Indexed OCR Text
Pages 281-300
قال الفراءُ: ( قولَهُ: ((سبحانك)) منصوبٌ على المصدر)(١)، كأنك قلت : سبَّحْتُ الله تسبيحاً ، فجعل ( سبحانَ ) في موضع تسبيحٍ ؛ كما تقول : كَفَّرْتُ في موضع تكفيرٍ ، ثم تجعل الكفرانَ في موضع تكفيرٍ ، فتقول : كَفَّرْتُ عن يميني كُفْراناً، قال زيدُ بن عمرو بن نفيل (٢): [من البسيط] سبحانَ ذي العرشِ سُبْحاناً يدومُ لهُ ربُّ البرِيَّةِ فردٌ واحدٌ صمدُ وأما التسبيحُ : فقد يكون تسبيحاً بالقول ؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]، و﴿ سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقال في صفة الملائكة عليهم السلام: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥]، ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وقد قيل: إن مجرى التسبيح فيهم كمجرى النَّفَسِ من ابن آدم . وقد يكون التسبيحُ صلاةً؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [آل عمران: ٤١]؛ أي: صلِّ (٣) ويقال : فرغ فلانٌ من سُبْحتِهِ ؛ أي : من صلاته(٤) وفي حديث عمرَ رضي الله عنه : أنه جلدَ رجلينِ سَبَّحا بعدَ العصر ؛ أي : صلَّيا(٥) انظر ((معانى القرآن)) له (١٠٥/٢). (١) (٢) انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (٥١/١)، وقال: ( أو ورقة بن نوفل)، وجزم البغدادي في ((خزانة الأدب)) ( ٣٨٩/٣) أنه لورقة ، رضي الله عنهما . (٣) انظر ((الغريبين)) (٨٥٣/٣). (٤) انظر ((الغريبين)) (٨٥٣/٣). (٥) انظر ((الغريبين)) (٨٥٣/٣). حد وفي الحديث : ((لعلَّكم تدركونَ أقواماً يصلُّون [الصلاةً] لغيرِ وقتِها، فصلُّوا للوقتِ الذي تعرفونَهُ، واجعلوا صلاتكم معَهم سُبْحَةً))(١) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]؛ أي : من المصلّينَ، وإنما سُمِّيتِ الصلاة تسبيحاً لأنه يكثرُ فيها تسبيحُ الله وتنزيهُهُ(٢). وفي ذلك دلالةٌ على إبطال قول الأصمِّ وابن عُليَّةَ : إن الصلاة تصحُ من غير ذكر فيها ولا في أوَّلِها ولا في آخرِها ، وذلك مذهب مجسِّمةِ خراسانَ المعروفين بالكراميَّةِ (٣) وقد يكون التسبيحُ بمعنى الاستثناء ؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُوْلَوْلًا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]؛ أي: تستثنون، وإنما سُمَِّ الاستثناء تسبيحاً لأن الاستثناءَ فيه تعظيمُ الله عزَّ وجلَّ، والإقرارُ بأنه لا يشاءُ أحدٌ إلا أن يشاء اللهُ، وأنه لا يكونُ إلا ما شاء(٤)؛ كما قال المسلمون : ( ما شاءَ الله كان، وما لم يشأ لم يكن )(٥) ، وذلك خلافُ قولِ القدريَّةِ: إن الله قد يشاءُ (١) رواه مسلم ( ٥٣٤ ) من حديث سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه ، قال الهروي في ((الغريبين)) (٨٥٣/٣): ( أي : نافلة ). (٢) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٣١٣/٤)، و((الغريبين)) (٨٥٤/٣)، وفي ((الدر المنثور)) (١٢٥/٧) عن سعيد بن جبير: ( من المصلّين قبل أن يدخل بطن الحوت ) . (٣) انظر (٢ / ٢٠٧) . (٤) انظر ((الغريبين)) (٨٥٤/٣). (٥) يعني : أجمع المسلمون على هذا القول ، وقد روي هذا القول مرفوعاً، رواه أبو داود (٥٠٧٥)، والنسائي في (( السنن الكبرى)) (٩٧٥٦) من حديث بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لها: (( قولي حين تصبحين : سبحانَ اللهِ وبحمده ، ولا قوّة إلا بالله، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، أعلم أن الله على كل شيء قدير ، = كونَ الشيء فلا يكون ، ويكرهُ كونَ أشياءَ فتكون(١) وقد يكون التسبيحُ بمعنى النور ؛ وفي الحديث: ((لولا ذلكَ لأحرقَتْ سُبُحاتُ وجهِهِ ما أدركَتْ مِنْ شيءٍ ))(٢)؛ يريد بالسُّبُحات : النورَ. وقد بيّنًّا تفسيرَ هذا الخبر في كتابنا المفرد في تأويل الأخبار والآثار(٣) قال عبدُ القاهر : يحتملُ أن يكون : السُُّّوح على وزن فُغُول ، والمرادُ به وزنُ المفعول ؛ فيكون معناه المسبَّحَ ؛ كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَيِّكَ﴾ [الأعلى: ١]، وقولِهِ تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة ٧٤] ، وعلى هذا التأويل: يكون السُّبُّوح من صفات الفعل ، ولا يكون موصوفاً به في الأزل . ويحتمل أن يكون : معنى السُّبُّوح : الذي جلَّ عن التشبيه والتعطيل ، وبَعُدَ عن كلِّ نقصٍ وعيب ، فيكون على هذا التأويل : من أوصافه الذاتيّةِ التي لم يزلْ موصوفاً بها ، والله سبحانَهُ وتعالى أعلمُ بالصواب . وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً ؛ فإنه من قالهُنَّ حين يصبح حُفِظَ حتى يمسيَ ، ومن قالهنَّ حين يمسي حُفِظَ حتى يصبحَ )) . ٥ (١) وذلك أنهم قالوا : أفعال العباد الاختيارية من خلقهم، والكراهة في سياق المصنف بمعنى إرادته تعالى ألا يكون كذا ، وتقدم بيان ذلك (٥١٤/١ ) . (٢) رواه مسلم (١٧٩) من حديث سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، ولفظه عنده : (( حجابه النور - وفي رواية: النار - ، لو كشفَهُ لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه )) . (٣) وهو كتاب (( تأويل المتشابهات في الأخبار والآيات)). qAX 2 TO ذكر معنى (السيد) في أسماءالله عزوجل ليس هذا الاسمُ في الخبرينِ اللذينِ ذكرناهُما في تسعةٍ وتسعينَ اسماً من أسماء الله عزَّ وجلَّ، ولكنَّهُ مرويٍّ في خبر آخرَ ؛ وهو أن رجلاً قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : أنت سيِّدُ قريش ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : ((السيِّدُ اللهُ)) (١) قال عبدُ القاهر : تأويلُ هذا الحديث : أنه عليه السلام كَرِهَ أن يُمدحَ في وجهه ، وأحبّ التواضع ، وليس ذلك بمخالفٍ لما رُوِيَ من قوله عليه الصلاة والسلام للأوس حين أتاه سعدُ بن معاذ فقال: ((قوموا إلى سيِّدِكم))(٢)، ولما رُوِيَ من قوله عليه الصلاة والسلام: ((أنا سيِّدُ ولِدِ آدمَ))(٣) وقد سمَّى اللهُ عزَّ وجلَّ يحيى بن زكريا عليهما السلام سيِّداً فقال : ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]. وقال في زوج امرأة العزيز: ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]. (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤/٤)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٠٠٣) من حديث سيدنا عبد الله بن الشخير رضي الله عنه . (٢) رواه البخاري ( ٣٠٤٣)، ومسلم ( ١٧٦٨ ) من حديث سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال الهروي في ((الغريبين)) (٩٤٨/٣): (أراد: أفضلكم رجلاً) . (٣) رواه مسلم (٢٢٧٨) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه . ٠٢٨٣٥ .... W XTPAYO وفي ذلك : دليلٌ على جواز تسمية غيرِ الله عزَّ وجلَّ سيداً ، وأن قوله عليه السلام: (( السيِّدُ اللهُ)) خارجٌ على طريق التواضع منه لربِّهِ عزَّ وجلَّ. فإذا صحَّ هذا : فالسيِّدُ في وصف الله عزَّ وجلَّ معناهُ : مالكُ الخلق أجمعين. والسيِّدُ في اللغة : هو الذي يفوقُ قومَهُ أو ما هو من جنسِهِ ونوعه (١) ؛ كقول القائل : ( آيَةُ ((الكرسيِّ)) سيِّدةُ السورِ)(٢) ؛ أي: يفوق شأنُها شأنٌ سائر آيات السور ؛ يقالُ : ساد قومَهُ سيادة وسُؤْدَداً . والسيِّدُ: الزوج أيضاً؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا اَلْبَابٍ﴾ [يوسف: ٢٥] (٣). والسيِّدُ : الحليم(٤) والسيِّدُ : الرئيسُ ؛ قال الشاعر(٥): [من الكامل] سَوَّارُ سيِّدُنا وسيِّدُ غيرنا صَدْقُ الحديثِ فليسَ فيهِ تماري والسيِّدُ : السخيُّ أيضاً ، قاله الزجاج(٦) وقد ضربت العرب الأمثالَ من السؤدَدِ ؛ فقالت : أسودُ من (١) انظر ((الغريبين)) (٩٤٨/٣). (٢) روى الترمذي (٢٨٧٨) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((لكل شيء سَنام، وإن سَنام القرآن سورة ( البقرة ) ، وفيها آية هي سيدة آي القرآن ؛ هي آيةُ ( الكرسي ))» . (٣) انظر ((الغريبين)) (٩٤٨/٣). (٤) انظر ((الغريبين)) (٩٤٨/٣). انظر ((الغريبين)) (٩٤٨/٣)، و((لسان العرب)) (س ود)، وفيه: أن البيت أنشده (٥) أبو زيد الأنصاري . (٦) نقله الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٢٧/١٣) عن الفراء. الأحنف(١)، وأسودُ من قيسٍ بن عاصم(٢)، وقالوا: السؤدَدُ مع السواد. فأما قولُهم : ( أسودُ من الأحنف ) فقد يجوزُ أن يكون سؤدَدُهُ من أجل حِلْمِهِ، وقد ضُرِبَ بحلمه المثلُ ؛ فقالوا : أحلمُ من الأحنف ، ويحتملُ أن يكون المرادُ بههذا المثل السؤدَدَ في الرئاسة ؛ فإنه ساد قبائلَ تميم ، وأطاعته أكثرُ قبائل اليمن . وأما قولُهم : ( أسودُ من قيس بن عاصم ) فلأن الناسَ قالوا له : سيِّدُ أهلِ الوبر (٣) ورُوِيَ : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وصفَهُ بذلك(٤) ؛ وهو من بني مِنْقَرِ ؛ بطنٍ من تميم . C وأما قولُهم : ( السؤدَدُ مع السواد ) فقيل في معناه : إن السؤدَدَ على حداثة السنِّ ، وفي حال اسودادِ الشَّعَرِ قبل الهرم والعجز عن القيام بحقوق السيادة ، وقيل في معناه : إن السوادَ الجماعةُ ، والسؤدَدَ طاعةُ الجماعة والسوادِ من الناس ، وكلا التأويلينِ صحيحٌ . 000 ورُوِيَ : أن بعض الصالحين كان يقول في مناجاته : [من الكامل] حسبي بأنَّكَ عالمٌ بودادي يا سيِّدي ومؤمَّلي وعمادي (١) انظر ((مجمع الأمثال)) (٣٥٦/١). (٢) انظر ((العقد الفريد)) (٩/٣). (٣) انظر (١/ ٥٥٢) . (٤) روى البخاري في (( الأدب المفرد)) ( ٩٥٣) عن سيدنا قيس بن عاصم رضي الله عنه أنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( هذا سيدُ أهل الوبر)». DO000 (٢٨٥٥ ـد CON ذكر معنى (السائر) و(الستار) في أسماءالله عز وجل وهذان الاسمان غيرُ مذكورينٍ في الخبر الوارد في تسعةٍ وتسعينَ اسماً ، وللكن الأمةَ أجمعَتْ على ذلك ، وقالت في دعائها : يا غافر الذنوب ويا ساترَ العيوب، ويا غفَّارَ الذنوب وستَّارَ العيوب . وهما من صفاتِهِ الفعلية ، ولا يجوزُ أن يكون موصوفاً بهما في الأزل . وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] قد قال فيه أهل اللغة: إن المستورَها هنا بمعنى الساتر، وتأويلَ الحجاب : الطبعُ على القلوب (١) وفي الحديث : (( أيُّما رجلٍ أغلقَ على امرأتِهِ باباً ، وأرخى دونَها إستارةً .. فقد تمَّ صداقُها))(٢)، قال شمرُ بن حمدويه: (الإستارةُ: من السِّتر، ولم نسمعْهُ إلا في هذا الحديث ، وقد سمعنا السِّتارةً والمِسْتر بمعنى السِّتْر، وقد قالوا: إسوارٌ للسوار ، وذلك نظيرُ إستارة للسِّتارة )(٣) (١) انظر ((الغريبين)) (٨٦٣/٣). (٢) انظر ((النهاية في غريب الحديث)) (٣٤١/٢). (٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٦٦/١٢)، و((الغريبين)) (٣/ ٨٦٤). ٥٠٠٠٠:٢٨٦ EXCAC قال عبدُ القاهر استدلَّ أهلُ العراق على قولهم بتكميل المهر إذا وقعَتِ الخلوةُ الصحيحة .. بالخبر الذي [ذُكِرَ] في هذا الموضع(١)، وإن صحّ الحديثُ فيه فإنما جُعِلَ إرخاءُ السِّتر وإغلاقُ الباب حُجَّةٌ للمرأة في دعواها الإصابةَ ، فأما إذا تصادقَ الزوجان على عدم الإصابة مع وجود الخلوة فإن المهرّ لا يكملُ بتلك الخلوة في قول جميع الصحابة ، فلا يجوزُ مخالفتهم ، والله أعلم . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (ذكره). CLON ٢٨٧٦٠ Tratorara مـ ـة ذكر ما جاء من أسماءالله عز وجل مفتحاً بحرف الشين الجمـ 00000 ٢٨ a CON ٢٠٠٠٢٨٩ FATTATU ALTRA ذكر ما جاء من أسماءالله عز وجل مفتحاً بحرف الشين الجسم قد وصفَ الله عزَّ وجلَّ نفسَهُ بأنه : ( شهيدٌ)، و( شكورٌ) ، و( شاكرٌ) . ووردت السنةُ بذلك كلِّهِ في أوصافه ، وبأنه : شاهدُ كلِّ نجوى . ونحن نذكرُ تفسيرَ كلِّ واحد من ذلك على التفصيل إن شاء الله عزَّ وجلَّ . O ـجـ CON Y 3 ذكر معنى (الشاهد) و(الشهيد) من أسماء الله عز وجل الشهيدُ في اللغة على ثلاثة أوجهٍ : أحدُها : الشهيدُ من الشهادة ، ولذلك قال عزَّ وجلّ: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ويقال منه: أشهدتُ الرجلَ واستشهدته ؛ بمعنى واحد(١) والثاني : الشهيدُ بمعنى المبيِّنِ . وقيل : إنما سُمِّيَ الشهيدُ والشاهدُ شاهداً لأنه يبيِّنُ بشهادته ما يُوجِبُ حكم الحاكم(٢) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] قيل: معناه: بيَّنَ الله تعالى أنه لا إله إلا هو بالأدلَّةِ التي نَصَبَها على توحيده(٣)، وبيَّنَ ذلك الملائكةُ وأولو العلم : بإظهار القولِ 6 به ، وإحاطةِ العلم به . (١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٤٨/٦)، و((الغريبين)) (١٠٤٥/٣). (٢) انظر (( الغريبين)) (١٠٤٥/٣). (٣) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٣٨٥/١)، و((تهذيب اللغة)) (٤٧/٦)، وعبارة الهروي في ((الغريبين)) (١٠٤٥/٣): (بيَّنَ الله وأعلمَ الله ) . 000 والوجهُ الثالثُ: الشهيدُ بمعنى الشاهدِ الحاضرِ (١)، ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ أي: من كان حاضراً غيرَ مسافرٍ (٢)، بدليل أنه قال في آخرِ الآية: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنْيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٣). وعلى هذا المعنى جاء قولُهُ: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] ؛ أي: حضوراً لا تعتزلُ عنه (٤) وعلى كلِّ الوجوهِ الثلاثة يكون الشهيدُ والشاهدُ فيه سواءً . وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ﴾ [آل عمران: ٩٩]؛ أي: أنتم تشهدون وتعلمون أن نبؤَّةً محمد صلى الله عليه وسلم حقٌّ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قد بيَّنَهُ (٥) في كتابكم (٥) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾ [غافر: ٥١] .. قد قيل فيهم : إنهم الملائكة (٦) وقيل : هم الأنبياءُ والمؤمنون الذين يشهدون يومَ القيامة على المكذِّبينَ(٧)، (١) انظر ((تفسير أسماء الله الحسنى)) (ص٥٣)، و((اشتقاق أسماء الله)) (ص١٣٢). (٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (٥٠/٦) . في جميع النسخ : ( ومن كان منكم مريضاً ... ) ، بزيادة كلمة ( منكم ) . (٣) (٤) انظر ((غريب القرآن)) لابن قتيبة ( ص٤٩٦)، وعبارته : ( كان له - يعني: الوليد بن المغيرة - عشرةُ بنين لا يغيبون عنه في تجارة ولا عمل)، و(( معاني القرآن)» للفراء (٢٠١/٣)، و((الغريبين)) (١٠٤٧/٣). (٥) رواه الطبري في « تفسيره)) (٥٧/٦) عن قتادة، وانظر ((الغريبين)) (٦/ ٥٧). (٦) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٤٠٢/٢١) عن مجاهد، وانظر «الغريبين)) (١٠٤٥/٣). رواه الطبري في ((تفسيره)) (٤٠٢/٢١) عن قتادة، وانظر ((الغريبين)) (١٠٤٦/٣). (٧) 2 ٢٩٣٠ معه .CYOYA coococococcocco CO تصديقُهُ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. والأشهادُ : جمعُ شاهدٍ؛ مثل: ناصرٍ وأنصارٍ، وصاحبٍ وأصحابٍ(١). وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَتْلُوُهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ [هود: ١٧]؛ أي: مَلَكُ حافظ (٢) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] معناه: أن كلَّ فِرْقةٍ من أهل الكفر سوى مشركي العرب .. لا يقبلون لأنفسهم اسمَ الشرك ، وكان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم : لبّيك لا شريكَ لك ، إلا شريكٌ هو لك ، تملكُهُ وما مَلَكَ(٣). وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]؛ أي: على أمَّتك بالإبلاغ (٤)، وقيل: مبيّاً(٥) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص: ٧٥] ؛ أي : اخترنا من كلِّ أمّة نبيّاً ، وكلُّ نبيِّ شاهدٌ على أمَّته(٦) (١) انظر ((الغريبين)) (١٠٤٦/٣). (٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٢٧٥/١٥) عن مجاهد، وانظر ((الغريبين)) (١٠٤٦/٣). (٣) رواه بنحوه الطبري في ((تفسيره)» (١٦٥/١٤) عن السدي، وانظر ((الغريبين)) ( ١٠٤٦/٣ ) . رواه الطبري فى (( تفسيره)) (٢٨١/٢٠) عن قتادة، وانظر ((الغريبين) (١٠٤٦/٣). (٤) (٥) انظر ((الغريبين)) ( ١٠٤٦/٣). (٦) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٦١٤/١٩) عن مجاهد وقتادة، وانظر ((الغريبين)) ( ١٠٤٦/٣ ) . وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُورٌ﴾ [هود: ١٠٣]؛ أي: محضورٌ، يحضرُهُ أهلُ السماوات والأرض(١) ومثلُهُ قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَنَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ يعني: صلاة الفجر إذا أقيمت بغَلَسِ يحضرُها ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار ، فتُكتَبُ له في الديوانينِ (٢) ولهذا قال الشافعيُّ رحمه الله وأهلُ الحجاز : إن التغليسَ لصلاة الصبح أفضلُ من الإسفار بها(٣) ، خلافَ أهل العراق؛ [بأن] الإسفارَ بها أفضلُ(٤)، إلا في صلاة الصبح بمنىّ يوم النحر فإن التغليسَ بها أفضلُ عند الجميع من الإسفار . وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَوْأَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [قَ: ٣٧]؛ أي: قلبُهُ فُرِّغَ لذلك وحافظَ عليه(٥) وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣]، وقد رُوِيَ فيه عن عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : الشاهدُ : يومُ (١) نقله الثعلبي عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وبه قال الضحاك . انظر ((الكشف والبيان)) (١٨٨/٥)، و((تفسير الطبري)) (٤٧٨/١٥)، و((الغريبين)) (١٠٤٦/٣ ) . (٢) روى الترمذي (٣١٣٥) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: (( تشهده ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار))، وانظر ((الغريبين)) (١٠٤٦/٣). (٣) انظر ((المدونة)) (١٥٧/١)، و((الأم)) (٩٣/١)، (١٧٤/٧). (٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (وإن)، وانظر ((المبسوط)) (١٤٥/١). (٥) انظر ((تفسير الطبري)) (٣٧٣/٢٢). ٢٢٢،٢٠٢٩٥ CCCCO YYG XX الجمعة ، والمشهودُ: يومُ عرفة(١). وقيل : الشاهدُ : النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، والمشهودُ : يومُ القيامة(٢) وفي روايات قتادة عن الحسن عن أبي هريرة : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : (( سيِّدُ الأيام يومُ الجمعةِ ؛ هو شاهدٌ، ومشهودٌ يومُ عرفةً ))(٣) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] .. قد اختلفوا فيه : فقال أهلُ العراق : حكمُها حكمُ الشهادة ، فلهذا لم يُجيزوا لعانَ العبد ، ولا لعانَ الذميِّ ؛ لأنهما ليسا من أهل الشهادة (٤) وقال الشافعيُّ: ( إن حكمَها حكمُ الأيمان )، وأجاز لعانَ العبد والذميِّ ، كما يجوز لعانُ الفاسق وإن لم تَجزْ شهادته(٥) واختلفوا في تسمية الشهيدِ في القتل شهيداً : (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٣٣٣/٢٤)، وانظر ((الغريبين)) (١٠٤٧/٣). (٢) رواه الطبري في تفسيره)) (١٥/ ٤٧٧) عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما ، وانظر (( الغريبين)) (٣ /١٠٤٧). (٣) رواه الهروي في ((الغريبين)) (١٠٤٧/٣)، ورواه البيهقي بنحوه في ((شعب الإيمان)) (٣٤٨٢) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه . (٤) قال الإمام السرخسي في ((المبسوط)) (٤٠/٧): (من شرائط اللعان عندنا: كون الزوجين من أهل الشهادة على الإطلاق ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه هذا ليس بشرط ، ولكن كل من كان من أهل الطلاق عنده فهو من أهل اللعان ) . (٥) انظر ((الأم)) (١٤٣/٥ - ١٤٤). فقال ابنُ الأنباريِّ : ( إنما سُمَِّ شهيداً: لأن الله وملائكتهُ شهودٌ له بالجنَّة يوم القيامة )(١) و[قال غيرُهُ](٢): إنما سُمِّيَ شهيداً: لأنه يُستشهَدُ به يوم القيامة على الكفَّارِ(٣) فعلى الوجه الأوّل: يكونُ ( فعيلاً) بمعنى [(مفعول)، وعلى الوجه الثاني : يكون ( فعيلاً ) بمعنى] ( فاعل ) (٤) وفي حديث أبي أيوبّ: أنه ذكرَ صلاة العصر ثمَّ قال: (( لا صلاةَ بعدَها حتَّى يُرى الشاهدُ))، قالوا: يا أبا أيوبَ؛ وما الشاهدُ ؟ قال: النجم(٥) (١) انظر ((الغريبين)) (١٠٤٧/٣)، و((تهذيب اللغة)) (٤٨/٦) وفيه: ( شهدوا له ) بدل ( شهود له ) . (٢) ما بين المعقوفين ليس في جميع النسخ، والمثبت من ((الغريبين)) ( ١٠٤٧/٣). (٣) روى هذا القول بنحوه الطبري في ((تفسيره)) (٣٣٦/٢١) عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما، وعبارة الهروي في ((الغريبين)) (١٠٤٧/٣): ( لأنه ممن يشهدُ يوم القيامة مع النبي صلى الله عليه وسلم على الأمم الخالية )، وفي (( شأن الدعاء» (ص٧٦) : أنه تعالى الشاهدُ للمظلوم الذي لا شاهدَ له ولا ناصر .. على الظالم المتعدي الذي لا مانع له في الدنيا ؛ لينتصف له منه . CCCCCCOCCOOOCOCO (٤) قال الأزهري عند حكايته للوجه الأول في ((الزاهر)) (٣١٢/١): ( وهو فعيل بمعنى مفعول ؛ كقولهم : هذا مطبوخ وطبيخ ، ومقدور وقدير ) ، وهو بمعنى ( فاعل ) على الوجه الثاني، وعليه علق ابن الأثير في (( النهاية في غريب الحديث)) (٥١٣/٢) بقوله : ( فهو فعيل بمعنى فاعل ) . (٥) رواه بنحوه الطبراني في (( المعجم الكبير)) (١٨٣/٤)، ولفظه عنده : عن أبي أيوب قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن هذه الصلاة - يعني العصر - فرضت على من كان قبلكم فضيَّعوها ، فمن حافظَ منكم اليومَ عليها أعطي أجرها مرتين ، ولا صلاةً بعدها حتى يرى الشاهد))؛ يعني: النجم، ورواه بنحوه مسلم (٨٣٠) من حديث سيدنا أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه، وانظر ((الغريبين)) (١٠٤٨/٣). OOOOO V 00000 COCO قال الفرَّاء : ( صلاةُ المغرب صلاةُ الشاهد )(١). واختلفوا في تسميتها صلاةً الشاهد : فمنهم من قال : لأنها صلاةُ النجم ، وسُمِّيَ النجمُ شاهداً؛ لأنه يَشهدُ بدخول وقتها(٢) ومنهم من قال : سُمِّيت صلاةَ الشاهد ؛ لأنها كصلاة المقيم لا تُقْصَرُ أبداً (٣) والقول الأصحُ هو الأوَّل(٤)؛ لأن صلاةَ الفجر أيضاً لا تُقْصَرُ، ولا تُسمَّى صلاةَ الشاهد . oo فإذا صحَّ ما بيَّناه في معنى ( الشهيد ) و(الشاهد) .. فهما من صفات الله عزَّ وجلَّ بمعنى : الحفيظِ العالم الذي لا يغيبُ عنه شيءٌ ، ولذلك قال: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] (٥). 000000 ويجوز أن يكون بمعنى : المبيِّنِ . 00000 (١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٤٩/٦)، و((الغريبين)) (١٠٤٨/٣). (٢) قال شمر بعد روايته لحديث سيدنا أبي أيوب: ( وهذا راجع إلى ما فسره أبو أيوب أنه النجم، كأنه يشهد على الليل). انظر (( تهذيب اللغة)) (٤٩/٦)، و((الغريبين)) ( ١٠٤٨/٣ ) . (٣) وهو قول أبي سعيد الضرير. انظر ((تهذيب اللغة)) (٤٩/٦). (٤) انظر ((الغريبين)) (١٠٤٨/٣). (٥) وعلى معنى العليم حمله الإمام الغزالي في (( المقصد الأسنى)) (ص٢٤٦)، وقال : ( إن اعتبر العلم مطلقاً فهو العليم، وإذا أضيف إلى الغيب والأمور الباطنة فهو الخبير ، وإن أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد ) . COOODO ٢٩A00000 وعلى التأويل الأوّل : يكون من صفاته الأزليّة التي استحقَّها لأجل علمه القديم ، ولم يزل شهيداً على هذا القول . وعلى التأويل الثاني : إن أريدَ به الإبانةُ بالفعل : فإنه من صفاتِهِ الفعليّة ، ولم يكن من صفاتِهِ الأزليّة . وإن أريدَ به البيانُ بالقول : فيكونُ من صفاته الأزليَّة على قولنا : إن كلامَهُ صفةٌ أزليَّةٌ ، وبالله التوفيق . oo 000 00000 9900000