Indexed OCR Text
Pages 161-180
إطلاقُ هذا الوصف عليه مع الإضافة ؛ بأن يقال : كان في الأزل خالقاً للعالم ، أو خالقاً للمخلوق . ألا ترى أنه لما قيل : ( كان في الأزل عالماً قادراً ) جاز إطلاقُ هـذا الوصف عليه مع الإضافة ؛ فقيل : ( كان في الأزل عالماً بالمعلومات ، وقادراً على المقدورات ) ؟! ولما لم يجزْ إطلاقُ وصف الخالق عليه في الأزل مع الإضافة . . دلَّ على أنه لا يجوزُ إطلاقُهُ عليه بلا إضافة ، وبالله التوفيق ، وعليه التوكُّل. 0000 DOO NALX1 00000 ـو الفصل الخامس في بيان ما يجوز أن يكون مخلوقاً من عزوجل وما لا يصح أن يكون مخلوقاً اعلمْ : أنَّا نقول : إن كلَّ ما صحَّ حدوثه فإنه قبل حدوثه مقدورٌ لله عزَّ وجلَّ، وهو سبحانه قادرٌ على إحداثه ، وإذا وجد كان مخلوقاً لله عزّ وجلَّ، وكان الله عزَّ وجلَّ خالقاً له ، ولم يكن له خالقٌ غيرَهُ ولا مخترعٌ سواهُ ، سواءٌ كان ذلك الموجودُ الحادث جوهراً أو عرضاً ، فإن كان عرضاً فسواءٌ كان كَسْباً لبعض الحيوانات أو لم يكن كسباً لأحدٍ بحال(١) وعلى هذا يدورُ بابُ توحيد الصانع عندنا ؛ وذلك بإثبات خالقٍ واحد لجميع المخلوقات ؛ جواهرِها وأعراضها ، خيرِها وشرِّها ، ومن زاغَ عن هذه الطريقة لم يكنْ من جملة الموحِّدين . والخلافُ في هذا الأصلِ بيننا وبين فِرَقٍ : إحداها : الثنويةُ من المانويَّة والدَّيْصانيَّةِ والمرقيونية(٢) : الذين نسبوا الحوادثَ إلى النور والظلمة ، وزعموا أن الخيراتِ من فعل النور ، والشرورَ (١) وخلاصة القول: أن ما سوى الله هو فعل الله، والفعل لا يكون إلا حادثاً. (٢) انظر ((الملل والنحل)) (٢ / ٥٧). COO من فعل الظلام ، والنورَ والظلامَ كلاهما قديمٌ . ٢ والفِرْقةُ الثانيةُ: المجوسُ(١): الذين أثبتوا صانعينِ: أحدُهما: إله يفعل الخيرَ دون الشرِّ ، والثاني : شيطانٌ يفعل الشرورَ دون الخيرات ، مع اختلافهم في حدوث الشيطان . والفرقةُ الثالثةُ: أصحابُ طبائعَ(٢): نسبوا فعلَ الحوادث في العالم إلى الطبائع ، مع اختلافهم في أوصافها وأفعالِ كلِّ واحدة منها . والفرقةُ الرابعةُ: مفوِّضةٌ: ادَّعت إلهين : أحدهما : قديمٌ فَوَّضَ التدبير إلى الثاني ، وجعله مدبِّرَ العالم ، خالقاً لما يحدثُ فيه من الحوادث ، كما حكيناه قبل هذا عن ابن خابطٍ ومن تبعَهُ من القدرية(٣) 0 والفرقةُ الخامسةُ : مَعْمَريةٌ(٤) : زعم رئيسهم معمرٌ - وهو من رؤساء القدرية - أن الله عزَّ وجلَّ إنما خلق الأجسامَ ، ولم يخلق شيئاً من الأعراض ، وأن الأجسامَ هي الفاعلة للأعراض كلَّها ، فمنها ما هو فعلٌ للجسم باختياره ، ومنها ما هو فعلٌ له بطبعه . وزعم لأجل ذلك : أن الله عزَّ وجلَّ ما خلق لوناً ولا طعماً ولا رائحة ولا صوتاً ، ولا قوة ولا ضعفاً ، ولا حياة ولا موتاً، ولا تأليفاً ، وأن (١) انظر ((التبصير في الدين)) (ص ١٥٠). (٢) انظر (١/ ٣٢١). (٣) انظر (٢ / ١٥٥). (٤) انظر (( التبصير في الدين)) (ص٧٣) ، وقد نعت أبو المظفر معمرَ بن عبَّاد بأنه من رؤوس الضلال والإلحاد ، فضلاً عن أن يكون قدرياً . ٥٥٥٥٥ /١٦٢ OCOCO G جميعَ هذه الأعراض التي ذكرناها فعلُ الجسم الموصوف له بطبعه ، وكذلك قوله في الأعراض والأسقام والصحة والعافية . وهذه الفريةُ أعظمُ من فرية المجوس على ربِّها ؛ وذلك أن المجوسَ زعمت أن الله عزَّ وجلَّ خالقُ الخيرات ، ولم يخلق الشرور ، وزعم معمرٌ شيخ القدرية ورأسُها في العلوم الدقيقة : أن الله عزَّ وجلَّ لم يخلق مرضاً ولا صمماً ولا خرساً ولا عمىّ ولا زَمانةً ولا شيئاً من فساد الزروع ، وزاد على المجوس قولَهُ : إن الله لم يخلقْ صلاحاً ولا عافيةً ولا صحة ولا حياة ولا قدرة ولا علماً ، وكان يزعمُ مع ذلك أن حدوثَ الأجسام فعلٌ للأجسام بطبائعها ، وإنما أحدث اللهُ أعيانَها دون أعراضها . وأعجبُ من هذا كلِّهِ قولُهُ : إن فناء كلِّ فانٍ هو فعلُهُ دون ربِّهِ ! وزعم أيضاً : أن القرآن مُحدَثٌ ، وليس الله محدثاً له ، وإنما أحدثه الجسمُ بطبعه ، فخرج عن قول من يقول : إنه متكلُّمٌ بكلام قائم به ، وعن قول من يقول : إنه متكلُّمٌ لأنه فاعل للكلام ؛ لأن من قوله أن الكلام ليس من فعلِهِ ، ولا هو قائمٌ به . فلم يصحَّ له القول بأن الله متكلُّمٌ ولا آمرٌ ولا ناهٍ بأمر ونهْي يكون قولاً وما أرادَ بذلك إلا تعطيلَ الشرائع كلّها ، فخاف التصريحَ بها على الإشاعة ، فمهَّدَ القولَ بإبطال كونه آمراً ناهياً ؛ لأن القول بذلك يؤدي إلى إيطال الشرائع . وزعم مع ذلك كلّهِ : أن الأعراض التي في الأجسام لا نهايةً لها ، وأن ٫55 ١٦٣ XX الإنسان وكلَّ جسم في السماء وفي الأرض يفعلُ في ذلك ألفَ ألفٍ فعل وأضعافَ أضعافِ ذلك كلُّهِ لا إلى نهاية ، غيرَ أنه لا يشعرُ بها ، وليس لله عزَّ وجلَّ في شيء من أفعال الجسم صنعٌ ولا تقدير ، ولا في شيء من الأعراض صنعٌ ولا تقديرٌ ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً عن قولهم . والفرقةُ السادسةُ : أصحابُ الجاحظ ومن تبعَهم من القدرية(١) : وذلك أن الجاحظَ زعم أن الله عزَّ وجلَّ لا يخلق خلودَ أهل النار في النار ، وإنما النارُ تخلِّدُهم في نفسها ؛ لأنها تَجذِبُهم إلى نفسها بطبعها . فالنارُ عنده هي الخالقةُ لتخليد الكفَّار فيها ، وهي الفاعلةُ لعذابهم ، ولزمَهُ القول بأن الله عزَّ وجلَّ لا يعذِّبُ أحداً بها ولا يدخلُهُ فيها والفرقةُ السابعةُ : أصحابُ ثُمَامةَ القدري(٢)؛ رئيس المعتزلة وظريفِها الذي تبجّحوا به لمنادمته المأمون : زعمَ أن الأفعال المتولدةَ ليست من خلق الله عزَّ وجلَّ ولا من خَلْقِ غيره ، بل هي أفعالٌ لا فاعل لها ، فأخرجَها عن أن تكون مخلوقةً لله عزَّ وجلَّ ومقدَّرةً له . والفرقةُ الثامنةُ : البِشْرِيَّةُ(٣)؛ أصحابُ بشربن المعتمر : زعموا أن الناس قد يفعلون اللون والطعم والرائحة والبصر والسمعَ والإدراك على طريق التولَّد، وأن كلَّ ما يحدثُ عقيبه بسبب من الأسباب فهو فعلٌ له ، وليس شيءٌ منها مخلوقاً لله عزَّ وجلَّ . 6 ٢ (١) انظر (( التبصير في الدين)) (ص ٨٠). (٢) انظر ((التبصير في الدين)) (ص٧٩). (٣) انظر ((التبصير في الدين)) (ص٧٤). 00000 NODAY والفرقةُ التاسعةُ : أصحابُ المعروف بالمُزدارِ من القدرية(١): زعموا أن الفعل المتولِّدَ قد يحدثُ من فاعلينِ وأكثرَ من غير أن يكون لله عزَّ وجلَّ فيه صنعٌ ولا تقدير ، فأثبت خَلْقاً لخالقينِ غيرِ الله عزَّ وجلَّ . والعجبُ من تكفير المعتزلة أهل السنة والجماعة في قولهم بفعل من فاعلينٍ ؛ أحدهما قديم والثاني مُكتسِبٌ غيرُ فاعل ؛ كيف لم يكفِّروا صاحبَهم المُزدارَ في قوله بفعلٍ من فاعلينِ كلاهما خالقٌ له على سبيل التولُّد ؟! OCOCCO والفرقةُ العاشرةُ : الباقون من جمهور القدرية(٢): الذين زعموا أن الله عزَّ وجلَّ لم يخلقْ شيئاً من أكساب العباد ولا من أكساب الجنِّ والبهائم ، ولا شيئاً من الأفعال المتولِّدة عندهم ، وأن ذلك أجمعَ مِنْ خلْقِ الحيوان المكتسِبِ وإحداثِهِ له من العدم ، من غير أن يكون له عزَّ وجلَّ فيه صنعٌ بحال . وهؤلاء كلهم زائدون على الثَّنَوية والمجوس في عدد الصانعينَ(٣)؛ لأن أولئك اذَّعَوْا صانعينِ : أحدُهما: يصنعُ الخيرَ ، والثاني : يصنعُ الشَّ، وهؤلاء أثبتوا خالقينَ كثيرينَ ، وزعموا أن كلَّ واحد منهم يحدِثُ مثلَما (١) انظر ((التبصير في الدين)) (ص٧٧)، وكان زعيمهم أبو موسى عيسى المردار يقال له : راهب المعتزلة ، ومن عجائب أقواله : تجويز الظلم والكذب على الله تعالى ، وتجويز أن يأتي البشر بمثل القرآن أو بما هو أفصح منه ! (٢) ويمثِّلهم بأخَرَةٍ البهشمية أتباع أبي هاشم الجبائي. انظر ((التبصير في الدين )) ( ص٨٦ ). (٣) انظر مقارنة المعتزلة مع الثنوية والمجوس في ((التبصير في الدين)) ( ص ٩٠). ١٦٥ 00 أحدث الله عزَّ وجلَّ من الحركات والاعتمادات وأنواع كثيرة من الأعراض ؛ تكذيباً منهم لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِم قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ اَلْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦]. وسنذكر ما يؤدِّي إليه القول بإثبات خالقٍ غيرِ الله من أنواع الكفر والبدع بعد هذا ؛ إذا انتهينا إلى تفسير معنى ( الواحد ) إن شاء الله عزَّ وجلَّ (١) OC 00000 000000 0000 (١) انظر (٦٤٥/٣)، وانظر إكفارهم (٣/ ٨٧) . ٢ ٠٠٠٠٠ ١٦٦ جده ATOMArra stratovara ذكر ما جاء من أسماء الله عز وجل مفتتحاً بحرف الدال C ٥ CON DO DO VATRATO 00000000 ذكر ما جاء من أسماءالله عز وجل مفتتحاً بحرف الدال قد جاء من أسمائه المفتتحة بحرف الدال ثلاثةُ أسماءٍ مشهورة ؛ وهي : الداعي ، والدافعُ ، والدائمُ . فالدافعُ والدائمُ مذكوران في الخبر الذي ذُكِرَ فيه تسعة وتسعون اسماً من أسمائه عزَّ وجلَّ(١)، والداعي ورد بمعناه القرآن؛ قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَّمِ﴾ [يونس: ٢٥](٢). ونحن نذكر شرحَ كلِّ واحد من هذه الأسماء الثلاثة على التفصيل إن شاءَ الله تعالى . oo OODCCO (١) انظر (١ / ٤٤٧، ٤٤٩) . (٢) وكذا قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَاَلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله سبحانه : ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اَللَّهِ شٌَ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بَحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]. 00000 ١٦٩ 00000 O ذكر معنى (الداعي) من أسمائه وتفسيره وفوائده اعلمْ : أن الدعاء في اللغة على وجوهٍ ، والكلامُ فيه وفي معنى ( الداعي ) يقعُ في ثلاثة فصولٍ ؛ هذه ترجمتُها : فصلٌ : في معنى ( الداعي ) و( الدعاء ) في اللغة . فصلٌ : في بيانِ مَنْ يصحُّ منه الدعاءُ ، ومن لا يصحُّ منه الدعاء . فصلٌ : في أقسام الدعاء ، وما قيل فيه من العباراتِ والإشارات . O وسنذكرُ في كلِّ فصل من هذه الفصول ما يقتضيه شرطُهُ إن شاء الله عزَّ وجلَّ . 00 700000 ١٧٠ QAX10 00 الفصل الأول في بيان معنى (الدعاء) و(الداعي) في اللغة اعلمْ (١) : أن الدعاء قد يكون على سبيل الخطاب والنداء ؛ كقول القائل لصاحبه : يا فلانُ ، فيقال : ناداه ، ويقال : دعاهُ إلى كذا؛ إذا ندبَهُ إليه وأمرَهُ به أو بما يؤدي إليه، ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوّاْ إِلَى دَارِ السَّلَِّ﴾ [يونس: ٢٥]، وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، قال مجاهد: أمرَهم أن يَدْعوه في لينٍ (٢) وتواضع (٢) ويحتمل أيضاً : أن يكون أراد وجوبَ أمرِهٍ علينا ؛ أي : لا تجعلوا أمرَهُ إيَّاكم كأمر بعضكم بعضاً(٣) وقد يكون الدعاءُ بمعنى الاستغاثة ، قال أبو الهيثم الرازيُّ : الدعاء الغوثُ ؛ يقال منه : دعا ؛ إذا استغاثَ (٤) ومـ ومنه : قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ؛ أي : (١) قال العلامة ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (١٧٥/٢) عن اسمه تعالى ( الداعي ) : (وله إخوةٌ؛ وهي : المنادي ، والمناجي ، والمجيب، والمستجيب). (٢) رواه الطبري في (( تفسيره )) (٢٣٠/١٩)، وانظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٤/ ٥٥). (٣) وهو قول سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما، رواه عنه الطبري في ((تفسيره» (٢٣٠/١٩). (٤) انظر ((الغريبين)) (٦٣٥/٢). 00000 ١٧١٠ استغيثوا بي إذا نزلت بكم نازلةٌ .. أستجب لكم دعاءكم ؛ أي : غوثكم . ومنه : دعوى الجاهلية ؛ وهو قولهم : يا آلَ فلانٍ ، ولذلك قال : ﴿ وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣]؛ أي: استغيثوا بهم، وإنما سُمُّوا شهداءَ لأنهم يحضرونها(١) . ـعد وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [فاطر: ١٨]؛ أي: تستغثْ [نفسٌ] قد أثقلتها ذنوبُها إلى أن يُحمَلَ عنها [شيءٌ] منها(٢) .. لم يُحملْ عنها . ومتى كان الدعاءُ بمعنى الاستغاثة لم يَلِقْ بوصفِ اللهِ عزَّ وجلَّ ؛ لأنه لا يكون مستغيثاً بغيره ، فلا يقال له : ( داع ) على هذا الوجه . 00 وقد يكون الدعاءُ بمعنى الادّعاء، ومنه: قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَخِرُّ لِلْجِبَالُ هَذَّا أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمِنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠-٩١]؛ أي: اذَّعَوا له ولداً. O ومن ذلك: قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَن تَّدْعُوَأْ مِن دُونِهِ، إِلَهًا﴾ [الكهف: ١٤]؛ أي : لن ندَّعيَ ربّاً غيرَهُ، قال ابن أحمر (٣): [من البسيط] [أهوى] لها مِشْقَصاً جشراً فشبرقَها وكنتُ أدعو قذاها الإثمدَ القَرِدا انظر ((الغريبين)) (٦٣٦/٢) . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( بنفس)، وانظر ((الغريبين)) (٢ / ٦٣٦). (٢) (٣) البيت في ((المعاني الكبير)) (٩٨٩/٢)، و((الاقتضاب)) (٣٤٥/٣)، قاله مع أبيات حينما رماه رجلٌ يقال له : مخشي بسهم ففقأ عينه ؛ قال : ولا استعانَ بضاحي كفِّهِ أبدا شَلَّتْ أناملُ مخشيٍّ فلا جبرَتْ وكنت أدعو قذاها الإثمِدَ القَرِدا أهوى لها مِشْقصاً جشراً فشبرقَها ريبُ الزمانِ فأمسئ ضوءُها خمدا أعشو بعينٍ وأخرى قد أضرَّ بها 00000 VY, 00000 10 أي : أدَّعي ذلك قذاها . وقد يكون الداعي للشيء بمعنى الحالب له ، ومنه : قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم للحالب : ((دع داعيَ اللبنِ))(١) ؛ أي : أبقِ في الضَّرْع قليلاً يدعو ما فوقَهُ من اللبن فيجريه ويحتلبُهُ ، وإذا استُقُصي في الضرع أبطأَ درورُ اللبن فيه ، فسُمِّيَ الحالبُ للبن داعياً . فهذه وجوهُ الدعاء . وإنما يقال لله عزَّ وجلَّ: ( الداعي ) على الوجه الأول ، ويرجع معناه : إلى أمر عباده ونهِهِ إِيَّاهم . وفي الحديث : ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ بنى داراً، واتَّخذَ مَأْدُبةٌ ، فدعا الناسَ = 00 وسقط الشطر الأول من البيت من (أ)، وما بين المعقوفين في ( ب، ج) : ( سوًّا) ، والمشقصُ : النصل من نصال السهام ، والجشر : الغليظ الخشن ، وشبرقها: قطَّعها ومزَّقها، وقوله: (وكنت أدعو ... ) قال ابن قتيبة في (( المعاني الكبير)) (٩٨٩/٢): (يقول : كنت في إشفاقي عليها أُسمِّي ما يصلحها قذىّ ، فكيف ما يؤذيها؟!)، والإثمد : الكُحْل ، والقَرِد : المتلبِّد. (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٧٦/٤)، والدارمي في ((سننه)) (٢٠٤٠)، وابن حبان في « صحيحه)) ( ٥٢٨٣ ) من حديث سيدنا ضرار بن الأزور رضي الله عنه ، وقوله : ( داعي اللبن ) منصوب على أنه منادىّ مضاف على ما اختاره الإمام المصنف ، والمراد به : سيدنا ضرار نفسه ؛ لأنه كان هو الحالب للناقة ، وكان قد أجهدها في الحلب ، فكأنه قال له : أمسك عن الحلب أيُّها الحالب . أو أن داعي اللبن هو عينُ ما يُترَكُ في الضرع حتى يدرَّ اللبن ، وعليه فهو مفعول به لقوله : (دع) ، لا منادى، غير أنه على هذا القول لا شاهد فيه هنا. انظر ((غريب الحديث)) لابن سلام (٩/٢)، و((تهذيب اللغة)) (٧٧/٣). 1 00000 00000 ,١٧٣ LON o إليها)) (١)، وهذا من الدعوة، والمدعاةُ: هى الوليمة (٢) وقد تكون الدعوة بمعنى الأذان ؛ لأنه دعاءٌ إلى الصلاة . وفي الحديث: (( الخلافةُ في قريشٍ ، والحكمُ في الأنصارِ ، والدعوةُ في الحبشةِ))(٣)، وأراد بالدعوة: الأذانَ؛ لأن بلالاً مؤذنَهُ من الحبشة. وفي الحديث : أنه قال لمن دعا إلى الجمل الأحمر : ((لا وجدتَ ))(٤)، يريدُ من وجده فدعا إليه ، وفائدةُ الخبر : النهيُ عن إنشاد الضالة في المسجد . وفي الحديث أيضاً: ((لو دُعيتُ إلى ما دُعِيَ إليهِ يوسفُ لأجبتُ))(٥). أراد بذلك : أن يوسفَ كان صابراً ، [وقد] دُعِيَ للإطلاق من الحبس فلم يخرجُ(٦) ، وقال للرسول: ارجع إلى ربك فاسأله، فقال: ((لو كنتُ مكانَهُ لم أتلبَّثْ ولخرجتُ))، وهذا من تواضعه؛ كما قال في خبر آخر : (١) رواه البخاري (٧٢٨١) من حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، وفي الحديث تأويل الدار بالجنة ، والداعي بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، والمأدبة : الوليمة . (٢) فيقال: دعوة فلان ومدعاته؛ وهي الدعوة إلى الطعام، وهي الوليمة. انظر « تاج العروس )) ( دع و ) . (٣) رواه الترمذي (٣٩٣٦) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، وزاد: ((والأمانة في الأزد)) ؛ يعني : اليمن . (٤) رواه مسلم (٥٦٩ ) من حديث سيدنا بريدة رضي الله عنه . (٥) رواه البخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ : (( ولو لبثت في السجن طولَ ما لبث يوسف لأجبتُ الداعي)». (٦) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( ومن ) . 00000 (( لا تفضّلوني على يونسَ بنِ متَّى))(١) وقد تقومُ الدعوى مقامَ الادعاء ؛ يقال منها : ادَّعى يدَّعي ادِّعاءً ودعوى . فأما قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَدِهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .. يعني: أنه آخرُ دعائهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿دَعْوَئِهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠]: [فيجيئهم] ما اشتهوا (٢)، فإذا نالوا ما تمنَوا قالوا : الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، فذلك آخرُ دعواهم(٣) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَهُم مَّا يَذَّعُونَ﴾ [يسَ: ٥٧] أراد: يَدْعون، والادِّعاء بمعنى الدعاء (٤) 000000000 واختلفوا في قوله عزَّ وجلَّ في صفة جهنمَ: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّنَ﴾ [المعارج : ١٧] : فقال جمهورُ الأمة وأكثر النحويين : تدعو أهلها وتناديهم بلسان فصيح . وأنكر المبرد هذا ، وقال : ( معناه : أنها تعذَّبُهم ) ؛ لأنه كان يذهبُ (١) رواه البخاري (٣٤١٥)، ومسلم ( ٢٣٧٣) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، لكن بلفظ: ((ولا أقول: إن أحداً أفضلُ من يونس بن متّى عليه السلام)). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( فيجيبهم)، والمثبت من ((الغريبين)). (٣) انظر ((الغريبين)) (٦٣٦/٢). (٤) انظر ((الغريبين)) (٦٣٦/٢). 00000 000000 إلى قول من ينكر كلامَ جهنمَ . وناظرَهُ أبو عمرَ غلامُ ثعلبٍ في ذلك ، وشنَّعَ عليه فيه (١) والكلامُ في صحة كلام جهنّمَ وغيرها يأتي في الفصل الذي يليهِ إن شاء الله عزَّ وجلَّ . 000 (١) انظر هذه الأقوال في ((الغريبين)) (٦٣٦/٢ -٦٣٧)، وما ذهب إليه الميرد هو قول الخليل ؛ ففي ((العين)) (٢٢١/٢): ( ليس هو كالدعاء ، ولكن دعوتها إياهم ما تفعل بهم من الأفاعيل ) . ١٧٦٥٥٥ COooOO الفصل الثاني في بيان ما لح في من الدعاء بالنطق ومالا يصح ذلك في قد ذكرنا قبلَ هذا اختلافَ أصحابنا : في جواز وجودِ الكلام في الجمادات ، وفي أن الحياة هل هي شرط فيه أم لا ؛ فمن قال منهم باشتراط وجودِ الحياة في محلّهِ .. منعَ وجود الكلام في الجمادات وفي المَوَات ، ومن لم يشترط وجود الحياة في محلّه .. أجازَ وجودَهُ في الجمادات(١) واختلف أصحابُنا: في قوله عزَّ وجلَّ في صفة جهنمَ: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَذْبَرَ وَتَوَلَى﴾ [المعارج: ١٧]، [وفي] قوله(٢): ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلٍ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [قَ: ٣٠]، بعد اتفاقهم على أن ذلك الدعاءَ بالقول على الحقيقة(٣): 0000 فمنهم من قال : إنها تقولُ ذلك من غير وجود حياة فيها ، وبناهُ على أصله : في جواز وجودِ الكلام في الجمادات والمَوَات ، وبه قال أبو العباس القلانسيُّ(٤) ومنهم من قال : إن الله عزَّ وجلَّ يخلق في جهنم حياةً ونطقاً ، فتقول X انظر تفصيل هذا الخلاف ( ٢ /٩٣، ١١٦ ). (١) (٢) ما بين المعقوفين في (أ): (ومن)، وفي ( ب، ج): ( من ). (٣) تقدم قريباً خلاف الخليل والمبرد في هذه المسألة . (٤) انظر (١١٦/٢). ١٧٧٠ OC ـد حينئذٍ : هل من مزيد ، وتدعو من أدبر وتولى ، وبناهُ على أصله : في أن وجود الحياة في محلِّ الكلام شرطٌ في وجوده ، وهذا قول أبي الحسن الأشعريِّ رحمه الله وأكثرٍ أصحابنا . وكذلك الخلافُ بين أصحابنا في قول السماء والأرض : ﴿ أَنَّنَا طَآيِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وكلام الذراع المسمومة للنبيِّ عليه السلام(١)؛ فقال أبو الحسن الأشعريُّ بوجود الحياة فيها عند حصولِ ههذا القول منها ، وقال القلانسيُّ بوجود النطقِ فيها من غير حصول الحياة فيها وزعم جمهورُ المعتزلة : أنه لم يكن للسماءِ والأرض ولا للذراع المسمومةِ كلامٌ على الحقيقة ، ولم يثبتوا خبرَ الذراع ولا خبرَ تسبيح الحصى في يد النبيِّ عليه السلام، وأنكروا هاتينِ المعجزتينِ، وتأوَّلوا قوله: ﴿قَالَتَآَ أَنَّيْنَا طَآَبِعِينَ﴾ على معنى انقيادِهما وقبولهما للفعل الذي أرادَهُ الله عزَّ وجلَّ فيهما(٢) (١) انظر تخريجه (١١٦/٢). ثم اعلم : أن الأصل هو حمل اللفظ على ظاهره إلا أن يمنع منه مانع ، ولا مانع عقلاً ولا شرعاً من وجود النطق بعد حصول الحياة المصححة له ، أو وجود الصوت من غير حياة على ما ذهب إليه الإمام القلانسي ، وعرضُ الأمانة عليهما يكاد يصحح مذهب الإمام أبي الحسن ، وعن هذا النطق قال الإمام الرازي في ((مفاتيح الغيب)) (١٠٩/٢٧): (وهذا غير مستبعد ؛ ألا ترى أنه تعالى أمر الجبال أن تنطق مع داود عليه السلام ؛ فقال: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِ مَعَهُ وَالطَّيْرِ﴾ [سبأ: ١٠]) ثم ذكر آياتٍ تؤيد هذا ، ثم قال : ( فكيف يستبعد أن يخلق الله في ذات السماء حياة وعقلاً وفهماً ، ثم يوجِّه الأمر والتكليف عليهما؟! )، ثم إنه ذكر قولاً بكون هذا الكلام مجازاً ، وجعل للتأويل فيه مساغاً ، وجعله قولاً لأهل السنة ، إلا أن القول بعدم التأويل أولى عنده ؛ لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل لا يجوز . (٢) ما استقرَّ عليه أمرُ المعتزلة: عدمُ إنكار ههذه المعجزات؛ فخبر تسبيح الحصى مما أثبته= VAXY.rS وكان شيخُهم معمرٌ يزعم : أنه ليس لله عزَّ وجلَّ كلامٌ على الحقيقة ، ولا دعاءٌ إلى الجنة ولا إلى دين الإسلام بالقول على الحقيقة، وبناهُ على أصله : في أن الكلام لا يكون إلا عرضاً ، وأن الله عزَّ وجلَّ لم يخلق شيئاً من الأعراض(١). وكان يقول في القرآن : إنه من فعل الجسم الذي حلَّ فيه بطبعه ، كما حكيناه عنه قبل هذا(٢) وكان في القدرية رجلٌ يعرف بهشام القُوْطي يزعمُ : أنه لا يجوزُ أن يقال : إن الله عزَّ وجلَّ متكلُّمٌ ؛ لأن ذلك على وزن متفعِّل ، وفيه ضربٌ من التكلُّف ، وذلك لا يليقُ بالله عزَّ وجلَّ (٣). OO معجزةً القاضي عبد الجبار في ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٥٩٧)، و((المغني)) II (٤١٧/١٦)، وكذا حنين الجذع، ونداء الشجرة وإجابتها ، فلعل هذا كان قولاً لمتقدميهم في مقابلة الحشوية الذين اتخذوا الرواية دون الدراية مسلكاً في الاحتجاج ، وانظر (( المغني)) لقاضيهم الهمذاني (٤٠٧/١٦) وما بعدها في ردّه على من نفى مثل هذه المعجزات . وسبق تعليقاً أن التأويل في هذه النصوص لا يبعد ، وأنه قولٌ لبعض أهل السنة ، بل قال حجة الإسلام في ((إحياء علوم الدين)) (٣٧٥/١) عن قوله تعالى: ﴿قَالَتَاً أَنَّيْنَا طَآئِعِينَ﴾: ( فالبليد يفتقر في فهمه إلى أن يقدر لهما حياة وعقلاً وفهماً للخطاب ، وخطاباً هو صوت وحرف تسمعه السماء والأرض ، فتجيبان بحرف وصوت وتقولان : أتينا طائعين ، والبصير يعلم أن ذلك لسان الحال ، وأنه نبأ عن كونهما مسخرتين بالضرورة ، ومضطرتين إلى التسخير ) . (١) انظر مذهبه فيما تقدم (٦٢٦/١)، (١٦٢/٢). (٢) انظر (٢ / ١٦٣ ). (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين» (ص ١٨٥)، ونَسَبَ هذا القول للإسكافي وعباد بن سليمان، وقال ( ص٥١٦): ( وهذا خلاف إجماع المسلمين ) . 100000 1930000