Indexed OCR Text

Pages 701-720

MAYOY
وأشهدُ أنَّ إِلَّكَ مِنْ زيادٍ كلِّ السَّقْبِ مِنْ رَأْلِ التَّعَامِ
كذلك دعوى القدريَّةِ في العدل والتوحيد ، ولذلك قال فيهم بعضُ أهل
[من الرجز]
العصر :
دعْ قولَها واعتزلِ اعْتِزِالَها مُحالُها أركبَها مِحالَها
تلقَّبَتْ عدليَّةً وهي التي مِنْ كلِّ عَدلٍ صرَّمَتْ حبالَها(١)
ويقالُ لمن وافقنا من القدريَّةِ على استحالة بقاء نوع من الأعراض(٢): لا
يخلو [ما] استحالَ بقاؤه منها من أن يكونَ(٣): لحدوثِهِ، فيجب به استحالةُ
بقاء الأجسام ، ويلزمُ قائلَهُ : أن يُحيلَ بقاءَ الأعراض الباقية ؛ لحدوثها ، أو
لكونِهِ معلوماً أو مذكوراً أو شيئاً، فيجب أن يكونَ ذلك في كلِّ ما شاركَهُ في
هذا الوصف ، أو لاستحالةِ قيام البقاءِ به ، وليس ذلك قولَ من أجازَ بقاءَ
شيء من الأعراض ؛ لأنه لا يثبتُ البقاءَ معنىّ ، أو لكونِهِ عرضاً ، فيجبُ به
استحالةُ بقاءِ كلِّ عرضٍ .
00000
وأشهد أن إلَّك من قريش
انظر (( الشعر والشعراء)) (٣٦٣/١)، والإلُّ: قربى الرحم؛ قال تعالى: ﴿لا يرقبون
في مؤمن إلاّ ولا ذمة﴾ [التوبة: ١٠]، والسَّقْبُ: ولد الناقة، ورَأْلُ النعام: فرخه.
انظر ((العين)) (٨٤/٥)، (٢٧٣/٨، ٣٦١).
(١) المُحال: الكلام المتناقض، والمحال: العذاب والعقاب. انظر ((تاج العروس))
(ح ول)، (م ح ل)، وفي (ج): (فحالُها) بدل ( محالُها )
(٢) وهو قول أبي الهذيل والجبائيينِ ، وقد وافقوا أهل السنة على استحالة بقاء الإرادات والحياة
والتأليف والأصوات والحركات ، وخالفوهم فقالوا بإثبات بقاء اللون والطعم والرائحة،
وسيحاجُهم المصنف بمسلَّماتهم . انظر ما تقدم من قولهم (١/ ٦٩٤ -٦٩٥).
(٣) ما بين المعقوفين في (أ): (إما)، وسقط من ( ب، ج) .
٠000 ٧٠

وقد قال بعضُهم : إنما استحالَ بقاءُ الكلام للحاجة فيه إلى تقطيع
حروفِهِ ، وإتباع كلِّ حرفٍ بجنسه أو خلافِهِ إلى تمامه ، وهذا باطلٌ ؛ لأن
ما يُتِعُهُ من الحروفِ إذا لم يكن ضدّاً له حادثاً في محلِّهِ .. لم يمتنعْ بقاءُ
الأوَّلِ على أصلِهم ، فصحَّ بقاءُ الحروف على هذا الأصل ، ولو كان
الحرفُ الأوَّلُ إنما يَحدثُ لحدوث الحرف الثاني .. لوجب أن يبقى إذا
اقتصرَ عليه ، ولم يُتْبعْهُ فاعلُهُ بالحرف الذي يليه ، وفي هذا بطلانُ اعتلاله .
واستدلَّ الجبائيُّ على بقاء القدرة المُحدَثة: بحُسْن أمر السيد عبدَهُ أن
يناولَهُ كوزاً وهو بعيدٌ منه ، وحُسْنِ ذمِّهِ على تقصيره فيه ، فلولا أنَّ ما فیه من
القدرةِ باقٍ .. لَمَا حَسُنَ أمرُهُ بذلك(١)
OO
00000
فيقالُ له : هذا لا يدلُّ على وجود القدرةِ التي يُكتسَبُ بها الفعلُ فيه ،
فضلاً عن دلالته على بقائها فيه ؛ لتجويز خصومِك حُسْنَ ذِّهِ على ترك ما لا
بقدرُ علیه إذا كان قادراً على تركه .
DO
وإِن سلَّمنا لك جوازَ تقدُّم القدرةِ على وجود المأمورِ به .. فما أنكرتَ أنَّ
حُسْنَ ذمِّهِ على تركه ليس من أجل بقاءِ القدرةِ ، لكن من أجل تجدُّدٍ مثلها
فيه ، والقدرةُ الأولى غيرُ باقية ، ولا كلُّ جزءٍ من القُدَرِ ؟ ! .
فإن قيل : إن تَجدُّدَ مثلها غيرُ واجب ، ولا يُوجِبُ حدوثَ بدلِها من
العجز إذا عُدمَتِ القدرةُ .
قيل : هذا على أصلك جائزٌ ، مع تجويزك بقاءَ التكليف في حال عجزه
(١) انظر (( المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص ٢٥٧).
OOO
٧٠٧
ACON

إذا كان في ابتداء حالِ التكليف قادراً ، ثمَّ تعذَّتِ القدرةُ إلى العجز بدلاً
منها
وممَّا يدلُّ على صحّةٍ ما قلنا بالاستنباط من هذا السؤال : أنه قد يأمرُ
العبدَ بالقعود فيقعدُ، ويكونُ قعودُهُ حَسَناً ؛ لأنه مأمورٌ به ، ثمَّ ينهاهُ عن
القعود فلا يتركُ القعودَ ، بل يدومُ عليه ، فلو كان القعودُ الأوَّلُ الذي وافق
الأمرَ به باقياً .. صار القبيحُ هو الحسنَ ، والطاعةُ هي المعصيةَ ، والممدوحُ
به هو المذمومَ به !
قيل : هذا الذي أنكرتُم علينا من قولنا : إن سوادَ الجسم في الثاني غيرُ
سواده في الأوَّلِ ، وإن كان في الحال على منظرٍ واحدٍ
[ فناءُ الأعراضِ لا يلزمُ منهُ تغيّرُ الجواهرِ ]
واستدلَّ بعضُ القدريَّةِ على بقاء أنواع من الأعراض بأن قال(١) : لو كانت
الأعراضُ كلُّها تتجدَّدُ لم نأمنْ من قول من قال بتجدُّدِ الجواهر كلِّها حالاً
فحالاً
فقيل له : قد آمَنَنا من ذلك أنَّا نعلمُ ضرورةً أنَّا إذا تحرَّكنا ثمَّ سكنًّا، أو
قمنا ثمَّ قعدنا .. أن الذي قعدَ هو الذي قامَ(٢)؛ لأنها لو تجدَّدتْ لكان الذي
تابَ غيرَ الذي أذنبَ ، والذي رضيَ غيرَ الذي غضبَ ، وما أدّى إلى دفع
الضرورات فمدفوعٌ .
(١) في (أ): ( شيء) بدل ( أنواع ) .
(٢) وهذا أمر وجدانيٌّ لا يُستطاعُ دفعه؛ لأنه من الضروريات، وما سيذكرُهُ المؤلف بعدُ هو
لوازم له .
00000 V . 1 00000
SCLON

TODAYPAY
فإن قيل : يلزمُكم مثلُهُ في الأعراض ؛ لأنا نعلمُ بالضرورة أن الذي
شاهدناه اليومَ من السواد في محلِّ مخصوصٍ هو الذي شاهدنا فيه
بالأمس(١)
OLZL
قيل : تغايرُ السواد للأسود غيرُ معلوم بالضرورة(٢)، فكيف يُعلَمُ بقاؤه
بها ؟! ولأن القولَ بتجدُّدِ الجواهر يرفعُ أحكامَ الشرع؛ لأنه يؤدِّي إلى أن
يكونَ المقطوعُ غيرَ السارق ، والمجلودُ غيرَ الزاني ، والواطئُ غيرَ
الخاطب، والداخلُ في الصلاة غيرَ الخارج منها، وهذا المعنى في الأعراض
معدومٌ ، فلم يجبْ في إحالة بقائها ما يجبُ في إحالة بقاءِ الجواهرِ (٣)
[ تأليفُ الأعراضِ يصُ بقاؤُهُ عندَ أبي هاشم ]
واستدلَّ أبو هاشم على أن التأليفَ يصحُ بقاؤه : بأنَّا نحتاجُ في تفريق
أجزاءِ الحجر إلى علاجٍ طويلٍ ، فلو كان ما فيه من التأليف غيرَ باقٍ .. لكان
سبيلُ المؤلّفِ سبيلَ المتجاور ، ولسَهُلَ علينا تفكيكُ أجزاءِ الحجر المؤلّفَةِ
أجزاؤُهُ .
(١) قوله : ( شاهدنا فيه بالأمس ) ؛ يعني : شاهدنا فيه السواد بالأمس .
(٢) إذ تقدَّم أن بعض العقلاء اذَّعى أن الأعراض لا تُرى، وإنما تُرى الذوات فقط .
(٣) هذا النوع من الاستدلال يشي بأن قدرة الله تعالى قد تتعلق بخلق جواهر لاحقة مغايرة
للجواهر السابقة مع خلق أعراضٍ فيهما تمنع من وجود التفرقة ؛ إذ العقل لا يمنع من
ذلك ، إلا أنه أيضاً لا يمنع من خلق الجواهر بأعيانها في الحالة الثانية ، فأحلنا في
الترجيح على خبر الصادق ؛ إذ الشارع أخبرنا بأحكام وأمرنا بأوامرَ ونهانا عن نواهٍ ..
يلزم منها بقاء الجواهر ، وبهذا تعلم : أن سبيل ترجيح بقاء الجوهر شرعي وليس
بعقلي ؛ إلا أن العقل يجوزه ، ولا يجوز بقاء الأعراض .

THANOVAT
aTrOX
AYO
وهذه دعوى بناها على أصله في التولّدٍ، ونحن نخالفُهُ في الأصل
وما بناه عليه ؛ لأن مقدورَ القدرةِ المُحدَثة عندنا لا يتعدَّى محلَّها ، وتفريقَ
أجزاء الحجر عَقَيبَ حركاتنا غيرُ مقدور لنا ، بل سبيلُهُ سبيلُ اللون الحادث
في بعض الأجسام عند إيرادِ الصبغ عليه(١)
وإذا لم نُوصَفْ : بالقدرة على تفريق أجزاءِ الحجرِ .. لم نُوصَفْ : بأنه
مُتعذّرٌ علينا .
وإن استدلَّ بهذا على أصحابه الذين قالوا بالتولَّدِ ، ونفَوا بقاءَ الأعراض ..
فهو غيرُ لازم لهم ؛ لأنه يمكنهم أن يقولوا : إن التأليفَ يَحدثُ في الجسم
حالاً فحالاً ، وإذا فعل الإنسانُ افتراقاً في الجسم الذي فعل الله فيه قبلَ ذلك
تأليفاً .. لم يفعل اللهُ التأليفَ فيه في الحال التي فعل الإنسانُ فيه التفريقَ .
وقد قلبَ الكعبيُّ هذا الاستدلال على من قال ببقاء الأعراض فقال : لو
كان التأليفُ باقياً لكان تركاً للتفريق الذي يجوزُ حدوثُهُ في الوقت العاشر ،
ولو كان كذلك لاستحالَ وجودُ التفريق بعد التأليفِ ؛ لوجود ما هو تركٌ له ؛
لاستحالة وجوده(٢)
[ الردُّ على الكراميةِ في بقاءِ الأعراضِ ]
وأما قولُ الكراميَّةِ : إن العرضَ يبقى ولا يُعدَمُ من أجل ضدٍّ يطرأ عليه في
محلِّهِ ، وإنما يُعدَم بإعدامٍ له يَحدثُ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ .
(١) انظر ((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص٢١٩).
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٣٧٤ _ ٣٧٥).
00000. . 8700000

a
فيقالُ لهم : إن صحّ وجودُ ذلك الإعدام مع هذا العرَضِ في أوَّل حالٍ
حدوثِ الإعدام .. فلمّ لا يجوزُ وجودُهما وبقاؤهما أبداً ؟! لأن كلَّ عرضينٍ
جاز وجودُهما في حالةٍ واحدةٍ .. جاز اجتماعُهما في أوقات كثيرةٍ عند من
يقول ببقاءِ الأعراضِ ؛ كاللون مع الحركة
وإن كان ذلك الإعدامُ منافياً لهذا العرضِ .. فما الفصلُ بينكم وبين من
قال : ( إن هذا العرضَ أيضاً منافٍ لذلك الإعدام ) ، فمنعَ حدوثَهُ ؟! على
أن المتنافيينِ إنما يتنافيانِ على محلٌّ واحدٍ ، ولا يتنافيانِ في محلّينِ ، ألا
ترى أن السوادَ والبياضَ لا يتنافيانِ في محلِينِ ، وإنما يتنافيانِ في محلِّ
واحدٍ ؟!
والكلامُ في إحالة حلول الحوادث في ذات البارئ عزَّ وجلَّ .. قد مضى
قبلَ هذا(١) ، والله أعلم .
(١) انظر (١ / ٤٣٥) .
CONST

DO
00
الفصل السادس
في بيان صحة وصفنا من عز وجل بأنباق
وهل هو من صفات الذات أو من صفات الفعل
اعلمْ : أن الخلافَ في إثبات اسم ( الباقي ) لله عزَّ وجلَّ كالخلاف في
إثبات اسم الحيِّ والقادر والعالم له ، على ما بيَنَاهُ قبلَ هذا(١)
فكلُّ من قال : لا يُوصَفُ بشيءٍ من أوصاف الإثبات ، وإنما يُوصَفُ
بلفظ النفي ، كقوله : ليس بمعدوم ، بدلاً من قولنا : إنه موجودٌ .. فإنه
يقول فيه : إنه غيرُ فانٍ ، ولا يقولُ : إنه باقٍ(٢)
ومن قال : أقولُ : إنه مُخي مُقدِّرٌ، ولا أقولُ : إنه حِيٌّ قادرٌ .. فإنه
يقولُ : مُبقٍ ، ولا يقولُ : إنه باقٍ .
0000
(١) انظر (٢٩١/١)، قال العلامة الآمدي في ((أبكار الأفكار)) (٤٤٠/١): (وقد اتفق
المتكلمون على جواز إطلاق الباقي على الخالقِ ، والمخلوقِ المستمرِّ الوجود حقيقة ؛
خلافاً لأبي هاشم ؛ فإنه قال : الباقي على الحقيقة إنما هو الله تعالى ، وتسمية المخلوق
باقياً مجازٌ ) ، والنزاعُ لغوٌّ ؛ إذ البقاء من الألفاظ المتواطئة أو المشتركة عند أهل السنة
بين الله وخلقه ، وعند الفلاسفة من الألفاظ المشككة ؛ لرجوعه لمعنى الوجود ، وعلى
أي حال فبقاء الله هو البقاء المطلق ، ومثل ذلك خلافهم في صفة الوجود ، كما نبّة على
ذلك ابن زكري في « بغية الطالب )) ( ص١٩٦).
(٢) وهو مذهب بعض الفلاسفة والباطنية والجهمية على خلاف بينهم. انظر (٢٩١/١،
٤٧٠)، وانظر ((بغية الطالب في شرح عقيدة ابن الحاجب)) (ص٢٠٩).
COODDO V. O

٢٠٢٠
وأما الذين أطلقوا على الله عزَّ وجلَّ الأسماء المشتقَّةَ من أوصاف
الكمال : فإنهم مجمعونَ على تسميته بـ ( الباقي)، ولكنّهم اختلفوا في
وجه استحقاقه لهذا الاسم :
فزعمت النجاريَّةُ والقدريَّةُ: أنه باقٍ لنفسه(١)
وأجمع أصحابُنا : على أنه باقٍ ببقاءٍ هو صفةٌ له أزليَّةٌ قائمةٌ به(٢)،
ولا يجوزُ عليه العدمُ .
والكلامُ في إثبات ( البقاء ) معنىّ قد تقدَّم ذكرُهُ ، فلذلك أعرضنا عن
إعادة هذا الفصل (٣)
2222
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٧٧)، وما تقدم (٦٧٩/١)، وعليه يكون بقاؤه
تعالى ووجوده بمعنىّ عند هذا القائل، وقال حجة الإسلام الغزالي في ((المقصد
الأسنى)) (ص٢٩٦): ( الباقي: هو الموجود الواجبُ وجودُهُ بذاتِهِ ، ولكن إذا
أضيف في الذهن إلى الاستقبال .. سُمِّيَ باقياً، وإذا أضيفَ إلى الماضي .. سُمِّي
قديماً) ثم قال: ( وقولك: ((واجب الوجود بذاته )) متضمِّنٌ لجميع ذلك، وإنما هذه
الأسامي بحسب إضافة هذا الوجود في الذهن إلى الماضي والمستقبل ) ، فليس الباقي
هو الموجود، وإلا للزم أن يكون كل موجود باقياً، بل الباقي هو الواجبُ الوجود لذاته .
(٢) انظر (٣٩٩/١، ٦٨٣)، وهذا على التحقيق شِبْهُ إجماع، وتكفي فيه مخالفة القاضي
الباقلاني ، وهو قول قدماء الأشاعرة كما تقدم غير مرة .
(٣) انظر (٦٨٣/١)، وقال الإمام المتولي في ((المغني)) (ص٣١): (ذهب القدماء من
أئمتنا : إلى أن البقاء صفة للباقي زائدة على الذات، وأن الله صفةٌ تُسمَّى البقاءَ كالعلم
والقدرة ، والصحيح : أن البقاء ليس بمعنىّ زائد على الذات ، ولكن البقاء استمرار
الوجود ) .
وقال الإمام الغزالي في (( المقصد الأسنى)) ( ص٢٩٧): ( ولقد أبعدَ من قال :
((البقاء: صفة زائدة على ذات الباقي)))، وقد تقدم نقله، وبهذا تعلم: أن البقاء
لیس وصفاً وجودیاً ، بل هو معنىّ اعتباري .
٠٧٠٧

وقد ذكر المتكلِّمون خلافاً شاذّاً عن بعض غلاةِ الإماميّةِ ؛ وهو بيان بن
سمعانَ ، ذكروا أنه زعم : أن معبودَهُ على صورة الإنسان ، وأنه يفنى كلُّهُ إلا
وجهَهُ، واستدلَّ بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلََّّوَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]،
وهو الذي قتله خالدٌ القسريُّ رحمه الله (١)، وحكايةُ مذهبه تغني عن الدَّلالة
على فساده ، والله أعلم .
C
(١) انظر ((مسائل الإمامة)) (ص ٤٠ - ٤١)، و((مقالات الإسلاميين)) (ص٥).

الفصل السابع
في بيان جواز إطلاق صفة (البقاء)
على صفات الله عز وجل
الكلامُ في هذا الفصل مبنيٌّ على اختلاف أصحابنا في معنى ( الباقي )
وحقيقتِهِ :
فمن قال منهم : ( إن الباقيَ: ما قام به البقاءُ) .. امتنع من وصف
صفاتِ الله عزَّ وجلَّ القائمةِ بذاته بأنها باقيةٌ ، وقال : إنها موجودةٌ أزليَّةٌ
قائمةٌ بالله عزَّ وجلّ ، ولا يقالُ فيها : إنها باقيةٌ ولا فانيةٌ .
وهذا قولُ عبد الله بن سعيد وأبي العباس القلانسيِّ ومن تبعهما(١)
(١) انظر (٦٧٦/١)، قال إمام الحرمين الجويني في ((الإرشاد)) (ص١٣٨- ١٣٩):
( ذهب العلماء من أئمتنا : إلى أن البقاءَ صفةُ الباقي زائدةٌ على وجوده ، بمثابة العلم في
حق العالم ، والذي نرتضيه : أن البقاءَ يرجع إلى نفس الوجود المستمر من غير مزيد ؛
ولو لم نسلك هذا المسلك للزمنا : أن نصفَ الصفاتِ الأزليَّةَ بكونها باقيةً ، ثم نثبتَ لها
بقاء ، ويجرّ سياق هذا القول إلى قيام المعنى بالمعنى ، ثم لو قدرنا بقاء قديماً ، للزمنا
أن نصفه ببقاء ، ثم يتسلسل القول ) .
ونقل الآمدي في ((أبكار الأفكار)) (٤٤١/١) عن الباقلاني أنه قال: ( ( الباقي باقٍ
بنفسه، لا يبقاء زائد عليه))، وهو مذهب المعتزلة)، يعني: جمهورهم ، وهو
مذهب القاضي الباقلاني ، وإمام الحرمين كما ترى ، والإمام فخر الدين الرازي ،
ووالده الإمام ضياء الدين. انظر (( بغية الطالب)) ( ص٢٣٩ )، ثم هو مذهب جمهور
أهل السنة من المتأخرين .
00000 1. 9 00000

ومن قال : (إن معنى الباقي : ما له بقاءٌ)، ولم يشترط قيامَ البقاء به ،
كما ذهب إليه أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله .. فإنه يقول : إن الصفاتِ
الأزليَّةَ القائمةَ بالله عزَّ وجلَّ باقيةٌ دائمةٌ (١) .
[ اختلافُهم في كيفيةِ وصْفِ الصفاتِ الوجوديَّةِ بالبقاءِ ]
واختلف أصحابُ أبي الحسن في كيفيّة وصفها بالبقاء :
فمنهم من قال : ( كلُّ صفةٍ منها باقيةٌ لنفسها ، ونفسُها بقاءُ لها ، ويقاؤه
بقاءٌ لنفسه ) ، وهذا اختيارُ أبي إسحاقَ الإسفراينيّ رحمه الله .
0000
ومنهم من قال : ( بقاءُ البارئ عزَّ وجلَّ بقاءٌ لنفسه ولسائرِ صفاته الأزليَّةِ ) ،
وهذا اختيارُ أبي بكر محمَّدٍ بن الحسن بن فوركَ رحمه الله ، وبه نقول(٢)
כימפסיפס
فإن قيل على هذا الأصل : إذا قلت : إن بقاءَ البارئ عزَّ وجلَّ بقاءٌ
لصفاته .. فلم لا يجوزُ أن يكون بقاءُ الجسم بقاءً لأعراضه ؟
pop
قيل له : لمَّا قلنا : بقاءُ البارئ عزَّ وجلَّ بقاءٌ لصفاته .. لم يجزْ وجودُ
ذاتِهِ مع عدم صفاتِهِ ، ولا وجودُ صفاتِهِ مع عدم ذاتِهِ (٣) ، فلو كان بقاءُ
الجسم بقاءً لأعراضه .. لاستحالَ وجودُ الجسم مع عدم الأعراض التي
(١) انظر (٦٧٦/١ -٦٧٧)، ويكون بقاؤها ببقاء الذات؛ إذ هي ليست غير الذات، كما أنها ليست
عين الذات ، فقول الإمام الأشعري : ( ما له) بمعنىَ : ما يثبت له ، ولا شك أن الصفاتِ
يثبت لها البقاء ، وهذه العبارة لا تخرج صفة البقاء عن كونها من المعاني عند الأشعري .
(٢) وهو اختيار الإمام الأشعري أيضاً. انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٣،
٢٣٧) ، فالخلاف وقع في العبارة ، فهو لفظي .
(٣) لعدم التغاير في الوجود بين الذات والصفات؛ إذ صفاته تعالى هي عين ذاته وجوداً ،
وغيرها مفهوماً ، وذاته وصفاته في رتبة القدم ، فلا تقديم ولا تأخير .
1 05555 V11 155555

كانت باقيةً ببقائه(١)، فلمَّا جاز وجودُهُ مع كلِّ عرض يَحدُثُ فيه ، ومعاقبةٍ
ضدِّهِ عليه .. بطل أن يكونَ بقاؤه بقاءً لشيء من أعراضه(٢)
فإن قيل : إذا قسّمتُم ( الباقيَ) قسمين ؛ أحدهما : باقٍ لنفسه ،
والآخرُ : باقٍ لمعنىّ، فلم أنكرتُم تقسيمَ المعتزلة ( العالِمَ) ( القادرَ )
قسمين ؛ أحدهما : لنفسه ، والآخرُ لمعنىّ ؟ (٣)
قيل : إنما قلنا : إن البارئَ باقٍ لنفسه؛ لأن نفسَهُ بقاءٌ ، فلو كان البارئُ
عزَّ وجلَّ حيّاً عالماً قادراً لنفسه .. لوجب أن تكونَ نفسُّهُ قدرةً وعلماً
وحياةً(٤)، ولو كان كذلك لاستحالَ كونُهُ قادراً عالماً حيّاً؛ لأن العلمَ
لا يكونُ عالماً ، والقدرةَ لا تكونُ قادراً، والحياةَ لا تكونُ حيّاً(٥)
فبانَ الفرقُ بينَ ما اخترناه في البقاء ، وبينَ ما منَعْنا منه في العلم والقدرةِ
والحياة ، والله أعلم .
O
(١) يعني: في حالة حدوثه، فيبقى على الصورة التي أحدثَهُ الله عليها، وقائل هذا مكابر
ومعاند للمشاهدة والحسِّ .
(٢) وهذا ملزمٌ للمعتزلة ، غير ملزم للكرامية القائلين بحدوث الصفات كما لا يخفى ،
فيرجع الكلام معهم إلى تحقيق استحالة وصف الذات القديم بالوصف الحادث .
0
(٣) فالقديم سبحانه عالمٌ عندهم لنفسه، والحادثُ إنما يكون عالماً لمعنىّ يوجدُ فيه، وأهلُ
السنة قالوا بأن العالم لا يكون عالماً إلا لمعنى يقوم به .
(٤) مفهوماً ووجوداً ، والحالُ أنها مغايرة للذات في المفهوم .
(٥) قال الإمام ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٣٧): ( وكان لا يشترطُ في
بقاء الباقي قيامَهُ به ، كما يشترطُ في علم العالم وكلام المتكلُّم قيامَهما به ، ويقول : إنه
C
لا يُنكَر أن يكون الباقي باقياً ببقاءٍ قائم بذاتٍ لا يقال : إنه هو الباقي به ؛ وذلك من
قوله : إن صفاتِ البارئ تعالى باقيةٌ ببقاء قائم بالبارئ ) .
xra

NOVANTA
C
D
O

Ca
ذكر ما جاء من أسماء الله عز وجل
منشتى بحرف التاء
6
p
AC10
00000 ,٧١٣
00000

Arratorra
0000000
0000000
NATOVarrAV 0000000
000
O
o

OX
000
ذكر معنى (التواب) من أسماءالله عزوجل
المشهورُ من أسمائه التي وردت الشريعةُ [بها] مفتتحاً بالتاء (١):
( التواب ) .
ويقع [تفسيره في ] ثلاثة فصول من الكلام(٢)؛ هذه ترجمتُها:
فصلٌ : في معنى التوبةِ واشتقاقِها ووجوهِها في اللغة .
فصلٌ : في بيان ما قيل في التوبةِ النَّصوحِ وشروطِها .
فصلٌ : في ذكر شروطِ التوبةِ عند المتكلِّمينَ .
وسنذكرُ في كلِّ فصلٍ منها ما يقتضيه شرطُهُ إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
00000 _OF
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( به ) .
(٢) ما بين المعقوفين في ( أ، ب): (في تفسيره)، وفي (ج): ( في تفسير ) .
00000 0 0000

الفصل الأول
في ذكر معنى التوبة واشتقاقها ووجوهما في اللغة
اعلمْ : أن ( التوَّابَ ) فَعَّالٌ ، من : تابَ يتوبُ تَوبةً وتَوْباً ومَتاباً ؛ إذا
أنابَ(١) ؛ يقال منه: تابَ وثابَ وأنابَ؛ إذا رجعَ إلى الجميل .
ooor
وتوبةُ الله عزَّ وجلَّ على عبده : الرجوعُ به من المعصيةِ إلى الطاعةِ ، أو
من التشديدِ إلى التخفيفِ ، أو من الحظرِ إلى الإباحةِ (٢)
ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿عَلِمَ أَلَنْ تُحْصُوهُ فَنَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ أي:
رجعَ بكم إلى التخفيف .
وقولُهُ عزَّ وجلَّ : ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ
عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ أي: أباح لكم ما حظرَهُ عليكم .
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]؛ أي : ارجعوا إليه.
والتوَّاب : من أسماء الله عزَّ وجلَّ، وهذا الاسمُ يكونُ لازماً ومتعدِّياً ؛
تقول : تابَ العبدُ، فيكونُ لازماً ، وتابَ الله على العبد ، فيكون متعدِّياً ،
(١) في (أ، ب): (أتاب)، وتصحفت في (ج ) .
(٢) فالأول من صفات الفعل ، والاثنان بعده يرجعان إلى الأحكام الراجعة إلى صفة الكلام
من صفات المعاني .
CLON
00000
AM10

TODAY.EGY O
إلا أن مفعولَهُ يقال فيه: مفعولٌ عليه (١) ؛ كقولنا : تاب الله على العبد ،
والعبدُ مَتوبٌ عليه .
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]؛ أي :
عائداً على عبده ببرِّهِ، راجعاً به إلى الحُسنى والإفضالِ عليه .
والتوَّابُ من الخلق : الكثيرُ التوبة ، السريعُ الأوبة إلى الطاعة ، وهذه
الصفة غيرُ لائقة بالله عزَّ وجلَّ، وإنما سمَّيناهُ تؤَّاباً على الوجه الأوَّل ، والله
أعلم .
OC
o
(١) سمّاه بذلك لأن تعديته لا تكون إلا بـ ( على).
CON
00000 V \ V 30000

الفصل الثاني
في معنى التوبة النصوح من الجاد
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَّوْبَةُ نَّصُوحًا﴾
[التحريم : ٨] .
واختلف المفسرونَ في كيفيَّة التوبة النصوح (١):
فروى النعمانُ بن بشير عن عمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه أنه قال :
( التوبةُ النصوحُ : أن يتوبَ الرجلُ من الذنب، ثمَّ لا يعودَ فيه)(٢)
ccccc
وقال ابن عبّاس رضي الله عنه : سألتُ معاذ بن جبل عن التوبة النصوح ،
فقال: ألا تعودَ في الذنب كما لا يعودُ اللبنُ في الضَّرع(٣)
وقال الضخَّاكُ : ( التوبةُ النصوحُ: ما ليس فيها رجعةٌ ولا مثنويَّةٌ)(٤)
(١) قال الإمام القرطبي في ((تفسيره)) (١٩٧/١٨): ( اختلفت عبارةُ العلماء وأربابِ القلوب
في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرينَ قولاً ) ، ثم ذكرها ، وفيها جميع ما سيأتي ما عدا قولَ
الضحاك ، والسيدة رابعة ، ومقاتل بن حيان ، ويحيى بن معاذ الرازي رحمهم الله .
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٤٩٣/٢٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٩٥/٢)
بنحوه .
(٣) انظر ((الدر المنثور)) (٨/ ٢٢٧).
(٤) روى الطبري في ((تفسيره)) (٤٩٤/٢٣) عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾
قال : ( أن تحول عن الذنب ثم لا تعود له أبداً)، وقوله : ( مثنوية ) بمعنى الرجوع أو
الاستثناء .

وقال مقاتلُ بن حيَّانَ : ( هي التي لا يقارنُها نيةُ الرجوع فيها)(١)
وروى محمد بن الفضيل عن الكلبيِّ قال: ( التوبةُ النصوحُ : أن يستغفرَ
باللسان، ويندمَ بالقلب، ويمسكَ عن الذنب بالبدن)(٢).
وقال سعيد بن جبير : ( التوبةُ النصوحُ : هي التوبةُ المقبولةُ ، ولا تكونُ
مقبولةً حتى يقارنَها ثلاثٌ : رجاءُ القَبول ، وخوفُ الردِّ ، والثباتُ
عليها )(٣)
وقال سعيد بن المسيب : ( ﴿تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ : أي : تنصحونَ بها
أنفسكم )(٤)
وقال محمَّدُ بن كعب القرظيُّ : ( التوبةُ النصوحُ : هِجرانُ الذنب ،
وهِجرانُ أهل الذنب وإخوانِهِ )(٥)
وقال الفضيلُ بن عياض : ( التوبةُ النصوحُ : أن يكونَ الذنبُ الذي تبتَ
منه نصبَ عينيكَ ، فلا تنساه )(٦)
وقال أبو بكر محمَّدُ بن موسى الواسطيُّ : ( التوبةُ النصوحُ : هي التي
(١) أورده الواحدي في ((التفسير البسيط)) (٢٦/٢٢) بلفظ: (التوبةُ النصوحُ: أن يتوب
العبد من ذنبه صادقاً في ذلك ، لا يريد مراجعته ولا يعود فيه ) .
(٢) أورده الثعلبي في ((الكشف والبيان)) (٩/ ٣٥٠)، وروى ابن أبي الدنيا في ((التوبة))
(ص٣٣) هذا القول بنحوه عن عمر بن عبد العزيز .
(٣) أورده الثعلبي في (( الكشف والبيان)) (٣٥٠/٩).
(٤) أورده الثعلبي في (( الكشف والبيان)) (٣٥٠/٩).
(٥) أورده بنحوه الثعلبي في ((الكشف والبيان)) (٣٥٠/٩).
(٦) أورده بنحوه الثعلبي في ((الكشف والبيان)) (٣٥٠/٩) .
100000 1 9700000