Indexed OCR Text

Pages 61-80

نظرة في عنوان الكتاب
ما أعجبَ عنواناتِ الأستاذِ لكتبه ! فمن طالعَها وجدَ كثيراً منها يسبحُ في
الاحتمالات ، فكأنه لم يكن له فيها كبيرُ اعتناء بالألقاب والأسماء ، وهذه
سمةٌ عند كثير من القدماء ، تجدُهم يَشْغَلون أذهانهم وأقلامَهم فيما هو
مضمون الكتاب ، وتقلُّ عنايتهم في وضع اسمٍ له .
خذ مثلاً: كتابه ((أصول الدين))؛ فقد تعذّدت أسماؤه؛ كـ (( الأصول
الخمسةَ عشرَ)) أو ((أصول الإيمان)) أو ((الأصول الدينية)) أو ((الأصول))،
وقد يحلو للبعض أن يسمِّيه بـ ((عقائد أبي منصور)).
وهذا يرجح أن الأستاذ لم يضعْ له اسماً ، وأن هذه الأسماءَ نشأَتْ عن
تسميات الناظرينَ في طالعة الكتاب أو خاتمته ، أو مادَّته وموضوعه ، أو
سياقٍ يدلُّ عليه ، فهي صحيحةُ الوضع ، ولكن دون جزم بأن المؤلف كذا
سمَّی کتابه .
وكتابنا (( الأسماءُ والصفات)) هو واحدٌ من هذه الكتب التي لا يمكنُ
الجزم بعنوانها ؛ فنسخةٌ منه وقع العنوان فيها : (( تفسيرُ الأسماء
والصفات)»، ونسخةٌ أخرى جاء العنوان فيها: « تفسيرُ أسماءِ الله
الحسنى))، وثالثةٌ جاء فيها: (( تفسير أسماء الله عز وجل))، وذكره الإمام
الزركشي باسم ((شرح الأسماء))(١)، وقد قال الأستاذ: (وإنما رسمنا هذا
(١) انظر ((البحر المحيط)) (١٦/٢).
٦٠ % D0000

COC
الكتابَ لتفسير أسماء الله عزَّ وجلَّ)(١) ، وعبارتُهُ كما ترى ليست نصّاً في
تسميته ، بل في بيان أهم أبحاثه ، وليس هذا العنوان ممَّا ذكره أو صرَّحَ به
المؤلف ، بل بعض العناوين كتب بخط مغاير لخط الناسخ .
وتسميتُهُ بـ (( الأسماء والصفات)) هي الأجمع والأليق ، ولا سيما أن
إماماً محققاً قريباً لحدٍّ ما من زمن الأستاذ .. قد سمَّاه بهذا الاسم ؛ وهو
الإمام تقي الدين السبكي ؛ حيث قال : ( وقال أبو منصور في كتاب
((الأسماء والصفات)): إن الأشعري وأكثر المتكلمين قالوا بتكفير كل مبتدع
كانت بدعته كفراً )(٢)
00000000
وليس هو وحده ، بل درجَ على هذه التسمية أيضاً الحافظ الزبيدي الذي
أكثرَ من النقل عن ((الأسماء والصفات))(٣)، وهي تسميةٌ صحيحة تأتي على
أبواب الكتاب؛ إذ تسميتُهُ بـ (( تفسير الأسماء والصفات)) أو ((تفسير
الأسماء الحسنى)) أو ((شرح الأسماء)) يظهرُ أنها من تصرُّف النسّاخ وصناعةِ
بعض أهل العلم لمحاولة إبرازٍ ما في طيّات الكتاب .
ولعلَّ أجدرَ اسمٍ للكتاب بعدَ (( الأسماء والصفات)): هو تسميته بـ (( تفسير
أسماء الله الحسنى))؛ إذ هي التسميةُ التي نصَّ عليها الإمامُ ابن المعلِّم (٤)،
(١) انظر (١ / ٥٩٠).
(٢)
انظر (( قضاء الأرب فى أسئلة حلب)) ( ص٥٢٦).
انظر مثلاً («إتحاف السادة المتقين)» (٣/٢، ٦١، ١٢٩) وغيرها، وهذه التسمية هي
(٣)
الأليق بالكتاب وماذَته ، وما جاء على ظهور مخطوطاته كُتب باجتهاد كما رأيت ، فآثرنا
أن يبقى الكتاب على اسمه الذي اشتهر عند أهل العلم حينما ينقلون عنه .
(٤) انظر (( نجم المهتدي ورجم المعتدي)) (٤١٩/١).
CONT

.MAY
2
وعلى أيِّ حالٍ فالأمرُ فيه سعة ، ولا جزمَ باسمٍ دون آخر ، وما ترجَّحَ هو
الذي اشتَهرَ على ألسنة وأقلام أهل العلم(١)
الأسماء والصفات في كتب علم الكلام والحسكمية
شغلَتْ مسألةُ الأسماء والصفات الإلهية أكثرَ صفحات كُتُبِ الكلام ، بل
قل إن شئت : إنها متمثِّلة في قسم الإلهيات من فاتحتِهِ إلى خاتمته .
إذِ الحديثُ عن صفة الوجود النفسية : يُمَهَّدُ له بالحديث عن ضرورةٍ
النظر ، وأسبابِ العلم ، وأحكام العقل الثلاثة ، وارتباطِ اللوازم العقلية
و استحالة انفکاکها
والحديثُ عن صفتي القدم والبقاء : يلزم عنه إثباتُ حدوثِ العالم ،
وإيطالُ الدور والتسلسل .
والحديثُ عن صفتي التنزيه والعلو ؛ القيام بالنفس والمخالفةِ
للحوادث : يلزمُ عنه التفريقُ بين الوجوب والاستحالة ، والحكمُ على كلِّ
ما في الزمان والمكانِ بالإمكان ، ونفْيُ توسُّطٍ بين الحدوث والقدم .
والحديثُ عن صفة الوحدانية : يلزم عنه تقريرُ برهاني التمانع والتوارد ،
واستحالةِ تعدُّدٍ ذوات قديمة ، وتلازم التأثير والألوهية .
والحديثُ عن صفات الوجود ؛ الحياةِ والعلم والإرادةِ والقدرة : يلزمُ
(١) فقد ذكره باسم (( الأسماء والصفات)) العلامة محمد زاهد الكوثري في تعليقه على
(( السيف الصقيل)) ( ص ٤٥) ناقلاً عن نسخته الخطية التي كانت بين يديه ، والعلامة
الكشميري في كتابه ((إكفار الملحدين)) (ص ٤١).
CLON
٦٢٠ ٠٠٠٠

COO
عنه بيانُ ثبوتِ المدلول عند ثبوت دليله ، لا العكس ، وتلازم الشرطيات
العقلية بمشروطاتها ، وبيانُ معنى الاختيار والقصد ، والأحوالِ والاعتبارات
والتعلُّقات .
والحديثُ عن صفاتِ السمع والبصرِ والكلام : يلزمُ عنه نفيُ النقص عن
الذات القديمة ، وإثباتُ صحة التكليف والنبوات والغيبيات .
ثم الأسماءُ دلائلُ وأعلامُ الذات والصفات ، قِدَمُها من حيث الحقيقةُ
لا ينفي وضعَها الدلاليَّ من حيث اللغة؛ فهي ككلام الله تعالى؛ قديمٌ صفةٌ
الموصوف بالقدم ، وحادثٌ من حيث القارئُ والقراءة والكاتبُ والكتابة ،
ثم جلَّ ربُّنا أن تحيطَ عقولنا بكُنْهِ ذاته وحقيقةِ صفاته .
ولعلَّ تطاحنَ المللِ عموماً والفرقِ الإسلامية خصوصاً ما اشتدَّ أُوارُهُ
كاشتدادِهِ في مسائل الأسماء والصفات ؛ إذ هي معالمُ المعرفة المتاحةِ
للعاقل الحادث في التعرُّف على البارئ القديم سبحانه ، والكلُّ ادَّعى هذه
المعرفةَ ، ودارت كلماتُهم ضمن أُطُر الأسماء والصفات ، حتى حديثُ
المشبهةِ الساقطُ عن ذات القديم إنما هو صفاتٌ تخيَّلوها في حقِّهِ تعالى
حَسَبَ ما رأوا من ظواهر النصوص وظواهر العوالم ، وما نفى الفلاسفةُ
الإسلاميون والمعتزلةُ صفاتِ الوجود إلا وهم يظنُّون أنهم ينزِّهون الخالق
تعالى عمَّا لا يليقُ به ؛ نشأَ هذا القول من اعتدادِهم بعقولهم القاصرة ،
وتحكيمها فيما لا يعنيها .
CON
GOOD٦٣ " PO000
CONS

مناهج النظر في الأسماء والصفات
وإمامة الأستاذ عبد القاهر
لا طمعَ في استقصاء الحديث عن الكُتُبِ التي أُلُّفت قديماً وبأَخَرةٍ عن
الأسماء والصفات الإلهية ، غير أن الناظر يمكنُهُ أن يرجعَ بههذه الكتب إلى
مناهجَ عامَّة انتهجها مؤلفوها في عرضهم لهذه المسألة ، والمرادُ في الحقيقة
بيانُ المنهج الذي ارتضاهُ إمامُنا أبو منصور في كتابه الذي بين أيدينا .
ولعلَّ أبرزَ هذه المناهج :
المنهجُ العقلي : ويتمثَّلُ في تغليب الاستدلال العقلي ؛ بعيداً عن رقابة
النصوص عند غير المقرِّين بالنبوات ، وبتحكيم العقل على النصِّ عند
الملِِّين عموماً.
oo
وقد أفرطَ قدماءُ القدرية وغلاة الرافضة في هذا ؛ حتى إنك لترى
الحديثَ عن الأسماء والصفات إنما هو تجسيدٌ للإللهِ الذي تصوَّرته
عقولُهم ، ولاح لهم من الأحوال التي توقَّموها .
ويجبُ عليك هنا أن تتنبَّهَ : إلى أن نسبة هذا المنهج إلى العقل فيها
تجوُّزٌ كبير ؛ وليس للعقل على التحقيقِ إقرارٌ بالأوهام والموانع التي أثبتها
أصحابُ هذا المنهج ؛ بل هي قضايا غيرُ برهانية ، بل جدليَّةٌ محضة ،
مؤسسةٌ في الغالب على قياسِ الغائب على الشاهد ، ومحاكمةِ القديم بقواعدَ
محدثة وقوانين متوهَّمة مبتكرة .
وقد قرَّرَ عامة المعتزلة والقدرية حدوثَ الأسماء ؛ لاستنادها إلى صفة
00000, ٦٤

الكلام الحادثة عندهم ، وصاغوا مسألةَ المغايرة بين الاسم والمسمَّى بهذا
القصد ، وكانت الأمّة في غنىّ عن الاشتغال بالردِّ عليهم لولا المساسُ
بمسائل الأصول كما ترى .
وترى كلامَ النظام والعلاف والفُوْطي وابنِ الأشرس والجبائيين يدورُ في
هذا الفلك ، ويستصرخُ العقلَ مستنجداً ، ومن نظرَ في كتب قاضيهم عبدٍ
الجبار يرى هذا بجلاء .
وممَّن ألَّفَ كُتُباً زائغة على هذا المنهج : ابن الراوندي ؛ فله كتاب في
الصفات والقرآن ، وكذلك ألّف الخالدي كتاباً في القرآن والصفات قبل أن
يؤلِّفَ كتابَهُ الملقَّب بـ ((الملخص))، وقد نقضهما الإمام الأشعري وردًّ
عليهما(١)
ومن أعلام أهل السنة مَنْ كتبَ في هذا المنهج ، ولكن على أُسس
صحيحة سديدة ؛ فهو وإن غلبت على عباراتِهِ لغةُ العقل إلا أنه مستوثقٌ من
دعم النصِّ الأثري لما يقرِّرُهُ ، لا بل إنما صاغَ هذا النصَّ الكلامي دفاعاً عن
النصِّ الشرعي أن يُفهمَ فهماً مغلوطاً فيه ، أو يُؤَوَّلَ تأويلاً فاسداً ، من ذلك :
كتاب (( تأويل الأحاديثِ المشكلاتِ الواردةِ في الصفاتِ )) لأبي الحسن
الطبري المتكلم ، وقد أفادَ منه الحافظ البيهقي ، وهذا المنهج تراه أيضاً
للإمام الرازي في كتابه الجليل ((لوامع البينات في الأسماء والصفات))،
وهو منهجُ المتكلَّمين من أهل السنة ، وقد ألَّفَ الإمام الأشعري كتباً على
(١) انظر (( تبيين كذب المفتري)) (ص ٢٨٠).
CON
(00000 10 00000
CON

هذا المنهج (١)، منها كتاب (( الجوابات في الصفات عن مسائل أهل الزيغ
والشبهات )» (٢)
منهجُ الأثريين : وحَرَصتُ ألا يُسمَّى ابتداءً بمنهج المحدِّثين ؛ إذ إن
فئاماً من الفرق الضالّة انتهجت هذا المنهجَ على أُسُسٍ باطلة ؛ فبعضُ قدماء
وغلاة الرافضة جعلوا من نصوص أئمَّتهم من أهل الضلال مصادرَ يستندون
إليها ، ويفسِّرون القرآن وصحيح السنة من خلالِها ، وقل مثلَ هذا في
المشبِّهة المتسنّة ، الذين أصمُّوا عقولَهم عند ظواهر نصوصٍ كان من
الواجب اعتبارُها ، وفهمُ متشابهِها بملاحظة مُحْكَمِها ، فمحقوا العقلَ
بدعوى التمسُّكِ بالنصِّ ! بل لم يتوانَوا عن رواية أخبار مكذوبة في سبيل
نصرة طريقتهم ؛ كما فعل المفتري الأهوازي من زعمائهم في كتابه (( البيان
في شرح عقود أهل الإيمان)) الذي صنََّه في الصفات(٣)
00
أما منهجُ المحدِّثين من محققي أهل السنة : فإنما آثروا إثباتَ وبيانَ
معاني الأسماء والصفات من طريق الرواية ، فاكتفَوا على الأغلب بالآثار
التي تتحدَّث عمَّا يتعلقُ بها ، وبرواياتٍ فُهوم السلف الصالحين لها ، وهم
مع ذلك على خُطاً سديدة ، فلهذا ترى لهم على ندرة تحقيقاتٍ يبيِّون فيها
المعانيّ المشتبهةَ التي زلَّتْ فيها أقدام المشبّهة الأغرار ، وعتاةُ المعتزلة
والجهمية الأشرار .
انظر ((تبيين كذب المفتري)) (ص ٢٨٠).
(١)
(٢) انظر (( تبيين كذب المفتري» (ص ٢٨٢)
(٣) انظر ((تاريخ دمشق)) ( ١٣ /١٤٥).
CONM
00000, ٦٦
CO0000

ومن هذه الكتب العظيمة: كتاب ((الأسماء والصفات)) للحافظ
البيهقي ، الذي جاء استجابةً لواحد من أعلام المتكلُّمين ؛ وهو الأستاذ
أبو منصور محمدُ بن الحسن بن أبي أيوب النيسابوري(١) ، ختنُ الأستاذ
أبي بكر بن فورك .
منهجُ اللغويين : وهو من أهمِّ المناهج البحثية في فهم الأسماء
والصفات ، وقد أبدع فيه المتقدِّمون من علماء اللغة ؛ كأبي إسحاق
الزجاج ، وأبي القاسم الزجاجي .
وعمدةُ هذا المنهج فهمُ الأسماء والصفات بحسب مقتضياتها
وأصولها الوضعية حقيقة ومجازاً ؛ إذ اللغة وضعٌ ، ومع هذا نرى الضوابطَ
الشرعية تتجلّى في تفسيراتهم لها ، وقلَّ أن تجدَ من يَطعُن في هذا
المسلك .
0
منهج أهل الإشارة : وهذا المنهجُ هو على التحقيقِ استلحاقيٌّ ؛ إذ
أصحابه هم من أعلام الفقهاء والمحدثين ؛ كأبي عبد الرحمن السلمي
والأستاذ القشيري ؛ وقد أفرد الأستاذُ كتاباً سمّاه (( شرح أسماء الله
الحسنى))، وشرحها على منهج الفقهاء الآتي ذكره ، إلا أنه أكثر من
الإشارات والتلويحات ، حتى صار مرجعاً في ذلك .
منهجُ الفقهاء الأصوليين : وهو أجمع المناهج وأحكمها ؛ لأنهم يأتون
(١) انظر ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (ص٤٢٣)، قال الحافظ عنه: ( كان يحثني على
تصنيف هذا الكتاب ؛ لما في الأحاديث المخرجة فيه من العون على ما كان فيه من
نصرة السنة وقمع البدعة ) .

عليها كلّها ، ويزيدون عليهم البحث والردَّ على المخالفين ، ويفصِّلون
القول تفصيلاً لا تجدُ عند غيرهم له نظيراً .
فيبدؤون الحديث عن الاسم أو الصفة لغةً ، ويوردون من الشواهد
والأمثال ما يجلو المعنى ، ثم يشهدون له بالآثار والأخبار ، مدعّمين قولهم
بالنظر العقلي، ثم يَخُلُّونه بعبائر أهل الأشائر ، إلى أن يبرز المرادُ وقد
أينعت ثمارُهُ .
ثم لا يفتؤون يذكرون أقوالَ المخالفين ؛ فما كان منها مؤسَّساً على
صحيح نظر وخبر .. أخذوا به ، وما كان منها عفنَ المنبت ، آسنَ السُّقيا ،
بعيداً عن العقل والنقل .. ردُّوه بالحجة والبرهان .
منج الأستاذ عبد القاهر البغدادي في (الأسماء والصفات)
ولا شكَّ أن إمامنا أبا منصور قد نحا منهجَ وطريقة الفقهاء الأصوليين ،
وهو من أعلامهم ؛ أما تراه قد قال : ( هذا كتابٌ جمعنا فيه بين طُرقِ
المتكلمين ، ومذاهبٍ النحويين ، ولطائفِ أهل الإشارة والعبارة ؛ في تفسير
أسماء الله جلَّ ثناؤُهُ، على أصول أهل السنَّةِ والجماعة )(١)
ولم يكتفِ الإمام عبد القاهر بمنهج الفقهاء الثريِّ الرخْبِ فحسب ، بل
وسَّعَ القول في الأسماء والصفات سَعَةٌ جعلت كتابَهُ هذا موسوعة ضخمةً
ومرجعاً رئيساً فيها ، فقد قال مبيّناً مسلكَهُ فيه : (وذكرنا في تفسير كلِّ اسم
(١) انظر (١٢٨/١).
CON
٦٨

XT.FYOm
مِن أسمائه سبحانه : ما يتعلَّقُ به مِن مسائل التوحيدِ والصفات ، وفرائد
الحكمة والآيات ، وسائر ما يتعلَّقُ بها من أبواب التعديل والتجوير ، والوعدِ
والوعيد ، والأسماءِ والأحكام ، وكشفنا عن شُبَهِ المخالفين فيها ، مقرونةً
بما يدمغُها من الحُجج البوالغ والبراهينِ الباهرة)(١)
ولمَّا لاحظ الحافظ الزبيدي هذه الموسوعية في هذا الكتاب قال :
( أوسعَ الكلامَ في أدلة التوحيد فيما رأيت الإمامُ أبو منصور التميمي في
((الأسماء والصفات))، فأورد فيه خمسةً أدلة، وشرطَ في برهان التمانع
شروطاً لم أرَ من تعرَّضَ لها من المتكلِّمين ، ونحن نوردُ لك كلامَهُ بتمامه ؛
ليكون تبصرةً للناظر يستفيدُ منه )(٢)
فعلى تأخّر الحافظ الزبيديّ زمناً عن مؤلف الكتاب ، وعلى سعة
الطِّلاعه، وتحرِّيه واستقصائه .. لم يجد بُدّاً من النقل عنه، ولا سيما أن
المنقولَ من كلام الفحول .
وبهذا تعلم : أن ما استهدفَ له الإمام البغداديُّ هو وضْعُ تصنيف جامعِ
في هذا الباب ، لا يدانيه في نوع علمِهِ وسعته كتاب ، وتوثيقُ طريقة أهل
السنة ؛ في تحقيق قولها بإثبات الأسماء والصفات ، مبيّناً الفرق بين أسماء
الذات والصفات الأزلية ، والأسماء الدالَّةِ على صفات الأفعال الحادثة ،
والأسماء المحتملة للمعنيين معاً ، وقد كان في هذا الميدان فارساً لا يُشَقُّ
له غبار .
(١) انظر (١٢٨/١).
(٢) انظر («إتحاف السادة المتقين)) (١٢٩/٢)، وكأن إحدى النسختين (ب، ج) كانت
بين يديه ونقل عنها ، يظهر هذا من خلال مطابقة النصوص .
٦٩
Ty
CONS

VATHANOVAXY
ولئن كان الأستاذ عبدُ القاهر يُعرفُ إلى يومنا بكتابه « الفَرق بين
الفِرق)) .. فحريٌّ من اليوم أن يُعرفَ بكتابه ((الأسماء والصفات)).
ولهذا قال الإمام القاضي فخرُ الدين بن المعلم في كتابه ذي الفحولة
((نجم المهتدي ورجم المعتدي)) وهو يترجمُ للأستاذ البغدادي: ( صنَّفَ
من الكتب الكثير ، وأنفعُها : كتابُهُ في الصفات ، وكتابُهُ في تفسير أسماء الله
الحسنى ؛ لم يدع فيها ممَّا يستحسن من الأدلة ولا الردِّ على المبتدعة إلا
وأتى به ، رحمه الله )(١)
وقد أجادَ وأفاض - أفاضَ الله عليه من وابلِ رحماته - بما أتعبَ مَنْ
بعده ، ولولا أن هذه البوابةَ لا تُرتَجُ لاكتفى من بعدَهُ به ، ولكنَّ ميدان
المعرفة الإلهية لا يُحدُّ كمعروفِها ، فلا تطمعْ بغلق هذا الباب ، ولن يغني
فیه کتابٌ عن كتاب .
0000
0000
داعية تأليف كتاب ((الأسماء والصفات)»
إن كبارَ العلماء الذين اشتغلوا بالتأليف وبرَّزوا فيه .. لم يكن قصدُهم
تدوينَ سِفْرٍ من أسفار المعرفة ، أو نقْشَ اسمهم على لوح التاريخ ، أو تحبيرَ
أوراق لأجل دنيا ، بل حفْظَ العلم ، وتسطيرَ الفَهْم ، وحشْرَ التاريخ إلى
الأوراق والصحف ؛ عساه يُنشرُ في يوم الناسُ فيه مفتقرون إلى اعتبار
وعظة .
(١) نجم المهتدي ورجم المعتدي (٤١٩/١).
٢٨

A ccoca
C
غير أنك تجدُ من المؤلفين طائفةً لها من التآليف سعةٌ ؛ كمّاً وكيفاً ،
جاءَتْ تأليفاتُهم هذه استجابة لحاجةٍ ملحّة ، ونازلةٍ كَرِبَة ، وداعيةٍ
لا بحبوحةَ في التغاضي عنها، وهذه المؤلفاتُ لعمري هي مفخرةُ كلِّ
عصر ؛ لأنها كالدواء للوباء ، وكالمرهم الشافي لمعضل الداء ، لا يرادُ منها
قراءة علم فحسب ، بل رفعُ غُمَّة لو أنها بقيت لاستفحلت ، وعمَّ خطرُ
بصيصها الذي قد يؤولُ لو تركت إلى جحيم .
وقد عاينَ الأستاذ عبدُ القاهر البثورَ التي نشأَتْ عن زعماء مبتدعةِ عصره
ومقلَّديهم ، وعلم أنها آيلةٌ إلى شدوخ وآمَّات إن تُعوميَ عنها .
ولعلَّ مسألة الأسماء والصفات هي أشدُّ المسائل الكلامية غلياناً وحدَّة ،
وللمبتدعة فيها خلافاتٌ شنيعة ، وضلالاتٌ فظيعة .
ورؤوسُ المبتدعة كانوا ولا يزالون يفشون بدعَهم : عبر وسيلتينِ غيرِ
شرعيتينٍ ولا شريفتينِ ، وثالثةٍ هي موضعُ اشتراك .
أمَّا الوسيلتان : فكراسيُّ النفوذ والسلطة إن هم تسلَّلوا إلى ذوي الأمر
والنهي ، أو غوغاءُ العامة وشاردو طريق الهداية إن هم قصُرَتْ أيديهم عن
العبث عبر المتنفذين .
وأمّا الثالثةُ : فتدوينُ الكلام ، ونشرُهُ بين الخاصِّ والعام .
فأما الأولى : فتُدفعُ بالجَلَدِ والصبر ، وتمتين العقائد في نفوس الناس ،
غير أن العالِم إن تمكَّنَ من إيصالِ كلام أهل الحقِّ إلى آذانِ القائمين على
أمور الناس ، ووُفُّقَ ، وانفسحَتْ له قلوبهم .. فسرعانَ ما تنقلبُ الحال ،
COCCO VIFOOCOO
CLON
A
C

وتعلو كلمة الحقِّ ويبوءُ بالفشل أهل الضلال(١)
وأما الثانيةُ : فهي طاقَة ؛ فليس بين العالِمِ والعامَّة إلا رباطُ حسنِ الظنِّ
به والهيبةِ منه ، فإن حُلَّ هذا الرباطُ فيا خسارتهم ، وإن هي نزلَتْ - واليوم
كأمس الدابرِ- فليس لها من دون الله كاشفة، اللهمَّ إلا الدعاءَ والخجل
والوجل ، والجدَّ في تمحيض الإخلاص والعمل ، وأحسنُ أحوالها في
أيامها لزومُ البيوت ، ولمَّا تنبَّهَ خصومُ الإسلام لهذا سَعَوا جاهدينَ لحلٌ
هذا العقدِ ، ولله في خلقِهِ شؤون .
وأمَّا الثالثة : فلا يَفُلُّ الحديدَ إلا الحديدُ، ولا بدَّ لكلِّ نابتة جديدةٍ من
جديد ، وهذا ما أحسنَهُ وأتقنَهُ أهلُ العلم في كل عصر ومصرٍ ؛ فالأفواه
لا تُكَمُّ إلا بالعلم .
000000
وما خَزِيَ المبتدعةُ كخزيهم من عالمٍ يفضحُهم ، ويعرِّي أقوالهم
فيبهتهم ، ونُقْلَ عن بعض معاصري قاضي السنة الباقلاني أنه قال في حقُّهِ :
( كان حصناً من حصون المسلمين ، وما سُرَّ أهلُ البدع بشيء كسرورهم
بموته ، رحمةُ الله عليه ورضوانه )(٢)
C
(١) وقد حكى القاضي الباقلاني عن امتناع الإمامين العظيمين المحاسبي والقلانسي عن
حضور مجالس الساسة في زمانهما ، وأنهما قالا : ( إن المأمون لا نحضر مجلسه ؛
حتى ساق أحمدَ إلى طرسوسَ ، ثم مات المأمونُ، وردُّوهُ إلى المعتصم ، فامتحنَهُ
وضربه ، وهؤلاء أسلموهُ، ولو مرُّوا إليه وناظروهُ .. لكفوه عن هذا الأمر ؛ فإنه كان
يزعمُ أن القوم ليست لهم حُجَّةٌ على دعاويهم ، فلو مرُّوا إليه وبيَّتوا للمعتصم .. لارتدعَ
المعتصمُ ، ولكن أسلموهُ ، فجرى على أحمدَ بن حنبلٍ رضي الله عنه ما جرى ) . انظر
(( تبيين كذب المفتري )» ( ص ٢٦٥) .
(٢) انظر (( تبيين كذب المفتري)) (ص ٢٦٩).

00
ولهذا المعنى الجليل جاءت كتبُ الأستاذ البغدادي ، وعلى رأسها كتابه
((الأسماء والصفات "، إذ لم يكن مرادُ الأستاذ شرحَ أسمائِهِ تعالى وبيانَ
جليل وعظيم صفاته ، هذا أمرٌ كتبَ فيه قبلَهُ جمعٌ؛ كالزجاج والزجاجي
والخطابي وغيرهم ، ولا جمعَها وإحصاءَها من حيث الرواية ؛ إذ حماةُ
الدين من الرواة والمحدِّثين لم يقصِّروا في ذلك ، بل كان المرادُ إسكاتَ
كلمة الباطلِ التي لجلجَتْ ، وإخمادَ ألسنةِ لهِها التي طالَتْ
وبهذا تعلمُ : أن الإمام ما أراد تدوينَ كتاب يشرحُ الألفاظَ ويجلو
المعانيَ ، فهذا حقُّهُ أن يُرى في كتب اللغة ، ولا بيانَ إعرابٍ وتحريرَ
وزن ؛ فلههذا كُتُبُ التفسير والنحو والصرف وُضعَتْ ، بل أرادَ ترسيخَ قواعدَ
يُؤسَّسُ عليها النظرُّ في تفسير الأسماء والصفات القديمة ، وقلْعَ أشواكٍ في
طريق البحث فيها ؛ وهدْمَ بناياتٍ عوجاءَ رهلةٍ ركيكة جاءَتْ من عبثٍ
الظاهرية والباطنية اللتين كانتا كحجري رحىّ على أهل السنة ، وإفحامَ أدعياءِ
العلم بكلمة العلم ، ودفْنَ أقوالِهِم الرخيصة تحت رِجْلِ الحقِّ ، وتوبيخَ
هؤلاء الذين زعموا نصرة العقل ؛ كمعتزلة الحقِّ وعامة فرقِهم ، والذين
زعموا نصرة النقل ؛ أولئك الذي يُلقُون حمْلَ الروايات عن ألسنتهم ، ثم
يصيحون على بضاعتهم بالنَّفَاق ؛ إذ الكتابُ كأَنَّهُ أَلَّفَ لإثبات الأسماء
والصفات بالنظر إلى القدرية والجهمية وعموم المعطّلة ، ولتنزيه الأسماء
والصفات من قبل الكرامية وعموم المشبِّهة والمجسِّمة .
نعم ؛ قد بيَّنَ الأستاذُ رحمه الله تعالى منهج أهل السنة في تقرير الأسماء
والصفات ؛ إذ مولانا جلَّ وعزَّ لا يُسمَّى بالاجتهاداتِ والخواطر ،
00000 , ٧٣

DOC
ولا يُوصفُ بما ينقدحُ في العقول وتتظنَّنْهُ النفوس الفواتر، بل أكَّدَ الوقفَ في
أسمائه ، وتحرِّيَ الدقّة في إطلاق أوصافه، فما هو هذا النَّهْجُ الذي سارَ
عليه رحمه الله في تقرير الأسماء الإلهية ؟
منح استنباط الأسماء الحسنى والصفات العلى عن المصنف
معرفةُ الأسماء والصفات من الأصول أو الأركان الخمسةَ عشرَ التي يجب
على المكلَّفِ أن يعرفَها (١) ، على قدْرِ الطاقة البشريّةِ الإمكانية ، وبحجم
الخطاب التكليفيِّ وجوباً ، والزائدُ هو في محلِّ النفلِ الذي هو في أعلى
درجات الندب ؛ لأنه معرفةٌ بالله سبحانه وتعالى ، وهو أعظم العبادات بعد
فرائض الأعمال الظاهرة .
00
وقد ألَّفَ الأستاذُ كتاباً خاصاً بههذه الأصول الخمسة عشر ، وهو
المشتهر بـ ((أصول الدين))، وخصَّصَ لها فصلاً في كتابه (( الفرق بين
الفرق))، وقال عنها : ( اتفقَ جمهور أهل السنة والجماعة على أصول من
أركان الدين ، كلُّ ركن منها يجبُ على كلِّ عاقل بالغ معرفةُ حقيقته ، ولكلِّ
ركنِ منها شُعَبٌ ، وفي شعبها مسائلُ اتفقَ أهل السنة فيها على قول واحد ،
وضلَّلوا من خالفهم فيها)(٢).
ثم جعل الأصل أو الركن الخامس منها معرفةَ الأسماء والصفات
الإلهية ، وبهذا يظهرُ لنا : أن الأستاذ كان مهتمّاً بهذه المسألة العقدية غاية
(١) انظر ((أصول الدين)) (ص١١٤).
(٢) انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص ٣٢٣).
00000

الاهتمام ، وما أفردَ لها كتاباً من مبسوطات كتبه إلا لذلك .
وقد عقد الأستاذ باباً كبيراً في الحديث عن الصفات وحدها دون
الأسماء ، وللكن لم تسرح يراعتُهُ كثيراً في رياض معرفة الصفات (١) ، بل
كان الكلام عنها تبعاً للكلام عن الأسماء ، وأما كلامُهُ عن الأسماء فجاء
مُفصَّلاً ذا بحبوحة .
ولك أن تستفصلَ وتسأل : لِمَ لا يكونُ الكتابُ مؤلّفاً في الأسماء دون
الصفات ؛ ولا سيما أن بعض المخطوطات نعتته كما ذكرتَ بأنه ( تفسیر
الأسماء الحسنى)) ، وقرَّرتَ أن حديث الصفات كان تبعاً ؟
والجوابُ : أن الكتاب أَلَفَ لبيان الأسماء والصفات معاً وبكلِّ جَهارةٍ
وجزم ، ودون أدنى تشكَّكٍ ؛ لأن من عرفَ منهج الأستاذ في كتابته عن
00
(١) من النصوص اللطيفة والنادرة في أهمية معرفة الصفات : قولُ الأستاذ القشيري في
(( شرح الأسماء الحسنى)) (ص ٢٥٩): (الصفة القديمة لا يجوزُ قيامُها بالذات
الحادثة ، كما لا يجوزُ قيام الصفة الحادثةِ بالذات القديمة ، وحفظُ هذا الباب أصلٌ
التوحيد ؛ فإن كثيراً ممَّن لا تحصيلَ له ولا تيقُّنَ زعموا أن العبد يصيرُ باقياً ببقاء الحقِّ ،
وأنه يكون سميعاً بسمعه ، بصيراً ببصره ، حيّاً بحياته ، وهذا خروجٌ عن الدين ،
وانسلاخٌ عن الإسلام بالكلية ، وهذه البدعةُ أشنعُ من قول النصارى حيث قالوا: (( إن
الكلمة القديمةَ اتحدت بذات عيسى)) ، وهذه البدعةُ توازي قولَ الحلولية ؛ حيث
جوَّزوا على ذات الحقِّ سبحانه الحلولَ في الأشخاص المحدثةِ ، كذلك هؤلاء جوَّزوا
قيامَ الصفة القديمة بالذات المحدثة .
وربما تعلَّقوا في نصرة هذه المقالةِ الشنيعة بما روي في الخبر عن الله تعالى إذ قال :
(( فإذا أحببتُهُ كنتُ له سمعاً وبصراً، فبي يسمع ، وبي يبصر ))، ولا احتجاجً لهم في
ظاهره ؛ لأنه ليس فيه أنه يسمعُ بسمعي ويبصرُ ببصري ، بل قال: ((بي يسمع وبي
يبصر ))، فالاتفاقُ: أن ذاتَهُ لا يجوزُ أن تكون لأحدٍ سمعاً ولا بصراً ، فإذا تركوا الظاهر
لم يبقَ إلا التأويل ، فالواجبُ الاشتغالُ بالتأويل الصحيح دون الباطل ) .
٧٥
000

الأسماء والصفات في غير الكتاب الذي بين أيدينا .. أقرَّ بذلك براحةٍ نفس
وهدوء بال .
ففي كتابيه (( أصول الدين)) و((الفرق بين الفرق)) عقدَ فصلاً للحديث
عن الأسماء والصفات بطريقة كتابنا (( الأسماء والصفات )) نفسِها ؛ حيث
تحدَّث عن الأسماء أصالةً ، وعن الصفات بالتَّبع ، على أنه كما ذكرت لك
عقدَ باباً مفرداً للحديث عنها .
بل إن الإمام الأشعريّ قد قرَّرَ أن الاسم دالٌ على الصفة ؛ فقد نقلَ عنه
الأستاذ البغدادي فقال : ( وذكرَ - يعني : الإمامَ الأشعري - في كتاب
((الصفات)): أن الاسم هو الصفة، وقسمَهُ تقسيمَ الصفات)(١)
وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
[الأعراف: ١٨٠] عن بعضهم: ولله الصفات، وكلُّ اسم الله صفةٌ له(٢)
وهذا التلازمُ بين الاسم والصفةِ من حيث الاطَرادُ والانعكاس فيه
تفصيل ، ويرجعُ إلى مذاهبَ ثلاثة :
الأول : أن بعضَ الأسماء دالٌ على بعض الصفات ، وبعضَ الصفات دالٌ
على بعض الأسماء : إذ المعتمدُ عند أكثر المتكلمينَ عدمُ إثبات صفات
وجودية زائدةٍ على الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام ،
وبناءً على هذا : اسمُهُ تعالى ( القدير ) دالٌّ على صفة ( القدرة ) ، لكنِ
اسمُهُ تعالى ( الصبور ) مثلاً لا يدلُّ على وجود صفة ( الصبر ) ، بل يرجع
(١) انظر (( أصول الدين)) (ص ١١٥).
(٢) انظر ((الأمد الأقصى)) (١٧٤/١).
COO00 00000

هذا الاسم إلى صفة الإرادة ، وصفةُ ( العلم ) له سبحانه دالَّةٌ على اسمه
(العليم ) ، لكنْ صفةُ ( القيام بالنفس ) له تعالى لا تدلُّ على أن له اسماً
هو القائم بنفسه مثلاً ؛ فلا اطِّرادَ ولا انعكاس .
الثاني : أن كلَّ اسم دالٌّ على صفة ، وبعض الصفات دالٌّ على بعض
الأسماء : إذ ذهب جمعٌ من متكلمي أهل السنة إلى إثبات الوصفِ المفهوم
من كلِّ اسم وردَ له تعالى ؛ فإن أسماءَهُ تعالى صادقة عليه شرعاً ، فلا بدَّ من
إثبات دَلالتِها ، فقالوا بإثبات صفة الرحمة والحِلْم والقهر وما شاكلَها من
الصفات ، مع اتّفاقهم على أنها من الصفات الخبرية التي تُثبتُ ويوكلُ علمُها
إلى الله تعالى ، إلا من فتح الله له بابَ الفهم فيها
ولئنْ قلنا باطِّرادِ إثبات الصفات مع كلِّ اسم له تعالى ، أو مع كلِّ فعلٍ
كما يقولُ به بعضُ السادة الصوفية .. فإنَّنا نجزم أن هذه القاعدة المطردة إن
سُلِّمَتْ هي غير عكسية ؛ فلا يجوزُ شرعاً أن نسميَ الله تعالى بكلِّ صفة
ثبتَتْ ، فنقطعُ ونجزم بأن من يقول بههذا المذهب يطلقُ ألفاظاً يريدُ أوصافاً
خبرية اللهُ أعلمُ بمعناها ، لا أسماءً يسمِّي بها الله تعالى ؛ إذ سبيل التسمية
الوحيُّ .
الثالثُ : أن كلَّ اسم صفةٌ ، وكلَّ صفة اسمٌ ، ولكن بشرطِ كونهما
دالّينِ على كمالٍ ؛ مع نفي الإيهام فيهما : فيجوزُ على ذلك الاطُراد
والانعكاسُ المشروطان كما ترى ؛ فاسمُهُ تعالى ( المهيمن ) دالٌّ على صفة
( الهيمنة )، والعكسُ صحيح ، ومعناهما كمالٌ في القديم والحادث ،
ولا إيهامَ في الإطلاق، ولكن اسمه تعالى ( الصبور) لا يدلُّ على صفة
00000 VV 00000

( الصبر ) على هذا القول ؛ لكونه نقصاً ؛ فهو من الأسماء المتشابهة .
وبهذه المذاهبِ قال أهل السنة ، غير أن الثالث أضعفُها ؛ لقياس
الغائب على الشاهد من غير علَّةٍ جامعة قطعية ، والأول أحكمُها وأسلمُها
الأصولُ التي اعتمدَ عليها المصنفُ في معرفة الأسماء الحسنى :
قرَّرَ الأستاذُ أبو منصور أن اللغة توقيفية (١) ، وأنه لا بدَّ من التوقيف في
أصل لغة واحدة على الأقلِّ؛ لاستحالة الاصطلاح دون ذلك ، وهو قولُ
شيخه أبي إسحاق الإسفرايني ، ثم أجاز تخصيصَ هذه اللغة التوقيفية
بالشريعة ؛ كوضع لفظ ( الصلاة ) مثلاً لأركان مخصوصة ، ولكن بشروط
مخصوصة ، خلافاً للمعتزلة الذين جوّزوا ذلك دون أدنى مناسبة ، وأما
الشيخ الأشعري : فالأسماءُ عنده بعد الشريعة باقيةٌ على معانيها قبل الشرع .
وهذا الأصلُ في غاية الأهمية ؛ فالنقلُ والتخصيص لا يخرج المسمَّى
عن حقيقته ، فمثلاً : اسم ( النار ) في الشاهد دالٌّ على وجود الحرارة
والنضج والإحراق ، وهي كذلك في الغائب ، فلا يجوز لأحدٍ أن يدعيَ أن
النار على خلاف حقيقتها في الغائب ، ويجوِّزَ عدم الإحراق بالنسبة لمن
يقبل ذلك ، وهذا لا يمنع من وجود أنواع من الإيذاء غيرِ ذلك ؛ كالزمهرير
والبرد مثلاً وإن لم يكن جائزاً عادة .
وقرَّرَ أن لا مجالَ للقياس في أسماء الله عز وجل ، والكعبي على اعتزاله
(١) لا يفوتنَّكَ: أن أسماءَ الله ووصفَهُ لنفسه سبحانه كلُّ ذلك قديم ؛ لرجوعه إلى صفة
الكلام الأزلي ؛ فلم يزل تعالى مسمِّياً وواصفاً لنفسه .

قال بهذا الأصل ، وأما أسماءُ غيره تعالى: فمختلفٌ فيها ؛ إذ أجاز ذلك
أكثر أهل العربية ، وهو الصحيح من مذهب الشافعية ، بخلاف أصحاب
الرأي .
وهذا الأصلُ يوسّع بابَ التأويل عند القائلين بجواز القياس ، فمثلاً : لو
وردت كلمة ( الجار ) في الأثر جازَ تفسيرها بالشريك ؛ لوجود معنى
القُرْب ، ولكن باعتباراتٍ منضبطة ، ويتفرَّعُ على الأخذ به مسألة في غاية
الأهمية ؛ وهي أنّنا حينما منعنا القياسَ في أسمائه تعالى لم يجزْ لنا إثبات
اسم له سبحانه بطريق الآحاد إلا إن قطعنا بصخّته(١)
ولو جاز اشتقاقُ الاسم له تعالى بالقياس لاشتققنا أسماءً ممَّا ورد من
أفعاله جلَّ جلاله ؛ كالساقي والساخر ! وهذا ممَّا أجمعوا على منعه اسماً ،
وإن جاز وصفاً (٢)
ثم في إطلاق الأسماء من غير إذنٍ جُرأةٌ ؛ ولهذا قال حجة الإسلام
الغزالي : ( التسميةُ - أعني: وضْعَ الاسم - تصرّف في المسمَّى ، ويستدعي
ذلك ولايةً ، والولايةُ للإنسان على نفسه أو على عبده أو على ولده ، ولذلك
تكونُ التسمياتُ إلى هؤلاء ، ولذلك لو وضعَ غيرُ هؤلاء اسماً على مسمّىٌّ
فربما أنكرَهُ المسمَّى به وغضبَ على الواضع ، وإذا لم يكن لنا أن نسميَ
إنساناً؛ أي: لا نضعُ له اسماً .. فكيف نضعُ لله تعالى اسماً؟! )(٣).
(١) انظر (٣٦٦/١)، وقد امتنعت الأمة من تسميته تعالى بالشفيق مع اتفاقهم على تسميته
سبحانه بالرحيم ، ودلّ ذلك على عدم اعتبار القياس في أسمائه جل وعز .
(٢) انظر (١/ ٣٦٧).
(٣) انظر ((المقصد الأسنى)) (ص ٣٤٤).
00000
00000
٧٩
CON