي محصن أحد
رواة هذا الأثر ، وكان الضاربُ لسيدنا عمار رضي الله عنه رسولَ سيدنا عثمان رضي الله
عنه ؛ لأنه أمره بالانصراف فلم ينصرف ، ولم يأمر بذلك سيدنا عثمان رضي الله عنه
ولا رضي به .
(٣) العبارة في (( تهذيب اللغة)) (١٢٢/١٢): ( صبرَ فلانٌ فلاناً لوليٍّ فلان ؛ أي:
حبسَهُ، وأصبرَهُ ؛ أي: أقصَّهُ منه ، فاصطبرَ ؛ أي : اقتصَّ .
٥٠٠٠ ٣٢٢٫
00

Deror.
ويقالُ أيضاً : صَبَرتُ أصبُرُ بضم الباء ؛ أي : كُفُّلْت به ، والصبيرُ :
( (١)
الكفيل
ومنه قولُ الحسن : ( من أسلفَ سَلَفاً فلا يأخذنَّ رهناً ولا صبيراً)(٢)
والصبيرُ : السحاب الأبيض(٣)
وصُبْرُ الشيء بضم أوَّله: جانبُهُ(٤) ، وفي الحديث: ( سدرةُ المنتهى
صُبْرُ الجنَّةِ)(٥) ؛ أي : من نواحيها ، وقيل : أعلى نواحيها(٦)
فقد ذُكِرَ ما قيل في معنى الصبرِ ، وما يشبهُ لفظُهُ لفظَ الصبر ، ونذكرُ
و
ما قيل في مدح الصبرِ من الحكم والأمثالِ :
فمنها : ما جاءَ في الحديث : ( أن الصبرَ من الدين بمنزلة الرأسِ من
الجسدِ )(٧)
(١) انظر ((الزاهر)) (ص١٥٥).
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٤٠٨٤) عن الحسن أنه قال : ( كان المسلمون
يقولون : من سلف ... ) .
(٣)
انظر (( الغريبين)) (٤/ ١٠٦١).
(٤)
انظر ((العين)) (١١٦/٧)، وفي ((تهذيب اللغة)) (١٢١/١٢): (صُيْرُ الشيء:
أعلاه ) .
(٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٠٩٤)، والطبراني في (( المعجم الكبير))
(٢١٧/٩) من كلام سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بنحوه ، وبلفظه هنا رواه
ابن أبي شيبة في (( المصنف)) ( ٣٧٧٣٤) عن أبي مالك غزوان الغفاري الكوفي .
(٧) رواه أبو نعيم في ((الحلية))، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٠) من كلام سيدنا
(٦)
انظر (( غريب الحديث)) لابن سلام (٤/ ٧٣) .
علي رضي الله عنه ، وزاد : ( وإذا ذهب الصبر .. ذهب الإيمان ).
(٣٢٣)

00
2
وفي الحديث: (( الصبرُ عندَ الصدمةِ الأولى)) (١)؛ أي: عند فورة
المصيبةِ وجمرتِها ، والصدمُ : ضربُ الشيء الصلدِ بمثله(٢) ، والفارسان
يتصادمان ، فإن ماتا من ذلك وجب لكلِّ واحدٍ منهما نصفُ ديتِهِ ، ويسقطُ
نصفُها(٣)
وكتب عبدُ الملك إلى الحجّاجِ: ( ولَّيْتُكَ العراقينِ صدمةٌ ، فسِرْ
إليها ) ، ويقالُ : افعلِ الأمرينِ صدمةً واحدةً ؛ أي : دفعةً واحدةً(٤)
ويقال لعُدْوَتَي الوادي : الصدمتان ، كأنهما لتقابلهما يتصادمان(٥)
وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه أنه قال لمَنْ أصيبَ [بالمصيبة](٦): ( إن
صبرتَ مضى أمرُ الله وأنت مأجورٌ، وإن جَزِعْتَ مضى أمرُ الله وأنت
مأزورٌ )(٧)
(١) رواه البخاري (١٢٨٣)، ومسلم (٩٢٦) من حديث سيدنا أنس رضي الله عنه .
(٢)
انظر (( الغريبين)) (٤ /١٠٦٩).
(٣)
انظر ((الأم)) (٦/ ٩٢).
انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (٦٨٤/٣)، و((الغريبين)) (٤ /١٠٦٩)،
(٤)
و((النهاية في غريب الحديث)) (١٩/٣).
انظر (( غريب الحديث)) لابن الجوزي (٥٨٢/١) .
(٥)
ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( المصيبة ) .
(٦)
(٧) أورده العسكري في ((الصناعتين)) (ص٢١١)، والإمام الماوردي في (( أدب الدين
والدنيا)) (ص٤٦٤)، وابن أبي الحديد في ((شرح نهج البلاغة)) (١٩٢/١٩)، وقد
قاله رضي الله عنه للأشعث بن قيس يعزِّيه بوفاة ولده ، ونظمه أبو تمام فقال كما في
( من الطويل )
(ديوانه )) ( ٢٥٩/٣ ):
وخاف عليه بعضَ تلك المآثم
وقال عليٍّ في التعازي لأشعثٍ
فتؤجرَ أمْ تسلو سلوَّ البهائم
أتصبرُ للبلوى عزاءَ وحِسْبةً
bobbd ٠٠٠ ,٣٢٤
٥

TODAY.
G
YrAYO
وقالت العربُ في أمثالها: أصبرُ من عَوْدٍ [بدقّيهِ] الجُلَب(١)، وأصبرُ من
ذي ضاغطٍ (٢)، والجُلَبُ: جمع جُلْبة؛ وهي القرحةُ ركِبَتها الجِددةُ عند
مقاربة البرء .
ويقال : جملٌ ذو ضاغط ؛ إذا كان موضعُ إبطه يضغطُ أصلَ الكركرة فأثَّر
فيه وأدماهُ ، وقال الشاعر(٣):
[من مشطور الرجز]
أصبرُ مِنْ عَوْدِ بجنبیْهِ الجُلَبْ
قد أثَّرَ البِطانُ فِيهِ والحَقَبْ
[من مشطور الرجز]
وقال أيضاً(٤):
أصبرُ مِنْ ذي ضاغطِ عَرَكْرَكِ
ألقى بوانِي زَوْرِهِ للمَبْرَكِ
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( بدقيه)، والمثل من مشطور الرجز ، وانظر
((الأمثال)) لابن سلام (ص ٣٧٠)، و((جمهرة الأمثال)) (٥٨٧/١)، والدفان :
الجانبان .
(٢)
انظر (( جمهرة الأمثال)) (١ / ٥٨٧ ) .
(٣) قاله سعيد بن أبان عند موته لعبد الملك بن مروان. انظر (( الكامل في الأدب))
( ٤ / ٧٠ ) .
(٤) قاله حلحلة بن قيس بن أشْيَم أيضاً لعبد الملك بن مروان. انظر ((الكامل في الأدب))
(٦٩/٤)، والعركرك: الجمل القوي الغليظ، وقوله: ( ألقى بواني ... ) يعني:
ألقى أضلاع صدره في محل بروكه .
.MC/100
٠٠٠٠٥ ٣٢٥ 03552

ذكر معنى (الصادق) في أسماء الله عز وجل
يقعُ في تفسير هذا الاسم فصولٌ ؛ هذه ترجمتُها :
فصلٌ : في معنى الصدقِ والصادقِ في اللغة .
فصلٌ : في معنى الصدقِ والكذبِ عند المتكلِّمين .
4 00
فصلٌ : في أقسام الأخبارِ ، وهل يصحُّ أن يكونَ خبرٌ واحدٌ صدقاً كذباً ؟
فصلٌ : في صَّةٍ وصفِ الله عزَّ وجلَّ به ، وبيانِ إحالة الكذبِ عليه .
فصلٌ : في أقسام الصادقينَ ، وبيانِ عصمة الأنبياء من الكذب .
وسنشرحُ في كلِّ فصلٍ من هذه الفصول ما يقتضيه شرطُهُ إن شاء الله عزَّ
وجلَّ .
ON
٦٠٠٠٥ ٣٢ ٠٠٠٠٠

الفصل الأول
في بيان معنى (الصدق) و(الصادق) في اللغة
وبيان ما قيل في موح الصادقين وزم الكاذبين من الأمثال
اعلمْ : أن الصادقَ مشتقٌّ من الصِّدِّيقِ، والصدِّيقُ: مبالغةٌ من
الصدق(١) ، ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ في صفة إبراهيمَ عليه الصلاة
والسلام: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبيًّا﴾ [مريم: ٤١]، وكذلك قال في إدريسَ عليه
الصلاةُ والسلامُ .
وأجمع المسلمونَ على وصف أبي بكر رضي الله عنه بذلك ، وأطلقوا
عليه اسمَ ( الصِّدِّيقِ ) للمبالغة في نعته بالصدق(٢)
والمصَّدِّقُ بتشديد الصاد والدال : المُتصدِّقُ، ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ :
, (٣)
﴿ لَوْلاً أَخَرَتَنِىِّ إِلَ أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّفَ﴾ [المنافقون: ١٠]
.
(١) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٣٣١/٣)، و((الغريبين)) (١٠٦٨/٤).
(٢) وعبارة الزجاج في (( معاني القرآن)) (٣٣١/٣): ( ويقال لكل من صدَّق بتوحيد الله
وأنبيائه ، وعمل بما يصدق به : صدِّيقٌ، ومن ذلك سُمِّيَ أبو بكر الصديق ) ، وانظر
(( اشتقاق أسماء الله )) للزجاجي (ص٢٨٨)، وروى البخاري (٣٦٦١) من حديث
سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (( إن الله بعثني إليكم فقلتم : كذبت ، وقال
أبو بكر: صدق ... )) الحديث .
(٣) وكذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ﴾ [الحديد: ١٨]. انظر « معاني =
٢٨
Coo٣٢٧ ٠٠ oo

T.MAYO
COooo
والمتصدِّقُ : الذي يعطي الصدقةً دون الذي يأخذها ، ولذلك قال اللهُ
عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] (١).
وأما المصَدِّقُ بتشديد الدال وتخفيف الصاد فله معنيانِ :
أحدُهما : الذي يأخذُ الصدقاتِ .
والثاني : من يُصدِّقُ غيرَهُ ؛ من التصديق في الخبر (٢)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَقَدْ بَوَأْنَا بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]؛ أي :
أنزلناهم منزلاً صالحاً (٣)
وكلُّ ما نُسبَ إلى الخير والصلاح أضيفَ إلى الصدق .
و
OO
وقيل : رجلُ صِدقٍ ، وصديقُ صِدقِ (٤)
وقالت العربُ في أمثالها : أصدقُ من قَطاةٍ ؛ لأن لها صوتاً واحداً
لا تُغيِّرُهُ، وصوتُها حكايةٌ لاسمها ؛ لأنها تقول : قطا قطا ، فلذلك تُسمِّيها
العربُ : الصدوقَ(٥)
القرآن)» للزجاج (١٢٦/٥)، ومن قرأها بتخفيف الصاد فمعناه من التصديق ؛ كأنه
قال: إن المؤمنين والمؤمنات. انظر ((معاني القراءات)) للأزهري (٥٦/٣).
(١)
انظر (( تهذيب اللغة)) (٢٧٧/٨) .
انظر (( تهذيب اللغة)) (٢٧٧/٨) .
(٢)
انظر (( غريب القرآن)» لابن قتيبة ( ص١٩٩)، و(( الغريبين)) (٢١٨/١)، قيل : هو
(٣)
الشام وبيت المقدس، وقيل: الشام ومصر. انظر ((تفسير الطبري)) ( ١٩٨/١٥).
(٤) انظر ((الغريبين)) (١٠٦٨/٤)، ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿فِي مَفْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر:
٥٥] أي: في مجلس صدق. انظر ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص ٣٢٤) .
(٥) تقدم المثل (١/ ٥٦٠)، وذكر معناه .
C

وكذلك قولُهم فيها : أنسبُ من قَطاةٍ ؛ لأنها إذا صوَّتت عُرفَت(١)
وقالت العربُ في أمثالها : أصدقُ ظنّاً من ألمعيٍّ ؛ وهو الذي لا يخطئ
ظنُّهُ، واشتقاقُهُ من مكان النار ، واللَّوْذعيُّ أيضاً مثلُ الألمعيِّ، واشتقاقُهُ من
◌َذْعِ النار، [والحوذيُّ]: القطَّاعُ للأمور، والأحوذيُّ : الجامعُ لِمّا
شَ(٢) ، وقال الشاعرُ في إصابة ظنِّ الألمعيِّ(٣):
[من المسرح]
الألمعيُّ الذي يَظنُّ إذا ظنَّ كأنْ قد رأى وقد سَمِعا
وقال المتنبي في معناه(٤):
[من الطويل]
ذكيٌّ تَظَنِّيِهِ طليعةُ قلبِهِ يرى قلبُهُ في يومِهِ ما ترى غَدا
(١) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٣١٩/٢).
(٢) انظر المثل وما قيل عنه في ((جمهرة الأمثال)) (٥٨٤/١)، وما بين المعقوفين في
جميع النسخ: (الأحوذي)، والمثبت من (( الجمهرة))، وقال : ( والحوذي :
الغالب للأمور ؛ من قوله تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ ) ، والأحوذي : بالذال
والزاي بمعنىّ واحد. انظر ((العين)) (٢٨٤/٣).
(٣) البيت لأوس بن حجر. انظر ((ديوانه)) (ص٤٨)، وفيه: ( يظن لك الظن ) بدل (إذا
ظن ) .
(٤) انظر ((ديوانه)) (ص٣٧١)، وفيه: (عينه) بدل ( قلبه ) ، والتظنِّي : إعمالُ الظن ،
والمعنى : ظنّهُ كالطليعة لعينيه ، تبدي له الشيءَ قبل رؤيته؛ إذ طليعة القوم : الذي
يرقب لهم أمر العدو. انظر ((شرح معاني شعر المتنبي)) لابن الإقليلي (٢/ ١٩٢).
00000
٥٥٥٥٥ ٣٢٩

الفصل الثاني
في بيان معنى الصدق والكذب على مذاهب المتكلمين
الكلامُ في حقيقة الصدق والكذب مبنيٌّ على الكلام في حقيقة معنى
الخبرِ وأقسامِهِ .
0000
[ بيانُ معنى الخبرِ ]
وقد اختلفوا في حقيقةٍ معنى الخبرِ :
فمنهم من قال : معنى الخبرِ : ما كان صدقاً أو كذباً (١)
وهذا على قول من أجاز تركيبَ الحدودِ من أوصافٍ ، وأجاز تحديدَ
الشيء بما يجري مَجرى التقسيم ؛ كقول القائل : حدُّ الموجودِ : ما كان
قديماً أو مُحدَثاً، وحدُّ المُحدَثِ : ما كان جوهراً أو عرضاً ، ونحوَ
ذلك(٢)
(١) أورده دون نسبة القاضي الباقلاني في ((تمهيد الأوائل)) (ص٤٣٣)، وقال: (لأنه
متى أمكن دخول الصدق أو الكذب فيه كان خبراً ، ومتى لم يمكن ذلك فيه خرج عن أن
يكون خبراً ، وبهذا الاختصاص فارق الخبرُ ما ليس بخبر من الكلام وسائر الذوات التي
ليست بخبر)، وانظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٤٤)، و((الحدود)) لابن فورك
(ص١٣٤)، و((التلخيص في أصول الفقه)) (٢٧٥/٢).
(٢) مما ليس فيه تعرُّضٌ للذاتيات ، فهو من الحدود الرسمية ، وهي نسبةٌ للمترسم بالعلم =
٥٥٥٥٥ ,٣٣٠
CON

وأما من أبى تركيبَ الحدودِ من أوصافٍ وقال : يجبُ أن يكونَ الحدُّ
وصفاً واحداً ، كما ذهبَ إليه أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله ، أو قال
بتركيب الحدودِ من الأوصافِ ، ولم يُجِزْ تحديدَ الشيء بما يجري مَجرى
القِسْمة .. فإنه لا يُجيزُ تحديدَ الخبرِ بانقسامه إلى صدقٍ وكذبٍ (١)
وقد أجازت الفلاسفةُ تركيبَ الحدودِ (٢)
وعلى قول من لا يُجيزُ تركيبَ الحدود من وصفينٍ يقول : حدُّ الخبرِ :
ما به يصيرُ المُخبِرُ مُخبِرا(٣)
0
غير المتشوف لدرك الحقائق، قال الإمام الغزالي في (( محك النظر)) (ص١٨٨ ):
( وأكثرُ ما يُرى في الكتب من الحدود رسمية ؛ إذ الحقيقةُ عزيزة ) .
وعن الحدِّ بالتقسيم: يقول المصنف في ((عيار النظر)) (ص٣٠٩): ( واختلفوا في
تحديد الشيء بما يجري مجرى التقسيم ؛ فمنع منه من منع تركيب الحدِّ من وصفينٍ ،
وأجازه أكثر من أجاز في الحدود التركيب ؛ وذلك كقول القائل : حقيقة الخبر : ما كان
صدقاً أو كذباً، وحقيقة الموجود : ما كان قديماً أو محدثاً)، وانظر ((مجرد مقالات
الأشعري)) ( ص٢١٠).
(١) قال الإمام المصنف في ((عيار النظر)) (ص٣٠٨ - ٣٠٩): ( واختلف أصحابنا في
تركيب الحدِّ من وصفين وأكثر :
فمنع أبو الحسن الأشعري : من الجمع بين معنيينٍ في حدٍّ واحدٍ إذا أمكن انفراد أحد
المعنيين عن الآخر ، ولهذا اختار في حدِّ الجسم: أنه المؤلّف، وترك قول من قال :
إنه الطويل العريض العميق .
وأجاز الباقون من أصحابنا : تركيب الحدِّ من وصفين وأكثر، وهو الصحيح عندنا).
(٢) قال الإمام المصنف في ((عيار النظر)) (ص٣٠٩): (وزعمت الفلاسفة: أن الحدّ
لا يكون إلا مركباً من جنس وفصل ، وزعموا : أن ما اطرد بوصف واحد وانعكس فهو
رسمٌ وليس بحدٌ)، وقال الإمام الغزالي في ((محك النظر)) ( ص ١٨٨): (وأحسنُ
الرسميات : ما وُضعَ فيه الجنس الأقرب وأُتِمَّ بالخواصِ المشهورة المعروفة ) .
(٣) عبارة الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٤٤): ( وقال قائلون : =

وفيه إبطالُ قول من قال : بإثبات مُخبِرِ لا خبرَ له ، كما ذهب إليه الأصمُّ
ونفاةُ الأعراض .
وإبطالُ قول من قال : بإثبات خبرٍ لا لمُخبِرٍ ، وعلمٍ لا لعالِم ، وهذا
قولُ من قال : إن لله علماً وخيراً ، ولم يُسمِّهِ عالماً ولا مُخبِراً .
وأما حدُّ الخبر على قول من أجاز من أصحابنا تركيبَ الحدود من وصفينٍ
وأكثر ، ومنع التقسيمَ في الحدِّ .. فهو أن يقال : الخبرُ : قولٌ مفيدٌ ليس في
ضمنه تكليفٌ (١)
وفي هذا احترازٌ عن [الأمر و] النهي والاستخبار (٢)؛ لأن الأمر والنهيَ
كلاهما تكليفُ ، والاستخبارَ : طلبُ الخبر ، والطلبُ في معنى التكليف ،
والخبرُ : هو القولُ المفيدُ العاري عن معنى التكليف .
فإذا صحَّ لنا حدُّ الخبر ومعناه .. قلنا : أقسام الخبر اثنان لا ثالث لهما ؛
وذلك أن الخبرَ عندنا لا يخلو : من أن يكونَ صدقاً ، أو كذباً .
وفي هذه القسمة خلافٌ من وجهينِ :
الخبرُ : هو الكلام الذي يقتضي مُخبِراً، وإنما سُمِّيَ خبراً : من أجل المُخبِر به ، فإذا لم
11
يكن مُخبِرٌ لم يُسمَّ الكلامُ خيراً ) .
(١) وهذا التعريف كما ترى بمعنى ( ما يحتمل الصدق أو الكذب لذاته )، ولكن لما كان
قائله لا يجيز التقسيم في الحدِّ .. اختار هذا التعبير، وسيبيِّنُ المصنف أن التكليف
يحصل بالأمر والنهي ، والطلب في معناه .
(٢) إذ الكلام عند قدماء الأصوليين منقسم إلى : أمر ، ونهي ، وخبر ، واستخبار ،
ولا شكَّ أن ثبوت واحدٍ منها يرفع سائر الأقسام. انظر (( البرهان)» لإمام الحرمين
( ١٩٦/١ ) .
COO٢ ٣٣ ٠٠, 00000

Y.PCYO!
أحدُهما : مع الديصانيّةِ من الثنويَّةِ ، فإنها زعمت أن قول القائل : أنا
ظلَّام، أو شريرٌ، أو كاذب .. ليس بصدقٍ ولا كذبٍ (١)
والذي ألجأهم إلى القول بما قالوه : ادعاؤهم القولَ بصانعينٍ (٢):
أحدُهما : نورٌ يفعل الخيرَ والصدقَ ، ولا يفعلُ الشرّ والكذبَ .
والآخرُ : ظلامٌ يفعل الشرَّ والكذبَ ، ولا يفعل الخيرَ والصدقَ .
فيقولُ المُوحِّدُ لهم : أخبرونا عن قائلٍ قال : أنا ظلَّام أو شريرٌ أو
كاذبٌ ؛ مَنْ هذا القائلُ من هذين الأصلينِ ؟
فإن قلتم : إنه نورٌ .. فقد كذب ، [وفيه نقضُ قولكم: إن النور
لا يكذب .
وإن قلتم: إنه ظلامٌ .. فقد صدق](٣) ، وفيه نقضُ قولكم: إن الظلامَ
لا يصدق .
فقالوا : من شرط الصدقِ أن يكونَ صاحبُهُ عالماً به ، والظلامُ مَوَاتٌ
لا علمَ له بشيءٍ، وإنما يفعلُ الكذبَ والشرّ طِباعاً، فلم يجبْ كونُهُ
صادقاً .
والخلافُ الثاني : بيننا وبين الذين زعموا من القدريَّة : أن الخبرَ إذا
صدرَ عن النائمِ والساهي .. لم يكن صدقاً ولا كذباً، وقالوا : لا يكونُ
(١) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص ٨٦)، و(( أصول الدين)) للمصنف (ص٢١٧).
(٢) قوله : ( بما قالوه ادعاؤهم): في ( أ): ( بما قالوه وادعاؤهم)، وفي ( ب، ج) :
( بها ادعاؤهم ) .
(٣) ما بين المعقوفين ليس في جميع النسخ ، وهو مما يقتضيه السياق .

الخبرُ صدقاً ولا كذباً إلا عند قصدِ المُخبِر إليه(١)
والذي ألجأهم إلى القول بههذا قولُهم : إن الأمرَ لا يكونُ أمراً إلا عند
وجود المأمور به (٢)
فألزمهم أصحابُنا : ألا يكونَ الخبرُ خبراً إلا باقتران الإرادة به ، فضاقَ
عليهم الفرقُ بينهما ، فركبوا القول : بأن من شرط الصدقِ والكذبِ
اقترانهما بإرادةٍ وقصدٍ إلى إيقاعه !
فيقالُ للفريقين : قد علمنا بالضرورة أن الخبرَ لا بدَّ له من مُخبِرٍ به عنه ،
وبالضرورة يُعلَمُ أن المُخبَرَ عنه لا يخلو : أن يكونَ على ما وقع الخبرُ عنه ..
فيكونَ صدقاً ، أو يكونَ خلافَ ما وقع الخبرُ عنه . . فيكونَ كذباً .
ويقال للديصانيّة : لو كان العلمُ والحياةُ شرطينٍ في الصدق .. لوجب
أن يكونا شرطينٍ في الكذب ؛ ألا ترى أن الحياةَ لمَّا كانت شرطاً في وجود
العلم كانت شرطاً في وجود الجهلِ الذي هو ضدُّ العلم ؟!
ومن العجائب : أن المخالفينَ في هذا الباب من القدريَّة زعموا : أن
الكذبَ لا يتغيَّرُ في الحُسنِ والقبح ، وزعموا : أن الكذبَ قبيحٌ من الساهي
والطفلِ (٣)، ومن الطير الذي يوجدُ فيه بعضُ النطق.
وإذا وصفوا الكذب زعموا : أنه لا يكونُ كذباً إلا مع القصدِ(٤)
(١) وهو قول الجاحظ من المعتزلة، وخالفه فى ذلك أكثر المعتزلة. انظر ((المعتمد)) (٧٥/٢ -
٧٦)، وعزاه الإمام المصنف في ((أصول الدين)) ( ص ٢١٧ ) إلى متأخري المعتزلة .
(٢) في (ج): (إلا مع إرادة) بدل (إلا عند) .
(٣) انظر ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (١١/٦، ١٩).
(٤) وليس هذا مذهب أكثر المعتزلة كما مر، وانظر (( المغني في أبواب التوحيد والعدل 1=
CLON
DODO٥ ٣٣٤ ٥oo00

00
CATELYO!
فإن لم يكن بين هذين المذهبينِ تناقضٌ فلا قولَ أصحُ من السفسطة !(١).
وأيضاً : فقد أجمعنا مع القدريّة : على أن الشاكَ والجاهلَ كاذبانٍ مع
القصد منهما إلى فعل الخير والصدق ، فلو كان القصدُ شرطاً فيه لما وقع فيه
صدقٌ ولا كذبٌ إلا ممَّن يقصِدُهُ على الوجه الذي يقعُ عليه .
ثم استدلَّتِ القدريَّةُ على قولها بأن قالت : لو دخل الخبرُ في أحد هذين
الوجهينِ مع زوال القصد .. لوجب وصفُ الطيور والصدى والنائم بالصدقِ
والكذبِ .
فيقالُ لهم : إذا كان عندكم ما وُجِدَ من الصدى كلاماً لفاعلٍ السبب وقد
كان عند فعلِ السبب قاصداً إليه .. فيلزمُكم : أن يكونَ هو به صادقاً أو
كاذباً ، والطيرُ عندكم فاعلُ الكلام ، فيلزمُكم : كونُهُ صادقاً أو كاذباً بالقصد
إلى القول .
00
وعندنا : ليس من شرط الكلام وجودُ القصدِ ، فلا ننكرُ أن يكونَ النائمُ
والطيرُ صادقينٍ أو كاذبين (٢)
(٨٢/٦ - ٨٥)، فالإرادة عند قاضيهم مؤثرةٌ في كون الكذب خبراً، لا في كونه
=
قبيحاً ؛ وإنما يقبح لكونه كذباً .
(١) وجه السفسطة من قياس مركب صورته : الكذب قبيح لذاته ، والكذب لا يكون كذباً إلا
مع القصد ، وتمامه وفيه وجه النقض : الكذب من الساهي ونحوه قبيح لقبح الكذب
لذاته ، والكذب مصحوب بالقصد ، غير أن الساهي لا قصد له ؛ فلا كذب له مع تصور
الإخبار بالكذب منه !
(٢) ولا يلزم من ذلك الحسن أو القبح كما لزم المعتزلة ؛ لأنهما عندنا شرعيان لا عقليان،
وإنما قال بالتلازم بين الصدق والحسن ، والكذب والقبح .. المعتزلة .

والكلامُ المسموعُ من الصدى :
فإن كان المتكلُّمُ به جنياً أو شيطاناً : فهو به صادقٌ أو كاذبُ إن كان
كلامُهُ خبراً .
وإن وجد في غير جنيٍّ ولا شيطانٍ : فقد اختلف أصحابُنا في وجود
الحياةِ في محلِّهِ :
[فذهب الإمام الأشعريُّ: إلى اشتراط وجود الحياة في محلّهِ](١) ؛ إلا
أنه قال : إن المسموعَ من الصدى صوتٌ وليس بكلام (٢)
وقال القلانسيُّ: ليس من شرطه وجودُ الحياة في محلِّهٍ (٣)
وعلى هذين القولينِ : متى كان المسموعُ خبراً لم يخلُ من أن يكونَ
صدقاً أو كذباً .
فإن قيل : إذا جاز عندكم أن يكونَ الخبرُ صدقاً أو كذباً ممَّن لم
يقصدْهُ .. فلِمَ لا يجوز أن يكونَ الفعلُ طاعةً أو معصيةً ممَّن لم يقصدْهُ ؟!
00
قيل : كذلك نقولُ ؛ لأن الفاعلَ قد يصير عاصياً بفعله وإن لم يعلم
أن الله قد نهاه عنه(٤)، كذلك قد يصيرُ مُطيعاً بالفعل إذا وافق فعلُهُ الأمرَ به
(١) ما بين المعقوفين ليس في جميع النسخ؛ قال الإمام المصنف في ((أصول الدين))
(٢٩): ( اختلف أصحابنا في كون الحياة شرطاً في وجود الكلام فيما ليس بحيٍّ :
فاشترطها الأشعريُّ فيه ، وأجاز القلانسيُّ وجود الكلام لما ليس بحيٍّ ) .
(٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)» (ص٦٩)، وانظر (٩٣/٢) في بيان هذا الخلاف.
(٣)
انظر ما تقدم (٢ / ٩٣ ).
(٤) كالمسائل التي لا يعذر فيها بالجهل ، وعلى رأسها طاعة الإيمان في حق الكافر ، ومن
أفرادها : مباشرة عقد لا يعلم حكم الله تعالى فيه ، وليس منها الوطء بشبهة ، ولا شرب
خمر وهو يحسبه خلاً .
CON
00000 .٦ ٣٣ 00000 1

وإن لم يعلم الفاعلُ أنه مأمورٌ به(١)
فإن قيل : أخبرونا عن قول القائل : ( لا إله إلا الله ) إذا أراد به
المسيحَ ، هل يكون هذا المُخبِرُ صادقاً ؟
قيل : خبرُهُ صدقٌ وحقٌّ ، وقصدُهُ باطلٌ ، وقد سمع عليٍّ رضي الله عنه
بعض الشُّراة يقول : لا حكم إلا لله، فقال : كلمةُ حقِّ أريدُ بها باطلٌ(٢)،
فأخبر أن القصدَ بالكلام إلى الباطل لا يخرجُهُ عن كونه صدقاً وحقّاً .
(١) كالمؤمن يفعل ما حسَّنه الشرع وهو غير عالم به ، ويرى هذا في صحيفته يوم القيامة ،
ثم الحسن والقبح في الصورتين ليسا عقليين ، بل هما شرعيان .
(٢) رواه مسلم (١٥٧/١٠٦٦)، والشُّراة بوزان قُضاة: الخوارج؛ من الشَّري؛ وهو
التمادي ، سُمُّوا بذلك لشدة غضبهم على المسلمين ، لا من قولهم : شرينا أنفسنا في
الطاعة . انظر (( تاج العروس )) ( ش ري ) .
DO000 ٣٣٧ 00000

الفصل الثالث
في بيان حقيقة الصدق
وبيان أن هل يجوز أن يكون خبر واحد صدقاً كذباً أم لا
10
حقيقةُ الصدقِ : هو الخبرُ الذي يكونُ مُخبَرُهُ على وَفْقِهِ .
وحقيقةُ الكذبِ : الخبرُ الذي مُخبِرُهُ بخلافه(١)
وقال بعضُ المعتزلة : إن هذين الخبرينِ غيرُ صحيحين ؛ لأن في
الأخبار ما ليس له مُخبرٌ .
وهذا اعتراضٌ فاسدٌ؛ لأنه ليس في الأخبار عندنا شيءٌ إلا وله مُخْبٌَ(٢).
00
فإن أراد القدريُّ بالخبر الذي لا مُخبَرَ له : الخبرَ عن المُحالِ ؛ كالجمع
بين الضدَّينِ ، وكلٌّ ما يستحيلُ وجودُهُ .. فالمحالُ مُخبَرٌ عنه(٣) ؛ فإن أخبر
(١) انظر ((التقريب والإرشاد)) (٢٦٠/٢)، و((الحدود في الأصول)) (ص١٣٤ -١٣٥)،
و((الإرشاد)) (ص٤١١)، وزاد الإمام السيوطي في (( معجم مقاليد العلوم)) ( ص٦٦)
في الحدَّين : ( بالضرورة أو الاستدلال ) ، وهو نظر إلى تحقّق الصدق والكذب في
المخبر .
(٢) وهو الخبر في الجملة الاسمية ، والفعل في الجملة الفعلية، أو هو المسند فيهما .
(٣) أما المحال في نفسه فلا يوصف بكذب ولا صدق ؛ لكونه من التصورات ، ولذلك يقع
في الاستخبار ؛ كقولك : أقدمَ زيدٌ غداً؟ وفي الخبر ؛ كقولك : هذا حسنٌ قبيح من
وجه واحدٍ. انظر (( الفروق)) للعسكري (ص ٤٣ ) .
COO000 ٨ ٣٣ ,00000

عنه بالإحالة كان المُخبِرُ عنه صدقاً ، وإن وقع الخبرُ عنه بالوجود أو بجواز
الوجود .. كان الخبرُ عنه كذباً .
وقال هذا المعترضُ في حقيقة الصدقِ : كلُّ خبرٍ يجوزُ أن يطابقَهُ
العلمُ ، والكذبِ : كلُّ خبر لا يجوزُ أن يطابقَهُ العلمُ .
وهذا حدٍّ فاسدٌ ؛ لأن الكذبَ قد يطابقُهُ العلمُ بكونه كذباً ، ولا يكون
مع ذلك صدقاً(١)
وزعم بعضُ الكراميّة : أن الصدق : هو الخبرُ الذي تحته معنىّ .
وكان فيهم رجل يُعرَفُ بإبراهيمَ الشورمينيِّ يزعمُ (٢) : أن الصدقَ: هو
الخبرُ الذي يجوزُ للإنسان أن يُخبِرَ به ، والكذبَ : هو الخبرُ الذي لا يجوزُ
للإنسان أن يُخبِرَ به .
وألزمناه على هذا المذهب : أن تكونَ السعايةُ والنميمةُ كذباً وإن كان
مُخبرُهُ على ما وقع الخبرُ عنه ، وزعم : أن جمیعَ ذلك كذبٌ !
وكان يزعمُ مع ذلك : أن الصدقَ لا يكونُ إلا حسناً ، والكذبَ لا يكونُ
إلا قبيحاً .
فألزمناه على هذا المذهب : ألا يكونَ خبرُ النائم إذا تكلّم في حال نومه
صدقاً ولا كذباً ؛ لأنه [لا] يقالُ للنائم : إنه يجوزُ له أن يفعل شيئاً ، ولا بأنه
لا يجوزُ له فعل شيء .
(١) فإن كانت مطابقة العلم عندهم ترجع إلى ماهية المخبَرِ عنه ؛ من حيث كونه جائزاً أو
واجباً أو مستحيلاً .. فلا إشكال حينئذٍ .
(٢) في ((أصول الدين)) للمصنف ( ص ٢١٧): (الشورملي ) بدل ( السورميني ) .
00000,٩ ٣٣ -00000