Indexed OCR Text

Pages 241-260

ذكر معنى (الرازق) و(الرزاق)
في أسماء الله عز وجل
زعمت القدريةُ : أن الرِّزقَ بمعنى المِلْك، وأن ما أكلَّهُ الإنسان من
الحرام أو شربَهُ لم يكن رِزْقاً له (١)
وقال جمهورُ الأمة : إن جميعَ ما يتغذّى به الحيوان فهو رزقٌ له ؛ لقوله
عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] (٢).
فلو كان الذي يأكلُهُ الحيوانُ من الحرام غيرَ رزقه .. لكان أكثرُ الناس
والدوابِّ لم يرزقهم الله عزَّ وجلَّ ؛ لأن أكثرَ الناس يأكلون طولَ عمرهم
(١) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٧٨٧)، قال: (إن الله تعالى قال: ﴿قُلْ أَرَءَ يْتُم
مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم ◌ِنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا﴾ [يونس: ٥٩]، وأيضاً: فإنه تعالى
مدحنا بإنفاق ما رُزِقناه؛ حيث قال: ﴿وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، ومعلوم
أنه لا يجوز أن يمدح على الإنفاق من الحرام ، فصحَّ لنا ما ذكرناه ) ، وسيأتي الردُّ على
هذه الشُّبه، على أن الهمذاني ( ص ٧٨٥) كان قد فسَّرّ الرزق بما ينتفع به ، وفشّرَ
الانتفاع بالالتذاذ ، فدخل فيه ما ليس بغذاء ، وبهذا فارقوا أهل السنة .
(٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٥٣)، وفيه: ( والرِّزق على أصله: هو ما هُيِّئ
من الأجسام للتغذي والانتفاع به ، ولا يختصُّ ذلك عنده بمِلْك دون غيره ) .
وقال أيضاً (ص ١٣٧): ( وكان يقول: إن معنى الرزق فعلٌ واقع على وجه
مخصوص ؛ وهو أن يكون مما يتغذّى به الحيوان أو ينتفع به ؛ من دفع حرٍّ وبرد وأذىّ
وضرر ، واستجلاب منفعة وتمكين من ذلك ) ، إلى أن قال : ( وكان لا يراعي في ذلك
أن يكون مِلْكاً لمن تغذَّى به أو لم يكن مِلْكاً ).
bo00

ويَعلِفون دوابَهم من الحرام(١)
ولو كان الرزقُ بمعنى المِلْك لم يجزْ أن يقال : إنه رَزَقَ البهائمَ ؛ كما
لا يجوز أن يقال : إنه مَلَّكَها ، فلمَّا كانت البهائمُ مرزوقةً وإن لم نقل فيها :
( إنها مُمَلَّكةٌ) بطلَ أن يكون الرزقُ بمعنى المِلْك والتمليك(٢)
فإن استدلُّوا بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِنَا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة
[البقرة : ٣] ،
وقالوا : لمَّا مدحَهم بالإنفاق من الرزق ، ولا يُمدحُ الإنسانُ على الإنفاق
من الحرام .. دلَّ على أن الرزق لا يكون حراماً، ولا الحرامَ رزقاً (٣)
قيل : الرزقُ عندنا قد يكون حلالاً وحراماً (٤) ، والمدحُ إنما توجَّهَ على من
أنفقَ من الحلالِ منه ؛ فكأنه قال(٥): مما رزقناهم ممَّا يصحُّ إنفاقه ينفقون(٦)
(١) قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٣٧): (إذا قيل: إذا لم
تعتبر في الرزق الملك أفتقول : إن من أكل حراماً فقد أكل رزقه ؟
أجاب : بأن هذا كلام يحتمل وجهين مختلفين ، فإذا فُصِّلَ ذلك زال اللبس ؛ وهو أنه
إن أراد القائل: ((أكلَ رزقَهُ))؛ أي: أكل ما كان له أن يأكل .. فمحالٌ ، وإن أراد أنه
أكل ما تغذّى به وصار قِواماً لجسمه وغذاءً له .. فذلك ممَّا لا ننكره).
(٢) ولا سيما أن جملة الحيوانات التي لا ملك لها يجب أن تكون على مذهبهم غير
مرزوقة . انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٣٧ - ١٣٨).
(٣) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص ٧٨٧).
(٤)
يعني : على التفريق ، فالواو بمعنى ( أو ) .
(٥) في جميع النسخ هنا زيادة مخلَّةٌ ؛ وهي: ( وممَّا رزقناهم ينفقون ؛ كما أنه لا بدَّ من أن
يقال ) ، وسقط من (ج) : ( كما أنه لا بد ... ).
(٦) قال الأستاذ ابن فورك في (( مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٣٧): ( وكان يتأول
قول الله تعالى: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ على أن ذلك إنما يرجع إلى الرزق الذي
هو مملوك لمن ينفِقُ منه ، ولذلك مدحهم على إنفاقه وأثنى عليهم ؛ لأنه لا يمدح على
إنفاقهم ما ليس لهم أن ينفقوا ) .

LY.Y.
والذي يؤكِّدُ ذلك من القرآن: قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣](١)، فدلَّ على أنَّ فيما
رزقَ المؤمنين ما ليس بطيِّبٍ ؛ وهو الحرامُ .
فإن قيل: إذا كان اللهُ عزَّ وجلَّ رازقَ كلِّ حيوان على الأرض ..
فلِمَ خصَّ الدوابَّ بالذكر فقال: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾
[هود : ٦]؟
قيل : قد دخل في عموم الآية الدوابُ والطيور والناس ؛ لأن كلَّ
ما يمشي ويطيرُ فإنه يَدِتُّ ، فلا تخلو الحيوانات من الدبيب (٢)
وإذا ثبتَ ما قلناه في معنى الرِّزق : فالرزَّاقُ مشتقٌّ من فعل الرِّزق ، ولم
يكن اللهُ عزَّ وجلَّ في الأزل قبل خلْقِ الأرزاق والمرزوقينَ رزَّاقاً ، وإنما صارَ
رازقاً حين رزقَ المرزوق(٣)
والرزَّاق أبلغُ من الرازق ، كما أن العلَّام أبلغ من العالم .
وزعمت الكراميَّةُ المجسّمة : أن الله عزَّ وجلَّ كان في الأزل رازقاً
برازقيّة ؛ وهي قدرتُهُ على خلْقِ الرَّزق ، ولم يطلقوا هذا الاسم عليه مع
الإضافة في الأزل ، فلم يقولوا : ( كان رازقاً للمرزوق في الأزل ) ، فمنعوا
(١) وقوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُوا مِن طَيِّبَتِ مَاكَسَبْتُمْ وَمِنَآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ
وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
(٢) ودبيبُ الطيور على رجليها في بعض حالاتها ، ويؤكد هذا العمومَ قولُهُ تعالى:
﴿ وَكَأَنِ مِّنِ دَابَّةٍ لَّا تَحْيِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ [العنكبوت: ٦٠]. انظر ((الغريبين))
( ٢ /٦١٤ ) .
(٣) فهو من صفات الأفعال، وانظر قول السادة الماتريدية تعليقاً (٤٣٣/١ - ٤٣٥).
٢٨

في التفصيل ما أعطوهُ في الجملة كما بيَنَّهُ من أصلهم في هذا الباب قبل
هذا(١)
وإذا صحَّ أن الله عزَّ وجلَّ هو الرزّاقُ وحدَهُ لا رازقَ غيرُهُ . . فاعلمْ :
أن الله قد جعل رِزْقَ كلُّ حيوان على قَدْرِ عمره ، كما أن أجلَهُ عندنا على قَدْرِ
عمره(٢)
وقد رُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الرِّزقُ يطلبُ العبدَ
كما يطلبُهُ أجلُهُ))(٣)
C
OC
DO
انظر (١/ ٤١٧) وما بعدها .
(١)
(٢) أراد: أن أحداً لا يمكنه أن يأكل رزق أحد. انظر (( مجرد مقالات الأشعري))
(ص١٣٨) .
(٣) رواه البزار في ((مسنده)) (٤٠٩٩)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٢٣٨) من حديث
سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه، وروى أبو نعيم في (( الحلية)) ( ٧/ ٩٠) من حديث
سيدنا جابر رضي الله عنه مرفوعاً: ((لو أنَّ ابنَ آدمَ هرب من رزقه كما يهرب من
الموت .. لأدركه رزقُهُ كما يدركه الموتُ)).
00000 ٤٣ ٢ 100000

OOOOOOO
ذكر معنى (الرقيب) من أسماء الله عز وجل
اعلمْ : أنَّ الرقيبَ في صفات الله عزَّ وجلَّ الحافظُ ، قاله الزجَّاجُ وغيرُهُ
من النحويين(١)، وهو فعيل بمعنى فاعل، رقيبٌ بمعنى راقِبٍ، إلا أن
الشرع ورد بتسميتِهِ رقيباً ، ولم يرد بتسميتِهِ راقباً ، فأطلقنا ما وردَ به الشرعُ
من اسمه ، دون ما لم يردْ به الشرع .
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]؛ أي : حافظاً؛
يقال منه: رقبتُهُ أرقُبُهُ رقْبةً؛ إذا راعيتُهُ وحفظتُهُ(٢)، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ مَّا
يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَفِبُّ عَتِيدٌ﴾ [قَ: ١٨]؛ أي: حفيظٌ يحصي عليه أعمالَهُ،
ويقال : ترقَّبْتُ الرجلَ أترقَّبُهُ ؛ إذا ترصَّدتُهُ .
Coor
O
ومن هذا قيل : الرُّقْبَى في الميراث(٣)، وقد اختلفوا فيها (٤):
فأبطل الشافعيُّ وأبو حنيفة رحمهما الله الشرطَ في العُمْرِى والرُّقْبِى(٥)
(١) انظر ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص٥١)، و((اشتقاق أسماء الله)) الزجاجي
( ص١٢٨ ) .
(٢) انظر ((اشتقاق أسماء الله)) (ص١٢٨) .
(٣) وهي: أن يقول مالكُ الدار مثلاً لآخر بعد أن يعطيه إيّاها: إن مِتُّ قبلك فهي لك ، وإن
مِتَّ قبلي فهي لي ، وإنما سُمِّيت بهذا الاسم لأن كلَّ واحد منهما يرقب موت صاحبه ،
وستأتي صورتها قريباً. انظر ((الغريبين)) ( ٧٦٦/٣) .
(٤) يعني : في حكمها جوازاً ومنعاً، وحكم الشرط فيها .
(٥) فجعلها الإمام الشافعي تمليكاً ، وأبطل التأقيت بمدة حياته ، وجعلها الإمام أبو حنيفة =
٠0000 ٢٤٤٠

٢
وحفظ مالكٌ فيها الشرطَ (١)
وصورة العُمْرى والرُّقْبى : أن يقول الرجل لصاحبه : قد أعمرتُكَ داري
هذه ، وجعلتُها لك حياتَكَ أو عُمُرَكَ ، أو جعلتُها لك عمري ؛ بشرط أنك
إذا مِتَّ رجعَتِ الدارُ إليَّ، أو إلى ولدي، أو إلى وارثي ، أو يقولَ :
أرقبتُكَ داري هذه ، أو جعلتُها لكّ رُقْبِى ؛ على أن تَرْقُبَنِي وأرقُّبَكَ ؛ فإن
مِتَّ قبلي رجعت الدارُ إليَّ، وإن مِتُّ قبلك بقيت الدارُ على ملكِكَ .
0000000
فكلُّ واحد منهما عند الشافعيِّ رضي الله عنه في قوله الجديد ، وعند أهل
الكوفة : على حكم هبةٍ محضة ، إذا سلَّمَها إلى الموهوب له ، فقبلَها
وتسلَّمَها .. فقد ملكَها، وكانَتْ له في حياته، ولورثته بعد موته ، خلافَ
قول مالكٍ رحمه الله : إنها ترجعُ بموته إلى صاحبها ، ولا تورثُ عنه حتى
يشتركا في أصل العُمْرى والرُّقْبَى أنها لعقبه بعد وفاته(٢)، وهذا خطأٌ؛ إذْ
لو لم يستحقَّ الميراث فيه إلا باشتراط أنها له ولعقِهِ - والعَقِبُ اسمٌ للأولاد -
لم يشترك في إرْثِها من لا يدخلُ في اسم الأولاد ولا في اسم العقب ؛ من
زوجة وذي سهمٍ وعصبة ومولىّ .
وفي اشتراكهم فيه دليلٌ على أن المعنى فيه استحقاقُ ملكِهِ له إلى وقت
وفاته ، دونَ اشتراطٍ كونه للعقب من بعده .
عاريَّةً ، فلا تفيد عنده ملكاً أصلاً، وله أن يرجع عنها في أي وقت شاء. انظر ((الحاوي
=
الكبير)) (٥٣٩/٧)، و((بدائع الصنائع)) (١١٧/٦).
(١) انظر ((الذخيرة)) (٢١٧/٦)، والإمام مالك قال: ( لا خير فيها ، إلا أنهما إذا اشترطا
العتق فهو لازم لهما ) .
(٢) في (أ) : ( وفي ) بدل ( في ) .
00000 ٢٤٥

AY.r.
فإن راقبَ كلُّ واحد منهما صاحب دارِهِ على أن ترجع الدارانِ معاً إلى من
تأخّرَ موته ، وأقبضَ كلُّ واحد منهما صاحبَهُ .. كان كلُّ واحد منهما رُقْبَى
منفردةً ، وبطل الشرطُ فيهما ، وجرى الميراثُ فيهما .
وهذا من معنى الترضُّدٍ، وكذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَرْتَقِبْ إِنَّهُم
مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٩] ؛ يعني: فترصَّدْ إنهم مترصِّدون.
وكذلك: ﴿فَرْتَقِبُ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]؛ أي :
ترصَّدْ ذلك، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]، فصحَّ
وصفُهُ بالرقيب على هذا المعنى أيضاً ، وكلُّ ذلك يرجعُ إلى معنى الحفظ
للشيء والعلمٍ به .
ويقال أيضاً : راقبتُ اللهَ أراقبُهُ؛ إذا خفتَهُ وحفظتَ أمرَهُ ونهيَهُ ، فلم
تُقدِمْ على ذنب خوفاً من عقابه .
وكانت العرب في الجاهلية تسمِّ حافظَ القِدَاح : رقيباً ؛ لحفظه
إِيَّاها(١)
فهذا معنى ( الرقيب ) في اللغة .
وأما الرَّقُوب بالواو وفتح الراء : فقد جاء في الحديث أنه قال : (( ما
تعدُّونَ الرَّقُوبَ فيكم ؟))، قالوا: الذي لا يبقى له ولد، فقال: (( بل
الرَّقُوبُ الذي لم يقدِّمْ مِنْ ولِدِهِ شيئاً))(٢) .
(١) انظر ((الدلائل في غريب الحديث)) (١٧٥/١).
(٢) رواه مسلم (٢٦٠٨) من حديث سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه .
00000 ٦ ٢٤ 100000

2
ومعنى الجوابين واحدٌ ، إلا أنهم جعلوه لمَنْ عدمَ الأولاد في الدنيا ،
وجعله النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمَنْ فَقَدَ الأولاد في الآخرة (١)
ونظيرُهُ: قوله: (إنَّما المحروبُ مَنْ حُرِبَ دينُهُ)(٢) ، فجعلَهُ
للمسلوب دينَهُ ، وجعله غيرُهُ للمحروب مالُهُ ، وكلاهما مسلوبٌ محروبٌ ،
وليس ذلك اختلافاً في المعنى ، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم .
ـو
انظر ((غريب الحديث)) لابن سلام (١٠٨/٣).
(١)
(٢) هو من قول سيدنا جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه ، رواه عنه ابن أبي شيبة في
((المصنف)) (٣٦٣١٠)، وانظر ((غريب الحديث)) لابن سلام (١٠٩/٣).
٢٤٧ OoOO

DO
OO
ذكر معنى (الرافع) و(الرفع) في أسمان عزوجل
أما الرافعُ: فقد ورد الشرعُ به في قوله: ((الخافضُ الرافعُ))(١) ، وذلك
فيما وردَ مزدوجاً ؛ كورود ( القابض ) مع ( الباسط ) ، وكورود ( الجامع )
مع ( المانع ) مزدوجاً (٢)
وأما الرفيعُ : فما وردَ إلا مقيداً بمضاف إليه ؛ نحو قولِهِ عزَّ وجلَّ :
﴿ رَفِيعُ الدَّرَحَتِ﴾ [غافر: ١٥].
وقد بيًّّا معنى ( الرافع ) عند ذكرنا معنى ( الخافض ) قبل هذا بما يغني
عن إعادته في هذا الموضع(٣)، والله أعلم.
(١)
تقدم (١ / ٤٤٧ ) .
(٢) اجتمع هذان الاسمان في رواية الترمذي (٣٥٠٧)، وتقدم (٤٤٧/١) أن رواية
المصنف : (الدافع) بدل (المانع) ، ويمكن أن يلحظ معه اسمه تعالى ( المغني) .
(٣) انظر (١٣٧/٢).
OOOOO Y E A COOOO

٢٠٣٠١
٢٠٦
ذكر ما جاء من أسماء الله عزوجل
مشتحاً بحرف السين
٥
6
CLONY
٢٤٩,٠٠٠
00000

0000000
ANOY
O
COOOO
C

ذكر ما جاء من أسماء الله عز وجل
مفتتحاً بحرف السين
قد ذُكِرَ في الخبرينِ اللذينِ ذكرناهما في هذا الكتاب في تسعةٍ وتسعين
اسماً من أسماءِ الله عزَّ وجلَّ : السلامُ ، والسميعُ .
وقد ذُكِرَ في بعض الأخبار : السيِّدُ .
وقد جاء في الروايات المشهورة : السُّوحُ .
وقال المسلمون في دعواتهم : يا ساترَ العيوب ، ويا ستَّارَ العيوب .
ونحن نذكر شرحَ كلِّ واحد من ذلك على التقريب إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
700000\ ٢٥ 00000

O
G
ذكر معنى (السلام) في أسماء الن عز وجل
قال أبو العباس محمدُ بن يزيدَ النحويُّ المعروف بالمبرِّدِ : ( السلامُ فی
اللغة على أربعة أوجه :
فمنها : السلامُ: اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجلَّ، وتأويلُهُ : ذو
السلام (١) ، الذي يملك السلامَ والتخليصَ من المكروه .
والسلامُ : مصدر سلَّمتُ سلاماً وسلامة ، ومعنى السلام الذي هو
التحية : إنما هو دعاءٌ للإنسان بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه .
والسلامُ : شجرٌ عظام، سُمِّيتَ سلاماً لسلامتها من الآفات .
والسلامُ: جمع السلامة ) (٢)
وقال القَتَيبيُّ: ( السلامُ والسلامةُ بمعنى واحد ؛ كالرضاع والرضاعة ،
(١) قال الإمام الخطابي في ((شأن الدعاء)) (ص٤١): ( النسبة في كلامهم على ثلاثة أوجه:
أحدها : بالياء ؛ كقولك : أسدي وبكري .
والثاني : على الجمع ؛ كقولهم : المهالبة ، والمسامعة ، والأزارقة .
والوجه الثالث: بـ((ذي)) و(( ذات))؛ كقولهم: رجلٌ مالٌ؛ أي : ذو مال، وكبشٌ صافٍ؛
أي: ذو صوف، وامرأةٌ عاشقٌ؛ أي : ذات عشق ، وناقة ضامر ؛ أي : ذات ضُمْرٍ ) .
(٢) رواه الزجاجي في ((اشتقاق أسماء الله)) (ص٢١٥)، وقد تصرَّف المصنف يسيراً فيه ،
وقوله : ( والسلام : جمع السلامة ) هو كما في الأصل : بمنزلة اللذاذ واللذاذة ، وكما
سيأتي عن ابن قتيبة .
٠٥٥٥٥ ٢٥٢٠
Ooooo

واللَّذاذِ واللذاذة)(١)، وأنشد (٢):
[من الوافر ]
وهل لكِ بعدَ قومِكِ مِنْ سلامِ
تُحيًّا بالسلامةِ أُمُّ بكرٍ
فذكر اللغتينِ جميعاً في بيتٍ واحد .
وقولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، قال
ابن عرفةَ: معناهُ: أنهم يقولون قولاً يسلمون منه ، ليس فيه حدٌّ ولا مأثَمُ(٣)
وكانت العربُ في الجاهلية تُحيِّي ؛ بأن يقول أحدُهم لصاحبه : أنعمْ صباحاً ،
وعِمْ صباحاً، وأبيتَ اللعن، وإذا قالوا: ( سلامٌ عليكم ) كانت علامةَ المسالمة ،
وأنه لا حربَ هناك ، ثم قُصروا في الإسلام على السلام ، وأُمروا بإفشائِهِ(٤)
0000000000
وقيل : معناهُ : نسلَمُ منكم سلاماً ، قالوا : أمرُنا سلامٌ ؛ يريد عينَ
السلامة ؛ كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَلُنَا
وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥]، ولم يريدوا به التحيةَ، وإنما
أرادوا : أن بيننا وبينكم المتاركةً والتسليم(٥)
OO
00
وإنما قيلَ للجنة : دارُ السلام ؛ لأنها دارُ السلامة من الموت والآفات
والأسقام(٦)
(١) انظر ((غريب القرآن)) (ص٦).
(٢) انظر ((غريب القرآن)) (ص٦)، وفيه: (تُحيِّ) بدل ( تُحيًّا ).
(٣)
نقله عنه الهروي فى ((الغريبين)) (٩٢١/٣) وابن عرفة : هو المعروف بنفطويه .
(٤)
انظر ((الغريبين)) (٩٢١/٣).
(٥) انظر ((الغريبين)) (٩٢١/٣).
(٦) روى مسلم (٢٨٣٧) من حديث سيدنا أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما
مرفوعاً: (( ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحُوا فلا تسقموا أبداً ، وإن لكم أن تحيّوا فلا تموتوا
أبداً ، وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تَنْعَموا فلا تبتئسوا أبداً، فذلك قوله
عز وجل: ﴿ وَنُودُوَاْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣])).
=
PAC10

وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَسَلَمُّ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَّوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴾
[مريم: ١٥]؛ أي: سلَّمَهُ الله عزَّ وجلَّ من الآفات في هذه الأوقات(١)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا إِلَّا سَلَّمًا﴾ [مريم: ٦٢]، نصب سلاماً
على التكرير ؛ أي : لا يسمعون فيها لغواً ، لا يسمعون إلا سلاماً ؛ أي :
إلا قولاً سَلِيماً من العيب(٢)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿سُبُلَ السَّلَمِ﴾ [المائدة: ١٦]؛ أي: سبيلَ الله ؛ وهو
دینُهُ.
وقيلَ : أراد به طرقَ السلامة ممّا يسخطه الله عزَّ وجلَّ (٣)
وقوله: ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ أَتَبَعَ الْمُدَى﴾ [طه: ٤٧]؛ أي: مَنِ اتبعَ الهدى
سَلِمَ من عذاب الله (٤)
وقال الإمام الخطابي في (( شأن الدعاء)) (ص٤١) ذاكراً تسمية الجنة بدار السلام :
=
( لأن الصائر إليها يسلم من الموت والأوصاب والأحزان ) .
(١) روى الإمام الخطابي في ((شأن الدعاء)) (ص٤٢) بسنده عن سفيان بن عيينة قال :
( أوحشُ ما تكون الخلق في ثلاثة مواطن : يوم يولد ؛ فیری نفسه خارجاً مما كان فيه ،
ويوم يموت ؛ فیری قوماً لم يكن عاينهم ، ويوم يبعث ؛ فيرى نفسه في محشر عظيم ،
قال: فأكرم الله فيها يحيى، فخصَّهُ بالسلام فقال: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ
يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]، قال الخطابي: كأنه أشار إلى أن الله جل وعزَّ سلَّمَ يحيى
من شرِّ هذه المواطن الثلاثة وأمَّنَهُ من خوفها ) .
(٢) انظر ((الغريبين)) (٩٢٢/٣)، والمعنى: أنهم لا يسمعون فيها لغواً مطلقاً،
ولا يسمعون فيها إلا كل ما يحبُّون .
(٣) وعبارة العلامة الهروي في ((الغريبين)) (٩٢٢/٣): (أي: دين الله الإسلام،
ويقال : طرق السلامة مما يسخط الله ، وهما قريبان من السواء ) .
(٤) انظر ((الغريبين)) (٩٢٢/٣) .
00000 ٢٥٤

2
وقولُهُ عزَّ وجلَّ في ليلة القدر: ﴿سَلَمُ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ اَلْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]؛
أي : هي ليلةٌ ذاتُ سلام ، لا داءَ فيها ، ولا يستطيع شيطانٌ أن يصنعَ فيها
شيئاً(١)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَسَلِّمُوْ عَلَىَّ أَنفُسِكُمْ ﴾ [النور: ٦١] ؛ أي : فليسلِّمْ
بعضُكم على بعض(٢)
وقولُهُ عزّ وجلَّ: ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَيِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧]؛ أي:
استسلموا لأمرِه (٣)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَيُلْقُوْ إِلَيْكُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩١] ؛ أي: المَقادةَ(٤)
وكذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ؛ أي :
[ينقادوا] لحكمِكَ(٥)؛ يقال منه: سلَّمَ واستسلمَ وأسلمَ؛ إذا انقادً
وخضع (٦)
000000
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَا﴾ [الأنفال: ٦١]؛ أي: مالوا
للصلحِ ؛ يقال فيه : سِلْمٌ وسَلْم(٧)
(١) انظر ((الغريبين)) (٩٢٢/٣).
انظر ((الغريبين)) (٣/ ٩٢٢) .
(٢)
انظر ((الغريبين)) ( ٣/ ٩٢٢).
(٣)
انظر (( الغريبين)) ( ٩٢٣/٣).
(٤)
ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( ينقادون ) .
(٥)
انظر ((الغريبين)) (٩٢٣/٣)، وفي جميع النسخ: ( وسلموا) بدل ( ويسلموا).
(٦)
انظر ((الغريبين)) (٩٢٣/٣)، قال العلامة الأزهري فى ((تهذيب اللغة)) (٤/ ٩٤):
(٧)
( والسلم : المصالحة ، ولذلك أنَّثَتْ ) .
٢٨

POOO
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]؛ أي: سليمٍ من
الشرك (١)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَرَجُلًا سِلْمًا فَرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩]؛ أي: مسالماً له(٢)،
قال الزجاج : سالماً له ، لا يَشْرَكُهُ فيه أحدٌ ؛ يقال منه : سلم فلانٌ لفلانٍ ؛
إذا أخلصَ .
وفي الحديث : ( لآتينَّكَ برجلٍ سَلَمٍ ) ؛ أي : أسيرٍ (٣) ؛ قيل له ذلك:
لأنه أُسلِمَ وخُذِلَ ، فألقى السَّلَمَ ؛ أي : المَقادةَ .
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَُّ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]؛ أي : انقادا
لأمر الله (٤)
O
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]؛ أي:
دخلنا في السلامة (٥)
(١) انظر ((الغريبين)) (٩٢٣/٣)، وقال حجة الإسلام الغزالي في ((المقصد الأسنى))
(ص١٣٤) : ( كلُّ عبد سَلِمَ عن الغشِّ والحقد والحسد وإرادة الشرِّ قلبُهُ، وسَلِمَ عن
الآئام والمحظورات جوارحُهُ، وسَلِمَ عن الانتكاس والانعكاس صفاتُهُ .. فهو الذي
يأتي الله بقلب سليم ، وهو السلام من العباد ، والقريبُ في وصفه من السلام المطلق
الحقِّ الذي لا مثنوية في صفته ) .
(٢) وعبارة العلامة الهروي في (( الغريبين)) (٩٢٣/٣): (فهو سِلْمٌ له)، وفي ( ب) :
( سالماً) في الآية بدل ( سلماً)، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر ((الدر
المصون)) (٩ /٤٢٥).
(٣) نقله الهروي في ((الغريبين)) (٩٢٥/٣).
(٤) انظر ((الغريبين)) (٩٢٣/٣)، وقال ابن قتيبة في ((غريب القرآن)) (ص٣٧٣):
( استسلما لأمر الله ، وسَلَّما مثلُهُ) .
(٥) وعبارة العلامة الهروي في ((الغريبين)) (٩٢٣/٣): ( أي : دخلنا في السلم والطاعة؛ =
٢٥٦٠٠٠٠٠ ٠٠٠٠٠

وفي الحديث : أنه أتى الحَجَرَ فاستلمَهُ(١) ، واستلامُ الحجر : افتعالٌ
من السَّلام ؛ وهو بمنزلة التحيَّة ؛ كما تقول : اقترأْتُ السلامَ(٢)
وكذلك أهلُ اليمن يُسمُّون الركنَ الأسود المُحيًّا ؛ ومعناه : أن الناس
يحُّونَهُ .
وقال القُتَيبيُّ: ( استلامُ الحجر افتعالٌ من السِّلام بكسر السين ؛ وهي
الحجارةُ ، واحدتُها : سَلَمةٌ ، كما يقال : اكتحلتُ من الكُخل ، كذلك
استلمتُ الحجرَ ؛ إذا لمسته )(٣)
وإذا صحَّ ما ذكرناهُ في معنى السَّلام ووجوهه في اللغة : فمعنى تسميةِ الله
عزّ وجلَّ بالسّلام یحتملُ وجهین :
أحدهما : أن يكون راجعاً إلى سلامتِهِ من الآفات والعيوب ؛ من الحركة
والانتقال ، ومن الانتقال من حالٍ إلى حال (٤)
فالإسلام ظاهر الأمر ، والإيمان باطنه ، وحقيقة الإسلام الطاعة ) ، ولذلك قال الإمام ابن
=
قتيبة في (( غريب القرآن)» ( ص٤١٦): ( أي : استسلمنا من خوف السيف وانقدنا ) .
(١) رواه مسلم (١٢١٨) من حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما
(٢)
انظر ((الغريبين)) (٣/ ٩٢٤ ).
(٣) انظر ((غريب الحديث)) له (٢٢١/١)، ووردت لفظة ( السِّلام) في معلقة سيدنا لبيد
رضي الله عنه، ففي (( ديوانه)) ( ص ٢٩٧):
( من الكامل )
فمدافعُ الرِيَّان عُرِّيَ رسمُها خَلَقاً كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها
وسُمِّيت الحجارة بذلك لسلامتها من الرخاوة .
(٤) انظر ((الغريبين)) (٩٢١/٣)، قال الإمام الغزالي في ((المقصد الأسنى))
(ص١٣٤): ( السلام : هو الذي تسلمُ ذاته عن العيب ، وصفاته عن النقص ،
وأفعاله عن الشرِّ، حتى إذا كان كذلك لم يكن في الوجود سلامةٌ إلا وكانت معزيَّةٌ إليه ،
وصادرة منه ) .

B
G
والوجهُ الثاني : أن يكون معناهُ : الذي سَلِمَّ الخلقُ من ظلمه ، وعُلِمَ أنه
لا يظلمُ ولا يكذبُ ولا يخلف الميعاد(١)
وعلى كلا الوجهينِ : يكون السَّلامُ من صفات ذاته ، ويكون في الأزل
موصوفاً به ؛ لم يزل سَلِيماً من الآفاتِ والتغير ، ولا يزالُ كذلك .
وفي هذه الجملة التي ذكرناها خلافٌ مع أقوام من وجوه :
أحدُها : مع مَنْ زعمَ من غلاة الروافض أنَّ كلَّ شيء منه يهلِكُ إلا
وجهَهُ؛ استدلالاً منهم بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾
[القصص : ٨٨]؛ لجهلِهِم بتأويله على إبطال الأعمالِ التي لم يُقصَدْ بها التقرُّبُ
= (٢)
O
إلى الله عزَّ وجلَّ (٢)
والوجهُ الثاني : الخلافُ مع المشبِّهة المثبتينَ لصانعهم الأعضاءَ
والجوارح ؛ كما ذهبَ إليه أكثرُ اليهود مع الهشاميّة والجواربيّة(٣)
000000
ومن كان بهذا الوصفِ لم يسلمْ من الآفات ، ولم يصحَّ وصفُهُ
بـ ( السلام ) على الإطلاق .
(١) إذ قال سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال عزَّ من قائل: ﴿قَوْلُهُ
اُلْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]،
ثم لا يتصوَّر الظلم ممَّن بيده ملكُ وملكوتُ كلِّ شيء ، ولا يتصوَّر الكذب في الكلام
النفسي الحادث فضلاً عن القديم ، وخلفُ الوعد راجعٌ إليهما؛ فقال جلَّ جلاله : ﴿ مَا
يُبَّلُ أَلْقَوْلُ لَدَنَّ رَمَا أَنَاْ بِظَلَِّ لِلْعِيدِ﴾ [قَ: ٢٩]، وكلام المصنف فيه ردٌّ على القدرية القائلين
بتجويز الكذب والظلم عليه سبحانه وتعالى ، وانظر قولهم فيما سيأتي (٣٤٩/٢).
(٢) انظر (١ / ٣٢٤).
(٣) انظر (٣٢٢/١ -٣٢٣).
٢٥٨٠)

CO
XY.Y
والوجهُ الثالثُ : الخلافُ مع النصارى الذين أجازوا عليه الحلولَ في
الأجساد ، والانتقالَ والتغير ؛ لأن من كان كذلك لم يسلمْ من الحوادثِ
الدالّة على حدوثه(١)
والوجهُ الرابعُ : الخلافُ مع مَنْ أجاز أن يكون الإلله مقهوراً مغلوباً في
بعض الأحوال ؛ كما ذهبت إليه المجوسُ في دعواها أن الشيطان حاربٌ
الإللهَ، فهرب الإلهُ منه، فتحصَّنَ في السماء ، ثم هادنَهُ إلى سبعة آلافٍ
سنة لا يتعرَّضُ فيها أحدُهما لصاحبه ، ووضعا سيفيهما رَهْناً عند عَدْلٍ !
ونحو ذلك من خرافاتهم المستقبحة في عوامٌ الناس فضلاً عن إضافته إلى
ربِّ العالمين(٢)
والوجهُ الخامسُ : الخلافُ مع البيانيّةِ ومن قال من غلاة الروافض بانتقال
روحِ الإلله في الأئمة (٣)
ويلزمُهم على هذا القول ؛ من إضافة الآفات والانتقالِ والتغيير ومن
سِماتِ الحَدَثِ عليه .. ما لزم أصحابَ أبي حلمانَ الدمشقيِّ ومن تبعَهُ من
الحلولية (٤)، وما لزمَ النصارى في الاتحاد .
والوجهُ السادسُ : الخلافُ مع الكَيْسانيّةِ من الروافض ، وكلِّ من أجازَ
(١) انظر الردّ على شبههم في (( شرح العقيدة الكبرى)) (ص٢٥٢).
(٢) انظر قولهم هذا وغيره من خرافاتهم في ((الملل والنحل)) للشهر ستاني (٤٤/٢-٤٨)،
وما سيأتي من الحديث عن الزروانية ( ٢٧٨/٣) .
(٣) كالجناحية منهم. انظر (( التبصير في الدين)) ( ص١٢٦) ، وانظر ما تقدم عن البيانية
(١/ ٣٢٤ ) .
(٤) وهو قول اليونسية، وتقدم الكلام على الحلمانية (٣٢٤/١).
١٢٥٩