Indexed OCR Text

Pages 281-300

الفصل الأول
في بيان معنى الغيروين وحدهما وقيقتهما
اختلفوا في معنى الغيرَينِ على أقوالٍ مختلفة :
فقال قوم : الغيرانِ : هما الشيئانِ(١)، وربما قالوا: هما
الموجودان(٢)، وهذا مذهبُ أبي العباس القلانسيِّ، وكان لا يقول :
إنَّ الله عزَّ وجلَّ وعلمَهُ شيئانٍ ، ولكن يقول: هما شيءٌ، وشيءٌ موجود ،
وموجودٌ .
وزعمت الكراميّة في حقيقة الغيرَينِ : أنهما موجودان(٣)، وأطلقوا لفظ
التغاير على الله عزَّ وجلَّ وصفاتِهِ الأزليَّة(٤)، وأطلقوا على الشيء الواحد
اسمَ الغير وإن انفرد .
(١) نسب هذا القولَ العلامةُ الآمدي في ((أبكار الأفكار)) (٢٨٨/٣) للمعتزلة، وبيَّنَ
فساده بقوله ( ٢٨٩/٣): ( كل واحد من الغيرين يصح أن يقال : إنه غير الآخر ،
ولا يصح أن يقال لكل واحد من الشيئين: إنه شيءٌ للآخر).
(٢) فليس بين المعدومين ، أو المعدوم والموجود .. صفةُ تغاير ، والمراد بالموجودين :
ما يجوز انفكاكهما ؛ فليس بين الذات وصفتها تغاير ؛ لاستحالة الانفكاك بين الصفة
والموصوف بها. انظر (( المواقف)) (ص ٨٠).
(٣) دون ملاحظة قيد الانفكاك .
(٤) لا التغاير في المفهوم فحسب ، بل التغاير في الماهية ، ولذلك قالوا باتصافه تعالى
بالصفات الحادثة .
COOOOO Y A .00000
ـحد

Y.MAT OOOOO
POOL
واختلفت عباراتُ أصحاب أبي الحسن الأشعري في ذلك :
فقال بعضُهم : الغيرانِ : هما الموجودان اللذان يصحُّ وجودُ أحدهما مع
عدم الآخر(١)
ولهذا لم يطلقوا لفظُ التغاير في ذات البارئِ عزَّ وجلَّ وصفاتِهِ الأزليَّة ؛
لاستحالة وجوده مع عدمها ، واستحالةِ وجودِها مع عدمه .
وكذلك يستحيل وجودُ بعض صفاته الأزليَّةِ مع عدم البعض منها(٢)؛
فلذلك لم يَجز أن يقال : إنَّ علمَهُ غيرُ قدرته ، وإنَّ إرادتَهُ غيرُ قدرته ،
وإرادتهُ غيرُ حياته وبقائه وكلامِهِ ؛ لاستحالة العدم على جميعها .
وهؤلاء إذا قيل لهم : يلزمُكم ألا تكونَ الاستطاعةُ غيرَ الكسب ؛ لأنه
يستحيل وجودُ الاستطاعة بلا كسب عندَكم ، ويلزمُكم ألا تكونَ الجواهرُ غيرَ
الأعراض ؛ لاستحالة وجودِها بلا أعراض ، واستحالةٍ وجود الأعراض بلا
جواهرَ .
0000000
قالوا : إنَّ الاستطاعةَ وإنْ لم توجد بلا كسبٍ فقد يصحُّ وجودُ ما هو مِنْ
جنس الكسب ضروريّاً بلا استطاعة(٣)، ونحن لم نقل: إنَّ الغيرَينِ ما صحَّ
(١) انظر ((الشامل)) (ص٣٣٢)، و((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٦٧)، و((اللمع))
(ص٢٨)، وفيه تنبيهٌ على اشتراط إمكان الانفكاك على معنى الإمكان العام ، وعليه:
لا يقال لذات القديم ولا لصفاته : إنهما متغايران .
(٢) لوجوبها جميعاً، ولذا لم يجز إطلاق لفظ التغاير فيما بينها أيضاً.
(٣)
فيجوز أن تتعلق القدرة القديمة بإيجاد مقدور من غير قدرة حادثة أصلاً ، وكذلك يجوز
تقديره مقدوراً مع قدرة أخرى تماثل القدرة الحادثة ، وههذه التحريجة من تمويهات
الجهلة كما قال إمام الحرمين في (( الشامل)) (ص٣٣٦).
100000 A 00000

٢
وجودُ كلِّ واحد منهما مع عدم الآخر ، وإنما قلنا : هو ما صحَّ وجود
أحدهما مع عدم الآخر ، وهذا الحدُّ مطّردٌ في الاستطاعة والكسبٍ .
وأمَّا الجواهر والأعراض : فخارجانِ عمَّا أردناه ؛ لأنَّ كلَّ جوهر يجوز
وجودُهُ مع عدم العرض القائم به ؛ بأن يوجدَ فيه عرضٌ آخرُ ، وكلَّ عرض
وُجِدَ في جوهر .. فإنه كان يصحُّ وجودُهُ في جوهر آخرَ مع عدم الجوهر
الذي وُجِدَ فيه عندَ وجوده بدلاً منه ، فبطلَ هذا الإلزام(١)
وقال بعضُ أصحاب الأشعريِّ : حُّ الغيرَينِ: أنهما موجودان يصحُ
مفارقةُ أحدهما صاحبَهُ بزمان أو مكان .
وهذا يؤول إلى المعنى الأول(٢)
واختلفَتْ عباراتُ مخالفينا من القدريَّة وغيرِهم في معنى الغيرَينِ :
فقال أبو هاشم صاحب الذَّمِّيّة(٣): الغيرانِ: مذكورانٍ لا يكون أحدُهما
جملةٌ يَدخل الآخرُ تحتَهُ .
واحتَرَزَ بذلك : عن ذكر الإنسان مع ذكر أعضائه ، وعن ذكر الواحد من
(١) بتصور الانفكاك بين الجوهر والعرض الفلاني ، بثبوت عرض مماثل.
(٢) وهو آخر قولي الإمام الأشعري. انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٦٧)،
و((الشامل في أصول الدين)) (ص٣٣٣)، والمعنى الأول : المفارقة بالوجود
والعدم ، والمعنى الثاني هنا : المفارقة بالزمان أو المكان ، وهو بعد التأمل راجع
للمفارقة بالوجود والعدم .
(٣) وزعيم البهشمية، قال الإمام أبو منصور في ((الفرق بين الفرق)) (ص ١٨٥): (ويقال
لهم : الذقِّية ؛ لقولهم باستحقاق الذمُ لا على فعل ؛ يعني: فعله هو ، فيلزم على
قولهم هذا : أن يكون المرء عاصياً من غير معصية ) .
00000 ٢٨٢ 00000

العشَرة مع ذكر العشَرة؛ فإنَّ أحدَ المذكورَينِ داخلٌ في جملة الآخر(١)
وقال قوم : الغيرانِ : هما المختلفانِ من كلِّ وجه .
وقال آخرون : هما المختلفانِ في الوصف .
وقال آخرون : هما المتباينانِ .
وقال آخرون : هما اللذان يصلحُ أحدهما لما لا يصلحُ له الآخر .
وقال آخرون : هما اللذان يصحُّ أن يُعلمَ أحدُهما ، ويجهلَ الآخرُ .
وزعم قومٌ: أنَّ الغيرَينِ يتغايران بغيريَّة هي معنىّ سواهُما (٢)
00
DO
فالدليلُ على فساد قول من زعم : ( أنَّ حقيقة الغيرَينِ : أنهما شيئان أو
موجودان ) أنه لو كان كذلك لوجب أن يكونَ حقيقةُ الشيء الواحد أنه غيرٌ ،
وأن تكونَ حقيقةُ الأشياء أنها أغيارٌ ؛ لأنَّ الجمعَ الذي له واحدٌ من لفظه
حقيقةٌ .. جمعُهُ يتقسّطُ على أجزائه ، ولو كان كذلك لكان إثباتُنا للشيء شيئاً
يتعلَّقُ بإثبات شيء آخرَ ، كما أنَّ الغيرَ بكونه غيراً يقتضي ما هو غيرٌ له .
فإن عارضونا بجماعة الإبل والنساءِ التي لا واحدَ لها من لفظها ، وباسم
الإنسان في وقوعه على جملة أجزائه دونَ أبعاضه .. فقد حسمنا لزومَ ذلك
على اعتلالنا باشتراطنا أن يكونَ لفظُ الجمع مبنيًّاً من لفظ واحدِهِ ، فلا يدخلُ
عليه الجمع الذي لم يُبنَ من لفظٍ واحد .
(١) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (١١٩/٧ - ١٢٠)، وعامة المعتزلة على
هذا، وخالفهم منهم جعفر بن حرب. انظر ((تبصرة الأدلة)) (١ / ٢٤٢).
(٢) انظر هذه الأقوال في ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (١١٩/٧) وما بعدها ،
وفي ((الشامل في أصول الدين)) (ص٣٣٢ - ٣٣٧).

00
وأما قولُ أصحاب أبي هاشم : إنَّ الغيرَينِ : هما المذكوران اللذان
لا يكون أحدُهما جملةٌ يَدخلُ الآخرُ تحتَها(١) .. فباطلٌ بالأحوال التي اذَّعاها
أبو هاشم ، وزعم: أنها لا موجودةٌ ولا معدومةٌ؛ فإنها مذكوراتٌ(٢) ،
ولم يَدخل بعضُها عندَهُ في ضمن بعض ، ومع ذلك فإنها غيرُ متغايرة .
فإنَّ زعم أصحابُهُ : أنها غيرُ مذكورات ، وإنما تُذكَر الذواتُ المستحقَّةُ
لها .. كانت هذه الدعوى تجاهلاً منهم ؛ لأنهم إذا قالوا : ( إنها غيرُ
مذكورات ) فقد ذكروها بأنها غيرُ مذكورات ، ويستحيل أن يقال في
المذكور : إنه غيرُ مذكور .
٢
وأمَّا قولُ من زعم : أنَّ الغيرَينِ : هما المختلفانِ من كلِّ وجه .. فإنه
يلزمُهُ عليه : ألا يكونَ الجوهران الموجودانِ إلا في محلٌّ غيرَينٍ إذا وجد في
كل واحد منهما من الأعراض مثلُ ما وجد في الآخر .
وقول من قال : ( الغيرانِ: ما وُصِف أحدُهما لنفسه بما لا يوصفُ به
الآخر لنفسه ) كما ذهب إليه بعض البصريين من المعتزلة .. باطلٌ؛ لأنَّ
صاحبَ هذا القول أجازَ وجودَ سوادَينٍ في محلِّ واحد ، فيشتركانِ في
جميع الأوصاف النفسيّة وهما مع ذلك متغايرانٍ ، وكذلك الجوهران
يشتركان في جميع أوصافهما النفسيّة وهما مع ذلك غيرانِ .
وبهذا يبطل قولُ من قال : ( الغيرانِ : هما المختلفان من كلِّ وجه ) ؛
(١) تقدمت العبارة (٢٨٢/١) بلفظ : ( تحته ) بدل ( تحتها )، وكلاهما جائز ؛ باعتبار
الشيء وباعتبار جملته .
(٢) فيقال: العالمية والقادرية والسميعية والبصيرية، إلى غير ذلك .
٥٥مجم/ ٢٨٤

0000
00000
0000
TODAYPAY
لأنَّ الجوهرَينِ لا يختلفان من جميع الوجوه مع اشتراكهما في جميع الصفات
النفسيّة ، وهما مع ذلك متغايرانِ .
وقولُ من قال : ( الغيران : ما صحَّ أن يُعلمَ أحدُهما ، ولا يُعلمَ
الآخرُ ) يوجِب أن يكونَ الشيءُ غيرَ نفسه ؛ لأنه يصحُ أن يُعلمَ الشيءُ على
وجه ، ويُجهلَ على وجه آخرَ .
وقولُ من قال : ( الغيرانِ : ما لهما غيريَّة ) يُوجِبُ عليه ألا تكون
الأعراض متغايرةً ؛ لاستحالةِ قيام الغيريَّة بها(١)
وقولُ من قال: ( الغيران: [المتباينان](٢))؛ إن أراد به التباينَ
بالمكان .. لزمه أن يقول في العَرَضَينِ اللَّذَينِ هما في محلٌّ واحد (٣): إنهما
غيرُ متغايرَينٍ ، وإن أراد به التباينَ في الصفات النفسيّة .. لزمه ألا يكونَ
السوادانِ متغايرَينِ(٤)؛ لاشتراكهما في جميع الصفات .
فإذا بطلَت هذه الأقوالُ التي حكيناها عن مخالفينا في حدِّ الغيرَينِ ..
صحَّ في حدِّ الغيرَينِ قولُ أصحابنا : إنهما اللذان يصحُّ وجودُ أحدهما مع
عدم الآخر (٥) ، أو بما يصحُّ مفارقةُ أحدِهما للآخر بزمان أو مكان ، أو
بوجود أحدهما مع عدم الآخر(٦).
لأن العرض لا يقوم بالعرض .
(١)
(٢) ما بين المعقوفين في (أ، ب): ( متباينان)، وسقط من (ج) .
(٣)
كلون التفاح وطعمه في التفاحة مثلاً ، ولم يُرد أنهما عرضان من جنس واحدٍ .
يعني : أن السوادين في محلّين متغايران ، لكنْ على القول بالتباين في الصفات النفسية
(٤)
ليسا كذلك ؛ لأن الصفات النفسية لهما مشتركة .
(٥) ويصح فتح الهمزة في ( إنهما ) على تقدير دخول الباء ؛ مراعاةً للمعطوفات الآتية .
(٦) أي: بمفارقة وجود أحدهما مع عدم الآخر. انظر ((الشامل في أصول الدين)) (ص ٣٣٣).
٥٠٠ ٢٨٥
C10

وإذا صحَّ هذا القول في حدِّ الغيرَينِ .. استحالَ أن يقال: إنَّ الله عزَّ
وجلَّ غيرُ صفاتِهِ الأزليَّة ؛ لاستحالة وجود أحدِهما مع عدم الآخر (١) ،
واستحالَ أيضاً أن يقال : إنَّ علمَهُ غيرُ قدرته ؛ لاستحالة وجود أحدِهما مع
عدم الآخر (٢) ، وكذلك القولُ في سائر صفاته الأزليَّة؛ يستحيلُ إطلاق لفظ
التغاير فيها(٣).
واختلف أصحابنا في ذلك من وجه آخرَ :
فكان عبد الله بنُ سعيد وأبو العباس القلانسيُّ يقولان : إنَّ علمَ الله تعالى
لا هو الله ولا هو غيرُهُ، وكذلك القولُ عندهما في قدرتِهِ وإرادتِهِ وسائرٍ
صفاته الأزليّة وذاتهٌ(٤)
وكان أبو الحسن يقول : ( لا أقولُ هذه العبارة ، وللكني أقول : له
علمٌ أزليٌّ خطأ أن يُقالَ: هو هو ، وخطأ أن يُقالَ: هو غيرُهُ) ، وكذلك
قوله في قدرته ، وسائرٍ صفاته الأزليَّة عندَ الإضافة إليه سبحانه(٥)
00
فهذا أصلُ هذا الباب ، فاعرفْهُ ، إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
ومن أعجب العجائب : إنكارُ أصحاب أبي هاشم علينا امتناعَنا عن
(١) وكذلك العرض لا يقال فيه : إنه غير الجوهر ولا إنه عينه؛ لاستحالة المفارقة بينهما.
(٢) لأنهما أزليان باتفاق ، وهذا التصور بخلاف العلم والقدرة الحادثين .
(٣) قال إمام الحرمين في ((الإرشاد)) (ص١٣٨): ( والقول في إيضاح معنى الغيرين ليس
من القواطع عندي ؛ إذ لا تدلُّ عليه قضيةٌ عقلية ، ولا دلالةٌ قاطعة سمعية ... ).
(٤) قوله : (وذاتَهُ) مفعول معه ؛ أي : وكذلك صفاته مع ذاته لا يقال فيها : إنها هو
ولا إنها غيره، وانظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٦٩).
(٥) انظر (( اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع)) (ص ٣٠-٣١)، و((مجرد مقالات
الأشعري )) ( ص ٣٨) .
OO000 ٢٨٦ DO000
ـحد

GO
القول : بأنَّ علمَ الله هو هو أو غيرُهُ، مع قولهم بأنَّ لله عزَّ وجلَّ بكونه عالماً
حالٌ، وبكونه قادراً حالٌ(١) ، وأنَّ كلَّ حال من أحواله اختَصَّ به بحالٍ ما ،
مع امتناعهم من إطلاق لفظ التغاير على الأحوال !
بل قالوا : إنَّ الحالَ لا يقال لها : موجودة ولا معدومة ، ولا معلومة
ولا مجهولة ، ولا إنها هي الذاتُ ولا إنها غيره(٢) ، فكان مَثلُهم في ذلك
مَثَلَ الأعمى الذي يَعيب البصيرَ على ضعف بصره ، بل مَثلُهم فيه مثلُ من قال
بجسمٍ لا موجودٍ ولا معدوم ! من أَجْلِ قولنا جميعاً بخنثى ليس بذكر
ولا أنثى ، فيمتنعُ من إطلاق ما يُعلَمُ كونُهُ بالضرورة من أجْلِ امتناع غيرِهِ عن
إطلاق ما لا يجوزُ إطلاقه، والله المحمودُ على إنقاذنا من بدعتهم
وضلالتهم .
000
(١) كذا برفع ( حالٌ) في الموضعين ، على أن ( أنَّ) هنا شأنية .
(٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٢٩)، و((تمهيد الأوائل)) (ص ٢٣٠ -٢٣٢)،
و ((شرح الأصول الخمسة)) (ص١٨٤).
00000 -٢٨٧
00000

0
DOO
الفصل الثاني
في معنى المثلين والختلفين والمّارين
يقعُ في هذا الفصل ثلاثُ مسائل :
[ الكلامُ على التماثل ]
المسألةُ الأولى : في بيانِ معنى المِثلَينِ ، وقد اختلفوا فيه :
فقال شيخُنا أبو الحسن رحمه الله : ( إنَّ المِثلَينِ هما ما سدَ أحدُهما
مسدَّ الآخر )(١)
000000
وتفسيرُ ذلك : أنْ يجوزَ على كلِّ واحد منهما ما يجوزُ على الآخر ،
ويستحيلَ على كلِّ واحد منهما ما يستحيلُ على الآخر ، وهذا عنده حدٌّ
الاشتباه العقليّ(٢)
وإذا صحَّ على أحدهما شيءٌ يستحيلُ على الآخر مثلُهُ .. فليسا
بمتشابهَينِ ، ولا متماثلَينِ .
(١) انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٠٩)، وزاد القاضي الباقلاني في ((رسالة
الحرة)) المطبوع باسم ((الإنصاف)) (ص٣٦): ( وساوقه من جميع الوجوه ) .
(٢) يعني: حدَّ الاشتباه في العقل؛ بمعنى: أن العقل يحكم بالاشتباه عندما يسدُّ أحدًّ
المثلين مسدَّ الآخر ، والدليل النقلي النظري: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:
OOOOO Y AA 00000
LON

وكان يمنعُ وقوعَ التشابه بين الشيئَيْنِ بالاشتراك في اسمٍ أو وصف ، سواءٌ
كان ذلك من أعمّ الأوصاف أو من أخصِّها(١) ، وعلى هذا الأصل اعتمد في
أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يشبهُ خلْقَهُ ، ولا صفاتُهُ القائمةُ بذاته تشبهُ صفاتٍ خلقِهِ ؛
من حيث استبدَّ كلُّ واحدٍ منهما بصفةٍ تستحيلُ على الآخر ، مع اشتمال اسم
الموجود والمعلوم والمذكور والشيء على الجميع (٢)
وكان أبو العباس القلانسيُّ والنجَّار يقولان : إنَّ المُحدَثَينِ يَشْتَبَهانِ في
الحدوث من حيث هما مُحدَثان ، وإنْ اختلفا بعدَ ذلك في أوصافٍ سوى
الحدوث(٣)
ثم إنَّ النجَّارَ كان لا يثبتُ لله عزَّ وجلَّ صفةً أزليّةٌ .
وكان القلانسيُّ يقول : إنَّ صفاتِ الله القائمةَ بذاته أزليَّةٌ ، ولا نقولُ :
(١) انظر (( رسالة إلى أهل الثغر)) (ص ٢١٣).
(٢) ولهذا قرَّر محققو أهل السنة: أن الاشتراك في لفظ ( الذات ) بين الله تعالى وخلقه ،
ولفظ ( الوجود ) وألفاظ أسماء صفات المعاني له تعالى مع الوجود الحادث وصفات
المعاني الحادثة .. هو من باب الاشتراك اللفظي فقط ، وأنها كلها من المتشابه على
التحقيق، قال الإمام الأشعري في ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص٢١٣): ( ألا ترى أن
وصف البارئ عز وجل بأنه موجود ، ووصف الإنسان بذلك .. لا يوجب تشابهاً بينهما
وإن كانا قد اتفقا في حقيقة الموجود ؟! ولو وجب تشابههما بذلك لوجب تشابه السواد
والبياض بكونهما موجودين ) .
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٥٣)، وحكاه عن الإمام القلانسي الإمامُ أبو بكر
الباقلاني. انظر (( الشامل في أصول الدين)) (ص ٢٩٣)، ونقله الإمام الصفار البخاري
في ((تلخيص الأدلة)) (ص٣١٥) ورجّحه، ثم بين منزع الإمام القلانسي والنجار
المعتزلي تباينٌ سيذكره المصنف .
00

إنها قديمةٌ(١)، ونقول: لا قديمَ إلا الله(٢)
وكان يقول : إنَّ المتماثلَينِ من الجواهر يتماثلان لمعانٍ تقوم بهما ،
والمتماثلَينِ من الأعراض يتماثلان لا لأنفسهما ولا لمعنىّ .
وقالت طائفةٌ من المعتزلة : إنَّ المُشتبهَينِ المِثَلَينِ : هما اللذان يشتركان
في أخصّ أوصافهما ، وأخصُّ أوصاف القديم أنه قديمٌ .
x
وكذلك أنكرت أن يكونَ لله عزَّ وجلَّ صفةٌ قديمةٌ ؛ بدعواها : أنه لو
كانت له صفةٌ قديمةٌ لشاركته في وصف القِدَم ، ولكانت مثلَهُ ؛ لأنَّ القديمَ
أخصُّ أوصاف الموجود ، والاشتراكُ في أخصِّ الأوصاف يوجب التماثلَ
والاشتباه(٣).
A
00
وقال بعضُ أصحاب الجبَّائي : المشتبهانِ : هما اللذانِ يشتركان في
الصفة النفسيّة .
وأراد بذلك : اشتراكَهما في صفةٍ استحقَّاها لأنفسهما(٤) ، فإذا أُلزمَ على
(١) وهذا مبني على التفريق بين القديم والأزلي، وأن القديمَ ما قام بنفسه أزلاً، والأزليَّ
ما قام بنفسه أو بمحلِّ أزلاً ؛ إذ لو كانت الصفات قديمة على هذا القول لكانت قائمة
بنفسها ، فيقع التغاير والتعدُّد الذي فرّ لأجله المعتزلة .
(٢) انظر (٢٣٨/١)، وهذا مع ثبوت الأزلية لذاته العلية .. مصطلح القديم أخصُّ من
مصطلح الأزلي .
(٣) وهو مذهب ابن الإخشيد من معتزلة البصرة ، وإلى ذلك مال أبو علي الجبائي . انظر
((الشامل في أصول الدين)) (ص٢٩٣)، و((المغني في أبواب التوحيد والعدل ))
(٢٥٠/٤-٢٥١)، وقال الإمام الشهرستاني في ((الملل والنحل)) (ص ٤٣):
( والذي يعم طائفةَ المعتزلة من الاعتقاد : القولُ بأن الله تعالى قديم ، والقدم أخص
وصف ذاته)، وانظر فساد هذا القول فيما سيأتي (١/ ٢٩٠، ٢٩٤).
(٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٥٣)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص ١١٠)، =
10
٢٩٠00000 00000

000000
هذا الحدِّ اشتراكَ المختلفَينِ في وصفِ الحدوث والوجود .. أجابَ عن
ذلك : بأنَّ الموجودَ لم يكن موجوداً لنفسه، ولا المُحدَثَ كان مُحدَثاً
لنفسه ، ولا لمعنىّ ؛ فلذلك لم يجب التشابهُ بالاشتراك فيه ، والسوادّ كان
سواداً لنفسه ؛ فلذلك وجبَ تماثلُ السوادَينِ ؛ لاشتراكِهما في الصفة
النفسيّة(١)
وقال بعضُ النجَّاريّة : المشتبهانِ : هما اللذانِ يتفقان في حكم أو وصفٍ
من غير أن يكونَ أحدُهما لصاحبه .
واحتَرَزَ بذلك : عن القديم والمُحدَث إذا اجتمعا في وصف الوجود أو
الشيء ، أو في وصف كلِّ واحد منهما بأنه قادرٌ عالمٌ حيٍّ ونحو ذلك؛ لأنَّ
المُحدَثَ إنما كان على صفاته التي هو عليها بالقديم سبحانه(٢)
O
وذهبت الفلاسفةُ : إلى أنَّ التشابةَ يقع بالاشتراك في أوصاف الإثبات
دون السلب ، وزعموا : أنه لا يُطلَق على البارئ من الأسماء والأوصاف إلا
ما طريقه طريقُ السلب دون الإيجاب ؛ فقالوا : لا نقول : إنه موجودٌ ، بل
نقول : إنه ليس بمعدوم ، ولا نقول : إنه حيٌّ عالمٌ قادرٌ ، ولكن نقول :
ليس بميت ولا جاهل ولا عاجز .
وبنَوا ذلك على دعواهم : أنَّ الاشتراكَ في الاسم والوصف إذا كان من
G
و(( التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض)) (ص٢٥٦)، وانظر بيان خطأ هذا القول
=
فيما سيأتي (٢٩٥/١) .
(١) انظر ((المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص١١٥)، و((الشامل في
أصول الدين)) ( ص ٣٠٧) .
(٢) انظر فساد قول النجارية في ذلك (٣٠٠/١).

طريق الإيجاب .. أوجبَ التماثلَ(١)
وطابقَهم على [هذه] الدعوى بعضُ الباطنيّة (٢)
وزادَ عليهم بعضُهم بأن قال : لا يُوصفُ البارئُ عزَّ وجلَّ بشيء من
صفات الإثبات ، ولا بشيء من أوصاف النفي ، وادَّعى أنَّ ذلك يؤدي إلى
التشبيهِ من الوجهَينِ جميعاً ، وأنَّ من قال : ( إنه موجودٌ) فقد شبَّهَهُ
بالموجودات ، ومن قال : ( ليس بموجود ) فقد شبَّهه بالمعدوم ، وكذلك
قالوا: لا نقولُ إنه شيءٌ، ولا نقول: إنه لا شيءٌ، ولا إنه جسمٌ ، ولا إنه
ليس بجسم(٣)
وكان الناشئُ يزعم(٤): أنَّ اشتراكَ القديم والمُحدَث في اسم أو صفة
على الحقيقة لا يجوزُ ، وإنما يجوزُ على أن يكونَ حقيقةً في أحدهما مجازاً
في الآخر ، وكان يعتلُّ لذلك بأن يقولَ: إنَّ الشيئَينِ إذا اشتركا في اسمٍ واحد
لم يخلُ القول في ذلك من أربعة أوجه :
إما أنْ يشتركا فيه لاشتباهِهِما ؛ كاشتراك السوادَينِ في اسم السواد ،
والبياضين في اسم البياض .
(١) انظر ((الشفاء)) (ص٣٦٧ - ٣٦٨)، و((تهافت الفلاسفة)) (ص ١٦٤ - ١٦٥)،
وانظر فساد قولهم (٣٠٢/١) .
(٢) ما بين المعقوفين في ( أ، ب): (هذا)، وسقط من (ج) .
(٣)
انظر ((الملل والنحل)) (١٩٣/٣).
أبو العباس عبد الله بن محمد المعروف بالناشئ الأكبر، من متكلمة المعتزلة ،
(٤)
توفي سنة (٢٩٣هـ). انظر (( المنتظم)) ( ٤٥/١٣)، و((البداية والنهاية))
(٢ /١٩٨ ) .

G
أو لاشتباه ما احتملَتْهُ ذاتاهما من المعاني ؛ كقولنا للأسودَينِ : إنهما
أسودانِ .
أو يكونَ ذلك لأجل مضافٍ أُضيفًا إليه ؛ كأخوَيْ رجلٍ واحد وابنَيْه
وأبوَيْهِ ؛ ونحو ذلك .
أو بأن يكونَ حقيقةً في أحدهما مجازاً في الآخر ؛ كـ ( الأسدِ ) يكون
حقيقةً في بعض السباع ، مجازاً في الرجل الشجاع .
O
قال : فلمَّا لم يوجدْ شيءٌ من هذه الأقسام في اشتراك القديم والمُحدّث
في اسمٍ حِيٍّ وعالم وقادر إلا أن يكون مجازاً في أحدهما حقيقةً في الآخر ..
٠
وجبَ أن يكونَ اشتراكُهما في الاسم الواحد على هذا الوجه (١)
00
po
ثم اختَلَفت الروايةُ عنه بعد ذلك ؛ فروي عنه : أنَّ هذه الأسماءَ حقيقةٌ
في الباري عزَّ وجلَّ ، مجازٌ في غيره ، وروي عنه أنه قال : إنها حقيقةٌ في
غيره ، مجازٌ فيه .
00000
فهذا بيانُ اختلافهم في معنى المتشابهَينِ والمتماثلَينِ .
[ الكلامُ على التشابهِ ]
فأمَّا معنى التشبيه : فراجعٌ إلى معنيَينِ :
أحدُهما : فعلُ المُشتبهَينِ وخَلْقُهما ، فيقال لمن خلَقَهُما : إنه قد شبَّةَ
بينهما .
(١) انظر (مقالات الإسلاميين)) (ص ١٨٤، ٥٠٠ - ٥٠١).
00000 ٢٩٣
CCOCOYA

١٣٨YO
٨
00000000
والثاني : يرجعُ إلى الخبر عنهما بالتشابه ، وإلى اعتقاد التشابه بين
الشيئَينِ ، وعلى هذا المعنى قيل لمن زعم أنَّ الله عزَّ وجلَّ مُشبِهٌ لخلقه :
( إنه مُشبِّهٌ) ، وأجريَ هذا الوصفُ أيضاً على القائل بما يوجِب عليه قودٌ
أصلِهِ القولَ بالتشبيه بين القديم والمُحدَث(١)، وإن أظهر البراءةَ من ذلك،
كما نبيِّته بعد هذا إن شاءَ الله عزَّ وجلَّ (٢).
[ التدليلُ لحقيقةِ المثلينِ عندَ أهلِ السنةِ ]
والدليلُ على أنَّ حقيقة المِثلَينِ : هو ما سدَّ أحدُهما مسدَّ الآخر وناب
منابه .. أنَّا سبرنا أوصافَ المتماثلَينِ: فبطل أن يكونَ تماثلُهُما لاشتراكهما
في الوجود أو في الحدوث ، أو في كونهما معلومَينٍ أو مذكورَينٍ أو شيئَيْنِ ؛
لاشتراك المتضادَّات والمختلفات في ذلك من غير وجوه تشابهٍ فيها .
ولا يجوزُ أن يكونَ تشابهُ الجوهرَينِ لكونهما جوهرَينِ(٣)؛ لوجود
التماثل بين العَرَضَينِ وإنْ لم يكونا جوهرَينِ ، ولا يجوزُ أن يكون تماثلُ
العَرَضَينِ بكونهما عرضَينِ ؛ لتماثل الجوهرَينِ وإن لم يكونا عَرَضَينٍ ،
ولا بكونهما سوادَينِ ؛ لوجود التماثل بين شيئَينٍ ليسا من جنس السواد .
وإذا بطلت هذه الأقسامُ كلُّها .. لم يبقَ إلا أنَّ تماثلَهُما من أجل أنَّ كلَّ
واحد منهما يسدُّ مسدَّ الآخر .
(١) قوله: (قودُ أصله) يعني: اتباع أصله، وفي (ب): ( قوة ) بدل ( قود ).
(٢)
انظر (٣٣٥/١)، (٧٩/٣).
(٣) المراد بالتشابه هو التماثل كما يفهم من السياق .
00000 -٢٩٤ 00000

فأمَّا قولُ من زعم : أنَّ المتماثلَينِ يتماثلان لاشتراكهما في صفة واحدة
من صفات النفس .. فذلك خطأً ؛ لاشتراك المتضادَّات والمختلفات في
كونها أشياءَ ، وموجودةٌ ، وأعراضاً ، وألواناً ، ونحوَ ذلك ، وهذه
الصفاتُ يستحقُّها الموصوفُ بها لنفسه .
C
ودعواهم : أنَّ السوادَ والبياضَ شيئانٍ لا لأنفسهما ولا لمعنىّ ، وكذلك
كونهما موجودَينٍ، أو محدَثَيْنِ ، أو عَرَضَينِ ، أو لونَيْنٍ .. دعوى
فاسدةٌ(١)، ويقال لهم فيها : إنْ جاز عندَكم أن يكون السوادُ سواداً لا لنفسه
ولا لمعنىّ، وكذلك البياضُ .. فما أنكرتُم أنَّ القديمَ قديمٌ لا لنفسه
ولا لمعنىّ، كما زعمتم أنَّ المُحدَث مُحدثٌ لا لنفسه ولا لمعنىٌ؟!(٢)
وإذا فسدَتْ هذه الأقسامُ ، وفسدَ أن يكونَ التماثلُ وقعَ بينهما
لاشتراكهما في الصفات المعنويَّة ؛ لتماثل العرضَينِ مع استحالة قيام معنىّ
بهما .. لم يبقَ من الأقسام إلا ما اخترناه ؛ مِنْ أنْ يسُدَّ أحدُهما مَسدَّ الآخر.
وممّا يدلُّ على فساد قول من اعتبرَ في التماثل أخصَّ الأوصاف ، أو صفةٌ
من صفات النفس : أنه لا يخلو أن يكونَ الذي أوجبَ التماثلَ بين الشيئَينِ :
اشتراكَهما في هذه الصفة وإن اختلفا في غيرها ، أو اشتراكهما في جميع
الأوصاف وجوباً وجوازاً على السواء كما قلناه .
فإن يكن الموجِبُ للتماثل الاشتراكَ في تلك الصفة الواحدة .. جاز
وقوعُ التشابه والاختلاف معاً بين الشيئَينِ ، حتى يكونُ القديم مِثْلاً للجوهر ؛
(١) وهي دعوى الإمام القلانسي المتقدمة (٢٨٩/١ - ٢٩٠).
(٢) فهذا كهذا ؛ فلِمَ منعتم أن يكون القديم قديماً لا لنفسه ولا لمعنى ؟!
COO6 90 00000

لاشتراكهما في استغنائهما عن المحلِّ ، وإن اختلفا في غيره من الصفات .
ويدلُّ على فساد قولهم : موافقتُهم لنا في أنَّ المختلفَينِ يختلفان
لأنفسهما ؛ وكلَّ واحد منهما مخالفٌ للآخر لنفسه ، فيلزمُهم على قولهم :
أنْ يكونَ المختلفانِ متماثلَينِ من حيث اختلفا ؛ لأنهم أوجبوا التماثلَ
بالاشتراك في صفة واحدة من صفات النفس ، أو في أخصِّ الأوصاف ،
ومخالفةَ كلِّ واحد من المختلفَينِ لصاحبه لصفة راجعة إلى نفسه هي أخصُّ
أوصافه ، فقد اشتركا في أنَّ كلَّ واحد منهما مخالفٌ للآخر لنفسه أو لأخصِّ
أوصافه ، فيجب تماثلُهما من حيث اختلفا ، وذلك نقضُ حقيقة
المتماثلَينِ .
ويدلُّ عليه : أنَّ السوادَ عندهم مخالفٌ للبياض بأخصِّ أوصافه لنفسه ،
وكذلك الحمرة مخالفةٌ للبياض بأخصِّ أوصافها لنفسها ، فكلُّ واحد من
السواد والحمرة مشاركٌ للآخر في كونه مخالفاً للبياض بأخصِّ أوصافه
لنفسه ، فيلزمُهم: أنْ يكونَ السوادُ والحمرة متماثلَين ، وذلك خلافُ
أصولهم .
ويدلُّ على فساد قولهم : أنَّ من أصلهم : أنَّ حقيقةً الشيء إنما تصحُ
متى كانت بحيث إذا عرفَهُ إنسانٌ عرفَ فيه تلك الحقيقةَ ، وإنْ لم يسمِّها
حقيقةً له .
وإذا كان هذا من أصلهم قلنا لهم : لو كانت حقيقةُ المِثلَينِ اشتراكهما
في وصف النفس أو في أخصِّ الأوصاف .. لم يَعرِفْهما مشتركَينٍ في ذلك
الوصف إلا من عرفَ تماثلَهما، وقد عرفَ النظَّام والفلاسفةُ بالضرورة

والحسِّ وجودَ الجواهر والأجسام ، واشتراكَها في أنها كلَّها جواهرٌ
وأجسامٌ ، ولم يعلموا تماثلها بذلك ، بل اعتقدوا اختلافَها ، مع علمهم
بتحيُّرِها في الوجود وسائرٍ أوصافها التي هي عندكم من صفات النفس ، وفي
ذلك دليلٌ على أنَّ الوصفَ الواحد لا يكون سببَ التماثل بوجه .
ولا ينعكسُ هذا الإلزام علينا في قولنا ؛ لأنَّ من عرف شيئَينِ يسُدُّ كلُّ
واحد منهما مسدّ الآخر .. اعتقدَ فيهما أنهما مثلانٍ لا محالةً .
فصحَّ قولنا من الوجه الذي فسدَ به قولهم .
DoO
وممَّا يدلُّ على صحة قولنا في هذه المسألة : أنَّ المخالفةَ في صفة تصُ
في أحدهما وتستحيل في الآخر .. توجب المخالفةَ بينهما، والمماثلةَ
تقتضي المخالفة(١) ، فواجبٌ أنْ تكون المماثلةُ واجبةً ؛ لجواز الاشتراك في
جميع الصفات من غير اختصاصٍ أحدِهما بما يستحيلُ على الآخر ، ولأنَّ
المطلوبَ من التماثل بين الشيئَينِ إيجابُ الاشتراك بينهما في جميع
الأوصاف ، فإذا وقع النزاعُ في حدِّهِ .. جعلنا المطلوبَ منه حذَّهُ وحقيقتَهُ .
وممَّا يدلُّ على فساد قول من اعتبر فيه أخصّ الأوصاف : تعليقُهُ الحدّ
على ما لا يَعقلُ ؛ لأنه لا وصفَ إلا ويمكن تخصيصُهُ قبل الانتهاء به إلى
واحدٍ مشارٍ إليه بعينه ، إلا أنْ يريدَ القائلُ بأخصِّ الأوصاف ما لا يمكنُ
التخصيصُ بعدَهُ إلا بالإضافة ، فيلزمه على ذلك : القولُ بأنَّ العلومَ كلَّها
جنسٌ واحد ، وأنَّ الإراداتِ جنسٌ واحد ، وكذلك القُدَرُ ؛ لأنه لا يمكن
تخصيصُ شيء منها إلا بالإضافة وتكرير اللفظ ؛ مثلُ أنْ يقالَ : علمٌ بكذا ،
(١) كذا في جميع النسخ .
٢٩٧٠

أو قدرةٌ على كذا، أو إرادةٌ لكذا ، فإن أجاب إلى ذلك تركَ مذهبَهُ في
اختلاف العلوم والإرادات والقُدَرِ ، وإنْ أباه نقضَ حدَّهُ .
واستدلَّتِ البهشميةُ على قولها بأن قالت : لمَّا كان السوادانِ مِثلَينِ ؛
الاشتراكِهما في أخصِّ الأوصاف .. وجبَ هذا الحكم في كلِّ مشتركَينٍ على
هذا الوصف .
فيقال لهم : لم يكن تماثلُ السوادَينِ لأجل اشتراكهما في أخصِّ
الأوصاف ، لكن لاستحالة اختصاص أحدهما بوصفٍ يستحيلُ على
الآخر (١)، ولو صحَّ اختصاصُ أحدهما بشيء يستحيلُ مثلُهُ على الآخر .. لم
يكونا مِثْلَيْنِ .
ثم ينعكس عليهم هذا الاستدلال بأن يقال : لمَّا كان السوادانِ يجوز على
كلِّ واحد منهما كلُّ ما يجوز على الآخر وتماثلا .. وجب أنْ يكونَ ذلك
حكمَ كلِّ متماثلَينِ .
0000
واستدلُّوا أيضاً : بأنَّ المماثلةَ بين الشيئينِ تقع بما تقع به المخالفةُ مع
غيرهما ؛ فإذا كان السوادُ مخالفاً للبياض بكونه سواداً .. وجبَ أن يكونَ
موافقاً لجنسه به .
فيقال لهم : لو كان الاتفاقُ يقعُ بما يقع به الاختلافُ .. لم يَخلُ
المُحدَثُ من أن يخالفَ القديمَ بالحدوث ، أو لا يخالفَهُ .
فإنْ لم يكن مخالفاً له به .. وجبَ اشتراكُهما فيه ؛ حتى يكونُ القديمُ
(١) فكلٌّ منهما يسدُّ مسدَّ الآخر .
٢ ٢٩٨OO00

PAY 0000000000
مُحدَثاً! ألا ترى أنَّ السوادَ لمَّا لم يخالف البياضَ بكونه لوناً وعرضاً ..
اشتركا في كونهما لونَينٍ وعرضَينٍ ؟!
وإنْ خالف المُحدّثُ القديمَ بحدوثه ، ولم تجب المماثلةُ بالاشتراك في
وصف الحدوث ؛ لاشتراك المختلِفات والمتضادَّات فيه . . بطلَ أنْ يكون
ما تقعُ المخالفةُ به تقعُ المماثلةُ .
ويلزمُهم على هذا الاعتلال : أنْ يكونَ السوادُ مثلَ البياض ؛ لأنَّ كلَّ
واحد منهما مخالفٌ للحمرة بأخصِّ أوصافه لنفسه ، فقد اشتركا في أخصِّ
وصفٍ يوجب أنْ يتماثلا من حيث اختلفا .
ويقال لأصحاب الجبائيِّ في دعواهم أنَّ التماثلَ يقع بالاشتراك في صفة
النفس : ماذا أردتم بصفة النفس ؟
فإن قالوا : أردنا به ما استحقَّهُ الموصوفُ لا لمعنىّ .. لزمَهم تماثلُ
الموجودات والألوان والطعوم والحوادث كلِّها ؛ لأنَّ الموجودَ موجودٌ
لا لمعنىٌّ، والمُحدَثَ محدثٌ لا لمعنىٍّ، واللونَ لونٌ لا لمعنىَ، وكذلك
القولُ في الطعم وسائرِ الأجناس المنقسمة من الأعراض .
وإن قالوا : صفةُ النفس : هي التي لا يصحُّ أنْ تُعلمَ النفسُ إلا عليها ،
ولا تتغيَّرُ بوجودها وعدمها ، وهذا لفظ الجبائيِّ في تفسير صفة النفس ..
فقد ناقضَ فيه؛ لأنَّ السوادَ لونٌ وشيءٌ، وعندَهُ أنه لا يعلمُهُ سواداً إلا مَنْ
عَلِمَهُ لوناً وشيئاً ، ولا يتغيَّرُ استحقاقُهُ وصفَ اللون والشيء بوجوده
وعدمه ، ومع ذلك فلم يكن لوناً ولا شيئاً لنفسه عندَهُ، ولا يجبُ التماثلُ
بين الشيئَينِ في كونهما لونَيْنٍ أو شيئَيْنِ .
DO000 ٢٩٩٥٥