Indexed OCR Text
Pages 1-20
الأحاديث الطويلة تأليف الشيخ أحمد ياسين الفرقداني ٢ جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة نشر إلكتروني ١٤٣٨هـ - ٢٠١٧م ٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمة الحمد لله منزل السبع الطّوال، ومجري السحاب الثقال، ذي الطّول شديد المِحال، وصلى الله وسلم على نبيه محمد المبعوث بمكارم الخصال، وعلى آله وصحبه صلاةً بعدد الرمل وزِنة الجبال . أما بعد : فهذا كتاب جمعتُ فيه غالب الأحاديث الطويلة، وقد صنف الحافظ أبو القاسم الطبراني رحمه الله كتاب ((الأحاديث الطوال))، جمع فيه ستين حديثاً بأسانيده ، فيها الصحيح والضعيف، وكتابي هذا مستوعب لأحاديث كتابه، وزائد عليه زيادات كثيرة مما ليس في كتابه مما هو في غاية الصحة من الأحاديث الطويلة وكذا الأحاديث الطويلة الضعيفة. ذكرت الأحاديث محذوفة الأسانيد مع تخريجها والحكم عليها. وعزو الحديث إلى الصحيحين أو أحدهما كافٍ في بيان صحته كما هو معلوم. وجعلت الكتاب على ثلاثة أقسام : القسم الأول : ويشتمل على أحاديث طويلة صحيحة، مع شرح غريب الألفاظ، وذكر أهم فوائد الحديث، ومُعظَم شروح غريب الألفاظ والفوائد أخذتها من ((فتح الباري بشرح صحيح البخاري)) للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، و(شرح صحيح مسلم)) للإمام النووي. القسم الثاني : ويشتمل على أحاديث طويلة ضعيفة، مقتصراً على تخريجها وبيان ضعفها. القسم الثالث : ويشتمل على أحاديث طويلة مشتهرة ضعيفة، مع تخريجها وبيان ضعفها، وفي هذا القسم من الأحاديث ما هو مروي بالأسانيد ومنها ما لا أصل له. وطول الحديث أمر نسبي، وإنما قصدتُ جمع الأحاديث الطويلة التي لا تقِل في طولها عن ثُلُثَي الصفحة من صفحات الكتاب تقريباً، وعلى مقياس غالب أحاديث الطبراني الطوال في مقدار الطول، وربما ذكرتُ ما هو أقل من هذا القدر من الطول الذي ذكرته لغرض من الأغراض، ولو توسَّعتُ في هذا لجرَّ علينا أحاديث كثيرة جداً من الأحاديث متوسطة الطول، ويصبح الكتاب مجرد نسخ للأحاديث. وأَسأَلُ الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب النفع العميم ، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم ، إنه سميع علیم . أحمدیاسین الفرقداني الأحد ٢٩ محرم ١٤٣٣ هـ - ٢٠١١/١٢/٢٥م ٤ القسم الأول أحاديث طويلة صحيحة حديث بدء الوحي ١- عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىَّ بِهِ رَسُوْلُ اللهِوَّهَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ في النَّوْمِ ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيًا إِلَّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ ، فَيَتَحَنَّثُ فِيْهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدَ لذلك، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيْجَةَ فيتزوَّدَ لمِثْلِها، حتى جاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءٍ، فجاءَهُ المَلُكُ فَقَالَ: اقْرَأْ ، قَالَ: (( ما أَنَا بِقارِئٍ)) قَالَ : ((فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ : ((ما أنا بقارئٍ)) ، فأخذني فَغَطَّني الثَّانِيةَ حتَّى بَلَغَ مِّ الَجَهْدَ ، ثم أَرْسَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فقلتُ: ((ما أنا بقارئٍ))، فَأَخَذَنِي فغطني الثالثةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأُ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقَ، خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١-٣]. فرجَعَ بها رسولُ اللهِ وَّهِ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيْجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِ)) فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لخديجةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: (لَقَدْ خَشِيْتُ على نَفْسِي)». فَقَالَت خديجةٌ : كَلَّ واللهِ، ما يُخْزِيَكَ اللهُ أَبَداً، إنك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُوْمَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نَوَائِبِ الحقِّ، فانْطَلَقَتْ به خديجةُ حتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بن عَبدِ العُزَّى، ابنَ عَمِّ خديجةَ ، وكان امْرَءاً تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ ، وكانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبرانِيَّ، فيكتبُ مِنَ الإِنْجِيْلِ بالعِبرانِيَّةِ ما شاءَ اللهُ أَن يَكْتُبَ ، وكانَ شَيْخاً كَبِيْراً قَدْ عَمِىَ، فقَالَتْ لَهُ خديجةٌ : يا ابنَ عَمِّ، اسْمَعْ من ابنِ أَخِيْكَ، فَقَالَ له وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي ماذا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رسولُ اللهِ وَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ له وَرَقَةُ : هذا النَّامُوسُ الذي نَزَّلَ اللهُ على مُؤْسَى، يالَيْتَنِي فيها جَذَعاً، لَيْتَنِي أَكُوْنُ حَيَّ إِذْ يُخْرِجَْ قَومُكَ. فَقَالَ رسولُ اللهِوَّهِ: (أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟)) قَالَ: نَعَمْ، لم يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلٍ ما جِئْتَ به إِلَّا عُوْدِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ انْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أن تُنَّ ، وَفَتَرَ الوَحْيُ . رواه البُخَارِيُّ ٣ ومُسْلِمٌ ١٦٠. شرح الغريب: ((الكَلّ)): هو من لا يستقل بأمره كما قَالَ الله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: ٧٦]. ((النَّامُوْس)»: صاحب السِّر، والمراد بالناموس هنا جبريل عليه السلام. ((مُؤَزَّراً)) أي: قوياً، مأخوذ من الأَزْر وهو القوة. ((ثم لم يَنْشَبْ)) أي: لم يَلْبَثْ، وأصل النشوب التعلق، أي لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات. ٥ من فوائد الحديث: ١ - أنَّ أول ما نزل من القران: ﴿اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقَ﴾ الآيات. [العلق: ١ - ٥]. ٢ - وأن النبي ◌َّ كان معروفاً بمكارم الأخلاق قبل أن يوحى إليه. ٣- وفضل خديجة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وسبقها في الإسلام . حديث جبريل ٢- عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِ ◌ّ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ وَّهَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيْدُ بَيَاضِ الثَّيَابِ ، شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِّ ◌َِّ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنِيْ عَنِ الإِسْلَامِ ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِوَِّ: ((الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُوْلُ اللهِ ، وَتُقِيْمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ ، وَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً)). قَالَ: صَدَقْتَ ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنِ الإِيْمَانِ ، قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه)) قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنِ الإِحْسَانِ ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَالَكَ)) قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: ((مَا المَسْئُوْلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)) قَالَ : فَأَخْبِرْنِيْ عَنْ أَمَارَتِهَا قَالَ: ((أَنْ تَلِدَ الأَمَّةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ ، رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)». قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ ، فَلَبِثْتُ مَلِيّاً، ثُمَّ قَالَ لِي: (( يَا عُمَرُ، أَتَدْرِيْ مَنِ السَّائِلُ؟)). قُلْتُ: اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ: ((فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ)). رواه مسلم ٨. وروى البخاري ومسلم نحوه من حديث أبي هُرَيْرَةِ. شرح الغريب: (أَمَارَتِها)): علامتها. ((رَبَّتَها)): سيِّدتها. ((العَالَة)): الفقراء، جمع عائل. (ِعَاء)): جمع راع. ((الشَّاء)): جمع الشَّاة، وهي الواحدة من الضَّأْن أو المَعْزِ. ((مَلِيّاً)) : مُدَّة من الزمان طويلة. من فوائد الحديث : ١- جَعَلَ النَّبِيُّ ◌َّه الإسلام في هذا الحديث اسماً لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد، وليس ذاك لأن الأعمال ليست من الإيمان ، ولا لأن التصديق ليس من الإسلام ، بل ذاك تفصيل لجملة كلها شيء واحد وجماعها الدِّين، ولهذا قَالَ تَّ: ((أتا كم يعلمكم دینکم)). ٢ - وفيه أن الملائكة قد تأتي في صورة الآدميِّين. ٦ ٣- وفيه جواز سؤال العالم ما لا يجهله السائل ليعلمه السامع. ٤- ويستنبط منه أن العالم إذا سئل عما لا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه ، ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته، بل یکون ذلك دليلاً على مزید ورعه. ٥ - وأن السؤال والجواب يُعَدُّ تعليماً. ٦ - قَالَ القرطبي رحمه الله: ((هذا الحديث يصلح أن يُقَالَ له: أُمُّ السُّنَّة، لما تضمنه من ◌ُمَل عِلم السُّنَّة)). حدیث الذي قتل مائة نفس ٣- عَنْ أَبِ سَعِيْدِ الْخُدْرِيِّ رَضَ عَنْهُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِوَّهِ قَالَ: (( كَانَ فِيْمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِيْنَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إنه قَتَلَ تِسعةً وتِسْعِيْنَ نفساً ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا ، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةَ ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ على رَجُلٍ عالِمِ ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبينَ التوبةِ ؟ انْطَلِقْ إلى أرضِ كَذَا وَكَذَا ، فإنَّ بها أُناساً يَعْبُدُوْنَ اللّهَ تَعَالَى، فاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ ، ولا تَرْجِعْ إلى أَرْضِكُ فإنَّا أَرْضُ سُوْءٍ . فانطَلَقَ حَتَّى إذا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ المَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فيه مَلَائِكةُ الرَّحْمَةِ وملائكةُ العذابِ ، فَقَالَتْ ملائكةُ الرَّحمةِ : جاءَ تائباً مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إلى اللهِ تعالى، وقَالَتْ ملائكةُ العذابِ: إِنَّهُ لِمْ يَعمَلْ خيراً قَطُّ . فَأَتَاهُمْ مَلُكُ فِي صُوْرَةٍ آدَمِيٍّ ، فَجَعَلُوْهُ بينهم - أي حَكَماً - فَقَالَ: قِيْسُوا ما بينَ الأَرْضَيْنِ ، فإلى أَيَّتِهِما كانَ أَدْنَى فُهُوَ لَهُ، فَقَاسُوا فَوَجَدُوْهُ أَدْنَى إلى الأرض التي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ ملائِكَةُ الرَّحْمَةِ)». رواه البخاري ٣٤٧٠ ومسلم ٢٧٦٦. وفي رواية: «فكان إلى القريةِ الصالحةِ أَقْرَبَ بِشِبْرِ، فَجُعِلَ من أهلها)» وفي رواية : «فأَوحَي الله تعالى إلى هذه أن تَبَاعَدِي وإلى هذه أن تَقَرَّبِ، وقَالَ: قِيسوا ما بينهما ، فوجدوه إلى هذه أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ له)). شرح الغريب : (نَصَفَ الطريقَ)) : بلغ وسطه . من فوائد الحديث : ١ - مشروعية التوبة من جميع الكبائر حتى من قتل النفس . ٢ - وفيه فضل العالم على العابد الجاهل . ٣- وفيه أن الملائكة الموكلين ببني آدم يختلف اجتهادهم في حقهم بالنسبة إلى من يكتبونه مطيعاً أو عاصياً، وأنهم يختصمون في ذلك حتى يقضي الله بينهم . ٤ - وفيه فضل التحول من الأرض التي يصيب الإنسان فيها المعصية. ٧ حديث : يا عبادي ٤- عن أَبِي ذَرِّ الغِفَارِيِّ رَضِ لَّهُ عَنْهُ عن النَّبِّ ◌َ فِيهَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ((يا عِبَادِي، إنَّيْ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وجَعَلْتُهُ بينكُمْ تُحَرَّماً، فلا تَظَالُوا، يا عبادي، كُلُّكُمْ ضالٌ إِلَّ مَنْ هَدَيْتُهُ، فاسْتَهْدُوْنِي أَهْدِكُم ، يا عبادي، كُلُّكم جائعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُم، يا عِبَادِي، كلُكم عَارٍ إلا من كَسَوْتُهُ، فاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عبادِي، إنكم تُخْطِئُون بالليلِ والنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوْبَ جَمِيْعاً، فاسْتَغْفِرُوني أَغفِرْ لكم، يا عبادي، إنكم لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، ولن تَبلُغوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي ، يا عبادي ، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وإِنْسَكُمْ وجِنَّكُمْ ، كانوا على أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ واحدٍ مِنْكُمْ، ما زادَ ذلك في مُلْكِي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أَوَّلكم وآخِرَكم ، وإنسَكم وجِنَّكم ، كانوا على أَفْجَرِ قلبٍ رجلٍ واحدٍ منكم ، ما نَقَصَ ذلك من مُلْكِي شيئاً، يا عبادي لو أنَّ أَوَّلكم وآخِرَكم ، وإنْسَكم وجِنَّكم ، قامُوا في صَعِيدٍ واحدٍ فَسَأَلُوْنِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إنسانٍ مَسْأَلْتَهُ، ما نَقَصَ ذلك مِمَّ عِنْدِي إلا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يا عبادي، إنما هِيَ أَعْمَالُكم أُحْصِيْها لكم ، ثُمَّ أُوَفِيْكم إِيَّاها، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللهَ ، ومَنْ وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُوْمَنَّ إِلا نَفْسَهُ)). رواه مسلم ٢٥٧٧. شرح الغريب: ((فلا تَظَالَمُوا»: أصله: فلا تَتَظَالَمُوا، حُذفت إحدى التائين تخفيفاً. ((فاسْتَهْدُوْنِي»: اطلبوا مني الهداية، وكذلك:(فاستَطْعِمُونِي)) ((فاستَكْسُونِي) أي: اطلبوا مني الطعام واطلبوا مني الکِساء. من فوائد الحديث : ١ - تأكيد تحريم الظلم. ٢- وأن العباد مفتقرون إلى الله تعالى في جلب منافعهم ودفع مضارهم. ٣- وفيه تنبيه العباد إلى أن يعظموا دعاء الله ويوسِّعوا الطلب. ٤- و فیه فضل الإستغفار. ٥- وأن الله وحده بيده النفع والضر. ٦- وأن خزائن الله لا تنفد أبداً مهما أنفق على عباده. ٧ - وأن طاعة الطائعين لا تزيد في ملك الله شيئاً، ومعصية العاصين لا تنقص من ملكه شيئاً. ٨- وفيه الحث على الأعمال الصالحة ، والتحذير من الأعمال السيئة، فإن الجزاء يوم القيامة على الأعمال . ٨ حديث أصحاب الغار الثلاثة ٥- عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِوَّه يقولُ: ((انْطَلَقَ ثلاثةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كان قَبْلَكُمْ حتى آواهُمُ المَبِيْتُ إلى غارٍ فَدَخَلُوهُ ، فانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ من الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عليهِم الغارَ، فقَالُوا : إنه لا يُنْجِيْكُمْ من هذه الصَّخْرَةِ إِلَّا أن تَدْعُوا اللهَ بصالح أَعْمَالِكُمْ، قَالَ رجلٌ منهم: اللَّهُمَّ كان لي أَبَوَانِ شَيْخانِ كَبِيرانٍ ، وكنتُ لا أَغْبِقُ قبلَهما أَهْلاً ولا مالاً، فَأَى بِي طَلَبُ الشَّجَرِ يَوماً، فَلَمْ أُرِحْ عليهما حتى ناما، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُما فَوَجَدتُّهُما نائِمَينِ، فَكَرِهْتُ أن أُوْقِظَهُما وأن أَغْبِقَ قبلهما أَهْلاً أو مالاً، فَبِثْتُ - والقَدَحُ على يَدِي - أَنْتَظِرُ اسْتِيْقَاظَهُما حتى بَرَقَ الفَجْرُ ، والصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عندَ قَدَمَيَّ، فاسْتَيْقَظَا فَشَرِبا غَبُوْقَهُما ، اللَّهُمَّ إن كُنْتُ فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا ما نحنُ فيه من هذه الصخرةِ ، فانْفَرَجَتْ شيئاً لا يَستَطِيعُونَ الْخُرُوجَ منه. قَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إنه كانت ليَ ابْنَةُ عَمِّ كانت أَحَبَّ الناسِ إِلَيَّ)) وفي رواية: ((كُنْتُ أُحِبُّها كَأَشَدِّ ما يُحِبُّ الرِّجالُ النِّساءَ، فَأَرَدتُّها على نَفْسِها فامْتَنَعَتْ مِنِّ ، حتى أَّتْ بِها سَنَةٌ من السّنِيْنِ، فجاءَتْنِي فَأَعطيتُها عِشرينَ ومِائَةَ دِينارٍ على أن تُخلِّيَّ بيني وبينَ نفسِها، فَفَعَلَتْ ، حتى إذا قَدَرْتُ عَلَيها)) وفي رواية: ((فلمَّا قَعَدتُّ بين رِجْلَيْهَا قَالَت: اتَّقِ اللّهَ ولا تَفُضَّ الْخَاتِمَ إلا بِحَقِّهِ . فانْصَرَفْتُ عنها وهي أَحَبُّ الناسِ إِلَىَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُها، اللهم إن كنتُ فَعَلْتُ ذلك ابتغاءَ وجهِكَ فافْرُجْ عنّا ما نحن فيه . فانْفَرَجَتِ الصخرةُ غيرَ أنهم لا يستطيعون الخروجَ منها. وقَالَ الثالثُ : اللهم اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ وَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غيرَ رَجُلٍ واحدٍ تَرَكَ الذي له وَذَهَبَ ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حتى كَثُرَتْ منه الأموالُ، فجاءني بعد حينٍ فَقَالَ: يا عبدَ اللهِ، أَدِّ إلَىَّ أَجْرِي ، فقلتُ : كُلُّ ما تَرَى من أَجْرِكَ : من الإِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والرَّقِيْقِ ، فَقَالَ: يا عبدَ اللهِ لا تَسْتَهْزِئُ بي، فقلتُ: لا أَسْتَهْزِئُ بِك، فَأَخَذَهُ كُلَّه فَاسْتَاقَهُ فلم يَتْرُكُ منه شيئاً ، اللَّهُمَّ إن كنتُ فعلتُ ذلك ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ ، فافْرُجْ عَنَّا ما نحن فيه. فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ)) . رواه البخاري ٢٢١٥ ومسلم ٢٧٤٣. شرح الغريب : ((لا أَغْبِقُ)) : لا أُقدِّم قبلهما أهلاً ولا مالاً من رقيق وخدم في شرب الغبوق . والغَبُوْقُ : هو شراب العَشِيِّ، والصَّبُوحُ: شراب الصباح. ((لم أُرِحْ): لم أَرجِعْ. (يَتَضَاغَونَ)): يصيحون من الجوع. ((سَنَّةٌ من السِّنِينِ)) أي: الْمُجْدِبَة. من فوائد الحديث: ١ - استحباب الدعاء عند الکرب . ٢ - والتوسّل بالعمل الصالح. ٩ ٣-وفضل بر الوالدين. ٤ - وفضل العفاف عن الزنى . ٥- وحسن العهد وأداء الأمانة والسماحة في المعاملة . حديث الأبرص والأقرع والأعمى ٦- عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِ لَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمعَ النَّبِيَّ ◌َّه يقولُ: ((إنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِيْ إِسْرائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، أَرَادَ اللهُ أن يَبْتَلِيَهُم ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكاً، فَأَتَيّ الأَبرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ : لَوْنٌ حَسَنٌ، وجِلْدٌ حَسَنٌ، ويَذْهَبُ عَنِّي الذي قَذِرَنِ الناسُ، فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عنه قَذَرُهُ ، وَأُعْطِيَ لَوْناً حَسَناً ، قَالَ: فَأَيُّ المالِ أَحَبُّ إليك؟ قَالَ: الإِبلُ أو قَالَ البَقَرُ ، فَأُعْطِيَ ناقَةً عُشَرَاءَ ، فَقَالَ: بارَكَ اللهُ لَكَ فيها. فَأَتَى الأَفْرَعَ فَقَالَ: أُّ شيءٍ أَحَبُّ إليك؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ ، ويَذْهَبُ عني هذا الذي قَذِرَنِي الناسُ ، فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عنه، وأُعْطِيَ شَعَراً حَسَناً، قَالَ: فأيُّ المالِ أَحَبُّ إليك؟ قَالَ: البقرُ ، فَأُعطِيَ بقرةً حامِلاً، وقَالَ : بارَكَ اللهُ لك فيها . فأَتى الأعمى فقَالَ : أيُّ شيءٍ أَحَبُّ إليكَ ؟ قَالَ أن يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ الناسَ، فَمَسَحَهُ ، فَرَدَّ اللهُ إليه بَصَرَهُ ، قَالَ: فَأَيُّ المالِ أَحَبُّ إليك؟ قَالَ: الغَمُ ، فَأُعْطِيَ شاةًّ والِداً . فَأُنْتِجَ هُذانٍ، وَوَلَّدَ هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبلِ ولهذا وادٍ من البقرِ ، ولهذا وادٍ من الغَنَمِ . ثم إنه أَنَى الأبرصَ، في صُورَتِهِ وهَيْئِهِ ، فَقَالَ: رجلٌ مِسْكِيْنٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَري، فلا بَلَاغَ لَيَ الْيَوْمَ إلا باللّهِ ثُمَّ بِكَ ، أَسْأَلُكَ بالذي أعطاَكَ اللَّونَ الْحَسَنَ ، والجِلْدَ الْحَسَنَ ، والمالَ ، بَعِيْراً أَتَبَلَّغُ به في سفري ، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيْرَةٌ ، فَقَالَ: كَأَنِّ أَعْرِفُكَ ، أَلَمْ تَكُنْ أَبرَصَ يَقْذَرُكَ الناسُ، فقيراً، فَأَعْطَالَكَ اللهُ؟! فَقَالَ: إنما وَرِثْتُ هذا المالَ كابِراً عن كابِرٍ، فَقَالَ: إن كنتَ كاذباً فَصَيََّكَ اللهُ إلى ما كُنْتَ . وَأَتَى الأَقْرَعَ ، في صورتِهِ وهيئِهِ ، فَقَالَ له مِثْلَ ما قَالَ لهذا، وَرَدَّ عليهِ مِثْلَ ما رَدَّ هذا، فَقَالَ: إن كُنْتَ كاذباً فَصَيََّكَ اللهُ إلى ما كُنتَ . وَأَى الأعمى ، في صُورَتِهِ وهيئِهِ، فَقَالَ: رجلٌ مسكينٌ وابْنُ سَبِيْلٍ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فلا بَلَاغَ ليَ اليومَ إلا باللهِ ثُمَّ بك، أَسْأَلُكَ بالذي رَدَّ عليكَ بَصَرَكَ، شاةً أَتَبَّغُ بها فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ ما شيءتَ وَدَعْ ما شيءتَ، فَوَ اللهِ لا أَجْهَدَُكَ الْيَوْمَ بِشيءٍ أَخَذْتَهُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: أَمْسِكُ مالك، فإنََّا ابْتُلِيْتُمْ ، فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ على صاحِبَيْكَ)). رواه البخاري ٣٤٦٤ ومسلم ٢٩٦٤. شرح الغريب: ((ناقةً عُشَرَاءَ)) : هي الحامل . ((فَأَنْتَجَ هذانٍ)): معناه: تَوَلَّا نِتَاجَها يعني: ولادتها ، والفعل (أَنْتَجَ)) وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول . ((وَلَّدَ هذا)): يعني: تولَّى ولادتها. ((الحِبال)) يعني: الأسباب. ١٠ ((لا أَجْهَدَُ)) يعني : لا أَشُقُّ عليك في رَدِّ شيءٍ تأخذه أو تطلبه من مالي. من فوائد الحديث : ١- التحذير من كفران النعم، والترغيب في شكرها والاعتراف بها وحمد الله عليها . ٢ - فضل الصدقة . ٣- الرفق بالضعفاء وإکرامهم وتبلیغهم مآربهم. ٤- الزجر عن البخل لأنه حمل صاحبه على الكذب وعلى جحد نعمة الله تعالى . حديث الغلام والملك ٧- عن صُهَيْبٍ رَضَلَّهُ عَنْهُ أنَّ رسولَ اللهِوَ قَالَ: ((كانَ مَلِكُ فِيْمَنْ كان قَبلَكُمْ ، وكان لَهُ سَاحِرٌ، فلما كَبِرَ قَالَ للملِكِ: إِنَّ قد كَبِرْتُ فابْعَثْ إِلَيَّ غُلاماً أُعَلِّمَهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إليه غلاماً يُعَلِّمَهُ، وكان في طريقِهِ إذا سَلَكَ رَاهِبٌ ، فَقَعَدَ إليه وسَمعَ كلامَهُ فَأَعْجَبَهُ، وكان إذا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بالرَّاهِبِ وقَعَدَ إِلَيهِ، فإذا أَنَى الساحرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذلك إلى الراهبِ ، فقَالَ: إذا خَشِيتَ الساحِرَ فَقُلْ حَبَسَنِي أَهْلِي ، وإذا خَشِيْتَ أَهْلَكَ فَقُلْ : حَبَسَنِي السَّاحِرُ . فَبَيْنَما هُوَ على ذلك إِذْ أَنَى على دَابَّةٍ عَظِيْمَةٍ قد حَبَسَتِ النَّاسَ ، فَقَالَ: الْيَومَ أَعْلَمُ، الساحرُ أَفْضَلُ أَم الراهبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَراً فَقَالَ: اللهمّ إن كان أَمْرُ الراهبِ أَحَبَّ إليك من أَمْرِ الساحرِ فاقْتُلْ هذه الدَّابَّةَ حتى يَحْضِيَ الناسُ ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَها وَمَضَى الناسُ ، فَأَتَى الراهبَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ له الراهبُ : أَيْ بُنيّ، أنتَ اليومَ أَفْضَلُ مِنِّي، قد بَلَغَ من أمرَِكَ ما أَرَى ، وإنك سَتُبْتَلَى ، فإنِ ابْتُلِيْتَ فلا تَدُلَّ عَلَيَّ، وكان الغلامُ يُبْرِئُ الأَكْمَةَ والأَبَرَصَ ، ويُداوِي الناسَ من سائِرِ الأَدْواءِ ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ للمِلِكِ كان قد عَمِيَ ، فَتاهُ بِهَدايا كثيرةٍ ، فَقَالَ: ما هاهُنا لَكَ أَجْمَعُ إن أنتَ شَفَيْتَنِي ، فَقَالَ : إني لا أَشْفِي أَحَداً ، إنما يَشْفِي الله تعالى، فإن آمَنْتَ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكَ ، فَآمَنَ بِاللهِ تعالى ، فَشَفَاهُ اللهُ تعالى، فَأَنَى الملِكَ فجلسَ إليهِ كما كان يجلِسُ ، فَقَالَ له الملكُ: مَنْ رَدَّ عليكَ بَصَرََّكَ ؟ قَالَ: رَبِي، قَالَ: وَلَكَ رَبُّ غَيْرِي؟ قَالَ: ربي ورِبُّكَ اللهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتى دَلَّ على الغلامِ، فَجِيْءَ بالغلامِ ، فَقَالَ له الملكُ: أَيْ بُنَّيَّ ، قد بَلَغَ من سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأَكْمَهَ والأبرصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ ؟ فَقَالَ: إني لا أَشْفِي أَحَداً ، إنما يَشِفِي الله تعالى، فأخذه فلم يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتى دَلَّ على الراهبِ ، فَجِيْءَ بالراهبِ ، فَقِيْلَ له : ارْجِعْ عن دِيْنِكَ ، فَأَى، فَدَعا بالمِنْشَارِ فَوُضِعَ المِنِشارُ فِي مِفْرَقِ رَأْسِهِ ، فَشَقَّهُ حتى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثم جِيْءَ بالغلامِ فقيل له: ارْجِعْ عن دِينِكَ فَأَتَى، فَدَفَعَهُ إلى نَفَرٍ من أصحابِهِ فَقَالَ : اذْهَبُوا به إلى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ ، فإذا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ ، فإن رَجَعَ عن دِينِهِ وإلَّا فاطْرَحُوهُ ، فذهبوا به فصَعِدُوا به الجبلَ فَقَالَ: اللهمَّ اكْفِيْهِمْ بما شيءَتَ، فَرَجَفَ بهم الجبلُ فَسَقَطُوا، وجاءَ يَمْشِي إلى الملكِ ، فَقَالَ له الملك: ما فُعِلَ بأصحابِك ؟ فقَالَ: كفائِيْهِمُ اللهُ تعالى، فَدَفَعَهُ إلى ١١ نَفَرٍ من أصحابِهِ فقَالَ اذهبوا به فاحْمِلُوه في قُرْقُوْرٍ وَتَوَسَّطُوا بِه البَحْرَ، فإن رَجَعَ عن دينِهِ وإلا فاقْذِفُوهُ ، فذهبوا به، فقَالَ : اللهم اكْفِيْهِم بما شيءَتَ، فانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِيْنَةُ فَغَرِقُوا، وجاءَ يَمْشِي إلى الملكِ، فَقَالَ له الملكُ: ما فُعِلَ بأصحابِكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيْهِمُ اللهُ تعالى، فَقَالَ للملكِ : إِنك ◌َسْتَ بِقاتِلي حتى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ به، قَالَ : ما هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ الناسَ في صَعِيْدٍ واحدٍ، وَتَصْلُبُنِي على جِذْعٍ، ثم خُذْ سَهْماً من كِنَانَتِي، ثم ضَعِ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ ، ثم قُلْ: بِسْمِ اللهِ رَبِّ الغلامِ ، ثُمَّ ارْمِنِي ، فإنك إذا فَعَلْتَ ذلك قَتَلْتَنِي ، فَجَمَعَ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ، وَصَلَبَهُ على جِذْعِ، ثم أَخَذَ سَهْماً من كِنانَتِهِ ، ثم وَضَعَ السَّهِمَ في كَبِدِ القَوسِ ، ثم قَالَ: بسمِ اللهِ رَبِّ الغلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهُمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فماتَ ، فَقَالَ الناسُ : آمَنَّا بِرَبِّ الغلامِ ، فَأَتِيَ الملكُ فَقِيْلَ له : أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ واللهِ نَزَلَ بِك حَذَرُكَ ، قَدْ آمَنَ الناسُ! فَأَمَرَ بالأُخْدُوْدِ بِأَفْوَاهِ السّكَكِ وأَضْرَمَ فيها النّيْرَانَ ، وقَالَ: مَنْ لم يَرْجِعْ عن دِينِهِ فَأَفْحِمُوهُ فيها ، أو قِيلَ له : اقْتَحِمْ ، فَفَعَلُوا ، حتى جاءتِ امْرَأَةٌ ومَعَهَا صَبِيُّ لها ، فَتَقَاعَسَتْ أَن تَقَعَ فيها ، فَقَالَ لها الغلامُ ، يا أُمَّاهُ، اصْبِرِي فإنكِ على الحقِّ)». رواه مسلم ٣٠٠٥. شرح الغريب: ((ذِرْوَةَ الجبلِ)) : أعلاه . ((قُرْقُور)) : نوع من السفن . (الأُخْدُوْد)»: الشقوق في الأرض كالنهر الصغير. ((أَضْرَمَ)) : أَوْقَدَ . ((تَقَاعَسَتْ)) : توقَّفت وجَبْنَتْ. من فوائد الحديث : ١ - بيان فضل الصبر، وإن عَظُمَ الألم والأذى فهو سهل في جنب ثوابه يوم القيامة . ٢- وفضل الثبات على الدِّين وإن عُذِّبَ بأنواع العذاب ، وإن كان يجوز الإتيان بألفاظ الكفر مع الإيمان القلبي لعذر الإكراه. ٣- وفيه نصر الله لمن توكل عليه وخرج عن حول نفسه وقواها . حديث الإسراء والمعراج ٨- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَضَ لَّهُعَنْهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَهِ حَدَّثَّهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ: (( بَيْنَمَا أَنَا فِي الْخَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الْحِجْرِ - مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَدَّ (قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فَشَقَّ) مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ (فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مِنْ تُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ ) فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ تَمْلُوءَةٍ إِيَمَانًا فَغُسِلَ قَلْبِي ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيدَ ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةِ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ ( فَقَالَ لَهُ الْجَارُودُ: هُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسُ: ١٢ نَعَمْ ) يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَنَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيْءُ جَاءَ، فَفَتَحَ ، فَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا فِيهَا آدَمُ ، فَقَالَ: هَذَا أَبُوَكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ : حِبْرِيلُ، قِيلَ ، وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا الْخَلَةِ، قَالَ: هَذَا يَحْبَى وَعِيسَى فَسَلَّمْ عَلَيْهِمَا ، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرِيلُ ، قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَقُتِحَ ، فَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلَّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَنَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرِيلُ ، قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ، قِيلَ: أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَقُتِحَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَى إِذْرِ يسَ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَنَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ ، فَاسْتَقْتَحَ ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ : حِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: تُحَمَّدٌ ، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالتَبِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَقْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: تُحَمَّدٌ ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذَا مُوسَى فَسَلَّمْ عَلَيْهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِّ الصَّالِحِ. فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ : حِبْرِيلُ، قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ، قَالَ: هَذَا أَبُوَكَ فَسَلَّمْ عَلَيْهِ ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالإِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ ، وَإِذَا وَرَقُّهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، قَالَ: هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى. وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ : نَهْرَانِ بَاطِنَانِ ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ ، فَقُلْتُ : مَا هَذَانِ يَا حِبْرِيلُ؟ قَالَ : أَمَّا ١٣ الْبَاطِنَانِ فَتَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَمَّ الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْقُرَاتُ ، ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ أَتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَنٍ ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ ، فَأَخَذْتُ الَّبَ ، فَقَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ . ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ. فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ ؟ قَالَ : أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنِّ وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَك ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ الْتَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنَّ عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرٍ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتِ كُلَّ يَوْمٍ ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : بِمَ أُمِرَّتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ لَمْسَ صَلَوَاتِ كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنَّ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبَّكَ فَاسْأَلَهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَبِي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ. قَالَ: فَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» . رواه البخاري ٣٨٨٧ ومسلم ١٦٤ . وفي رواية لمسلم: ((أُتِيتُ بالبراق ، وهو دَابَّة أبيض طويل ، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قَالَ : فركبته حتى أتيتُ بيت المقدس ، قَالَ: فربَطْتُهُ بالحلقة التي يربط به الأنبياء، قَالَ : ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجتُ، فجاء ني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقَالَ جبريل: اخترتَ الفِطْرَةَ. ثم عَرَجَ بنا إلى السماء ... وذكر الحديث بنحوه . شرح الغريب: ((الخَطِيْم)): هو الحِجْر، وهو المكان الذي تُرَِّكَ بناؤه من الكعبة. ((شِعْرَتِهِ)): هي شعر العانة. ((قَصِّهِ)) : رأس صدره. ((عَرَجَ)) : صعد إلى أعلى. من فوائد الحديث: ١ - فيه معجزة عظيمة للنبى وعد ٢- أن للسماء أبواباً وحفظة من الملائكة موكلين بها . ٣- إثبات الاستئذان وأنه ينبغي لمن يستأذن أن يقول ((أنا فلان))، ولا يقتصر على ((أنا)) لأنه ينافي مطلوب الاستفهام . ٤- أن المار يسلّم على القاعد . ٥- وأن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، ذلك يؤخذ من معالجة موسى لبني إسرائيل. ١٤ ٦ - استحباب الإكثار من سؤال الله وتكثير الشفاعة عنده . ٧- فضيلة الاستحياء . ٨- بذل النصيحة لمن يحتاج إليها وإن لم يستشر الناصح في ذلك . حديث الهجرة ٩- عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌َ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِيْنَانِ الدِّيْنَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمُ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ الَّهِ وَهِ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً. فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُّهَاجِرًّا نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرَْكَ الْغِمَادِ لَفِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ - وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ - فَقَالَ : أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَخْرَجَنِي قَوْمِي فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَأَنَا لَكَ جَارٌ ، ارْجِعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدَِ، فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ. فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَحْمِلُ الْكَلَّ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ؟. فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشُ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ ، وَقَالُوا لِبْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأُ مَا شَاءَ وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا. فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لِأَبِ بَكْرٍ ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِصَلَاتِهِ وَلَا يَقْرَأُ فِي غَيْرِ دَارِهِ ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِيْ بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَكَانَ يُصَلِي فِيهِ وَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءَ لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ. وَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا : إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ فَأَعْلَنَ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينًا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَانْهَهُ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرِ الاِسْتِعْلَانَ . قَالَتْ عَائِشَةُ: فَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أَبِيِ بَكْرٍ فَقَالَ : قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَ إِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَّ ذِمَّتِي ، فَإِنَّ لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِيّ أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ . فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَالنَّبِيّ ◌َّهَ يَوْمَئِذٍ بِكَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ لِلْمُسْلِمِينَ: ((إِّ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ. وَهُمَا الْحَرَّتَانِ-)) فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ وَرَجَعَ عَامَّةٌ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْخَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِ)) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ١٥ وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَه لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ - وَهُوَ الْخَبَطُ - أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَالَ عُرْوَةُ : قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ مُتَقَنِّعَا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِنَا فِيهَا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي ، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ. قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللّهِ وَ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ ، فَقَالَ النَّبِيّ ◌َّه ◌ِأَّبِيِ بَكْرٍ: ((أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَ)) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَإِي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ)) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ( وفي رواية : الصُّحْبَةُ يا رسولَ اللهِ) قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: ( نَعَمْ)) قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَخُذْ - بِأَبِ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللّهِ - إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ له: ((بِالثَّمَنِ)) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ. قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللّهِوَلِهِ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَّوْرٍ فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيْتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابُّ تَقِفٌ لَقِنْ فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِكَّةَ كَبَائِتِ ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْنَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ. وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمِ ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبِيْتَانِ فِي رِسْلٍ - وَهُوَ لَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا - حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَسِ ، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ الَّيَالِيِ الثَّلَاثِ. وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيْلِ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ ، هَادِيًّا خِرِّيتَا - وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ - قَدْ غَمَسَ حِلْقَا فِ آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ السَّهْمِيِّ، وَهُوَ عَلَى دِيْنِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا ، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ، فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ. رواه البخاري ٣٩٠٥. شرح الغريب: ((بَرَْكَ الغِماد)) : موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن . ((القَارَة»: قبيلة مشهورة من بني الهُوْن بن خُزَيْمَةَ بن مُدْرِكةَ بن إلياس بن مُضَر، وكانوا حُلَفاء بني زُهْرة من قريش ، وكان يُضِرَبُ بهم المثل في قوة الرمي. ((الكَلّ)): من لا يستقل بأمره. (نُخْفِرك)) : نغدر بك، يقَالَ : خَفَرَهُ إذا حفظه ، وأَخْفَرَهُ إذا غدر به. (الحَرَّة)): أرض حجارتها سود. ((السَّمُر)): جمع سَمُرَة وهي شجرة الطَّلْح. (الخَبَط)): ما يُخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر. ١٦ ((نَحْر الظهيرة)): أول زوال الشمس وهو أشد ما يكون في حرارة الشمس . ((مُتَقَنِّعاً)): مغطياً رأسه. (سُفْرَة في جِراب)) أي: زاد في جراب وهي أيضاً وعاء الزاد. (فَكَمَنا)): اختفيا. ((النِّطَاق)): ما يُشد به الوسط. (ثَقِفٌ)): حاذِقٌ. ((لَقِنٌ)): سريع الفهم. ((فَيُدْلِجُ)) : يخرج بسَحَرٍ إلى مكة. ((يَكْتَادَانِ به)) أي : يطلب لهما فيه المكروه وهو من الكيد . ((مِنْحَةً): شاة تُمنَح ليحلب لبنها ثم تُرَدُّ إلى صاحبها. ((يُرِيْحُها): يرجع بها. (رِسْل): لبن. ((رَضِيْفِهِما)) أي: اللبن المرضوف وهو الذي وُضِعَتْ فيه الحجارة المُحَمَّة بالشمس لينعقد وتزول رخاوته . (يَنْعِقُ بها»: يصيح بغنمه، وهو صوت الراعي إذا زجر الغنم. (غَمَسَ حِلْفاً)) أي: كان حليفاً ، وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيمانهم في دم ونحوه ، فيكون ذلك تأكيداً للحلف . من فوائد الحديث : ١ - فضل أبي بكر وزوجه أُمّ رُومان وسَبْقهما في الإسلام . ٢ - وأن للصديق أن يكثر زيارة صديقه ولو في كل يوم مرتين. ٣- وأن أبابكر كان موصوفاً بمكارم الأخلاق قبل الإسلام. ٤- وكتمان الأمور العظيمة والمباحثة فيها سرًّا إذا خشي العدو . ٥- والتعمية على الأعداء بإخفاء الأثر والوجهة . ٦ - فضل آل أبي بكر رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وبلاءهم في الإسلام البلاء الحسن . حديث سراقة بن مالك ١٠ - عن سُرَاقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْثُم رَضِلَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشِ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ وَأَبِي بَكْرِ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَّهُ. فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي نَجْلِسِ مِنْ تَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ ، إِّ قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَاً مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ : فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَّتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيّ، وَأَخَذْتُ رُنِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ، حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِ ، حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا ، فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الْأَزْلَامَ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا: أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا؟ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللّهِ وَله وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ ١٧ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الإِلْتِفَاتَ، سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَيْنِ ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةَ إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ ، مِثْلُ الدُّخَانِ ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ ، فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ ، وَوَفَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنْ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ الَّادَ وَالْمَتَاعَ ، فَلَمْ يَرْزَآنِي وَلَمْ يَسْأَلَانِ إِلَّا أَنْ قَالَ: ((أَخْفِ عَنَّ)) فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُفْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَ نِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا تِجَارًا قَافِلِينَ مِنْ الشَّأْمِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللّهِ وَ له وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَّابَ بَيَاضٍ، وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ تَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُوْنَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْنَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمْ مِنْ آَطَامِهِمْ لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِيْنَ يَزُولُ بِهِمْ السَّرَابُ ، فَلَمْ يَمْلِك الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ، هَذَا جَدُّكُمْ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَتَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السَّلَاحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ وَ بِظَهْرِ الْخَرَّةِ ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِيْنِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَذَلِكَ يَوْمَ الِثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه صَامِتَا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْيَرَ رَسُولَ اللَّهِ وَّه يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتْ الشَّمْسُ رَسُولَ الَّهِ وَلَ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِوَلَّهِعِنْدَ ذَلِك. فَلَبِثَ رَسُولُ وَّهِ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي ◌ُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ وَلَه بِالْمَدِينَةِ ، وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلَّمْرِ لِسُهَيْلِ وَسَهْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ لَّهِ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتْهُ: ((هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْمَنْزِلُ)) ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ الْغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالِْرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: لَا، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَبِى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَّةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا. وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَِّنَ فِي بُنْيَانِهِ، وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَِّنَ: هَذَا أَبُرُّ رَبَّنَا وَأَطْھَرْ هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَهْ فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي. ١٨ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه ◌َثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ . رواه البخاري ٣٩٠٦ . شرح الغريب : (أَسْوِدَةٍ)): أشخاصاً. ((فَحَطَطْتُ)): أمكنت أسفله. ((ِزُجِّهِ)): الزُّجُ: هو الحديدة التي في أسفل الرمح . (وَخَفَضْتُ عاليه)) أي: أمسكه بيده وجَرَّ زُجَّهُ على الأرض فحطها به لئلا يظهر بريقه لمن بَعُدَ منه ، لأنه كره أن يتبعه منهم أحد فيشركوه في الجُعالة . ((أَكَمَة)) : مكان مرتفع . ((فَرَفَعْتُها)» : أسرعتُ بها السير. ((تُقَرِّبُ بي)): التقريب : السير دون العَدْوِ وفوق العادة . ((الأَزْلام)): هي الأقداح: وهي السِّهام التي لا رِيْش لها ولا نَصْل ، وكانوا في الجاهلية يعمدون إلى ثلاثة سهام، على أحدها مكتوب ((افْعَلَّ)) وعلى الثاني ((لاتفعل)) وعلى الثالث غُفْل ، فإذا أراد أحدهم الأمر أخرج واحداً فإن طلع ((افعل)) فعل ، أو ((لا تفعل)) تَرَكَ، أو الغفل أعاد ، وهذا هو الاستِقْسام بالأزلام الذي حرَّمه الله بقوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلَامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] وقوله تعالى: ﴿إنَّا الَخَمْرُ والَيْسِرُ والأَنْصَابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوْهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ﴾ [المائدة: ٩٠]. (سَاخَتْ)): غاصَتْ. ((عُثَان)»: دخان. ((فَلَمْ يَرْزَآني)»: لم يُنْقِصَاني مما معي شيئاً. (أَدَم)): جِلد. ((أَوْقَى رجلٌ من يَهُوْ)) أي : طلع إلى مكان مرتفع فأشرف منه. («أُطُم)): هو الحصن. ((مُبَيِّضِيْنَ)) أي : عليهم الثياب البِيض. ((جَدُّكُمْ)) أي : حَظُّكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه . (مِرْبَد)): هو الموضع الذي يجفف فيه التمر ، وقَالَ الأصمعي: كل شيء حبست فيه الإبل أو الغنم . ((اللَِّ)): الطوب المعمول من الطين الذي لم يحرق، الواحدة لَبِنَة . ((الحِمَال)): أي هذا المحمول من اللبن. ((حِمَال خَيْبَر)) أي : التي يُحمَل منها التمر والزبيب ونحو ذلك. من فوائد الحديث: ١ - اعتناء أبي بكر برسول الله بال﴾ وخوفه علیه. ٢ - حسن خلق النَّبِيّ وَّ بالعفو والصفح وإعطاء الأمان. ٣ - تواضع النَّبِيّ ◌َّ وعمله بنفسه مع الصحابة في بناء المسجد. ٤- وفيه علامة من علامات نبوته ◌َ له بحفظ الله له من الأعداء. ٥- جواز قول الشعر خصوصاً الرَّجَز في الحرب والأعمال الشاقة. ١٩ حدیث دعاء النبي ټڵ يوم بدر ١١ - عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضَلَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرِ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِئَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِىُّ اللَّهِ لَّه الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: ((اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِ مَا وَعَدْتَنِ اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِ اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِك هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِ الأَرْضِ)). فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَاذًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ : يَا نَبِىَّ اللَّهِ، كَفَالَكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدََكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِذْ تَسْتَغِيُوْنَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى ◌ُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِيْنَ﴾ [الأنفال: ٩] فَأَمَّدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلاَئِكَةِ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : بَيْنَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِى أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ : أَقْدِمْ حَيْزُومُ . فَتَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ. فَجَاءَ الأَنْصَارِىُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ بَلهِ فَقَالَ: ((صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ)» . فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّبِىِ بَكْرٍ وَعُمَرَ: ((مَا تَرَوْنَ فِى هَؤُلَاءِ الأُسَارَى؟)). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: « مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟)) . قُلْتُ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَرَى الَّذِى رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَلَكِنِّى أَرَى أَنْ تُمكِّنَّا فَتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَتُمكِّى مِنْ فُلاَنٍ - نَسِيبًا لِعُمَرَ- فَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فَإِنَّ هَؤُلاءِ أَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيُدُهَا، فَهَوِىَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لَّمَّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ حِثْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيّانِ ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِ مِنْ أَبِّ شَىْءٍ تَبْكِى أَنْتَ وَصَاحِبُكَ ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءَ تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (( أَبْكِى لِلَّذِى عَرَضَ عَلَىَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَىَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ)) شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِّ اللَّهِ وَّهِ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِ الأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيّاً﴾ [الأنفال: ٦٧] فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ. رواه مسلم ١٧٦٣ . شرح الغريب: ((العِصابة)): الجماعة. ((مُناشَدَتك)) : المناشدة: المسألة والطلب والابتهال إلى الله . ((مُرْدِفِيْنَ)) أي: مُتَتابعِين، يتبع بعضهم بعضاً. ((يَشْتَدّ)): الشَّدُّ : العَدْوِ. ((حَيْزُوْم)): اسم فرس من خيل الملائكة الذين أمدَّ الله بهم المسلمين يوم بدر. ٢٠ ((خُطِمَ أَنْفُه)): الخَطْم: وَسْم البعير بكِيٍّ في أنفه . ((صَنادِيْدها)): الصناديد: جمع صِندِيْد، وهو السيد الشجاع. ((فَهَوَى)) : هَوَيتُ الشيء أَهواه : إذا مِلْت إليه ورغبت فيه. ((يُفْخِنَ)) في الأرض أي : حتى يُكثِر فيها القتل، ويتمكن منها ، وتقوى شوكته. من فوائد الحديث : ١ - استحباب التضرع الشديد إلى الله في ساحة المعركة والمبالغة برفع اليدين في الدعاء. ٢- المشاورة في الأمور التي ليس فيها نص من الله أو رسوله لأخذ الرأي الصحيح. ٣- وأن من يقيم أمر الله يبدأ بنفسه وأهله وأقاربه. ٤- جواز البكاء حزنا على من يموت على الكفر إذ لم يكن من أهل النعيم بل أهل الجحيم. حديث الرماة يوم أحد ١٢ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ وَّه عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: ((إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفْنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ. وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ)) فَهَزَمُوهُمْ. قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ. فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ : الْغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمِ الْغَنِيمَةَ ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَهَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ : أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيّ ◌َ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ النَّبِّ وَّهِ وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً، سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا، فَقَالَ أَبُو سُقْيَانَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ -، فَهَاهُمْ النَِّيّ ◌َِّ أَنْ يُحِبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - ، ثُمَّ قَالَ: أَفِ الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ -، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا ، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوْءَُكَ . قَالَ: يَوْمُّ بِيَوْمٍ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةَ، لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَّمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ أُعْلُ هُبَلْ. قَالَ النَِّيّ ◌َةِ: ((أَلَا تُّجِبُوا لَهُ؟)) قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: ((قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ)) قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (( أَلَا تُّجِيبُوا لَهُ؟» قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: ((قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ)). رواه البخاري ٣٠٣٩. شرح الغريب: ((يَشْتَدِدْنَ)): يُسْرِعْنَ المشي. ((أَسْوُقَهُن)) : أَسْوُق : جمع ساق الإنسان. ٢١